المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ولاية هشام المؤيد ابن الحكم المستنصر* - المعجب في تلخيص أخبار المغرب

[عبد الواحد المراكشي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ترجمة المؤلف

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌فصل في ذكر جزيرة الأندلس وحدودها

- ‌ذكر فتح جزيرة الأندلس ولمع من تفصيل أخبارها وسير ملوكها ومن كان فيها من الفضلاء منها ومن غيرها

- ‌ذكر من دخل الأندلس من التابعين

- ‌فصل في فضل المغرب

- ‌ذكر خبر دخول عبد الرحمن بن معاوية* الأندلس

- ‌ولاية الأمير هشام بن عبد الرحمن*

- ‌ولاية الحَكَم بن هشام الملقب بالرَّبَضيِّ**

- ‌ولاية الحكم المُسْتَنْصر*

- ‌ولاية هشام المُؤيَّد ابن الحَكَم المستنصر*

- ‌وزارة المظفر بن أبي عامر*

- ‌وزارة الناصر بن أبي عامر*

- ‌تفصيل ما سبق إجماله ولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدي**

- ‌ولاية سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر*

- ‌أولية بنى حَمُّود

- ‌ولاية ابن حمود الناصر*

- ‌ولاية القاسم بن حمود المأمون **

- ‌ولاية يحيى بن علي المعتلي*

- ‌ ولاية عبد الرحمن بن هشام المستظهر**

- ‌ولاية هشام المعتدّ بالله*

- ‌ذكر أخبار الأندلس بعد انتقال الدعوة الأموية

- ‌فصل رجع الحديث إلى بني حمود ومطمع بني عباد في التغلب على قرطبة

- ‌فصل يتضمن ذكر أحوال الأندلس بعد انقطاع الدعوة الأموية عنها على الإجمال لا على التفصيل

- ‌ملوك الطوائف

- ‌فصل في ملك بني عَبَّاد بإشْبِيلِيَّة

- ‌فصل رجع الحديث عن دولة المرابطين بالأندلس

- ‌ولاية أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين*

- ‌اختلال أحوال المرابطين

- ‌ذكر قيام محمد بن تومرت المتسمي بالمهدي* وبدء أمر الموحدين بالمغرب والأندلس

- ‌الحرب بين المرابطين والموحدين

- ‌ذكر ولاية عبد المؤمن

- ‌ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وما يتعلق بها

- ‌ذكر ولاية أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن*

- ‌ذكر ولاية أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف أمير المؤمنين

- ‌ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن محمد

- ‌ولاية أبي محمد عبد العزيز بن أبي يعقوب الأول

- ‌جامع سير المصامدة وأخبارهم وقبائلهم وأحوالهم في ظعنهم وإقامتهم

- ‌ذكر قبائل الموحدين

- ‌ذكر أقاليم المغرب والأندلس

- ‌ذكر ما بالمغرب من معادن الفضة والحديد والكبريت والرصاص والزيبق وغير ذلك، وأسماء مواضعها

- ‌ذكر أسماء الأنهار العظام التي بالمغرب

- ‌ذكر جزيرة الأندلس وأسماء مدنها وأنهارها

- ‌الفهارس

- ‌فهرس الأعلام

- ‌فهرس الأشعار

- ‌فهرس المصادر والمراجع

- ‌فهرس المحتويات

الفصل: ‌ولاية هشام المؤيد ابن الحكم المستنصر*

‌ولاية هشام المُؤيَّد ابن الحَكَم المستنصر*

وتغلب المنصور بن أبي عامر

ثم ولي بعده ابنه هشام بن الحكم، يكنى أبا الوليد، أمه أم ولد اسمها: صبح، وسنه إذ ولي عشرة أعوام وأشهر، فلم يزل متغيبًا ولا يظهر ولا ينفذ له أمر. وكان الذي تغلب على أمره أولًا وتولى حجابته وتنفيذ أموره وتدبير مملكته، أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر محمد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن عامر المعافري القحطاني.

