المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر قيام محمد بن تومرت المتسمي بالمهدي* وبدء أمر الموحدين بالمغرب والأندلس - المعجب في تلخيص أخبار المغرب

[عبد الواحد المراكشي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ترجمة المؤلف

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌فصل في ذكر جزيرة الأندلس وحدودها

- ‌ذكر فتح جزيرة الأندلس ولمع من تفصيل أخبارها وسير ملوكها ومن كان فيها من الفضلاء منها ومن غيرها

- ‌ذكر من دخل الأندلس من التابعين

- ‌فصل في فضل المغرب

- ‌ذكر خبر دخول عبد الرحمن بن معاوية* الأندلس

- ‌ولاية الأمير هشام بن عبد الرحمن*

- ‌ولاية الحَكَم بن هشام الملقب بالرَّبَضيِّ**

- ‌ولاية الحكم المُسْتَنْصر*

- ‌ولاية هشام المُؤيَّد ابن الحَكَم المستنصر*

- ‌وزارة المظفر بن أبي عامر*

- ‌وزارة الناصر بن أبي عامر*

- ‌تفصيل ما سبق إجماله ولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدي**

- ‌ولاية سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر*

- ‌أولية بنى حَمُّود

- ‌ولاية ابن حمود الناصر*

- ‌ولاية القاسم بن حمود المأمون **

- ‌ولاية يحيى بن علي المعتلي*

- ‌ ولاية عبد الرحمن بن هشام المستظهر**

- ‌ولاية هشام المعتدّ بالله*

- ‌ذكر أخبار الأندلس بعد انتقال الدعوة الأموية

- ‌فصل رجع الحديث إلى بني حمود ومطمع بني عباد في التغلب على قرطبة

- ‌فصل يتضمن ذكر أحوال الأندلس بعد انقطاع الدعوة الأموية عنها على الإجمال لا على التفصيل

- ‌ملوك الطوائف

- ‌فصل في ملك بني عَبَّاد بإشْبِيلِيَّة

- ‌فصل رجع الحديث عن دولة المرابطين بالأندلس

- ‌ولاية أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين*

- ‌اختلال أحوال المرابطين

- ‌ذكر قيام محمد بن تومرت المتسمي بالمهدي* وبدء أمر الموحدين بالمغرب والأندلس

- ‌الحرب بين المرابطين والموحدين

- ‌ذكر ولاية عبد المؤمن

- ‌ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وما يتعلق بها

- ‌ذكر ولاية أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن*

- ‌ذكر ولاية أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف أمير المؤمنين

- ‌ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن محمد

- ‌ولاية أبي محمد عبد العزيز بن أبي يعقوب الأول

- ‌جامع سير المصامدة وأخبارهم وقبائلهم وأحوالهم في ظعنهم وإقامتهم

- ‌ذكر قبائل الموحدين

- ‌ذكر أقاليم المغرب والأندلس

- ‌ذكر ما بالمغرب من معادن الفضة والحديد والكبريت والرصاص والزيبق وغير ذلك، وأسماء مواضعها

- ‌ذكر أسماء الأنهار العظام التي بالمغرب

- ‌ذكر جزيرة الأندلس وأسماء مدنها وأنهارها

- ‌الفهارس

- ‌فهرس الأعلام

- ‌فهرس الأشعار

- ‌فهرس المصادر والمراجع

- ‌فهرس المحتويات

الفصل: ‌ذكر قيام محمد بن تومرت المتسمي بالمهدي* وبدء أمر الموحدين بالمغرب والأندلس

‌ذكر قيام محمد بن تومرت المتسمي بالمهدي* وبدء أمر الموحدين بالمغرب والأندلس

ولما كانت سنة 515 قام بسوس محمد بن عبد الله بن تومرت في صورة آمر بالمعروف، ناهٍ عن المنكر.

