المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ووادٍ حَكَى الخَنْسَاَء لا في شجونها … ولكن له عَيْنَانِ - المطالع البدرية في المنازل الرومية

[بدر الدين الغزي]

الفصل: ووادٍ حَكَى الخَنْسَاَء لا في شجونها … ولكن له عَيْنَانِ

ووادٍ حَكَى الخَنْسَاَء لا في شجونها

ولكن له عَيْنَانِ تجري على صَخْرِ

‌بعلبك

قد بسط الربيع به بسطاً سُنْدُسيّة، ومطارف عَبْقَريّة ترتاح لرؤيتها الأرواح، وترتع النفوس منها في مراتع الارتياح، ثم فارقناه وهو يصفر، ويتبلج وجهه ويسفر، ونحن نحضر في السير ولا نخسر، حتى وصلنا إلى مدينة بَعْلَبَك، وعوض اليقين منها بالشَّك، فنزلنا بها ضحوة النهار على رأس العين، في مكان أفيح مقابلة فلاة مد العين، بها مروج وروضات هي مرتع النواظر ومتنفس الخواطر، قد أخذت أذوات الجنان، وأسفرت عن رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعبقري حسان، وأتت من الحسن والإحسان، بما يقصر عن وصفه لسان القلم وقلم اللسان، كما قيل:

إني دخلتُ لبَعْلَبَك فشاقني

عين بها الظلُّ الظليلُ مخيمُ

فلأجل ذا من أهلها أنا مكرم

ولأجل عَيْنٍ ألفُ عَيْن تكرمُ

ورأس العين هو مكان كالبركة، ينبع منه ماء ثَجّاج، عذب نمير خصر ليس بمِلْح ولا أُجاج، ويدخل إلى المدينة فيجوب في أكنافها حتى تحس بالري من أظفارها وأطرافها، وبجانب ذلك المكان صفة متسعة، وبالقرب منه مسجد كانت تقام فيه

الجمعة. وتلقانا بهذا المنزل المذكور جماعة من أعْيَان أهل المدينة، وقد رفعت عنهم بواسطة شهر الصَّوم المؤنة، منهم الشيخ الإمام العالم العلامي البهايّ العصيّ

ص: 39

وولداه وغيرهم من الأكابر والقُضَاة، وكلّ من القوم يَعْتَذر بكرم شهر الصُّوم، فقلت وعن الحق ما حلت:

شَهْرُ الصِّيام كريمٌ

لكنكم بخلاءُ

هب أننا في صيام

أليس يأتي العشاءُ؟

وقلت:

شَهْرُ الصِّيام كريم

والبخل فيكم سجيّة

هبنا نصوم نهاراً

أليس تأتي العشيّة؟

وقلت:

شَهْرُ الصِّيام كريم

والفطر رخصة سَفْرِ

وإن نَصْم فمغيب

للشمس ميقات فطرٍ

وقلت:

شَهْرُ الصِّيام كريم

والفطر للسَّفرِ رُخصة

ص: 40

واللّيل لا صوم فيه

فالله بالفطر خَصّه

ثم ركبنا حين تعوضت الشمس بفيها من ظلها، ودخلنا المدينة على حين غفلة من أهلها، لنخبر وَبْلها من طَلها، وعَلّها من نهلها، وحَزْنها من سهلها، وخَرْجها من دَخْلها، وكُثْرها من قُلَّها، وجِدَّها من هَزْلها، وسَفْسافها من جَزْلها، فوجدناها مدينة قديمة بها بقايا عمارات عظيمة، وآثار مآثر مقيمة، وأزقّة فسيحة وأسواق مليحة، وأكثر أهلها من أكثر أهل الجنة، لولا ما يُنْسب إلى بعضهم من بغضهم السُّنَّة، ودخلنا إلى جامعها الكبير الرحيب، فتلقانا خادمه بالتأهيل والترحيب، وفرش لنا سجادة وعكفنا فيه وقتاً طويلاً على الاعتكاف والعبادة، ثم تكلمنا مع القيّم فوجدناه