وكان أصل ابن أبي عامر هذا من المدينة المعروفة بـ الجزيرة الخضراء، من قرية من أعمالها تسمى طُرّش، على نهر يسمى وادى آرُوا، إلا أنه كان شريف البيت قديم التعين، ورد شابًّا إلى قرطبة، فطلب العلم والأدب وسمع الحديث وتميز في ذلك؛ وكانت له همة يحدث بها نفسه بإدراك معالي الأمور، وتزيد في ذلك حتى كان يحدث من يختص به بما يقع له من ذلك؛ وله في ذلك أخبار عجيبة، قد أورد منها الشيخ الفقيه المحدث الضابط المتقن أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي1 طرفًا في كتابه المترجم بوالأماني الصادقة، فمن جملتها قال الحميدي:

حدثني أبو محمد علي بن أحمد بن حزم2 قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن إسحاق التميمي قال:

كان محمد بن أبي عامر نازلًا عندي في حجرة فوق بيتي، فدخلت عليه في بعض الليالي في آخر الليل، فوجدته قاعدًا على الحال التي تركته عليها أول الليل حين فصلتُ عنه، فقلت له: ما أراك نمت الليلة! قال: لا، قلت: فما أسهرك؟ قال: فكرة عجيبة! قلت: فيماذا كنت تفكر؟ قال: فكرت إذا أفضى إليَّ الأمر ومات محمد بن بشير القاضي، بمن أستبدله؟ ومن الذي يقوم مقامه؟ فجُلْتُ الأندلس كلها بخاطري فلم أجد إلا رجلًا واحدًا.. قلتُ: لعله محمد بن السَّلِيم3؛ قال: هو والله هو؛ لشد ما اتفق خاطري وخاطرك!

* ترجمته في بغية الملتمس: 21؛ جذوة المقتبس: 17؛ الأعلام: 85/8.

1-

هو أبو عبد الله، محمد بن فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد الأزدي الميورقي الحميدي: مؤرخ، محدث، من أهل الأندلس. توفي سنة 488هـ/1095م. من آثاره:"جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس". " الصلة، ابن بشكوال: 438".

2-

هو أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم: فقيه، أديب، شاعر، مؤرخ، إخباري، من أهل الأندلس. توفي سنة 456هـ/1064م. "الصلة، ابن بشكوال: 333".

3-

هو أبو بكر، محمد بن إسحاق بن السليم: قاضي الجماعة بقرطبة. كان من العدول المرضيين، والفقهاء المشهورين. توفي سنة 367هـ/ 978م. "بغية الملتمس، الضبي: 59".

ص: 30

قال الحميدي: وأخبرني الفقيه أبو محمد علي بن أحمد قال: كان ابن أبي عامر يومًا جالسًا مع ثلاثة من أصحابه من طلبة العلم، فقال لهم: ليختر كل واحد منكم خطة أوليه إياها إذا أفضى إلي الأمر! فقال أحدهم: توليني قضاء كورة رَيَّة، وهي مالقة وأعمالها؛ فإنه يعجبني هذا التين الذي يجئ منها!

وقال الآخر: توليني حسبة السوق؛ فإني أحب هذا الإسفنج!

وقال الثالث: إذا أفضى إليك الأمر فأْمر أن يطاف بي قرطبة كلها على حمار ووجهى إلى الذَّنَب وأنا مطلي بالعسل ليجتمع علي الذباب والنحل!

وافترقوا على هذا؛ فلما أفضى الأمر إليه كما تمنى بلغ كل واحد منهم أمنيته على نحو ما طلب!

ولم تزل حاله تعلو منذ ورد قرطبة إلى أن تعلق بوكالة السيدة: صُبح أم هشام المؤيد ابن الحكم والنظر في أموالها وضياعها، فزاد أمره في الترقي معها إلى أن مات الحكم المستنصر؛ وكان هشام صغيرًا كما ذكرنا، وخِيف الاضطراب، فضمن لصبح سكون الحال وزوال الخوف واستقرار الملك لابنها. وكان قوي النفس، وساعدته المقادير، وأمدته المرأة بالأموال؛ فاستمال العساكر إليه، وجرت أحوال علت قدمه فيها، حتى صار صاحب التدبير والمتغلب على الأمور؛ وحجب هشامًا المؤيد، وتلقب هو بالمنصور، فأقام الهيبة، فدانت له أقطار الأندلس كلها وأمنت به، ولم يضطرب عليه شيء منها أيام حياته؛ لعظم هيبته وفرط سياسته.

