الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن محمد
هو يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي1، أمه أم ولد رومية اسمها: قمر، تلقب حكيمة. كانت ولادته في صدر شوال من سنة 594؛ قبل وفاة جده أبي يوسف بأربعة أشهر.
بويع له وسنه يومئذ ست عشرة سنة، لا أعلم له ولدًا لحداثة سنه؛ ثم اتصل بي في شهور سنة 621 أن يوسف هذا توفي في أحد الشهرين من شوال أو ذي القعدة سنة 20، فكانت مدة ولايته من يوم بويع له -وذلك لأحد عشر يومًا خلت من شعبان من سنة 610- إلى أن توفي كما ذكر في التاريخ المذكور، عشرة أعوام وشهرين.
صفته
كان صافي السمرة، مستدير الوجه، شديد الكَحَل، يشبهونه بجده أبي يوسف في أكثر خَلْقه وخُلُقه.
وزراؤه
أبو سعيد -المتقدم الذكر- وزير أبيه؛ استمرت وزارته إلى آخر سنة 615.
ثم عزله وولى بعده رجلًا اسمه زكريا بن يحيى بن أبي إبراهيم إسماعيل الهزرجي صاحب ابن تومرت والمقتول في حياة عبد المؤمن كما تقدم.
أم هذا الوزير هي بنت أبي يوسف المنصور؛ فهو وزيره إلى أن توفي كما ذكر.
حجابه
مبشر الخصي حاجب أبيه.
ثم حجبه بعده فارح الخصي، يكنى: أبا السرور؛ فلم يزل حاجبًا له إلى أن توفي كما قيل.
1- الملقب بـ "المستنصر بالله".
قاضيه
أبو عمران موسى بن عيسى بن عمران قاضي أبيه؛ لم يزل أبو عمران هذا قاضيًا له إلى أن توفي كما قيل.
كتابه
أبو عبد الله بن عياش، كاتب أبيه وجده.
وأبو الحسن بن عياش.
ثم اتصلت بي وفاة هذين الكاتبين وأنا بالديار المصرية في شهور سنة 619، وأنهم استعادوا أبا عبد الله محمد بن يخلفتن الفازازي المتقدم الذكر في كتاب أمير المؤمنين أبي عبد الله؛ وكان قاضيًا بمدينة مرسية من شرقي الأندلس، وبها فارقته؛ فأعادوه إلى الكتابة كما كان.
واستكتبوا معه أبا جعفر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عياش. أبوه هو كاتبهم المشهور بكتابتهم، وقد تقدم ذكره في كتاب ثلاثة أمراء منهم.
وكاتب الجيش أحمد بن منيع؛ لم يتغير.
بيعته
بويع لأبي يعقوب هذا يوم دفن أبيه، لا أدري أبعهد أبيه أم لا؛ لأني أعلم أن أباه كان كثير الانحراف عنه في آخر أيامه؛ لما كان يسمع من سوء أخباره. والذين قاموا ببيعته من القرابة: أبو موسى عيسى بن عبد المؤمن -عم جده الذي دخل عليه الميورقيون بجاية، وهو آخر من بقي من ولد عبد المؤمن لصلبه، لم تبلغني وفاته إلى وقتنا هذا- وأبو زكريا يحيى بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن؛ كانا قائمين على رأسه يأذنان للناس؛ ومن الموحدين: أبو محمد عبد العزيز بن عمر بن أبي زيد الهنتاتي -كان أبوه أول وزر لأبي يوسف، وقد ذكر- وأبو علي عمر بن موسى بن عبد الواحد الشرقي؛ وأبو مروان عبد الملك بن يوسف بن سليمان، من أهل تينمل.
وبويع البيعة الخاصة يوم الخميس، ويوم الجمعة بايعه أشياخ الموحدين والقرابة، وفي يوم السبت أذن للناس عامة؛ شهدت ذلك اليوم وأبو عبد الله بن عياش الكاتب قائم يقول للناس:
تبايعون أمير المؤمنين ابن أمراء المؤمنين على ما بايع عليه أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله، من السمع والطاعة في المنشط1 والمكره واليسر والعسر والنصح له ولولاته ولعامة المسلمين. هذا ما له عليكم، ولكم عليه: ألا يُجمِّر بعوثكم2، وألا يدخر عنكم شيئًا مما تعمكم مصلحته، وأن يعجل لكم عطاءكم، وألا يحتجب دونكم؛ أعانكم الله على الوفاء وأعانه على ما قلد من أموركم.
يعيد هذا القول لكل طائفة، إلى أن انقضت البيعة. ثم اتصلت وفادة3 أعيان البلاد ورؤسائها ووجوه القبائل عليه للبيعة إلى أن تم له الأمر.