ومحمد هذا رجل من أهل سوس، مولده بها بضَيْعة منها تعرف بـ إيجلي أن وارْغَن، وهو من قبيلة تسمى هَرْغَة، من قوم يعرفون بـ إيسَرِغينَنْ، وهم الشرفاء بلسان المصامدة، ولمحمد بن تومرت نسبة متصلة بالحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وجدت بخطه1. وكان قد رحل إلى المشرق في شهور سنة 501 2 في طلب العلم، وانتهى إلى بغداد، ولقي أبا بكر الشاشي3، فأخذ عليه شيئًا من أصول الفقه وأصول الدين، وسمع الحديث على المبارك بن عبد الجبار4 ونظرائه من المحدثين. وقيل: إنه لقي أبا حامد الغزالي بالشام أيام تزهده، فالله أعلم.

وحكي أنه ذكر للغزالي ما فعل أمير المسلمين بكتبه التي وصلت إلى المغرب، من إحراقها وإفسادها، وابن تومرت حاضر ذلك المجلس، فقال الغزالي حين بلغه ذلك: ليذهبن عن قليل ملكه، وليُقتلن ولده، وما أحسب المتولي لذلك إلا حاضرًا مجلسنا! وكان ابن تومرت يحدث نفسه بالقيام عليهم؛ فقوي طمعه.

* ترجمته في: وفيات الأعيان: 45/5؛ شذرات الذهب: 70/4؛ الأعلام: 228/6.

1-

هو وفقًا لما ورد في وفيات الأعيان: "محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود بن خالد بن تمام بن عدنان بن صفوان بن سفيان بن جابر بن يحيى بن عطاء بن رباح بن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب".

2-

كان عمره في تلك الآونة ستَّ عشرةَ سنةً.

3-

هو أبو بكر، محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي القفال الفارقي المستظهري: رئيس الشافعية بالعراق في عصره. توفي سنة 507هـ/ 1114م. "الأعلام، الزركلي: 316/5".

4-

هو أبو الحسن، المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الأزدي، البغدادي، الصيرفي، المعروف بابن الطيوري: عالم بالحديث، ثقة، مكثر. توفي سنة 500هـ/1107م. "الأعلام، الزركلي: 271/5".

ص: 136

وكر راجعًا إلى الإسكندرية، فأقام بها يختلف إلى مجلس أبي بكر الطرطوشي الفقيه1. وجرت له بها وقائع في معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أفضت إلى أن نفاه متولي الإسكندرية عن البلاد؛ فركب البحر؛ فبلغني أنه استمر على عادته في السفينة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى أن ألقاه أهل السفينة في البحر. فأقام أكثر من نصف يوم يجري في ماء السفينة لم يصبه شيء. فلما رأوا ذلك من أمره أنزلوا إليه من أخذه من البحر، وعظم في صدورهم، ولم يزالوا مكرمين له إلى أن نزل من بلاد المغرب بجاية، فأظهر بها تدريس العلم والوعظ، واجتمع عليه الناس، ومالت إليه القلوب، فأمره صاحب بجاية بالخروج عنها حين خاف عاديته، فخرج منها متوجهًا إلى المغرب. فنزل بضيعة يقال لها ملالة، على فرسخ من بجاية؛ وبها لقيه عبد المؤمن بن علي، وهو إذ ذاك متوجه إلى المشرق في طلب العلم؛ فلما رآه محمد بن تومرت، عرفه بالعلامات التي كانت عنده. وكان ابن تومرت هذا أوحد عصره في علم خطِّ الرَّمْل، مع أنه وقع بالمشرق على ملاحم من عمل المنجمين وجُفور2 من بعض خزائن خلفاء بني العباس؛ أوصله إلى ذلك كله فرط اعتنائه بهذا الشأن، وما كان يحدث به نفسه.

وبلغني من طرق صحاح أنه لما نزل ملالة -الضيعة التي تقدم ذكرها- سُمع وهو يقول: ملالة! ملالة! يكررها على لسانه يتأمل أحرفها؛ وذلك لما كان يراه أن أمره يقوم من موضع في اسمه ميم ولامان؛ فكان -كما ذكرنا- إذا كررها يقول: ليست هي!.