واستوزر جماعة منهم الوزير أبو الحسن جعفر بن عثمان الملقب بالمصحفي، ومنهم الوزير الكاتب أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري1، ومنهم الوزير أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي2 الذي اختصر كتاب العين3 -وقد تقدم ذكره- وكان قد ولاه شرطته، وكان الزبيدي هذا من بطانة الحكم المستنصر ووجوه أصحابه.

واستوزر أبا العلاء صاعد بن الحسن الرَّبَعي4 اللغوي البغدادي، وله معه أخبار مستطرفة، ولعلي سأورد طرفًا منها فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.

1- هو أبو مروان، عبد الملك بن إدريس الجزيري: وزير، كاتب، أديب، شاعر. توفي قبل سنة 100هـ. "بغية الملتمس، الضبي: 375".

2-

هو أبو بكر، محمد بن الحسن الزبيدي: من أئمة اللغة العربية، شاعر، أديب. توفي سنة 379هـ/989م. "بغية الملتمس، الضبي: 66".

3-

كتاب العين: هو كتاب عظيم الأثر في اللغة. وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى سنة 170 هـ/786م.

4-

هو أبو العلاء، صاعد بن الحسن بن عيسى الربعي البغدادي: عالم بالأدب واللغة والشعر والموسيقى والغناء. توفي سنة 417هـ/1036م. "جذوة المقتبس، الحميدي: 263".

ص: 31

وكان محبًّا للعلوم مؤثرًا للأدب مفرطًا في إكرام من ينسب إلى شيء من ذلك ويفد عليه متوسلًا به، بحسب حظه منه وطلبه له ومشاركته فيه. ورد عليه الأندلس في أيام إمارته أبو العلاء صاعد بن الحسن الربعي المذكور آنفًا، فعظمت منزلته عنده ونال منه أموالًا جمة. وكان وروده عليه سنة 380؛ أظن أصله من بلاد الموصل، دخل بغداد فقرأ بها، وكان عالمًا باللغة والآداب والأخبار، سريع الجواب، حسن الشعر، طيب المعاشرة، فكه المجالسة ممتعًا؛ فأكرمه المنصور وأفرط في الإحسان إليه والإفضال عليه؛ وكان مع ذلك محسنًا لظريف السؤال، حاذقًا في استخراج الأموال، طَبًّا1 بلطائف الشكر.

أخبرني بعض مشايخ الأندلس بإسناد له، أن أبا العلاء دخل على المنصور أبي عامر يومًا في مجلس أنسه، وقد كان تقدم له أن اتخذ قميصًا من رقاع الخرائط التي كانت تصل إليه فيها الأموال منه، فلبسه تحت ثيابه؛ فلما خلا المجلس ووجد فرصة لما أراد، تجرد وبقي في القميص المتخذ من الخرائط، فقال له: ما هذا يا أبا العلاء؟ فقال: هذه الخرائط التي وصلت إليَّ فيها صلات مولانا أتخذها شعارًا! وبكى، وأتبع ذلك من الشكر فصلًا كان رواه، فأعجب ذلك المنصور، وقال له: لك عندي مزيد! وكان كما قال.

وألف له أبو العلاء هذا كتبًا، فمنها كتاب سماه: كتاب الفصوص، على نحو: كتاب النوادر لأبي علي القالي. واتفق لهذا الكتاب من عجائب الاتفاق أن أبا العلاء دفعه حين كمل لغلام له يحمله بين يديه وعبر النهر، نهر قرطبة؛ فخانت الغلام رجله فسقط في النهر هو والكتاب؛ فقال في ذلك بعض الشعراء -وهو أبو عبد الله محمد بن يحيى المعروف بابن العَرِيف- بيتًا مطبوعًا بحضرة المنصور، وهو: من السريع

قد غاص في البحر كتاب الفُصُوصْ

وهكذا كل ثقيل يغوصْ! 2

فضحك المنصور والحاضرون، فلم يَرُعْ ذلك صاعدًا ولا هاله3، وقال مرتجلًا مجيبًا لابن العريف: من السريع

عاد إلى مَعْدِنه إنما

توجد في قعر البحار الفصوص! 4

1- الطب: الحاذق، الماهر، الخبير.