لطيف الذات، كامل الأذوات، فسألناه عمّا يقال عن أهل بَعْلَبَك وعن رأس العين فقال: نعم هو حق ليس بالمَيْن، فإنها كانت عينين فأصابتهما وصمة العين، فحضر مغربيّ ملعون الوالدين، فسرق منهما عيناً في قنينة، وذهب بها إلى رأس جبل قرب المدينة، فانكسرت منه وجرت عيناً هناك، ثم حضر مغربيّ آخر، وأهل المدينة بين متأسف وباك، فقال: يا أهل بَعْلَبَك كأنكم بالعين الأخرى وقد اغتالتها يد البين، وأصبحت مدينتكم برأس بلا عينين، ويمكنني أن أقول على هذه العين الباقية عزيمة، فلا تزال بدياركم باقية مقيمة، فجمعوا له مالاً لبُدَا، وازدلفوا إليه حتى كادوا يكونون عليه لِبَدا، فرقى تلك العين ووضع عليها حجراً رَصْدا، فلم تبدْ بعد أبداً وزادت على طول المدا مددا، ورأينا قلعتها الحصينة، وهي ذات أبنية متينة، وأعمدة كثيرة طويلة، وأحجار كبيرة ثقيلة يظن من

ص: 41

رآها أنها صخور محررة لولا ما تحتها من الحجارة المختصرة، وقد كانت من غرر القلاع المشتهرة بالارتفاع والامتناع، وهي الآن خراب مأوى للبوم والغُرَاب، ورأينا الحجر المعروف بحجر الحبلى، وهو حجر مربع مستطيل، عرضه كالصفّة العريضة وطوله كالحائط الطويل، وهو خارج المدينة على نحو ثلث ميل، وهو أحد حجارة بناء القلعة العجيبة، وله عندهم حكاية من جنس ما تقدم عن العين غريبة، وسَلَّمْنا على ولي الله تعالى الشيخ محمد المنير العطّار، وهو من عِبَاد الله الصُّلحاء الأخيار، كثير الأوراد والأذكار، ملازم للعبادة آناء الليل وأطراف النهار، وقد كان ممن يتردد إلى سيدي شيخ الإسلام الوالد، وكان يسميه بالصَّالح الزاهد، وزرنا سيدي القطب العارف بالله تعالى الشيخ عبد الله اليُونِينيّ من أسفل الجبل، ثم عدنا إلى المخيم وقرص الشمس قد أفلت من يد السماء، وأفل وارتحل ذلك النهار، وحلّ للصائم الإفطار، ثم لمّا كفيت مؤنة العشاء، ومضى نحو عشرين درجة بعد العشاء، وآن للسامر أن يهجع، أزمع القاضي على الرحيل وأجمع، وكان ذلك

برأي منه منكوس، وحظ له متعوس، فضلَّ عن سواء السبيل، وعن الطريق السهل القريب إلى طريق صعب طويل، فضيّع وقت الراحة في التعب في غير طائل، وصرف ساعة تجلّي الحقّ في السعي في الباطل، ولم نزل نصل السير بالسُّرى، ونكحل الأعين بإثمد الثرى، ونعزل عن مَحَالّ العيون والي الكرى، حتى وصلنا إلى قرية الراس، وقد تعبت البهائم والناس، فنزلنا بها ضحوة نهار الجمعة ثاني عشرين الشهر، وقد حمى النهار واشتدّ الحرّ، في مكان محجر وعر، موحش وغِر، معطش محر، فيه مياه سخنة، متغيرة اخبة، يسيرة قليلة، ضعيفة عليلة، فأقمنا هناك إلى وقت شدة القيلولة، ثم ارتحل عنها من تلك الساعة قاصداً قرية الزَّراعَة فلم نحل بها:

ص: 42