وأقام بهذه الضيعة أشهرًا، وبها مسجد يعرف به، وهو باقٍ إلى اليوم، لا أدري أبني على عهده أو بعده.

فاستدعى عبد المؤمن وخلا به، وسأله عن اسمه واسم أبيه ونسبه، فتسمى له وانتسب. وسأله عن مقصده فأخبره أنه راحل في طلب العلم إلى المشرق. فقال له ابن تومرت: أوَخَير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: شرف الدنيا والآخرة؛ تصحبني وتعينني على ما أنا بصدده، من إماتة المنكر وإحياء العلم وإخماد البدع. فأجابه عبد المؤمن إلى ما أراده.

1- هو أبو بكر، محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهري الأندلسي الطرطوشي: حافظ، فقيه، أديب، من أهل طرطوشة بالأندلس. تنقل في بلاد المشرق، وأقام في الإسكندرية يدرس الحديث والفقه إلى أن توفي سنة 520هـ/1126م. "بغية الملتمس، الضبي: 135".

2-

الجفور: جمع الجفر: جلد كتب فيه الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- أو جعفر الصادق الأحداث قبل وقوعها. وعلم الجفر: علم يُبحث فيه عن الحروف من حيث دلالاتها على أحداث العالم. "المعجم الوسيط: 126/1".

ص: 137

وأقام ابن تومرت بملالة أشهرًا، ثم رحل عنها، وصحبه من أهلها رجل اسمه عبد الواحد، يعرفه المصامدة بعبد الواحد الشرقي، وهو أول من صحبه بعد عبد المؤمن؛ وخرج متوجهًا إلى المغرب.

وقيل: إنه إنما لقي عبد المؤمن بموضع يعرف بـ فَنزارَة من بلاد مَتِّيجة، وعبد المؤمن يعلم صبيان القرية المذكورة؛ فسأله ابن تومرت صحبته والقراءة عليه وإعانته، بعد أن عرفه بالعلامات كما قد تقدم.

وبهذه القرية له حكاية طريفة؛ وذلك أنه رأى وهو بها في المنام كأنه يأكل مع أمير المسلمين علي بن يوسف في صَحْفَة1 واحدة؛ قال: ثم زاد أكلي على أكله وأحسست من نفسي شَرَهًا إلى الطعام. ولم يزل ذلك بي إلى أن اختطفت الصحفة من بين يديه وانفردت بها! فلما انتبه قص الرؤيا على رجل كان يقرأ عليه، اسمه عبد المنعم بن عَشير، يكنى أبا محمد، كان يقرأ عليه؛ فلما أتى على آخرها، قال: يا بني، يا عبد المؤمن، هذه الرؤيا لا ينبغي أن تكون لك؛ إنما هي لرجل ثائر، يثور على أمير المسلمين فيشاركه في بعض بلاده ثم يغلبه بعد ذلك عليها كلها وينفرد بمملكتها!.

واتفق له فيها أيضًا من العجائب التي تثبُتُ في باب الكلِم الموافقة للقدر، أن رجلاً من وجوه أصحاب الملك العزيز بن المنصور الصنهاجي صاحب بجاية والقلعة، وجد عليه الملك العزيز، فاشتد خوفه، فهرب منه إلى هذه الضيعة التي كان فيها عبد المؤمن، فكان معه بها يعلم الصبيان. وانتهت حال ذلك الرجل إلى غاية الإقلال. ثم اتفق أن صاحبه رضي عنه، فبلغه ذلك، فسار إلى بجاية فدخل عليه، فسأله: أين كنت في هذه الأيام؟ فأخبره بقصته، وكيف كان الصبيان يحيونه بالكِسَر! فضحك وقال: الضيعة لك وما والاها! وأمر له بمال ومركب وثياب، فخرج الرجل إلى الضيعة في خيل ورجال معه، وخرج إليه أهلها يتلقونه؛ فأتى الصبيان عبد المؤمن وهو قاعد بفناء المسجد، فقالوا له: أتعرف من هذا الذي اهتزت له هذه الأرض؟ قال: لا! قالوا: هو فلان صاحبك الذي كان يعلمنا معك! فقال: إن كانت حالة فلان انتهت إلى هذا، فلا بد أن أكون أنا غدًا أمير المؤمنين! فكان الأمر كما قال، ووافقت كلمته القدر.