2-

الفصوص: جمع الفص: ما يركب في الخاتم من الحجارة الكريمة وغيرها.

3-

هال الأمر فلانًا: أفزعه.

4-

المعدن: مكان كل شيء فيه أصله ومركزه.

ص: 32

وكتاب آخر على نحو كتاب الخزرجي أبي السري سهل بن أبي غالب، سماه: كتاب الهجفجف بن غيدقان بن يثربي مع الخنوت بنت مخرمة بن أنيف، وكتاب آخر في معناه سماه: كتاب الجوَّاس بن قَعْطَل المَذْحِجي مع ابنة عمه عفراء، وهو كتاب مليح جدًّا، انخرم أيام الفتن بالأندلس، فنقصت منه أوراق لم توجد بعد. وكان المنصور كثير الشغف بهذا الكتاب، أعني الجواس، حتى رتب له من يخرجه أمامه كل ليلة. ويقال: إن أبا العلاء لم يحضر بعد موت المنصور مجلس أنس لأحد ممن ولي الأمور بعده من ولده، وادعى وجعًا لحقه في ساقه لم يزل يتوكأ منه على عصًا ويعتذر به في التخلف عن الحضور والخدمة إلى أن ذهبت دولتهم؛ وفي ذلك يقول في قصيدته المشهورة في المظفَّر أبي مروان عبد الملك بن المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر، وهو الذي ولي بعد أبيه، وأولها: من الوافر

إليك حَدَوْتُ ناجية الركابِ

محملة أمانيَ كالهضابِ1

وبعت ملوك أهل الشرق طُرًّا

بواحدها وسيدها اللُّبابِ2

وفيها يقول:

إلى الله الشَّكية من شكاةٍ

رمت ساقي فجل بها مُصابِي3

وأقصتني عن الملك المُرجَّى

وكنت أَرِمُّ حالي باقترابِي4

ومما استُحسن له قوله:

حسَبتُ المنعمين على البرايا

فألفيت اسمه صدر الحسابِ5

وما قدمته إلا كأني

أقدم تاليًا أم الكتابِ6

قال أبو عبد الله الحميدي: أخبرني أبو محمد علي ابن الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم، أنه سمع أبا العلاء ينشد هذه القصيدة بين يدي المظفر في عيد الفطر سنة 396 - قال أبو محمد: وهو أول يوم وصلت فيه إلى حضرة المظفر- ولما رآني أبو العلاء أستحسنها وأصغي إليها كتبها لي بخطه وأنفذها إلي. انتهى كلام الحُميدي.

1- حدا الناقة: ساقها. الناجية: الناقة السريعة.

2-

طُرًّا: أي جميعًا، وهو منصوب على المصدر، أو الحال. اللباب: خالص كل شيء، يقال: فلان لُباب قومه. ومنه: حَسَب لباب: محض، وعيش لباب: رخيّ.

3-

الشكية: ما يُشتكى منه. الشكاة: الشكوى: التوجع من ألم ونحوه.

4-

أقصتني: أبعدتني. رم الشيء رمًّا: أصلحه.

5-

البرايا: الخلائق.

6-

أم الكتاب: أي سورة الفاتحة "من القرآن الكريم".

ص: 33

وكان أبو العلاء كثيرًا ما تُستغرب له الألفاظ، ويُسأل عنها فيجيب بأسرع جواب، على نحو ما يحكى عن أبي عمر الزاهد المطرز غلام ثعلب1، ولولا أن أبا العلاء كان كثير المَزْح لحُمل على التصديق في كل ما يأتي به من ذلك، وقد ظهر صدقه في بعض ما قال؛ فمما يحكى عنه من هذا المعنى أنه دخل على المنصور يومًا وفي يد المنصور كتاب ورد عليه من عامل له في بعض البلاد اسمه ميدمان بن يزيد، يذكر فيه القلب والتزبيل2، وهذه عندهم أسماء لمعاناة الأرض قبل الزرع، فقال له: أبا العلاء! قال: لبيك مولانا! قال: هل رأيت فيما وقع إليك من الكتب كتاب القوالب والزوابل لميدمان بن يزيد؟ قال: إي والله يا مولانا؛ رأيته ببغداد في نسخة لأبي بكر بن دُرَيد3 بخط كأكرع النمل في جوانبها علامات الوضاع هكذا هكذا