وخرج ابن تومرت -كما ذكرنا- متوجهًا إلى المغرب، حتى أتى مدينة تلمسان، فأقام بمسجد بظاهرها يعرف بـ العُبَّاد جاريًا على عادته، وكان قد وضع له في

1- الصَّحْفَة: إناء من آنية الطعام، الجمع: صِحَاف.

ص: 138

النفوس هيبة وفي الصدور عظمة، فلا يراه أحد إلا هابه، وعظم أمره؛ وكان شديد الصمت كثير الانقباض؛ إذا انفصل عن مجلس العلم لا يكاد يتكلم بكلمة

أخبرني بعض أشياخ تلمسان عن رجل من الصالحين كان معتكفًا معه بمسجد العباد، أنه خرج عليهم ذات ليلة بعدما صلى العتمة، فنظر إليهم وقال: أين فلان؟ لرجل كان يصحبهم؛ فأخبروه أنه مسجون، فقام من وقته ودعا برجل منهم يمشي بين يديه، حتى أتى باب المدينة، فدق على البواب دقًّا عنيفًا، واستفتح؛ فأجابه البواب إلى الفتح بسرعة من غير تلكؤ ولا إبطاء، ولو استفتح أمير البلد لتعذر ذلك عليه؛ ودخل حتى أتى السجن، فابتدر إليه السجانون والحرس يتمسحون به، ونادى: يا فلان! باسم صاحبهم؛ فأجابه؛ فقال: اخرج! فخرج والسجانون ينظرون إليه كأنما أُفرغ عليهم الماء الحار، وخرج بصاحبه حتى أتى المسجد. وكانت هذه عادته في كل ما يريد، لا يتعذر عليه مراد، ولا يمتنع عليه مطلوب، قد سُخرت له الرعية، وذُللت له الجبابرة.

ولم يزل مقيمًا بتلمسان وكل من بها يعظمه من أمير ومأمور، إلى أن فصل عنها بعد أن استمال وجوه أهلها وملك قلوبها؛ فخرج قاصدًا مدينة فاس؛ فلما وصل إليها أظهر ما كان يظهره، وتحدث فيما كان يتحدث فيه من العلم. وكان جل ما يدعو إليه علم الاعتقاد على طريق الأشعرية1. وكان أهل المغرب -على ما ذكرنا- ينافرون هذه العلوم، ويعادون من ظهرت عليه، شديدًا أمرهم في ذلك؛ فجمع والي المدينة الفقهاء وأحضره معهم، فجرت له مناظرة كان له الشُّفُوف2 فيها والظهور؛ لأنه وجد جوًّا خاليًا، وألفى قومًا صيامًا عن جميع العلوم النظرية خلا علم الفروع. فلما سمع الفقهاء كلامه أشاروا على والي البلد بإخراجه لئلا يفسد عقول العوام؛ فأمره والي البلد بالخروج؛ فخرج متوجهًا إلى مراكش.

ابن تومرت في حضرة ابن تاشفين

وكُتب بخبره إلى أمير المسلمين علي بن يوسف؛ فلما دخلها أحضر بين يديه، وجمع له الفقهاء للمناظرة؛ فلم يكن فيهم من يعرف ما يقول، حاشا رجل من أهل الأندلس اسمه مالك بن وُهَيْب3 كان قد شارك في جميع العلوم، إلا أنه كان لا يظهر

1- الأشعرية: جماعة تنسب إلى أبي الحسن الأشعري، الآتي ذكره.

2-

الشفوف: التفوق، يقال: أشفَّ عليه: فاقه.

3-

ذكره الضبي في بغية الملتمس "464" قال: "فقيه حافظ مشهور، حسن الخط". ولم يذكر تاريخ وفاته.