فقال له: أما تستحي أبا العلاء؟ هذا كتاب عاملي ببلد كذا وكذا، واسمه كذا، يذكر فيه كذا -الذي تقدم ذكره-، وإنما صنعت لك هذه الترجمة مولدة من هذه الألفاظ التي في هذا الكتاب، ونسبتُه إلى عاملي لأختبرك! فجعل يحلف له أنه ما كذب وأنه أمر وافق.

وقال له المنصور مرة أخرى وقد قُدم طبق فيه تمر: يا أبا العلاء، ما التَّمَرْكُل في كلام العرب؟ قال: يقال: تمركل الرجل تمركلًا: إذا التف في كسائه!.

وله من هذا كثير، ولكنه مع هذا كان عالمًًا.

قال أبو عبد الله الحميدي: حدثني أبو محمد علي بن أحمد قال: حدثني الوزير أبو عبدة حسان بن مالك بن أبي عبدة4، عن أبي عبد الله العاصمي النحوي قال:

لما قدم صاعد بن الحسن اللغوي على المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر، جمعنا معه، فسألناه عن مسائل من النحو غامضة فقصَّر فيها، فلما رآه ابن أبي عامر

1- هو محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر الزاهد المطرّز الباوَرْدي، المعروف بغلام ثعلب: إمام في اللغة، مصنف، كان يعمل بتطريز الثياب، وأكثر من مصاحبته لثعلب النحوي، فعُرف بـ" غلام ثعلب". توفي سنة 345هـ/957م. "شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي: 297/3".

2-

زَبَل الأرض: سمَّدها بالزِّبْل، وهو السرجين وما أشبهه.

3-

هو أبو بكر، محمد بن الحسن بن دريد الأزدي القحطاني: من أئمة اللغة والأدب. ولد في البصرة، وتوفي سنة 321هـ/933م. "تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي: 195/2".

4-

من أئمة اللغة والأدب، ومن أهل بيت جلالة ووزارة. روى عن القاضي أبي العباس أحمد بن ذكوان، وحدث عنه أبو محمد علي بن حزم. توفي قبل سنة 420هـ. "بغية الملتمس، الضبي: 270".

ص: 34

كذلك قال: دعوه، هو من طبقتي في النحو، أنا أناظره. قال: ثم سألنا صاعد فقال: ما معنى قول امرئ القيس1: من الطويل

كأن دماء الهاديات بنحرهِ

عصارة حِنَّاءٍ بشيب مُرجَّلِ2.

فقلنا: هذا واضح، وإنما وصف فرسًا أشهب عُقرت عليه الوحش فتطاير دمها على صدره فجاء هكذا. فقال صاعد: سبحان الله! أنسيتم قوله قبل هذا3:

كُمَيْتٌ يَزِلُّ اللِّبْدُ عن حال مَتْنِهِ

كما زلَّتِ الصفواءُ بالمُتنزّلِ4؟

قال: فبُهتنا5 كأنا لم نقرأ هذا البيت قط، واضطُررنا إلى سؤاله عنه، فقال: إنما عنى أحد وجهين: إما أنه تغشى صدره بالعرق، وعرق الخيل أبيض، فجاء مع الدم كالشيب؛ وإما شيء كانت العرب تصنعه، وهو أنها كانت تَسِمُ6 باللبن الحار في صدور الخيل فيتمعَّط ذلك الشَّعر وينبت مكانه شعر أبيض؛ فأيما عنى من أحد هذين الوجهين فالوصف مستقيم.