ص: 139

إلا ما ينفُقُ في ذلك الزمان. وكانت لديه فنون من العلم، رأيت له كتابًا سماه قُراضة الذهب، في ذكر لئام العرب، ضمنه لئام العرب في الجاهلية والإسلام، وضم إلى ذلك ما يتعلق به من الآداب؛ فجاء الكتاب لا نظير له في فنه؛ رأيته في خِزانة بني عبد المؤمن.

ولمالك بن وهيب هذا تحقق بكثير من أجزاء الفلسفة؛ رأيت بخطه كتاب الثمرة لبطليموس في الأحكام، وكتاب المَجسطي في علم الهيئة، وعليه حواشٍ بتقييده أيام قراءته إياه على رجل من أهل قرطبة اسمه حَمَد الذهبي.

ولما سمع مالك هذا كلام محمد بن تومرت، استشعر حدة نفسه وذكاء خاطره واتساع عبارته؛ فأشار على أمير المسلمين بقتله، وقال: هذا رجل مفسد لا تُؤمَن غائلتُه ولا يسمع كلامه أحد إلا مال إليه، وإن وقع هذا في بلاد المصامدة ثار علينا منه شر كثير! فتوقف أمير المسلمين في قتله، وأبى ذلك عليه دينه. وكان رجلاً صالحاً مجاب الدعوة، يُعَد في قُوَّام الليل وصُوَّام النهار، إلا أنه كان ضعيفًا مستضعفًا، ظهرت في آخر زمانه مناكر كثيرة وفواحش شنيعة، من استيلاء النساء على الأحوال واستبدادهن بالأمور، وكان كل شرير من لص أو قاطع طريق ينتسب إلى امرأة قد جعلها ملجأ له ووَزَرًا على ما تقدم

... فلما يئس مالك مما أراده من قتل ابن تومرت، أشار عليه بسجنه حتى يموت؛ فقال أمير المسلمين: علام نأخذ رجلاً من المسلمين نسجنه ولم يتعين لنا عليه حق؟ وهل السجن إلا أخو القتل؟ ولكن نأمره أن يخرج عنا من البلد وليتوجه حيث شاء!.

فخرج هو وأصحابه متوجهًا إلى سُوس؛ فنزل بموضع منها يعرف بـ تِينمَل.

بدء دعوة الموحدين

من هذا الموضع قامت دعوته، وبه قبره، ولما نزله اجتمع إليه وجوه المصامدة، فشرع في تدريس العلم والدعاء إلى الخير، من غير أن يظهر إمرة ولا طِلْبة مُلك. وألف لهم عقيدة بلسانهم، وكان أفصح أهل زمانه في ذلك اللسان. فلما فهموا معاني تلك العقيدة زاد تعظيمهم له، وأُشربت قلوبهم محبته، وأجسامهم طاعته. فلما استوثق منهم دعاهم إلى القيام معه أولاً على صورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا غير، ونهاهم عن سفك الدماء ولم يأذن لهم فيها، وأقاموا على ذلك مدة. وأمر رجالا منهم ممن استصلح عقولهم بنصب الدعوة واستمالة رؤساء القبائل، وجعل يذكر المهدي ويشوق إليه، وجمع الأحاديث التى جاءت فيه من المصنفات. فلما قرر

ص: 140

في نفوسهم فضيلة المهدي ونسبه ونعته، ادعى ذلك لنفسه، وقال: أنا محمد بن عبد الله

ورفع نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وصرح بدعوى العصمة لنفسه، وأنه المهدي المعصوم. وروى في ذلك أحاديث كثيرة، حتى استقر عندهم أنه المهدي، وبسط يده فبايعوه على ذلك، وقال: أبايعكم على ما بايع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله.

ثم صنف لهم تصانيف في العلم، منها كتاب سماه: أعز ما يطلب، وعقائد في أصول الدين، وكان على مذهب أبي الحسن الأشعري1 في أكثر المسائل، إلا في إثبات الصفات، فإنه وافق المعتزلة في نفيها وفي مسائل قليلة غيرها. وكان يبطن شيئًا من التشيع، غير أنه لم يظهر منه إلى العامة شيء.

طبقات الموحدين

وصنف أصحابه طبقات؛ فجعل منهم العشرة، وهم المهاجرون الأولون الذين أسرعوا إلى إجابته، وهم المسمون بـ الجماعة، وجعل منهم الخمسين، وهم الطبقة الثانية. وهذه الطبقات لا تجمعها قبيلة واحدة، بل هم من قبائل شتى، وكان يسميهم المؤمنين، ويقول لهم: ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم. وأنتم العصابة المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تزال طائفة بالمغرب ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله"، وأنتم الذين يفتح الله بكم فارس والروم، ويقتل الدجال، ومنكم الأمير الذي يصلي بعيسى ابن مريم، ولا يزال الأمر فيكم إلى قيام الساعة. هذا مع جزئيات كان يخبرهم بها وقع أكثرها، وكان يقول: لو شئت أن أعد خلفاءكم خليفة خليفة

فزادت فتنة القوم به، وأظهروا له شدة الطاعة.

وقد نظم هذا الذي وصفناه من قول ابن تومرت في تخليد هذا الأمر، رجل من أهل الجزائر -مدينة من أعمال بجاية- وفد على أمير المؤمنين أبي يعقوب وهو بتينمل؛ فقام على قبر ابن تومرت بمحضر من الموحدين وأنشد قصيدة أولها: من الطويل

سلام على قبر الإمام الممجد

سلالة خير العالمين محمدِ

1- هو أبو الحسن، علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري، من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري: إمام، متكلم، مجتهد، وإليه تنسب الأشعرية. ولد في البصرة، وتوفي ببغداد سنة 324هـ/936م. "الأعلام، الزركلي: 263/4".

ص: 141

ومشبهه في خلقه ثم في اسمه

وفي اسم أبيه والقضاء المسددِ1

ومحيي علوم الدين بعد مماتها

ومظهر أسرار الكتاب المسددِ

أتتنا به البشرى بأن يملأ الدُّنا

بقسط وعدل في الأنام مخلدِ2

ويفتتح الأمصار شرقًا ومغربًا

ويملك عُرْبًا من مغير ومنجدِ3

فمِنْ وصفِهِ: أقنى وأجلى، وأنه

علاماته خمس تبين لمهتدِي:4

زمان، واسم، والمكان، ونسبة

وفعل له في عصمة وتأيُّدِ5

ويلبث سبعًا أو فتسعًا يعيشها

كذا جاء في نص من النقل مسندِ

فقد عاش تسعًا مثل قول نبينا

فذلكمُ المهدي بالله يهتدِي

وتتبعه للنصر طائفة الهدى

فأَكْرِمْ بهم إخوان ذي الصدق أحمدِ

هي الثُّلة المذكور في الذكر أمرها

وطائفة المهدي بالحق تهتدِي6

ويقْدُمها المنصور والناصر الذي

له النصر حزب إذ يروح ويغتدِي

هو المنتقى من قيس عيلان مفخرًا

ومن مرة أهل الجلال المُوطَّدِ7

خليفة مهدي الإله وسيفه

ومن قد غدا بالعلم والحلم مرتدِي

بهم يقمع الله الجبابرة الأُلى

يصدون عن حكم من الحق مرشدِ8

ويقطع أيام الجبابرة التي

أبادت من الإسلام كل مُشيَّدِ9

فيغزون أعراب الجزيرة عَنْوة

ويعرون منها فارسًا وكأن قدِ10

ويفتتحون الروم فتح غنيمة

ويقتسمون المال بالترس عن يدِ

1- المسدد: من سدَّد الله فلانًا: قوَّمه ووفَّقه للسداد، والسداد: الاستقامة والقصد، أو الصواب.

2-

القسط: العدل.