قال أبو عبد الله: وحدثنا أبو محمد علي بن أحمد قال: حدثني أبو الخيار مسعود بن سليمان بن مُفلت7 الفقيه، أن أبا العلاء صاعدًا سأل جماعة من أهل الأدب في مجلس المنصور أبي عامر عن قول الشَّمَّاخ بن ضِرار8: من البسيط

دار الفتاة التي كنا نقول لها:

يا ظبيةً عُطُلاً حُسَّانةَ الجِيدِ9

1- هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي: أمير الشعراء في الجاهلية. توفي نحو سنة 80 ق. هـ/ نحو 545م. "الشعر والشعراء، ابن قتيبة: 50/1".

2-

ديوان امرئ القيس: 35. الهاديات: المتقدمات الأوائل، وسمي المتقدم هاديًا؛ لأن هادي القوم يتقدمهم. عصارة الشيء: ما خرج منه عند عصره. المرجل: المُسرَّح.

3 ديوان امرئ القيس: 32.

4-

الكميت من الخيل: ما كان لونه بين الأسود والأحمر، وهو تصغير أكمت، والجمع: كُمْت.

اللبد: كل شعر أو صوف متلبد، وقيل: ما يوضع تحت السرْج. الصفواء والصفوان والصفا: الحجر الصلب. المتنزل: المطر، وقيل: الطائر، وقيل: الإنسان.

5-

بُهتنا: يقال: بُهت الرجل: دُهش مأخوذًا بالحجة.

6-

وسم الشيء: كواه فأثَّر فيه بعلامة.

7-

هو فقيه، عالم، زاهد، يميل إلى الاختيار، والقول بالظاهر. "بغية الملتمس، الضبي: 467".

8-

هو معقل بن ضرار بن حرملة بن سنان المازني الذبياني الغطفاني: شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وتوفي سنة 22هـ/ 643م. "طبقات فحول الشعراء، ابن سلام الجمحي: 132/1".

9-

العطل: المرأة ليس عليها حلي. الحسانة: الشديدة الحسن.

ص: 35

تُدني الحمامةُ منها، وهي لاهيةٌ

من يانع المُرْد قِنْوان العناقيدِ1

فقالوا: هي الحمامة، تنزل على غصن الأراكة أو الكَرْمة فتنفضه فتتمكن الظبية منه فترعاه. فأنكر ذلك عليهم صاعد وقال: إن الحمامة في هذا البيت هي المرآة، وهي اسم من أسمائها؛ فأراد أن هذه الجارية المشبهة بالظبية إذا نظرت في المرآة أدنت المرآة منها في المنظر شعرها الذي هو كقنوان العناقيد من يانع الكرْم أو المُرْد، فرأته.

ومن عجائب الدنيا التي لا يكاد يتفق مثلها، أن صاعد بن الحسن اللغوي هذا أهدى إلى المنصور أبي عامر أُيَّلًا2، وكتب معه بهذه الأبيات: من الكامل

يا حِرْزَ كل مُخوَّف، وأمان كـ

ـل مشرد، ومعز كل مذللِ3

جدواك إن تخصُصْ به فلأهله

وتعم بالإحسان كل مؤمِّلِ4

كالغيث طَبَّق فاستوى في وَبْله

شُعثُ البلاد مع المراد المقبلِ5

الله عونك ما أبرك بالهدى

وأشد وقعَك بالضلال المشعلِ

ما إن رأت عيني، وعلمك شاهد،

شَرْوَى علائك في معم مُخْوِلِ6

أندى بمُقْرَبة كسِرحان الغَضا

رَكْضًا، وأوغل في مُثار القَصْطَلِ7

مولاي، مؤنس غربتي، متخطفي

من ظُفْر أيامي، مُمَنِّع مَعْقِلي8

عبدٌ نشلتَ بضَبْعه وغَرسْتَهُ

في نعمة أهدى إليك بأيَّلِ9

سميته غرسِيَّة وبعثتُه

في حبله ليتاح فيه تفاؤلي

1- اليانع: الذي أدرك من الثمار وطاب أو حان قطافه. القنوان: جمع القِنْو: العذق بما فيه من الرطب.

2-

الأُيَّل: الوَعِل: تيس الجبل.

3-

الحرز: المكان المنيع يُلجأ إليه.

4-

الجدوى: العطية. تعم: تشمل.