3-

المغير: الذي يأتي الغور، وهو المنخفض من الأرض. المنجد: الذي يأتي النَّجْد، وهو المرتفع من الأرض.

4-

الأقنى: الذي ارتفعت قصبة أنفه، وضاق منخره.

5-

العصمة: يقال: عصم الله فلانًا من الشر أو الإثم عصمةً: حفظه ووقاه ومنعه. التأيُّد: التقوِّي، يقال: تأيَّد فلان: تقوَّى.

6-

الثلة: الجماعة من الناس.

7-

الجلال والجلالة: العظمة. الموطد: المثبت، المقوَّى.

8-

يقمع: يقهر ويذلل. يصدون: يُعرضون.

9-

المشيد: يقال: شيد البناء شيدًا: أعلاه ورفعه.

10-

عنوة: قهرًا وقسرًا وغلبةً.

ص: 142

ويغدون للدجال يغزونه ضُحًى

يذيقونه حد الحُسام المهندِ1

ويقتله في باب لُدٍّ وتنجلي

شكوك أمالت قلب من لم يوحِّدِ2

وينزل عيسى فيهم وأميرهم

إمام فيدعوهم لمحراب مسجدِ

يصلي بهم ذاك الأمير صلاتهمْ

بتقديم عيسى المصطفى عن تعمدِ

فيمسح بالكفين منه وجوههم

ويخبرهم حقًّا بعز مجددِ

وما إن يزال الأمر فيه وفيهمُ

إلى آخر الدهر الطويل المُسرْمَدِ3

فأبلغ أمير المؤمنين تحية

على النأي مني، والوداد المؤكدِ

عليه سلام الله ما ذَرَّ شارق

وما صدر الوُرَّاد عن وِرْد موردِ4

وقد قيل: إن منشئ هذه القصيدة لم يحضر ذلك المشهد ولم ينشدها بنفسه؛ منعته عن ذلك الكُبرة وبعد الشُّقَّة؛ وإنما أرسل بها فأنشدت على قبر الإمام. وكان عمله إياها وعبد المؤمن حي؛ فالله أعلم. وهي طويلة، هذا ما اخترت له منها، ولم أوردها في هذا الموضع؛ لأنها من مختار الشعر، ولكن لموافقتها الفصل الذي قبلها.

ولم تزل طاعة المصامدة لابن تومرت تكثر، وفتنتهم به تشتد، وتعظيمهم له يتأكد، إلى أن بلغوا في ذلك إلى حد لو أمر أحدهم بقتل أبيه أو أخيه أو ابنه لبادر إلى ذلك من غير إبطاء. وأعانهم على ذلك وهونه عليهم ما في طباعهم من خفة سفك الدماء عليهم. وهذا أمر جُبلت عليه فطرهم واقتضاه ميل إقليمهم.

حكى أبو عبيد البكري الأندلسي5 ثم القرطبي في كتابه الموسوم بـ المسالك والممالك عن رجال، قال: أهديث إلى الإسكندر فرس ببعض بلاد الغرب لم تلد الخيل أسبق منها، لم يكن فيها عيب إلا أنها لم يسمع لها صهيل قط؛ فلما حل الإسكندر في تطوافه بجبال دَرَن، وهي بلاد المصامدة، وشربت تلك الفرس من مياهها، صهلت صهلة اصطكت منها الجبال؛ فكتب الإسكندر إلى الحكيم يخبره بذلك، فكتب إليه: إنها بلاد شر وقسوة، فعجِّل الخروج منها!.

1- الدخان: هو أعور الدجال، الذي يظهر في آخر الزمان. الحسام: السيف. المهند: المصنوع في الهند.

2-

اللد: مدينة بفلسطين. تنجلي: تنكشف.

3-

المسرمد: الدائم الذي لا ينقطع.

4-

ما ذر شارق: ما طلعت شمس.

5-

هو أبو عبيد، عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي: مؤرخ، جغرافي، ثقة، أديب، من أهل الأندلس. توفي سنة 487هـ/1094م. "الصلة، ابن بشكوال: 240".

ص: 143