5-

طبق الغيث وجه الأرض: غشاه وعمه. الوبل: المطر الشديد. الشعث: يقال: شعث الشعر شعوثة: تغبَّر وتلبَّد، وشعث الأمر: انتشر وتفرق.

6-

شروى الشيء: مثله، ويقال: هو لا يملك شروى نقير: مُعدِم. معم: ذو أعمام. مخوِل: ذو أخوال.

7-

المقربة: الفرس أو الناقة القريبة المعدة للركوب. أوغل في البلاد وغيرها: ذهب وبالغ وأبعد. القصطل: الغبار.

8-

تخطفه: جذبه وأخذه بسرعة. المعقل: الحصن أو الملجأ.

9-

نشل الشيء وانتشله: أسرع نَزْعَه. الضبع: ما بين الإبط إلى نصف العَضُد من أعلاها.

ص: 36

فلئم قبلتَ فتلك أسنى نعمةٍ

أسدى بها ذو منحة وتطوُّلِ1

صحبَتْك غادية السرور وجللتْ

أرجاء رَبْعك بالسحاب المُخْضِلِ

فقضى الله في سابق علمه أن غَرْسِيةَ بن شانجُه من ملوك الروم -وكان أمنع من النجم- أُسر في ذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه صاعد بالأيل وسماه غرسية متفائلًا بأسره. وهكذا فليكن الجد للصاحب والمصحوب. وكان أسر غرسية هذا في ربيع الآخر سنة 385.

خرج أبو العلاء صاعد هذا من الأندلس أيام الفتن، وقصد صِقِلِّية فمات بها في قريب من سنة 410 -فيما بلغني- عن سن عالية.

ولم يزل المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر طول أيام مملكته مواصلاً لغزو الروم، مفرطًا في ذلك لا يشغله عنه شيء. وكان له مجلس في كل أسبوع يجتمع فيه أهل العلم للمناظرة بحضرته ما كان مقيمًا بقرطبة. وبلغ من إفراط حبه للغزو أنه ربما خرج للمصلَّى يوم العيد فحدثت له نية في ذلك فلا يرجع إلى قصره، بل يخرج بعد انصرافه من المصلى كما هو من فوره إلى الجهاد، فتتبعه عساكره وتلحق به أولًا فأولاً، فلا يصل إلى أوائل بلاد الروم إلا وقد لحقه كل من أراده من العساكر. غزا في أيام مملكته نيفًا وخمسين غزوة، ذكرها أبو مروان بن حيان كلها في كتابه الذي سماه بـ المآثر العامرية، واستقصاها كلها بأوقاتها وذكر آثاره فيها. وفتح فتوحًا كثيرة، ووصل إلى معاقل قد كانت امتنعت على من كان قبله، وملأ الأندلس غنائم وسَبْيًا من بنات الروم وأولادهم ونسائهم. وفي أيامه تغالى الناس بالأندلس فيما يجهزون به بناتهم من الثياب والحلي والدور؛ وذلك لرخص أثمان بنات الروم، فكان الناس يرغبون في بناتهم بما يجهزونهن به مما ذكرنا، ولولا ذلك لم يتزوج أحد حرة. بلغني أنه نُودي على ابنة عظيم من عظماء الروم بقرطبة -وكانت ذات جمال رائع- فلم تساو أكثر من عشرين دينارًا عامرية. وكان في أكثر زمانه لا يُخل بأن يغزو غزوتين في السنة. وكان كلما انصرف من قتال العدو إلى سُرَادقه يأمر بأن ينفض غبار ثيابه التي حضر فيها معمعة2 القتال، وأن يُجمع ويُتحفظ به، فلما حضرته المنية أمر بما اجتمع من ذلك أن ينثر على كفنه إذا وضع في قبره.

وكانت وفاته بأقصى ثغور المسلمين، بموضع يعرف بمدينة سالم، مبطونًا؛ فصحت له الشهادة، وتاريخ وفاته سنة 393. فكانت مدة إمارته نحوًا من سبع وعشرين

1- أسدى إليه معروفًا وغيره: أعطى وأوْلى. المنحة: العَطِيَّة. تطوَّل عليه: تفضَّل.

2-

المعمعة: صوت الشجعان في الحرب.

ص: 37