فاطميٌّ من سلالة ملوك القاهرة يثور بمراكش
ولأربعة أشهر من ولايته قُبض على رجل كان قد ثار عليهم يدعي أنه من بني عبيد، ويقول: إنه ولد العاضد4 لصلبه، اسمه عبد الرحمن.
كان قد ورد البلاد في حياة أبي يوسف أيام كونه بإشبيلية، ورام الاجتماع به فلم يأذن له؛ وأقام بالبلاد مطرحًا إلى أن حبسه أمير المؤمنين أبو عبد الله في شهور سنة 596؛ فلم يزل في الحبس إلى أن كانت سنة 601 وتحرك أمير المؤمنين إلى إفريقية؛ شفع له فيه أبو زكريا يحيى بن أبي إبراهيم الهزرجي، فأطلقه له بعد أن ضمن عنه أنه لا يتحرك في أمر يكرهونه. فلم يقم هذا العبيدي بمراكش إلا أيامًا يسيرة بعد خروج أمير المؤمنين أبي عبد الله، ثم خرج وقصد بلاد صنهاجة، فالتفَّت عليه منهم جماعة وانتشر له فيهم تعظيم؛ لأن هذا الرجل كان كثير الإطراق والصمت، حسن الهيئة؛ لقيته مرتين فلم أر في أكثر من شهدته من المشبهين بالصالحين مثله في الآداب الظاهرة؛ من هدوء النفس وسكون الأطراف ووزن الكلام وترتيب الألفاظ ووضع الأشياء مواضعها، مع الرياضة المفرطة. ثم قصد مدينة سِجِلْمَاسة في حياة أمير المؤمنين أبي عبد الله بجيش عظيم، فخرج إليه متوليها السيد أبو الربيع سليمان بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن، فهزمه العبيدي المذكور وأعاده إلى سجلماسة أسوأ عود. ولم يزل ينتقل في قبائل البربر من موضع إلى موضع، وفي ذلك كله لا يستقيم له أمر ولا تثبت عليه جماعة؛ أوجب ذلك كونه غريب البلد واللسان، لا عشيرة له، ولا أصل بالبلاد يُرجع إليه؛ إلى أن قبض عليه بظاهر مدينة فاس؛ لم يبلغني تفصيل
1- المنشط: ما يُخَف إليه ويُؤثر فعله.
2-
جَمَّر الأمير البعثة أو الجيش: جمع أفراده في الثغور، وحبسهم عن العود إلى أهليهم.
3-
الوفادة: من وفد على القوم وإليهم وفْدًا، ووفودًا، ووِفادَة: قَدِم، أو ورد عليهم رسولًا.
4-
العاضد: هو آخر ملوك العبيديين في القاهرة، غلبه بنو أيوب على عرش مصر، وأمهلوه حتى مات حتف أنفه سنة 567 هـ.
قضية القبض عليه. وكتب إلى أمير المؤمنين متولي فاس أبو إبراهيم إسحاق ابن أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، يعلمه بالقبض عليه وبكونه عنده في سجنه؛ فكتب إليه يأمره بقتله وصلبه، فضرب عنقه وصلب جسده ووجه برأسه إلى مراكش؛ فهو معلق هناك مع عدة رءوس من الثوار والمتغلبين.
ولم يغير أبو يعقوب هذا على الناس شيئًا من سير آبائه، ولا أحدث أمرًا يتميز به عمن كان قبله؛ خلا أني رأيت كل من يعرفه من خواص الدولة قد ملئ قلبه منه رعبًا؛ لما يعلمون من شهامته وشدة تيقظه؛ لقيته وجلست بين يديه خاليًا به، وذلك في غرة سنة 611؛ فرأيت -من حدة نفسه وتيقظ قلبه وسؤاله عن جزئيات لا يعرفها أكثر السوق فكيف الملوك- ما قضيت منه العجب؛ وإلى وقتنا هذا لم يظهر منه شيء مما يتوقع.
ثائران آخران على أبي يعقوب الثاني
وثار في أيام يوسف هذا -بعد قتل العبيدي- رجلان: أحدهما ببلاد جزولة من سوس، كان يدعى بالفاطمي؛ قتل وجيء برأسه إلى مراكش في شهور سنة 612 وأنا يومئذ بجزيرة الأندلس؛ لم يبلغني تفصيل أمره لبُعدي عن الحضرة، غير أني رأيتهم أعظموا الفرح بأخذه وقتله. والآخر من صنهاجة، قتل في سنة 618 بعد أن أثر آثارًا قبيحة فيما بلغني، وهزم بعوثًا عدة واستفسد خلقًا كثيرًا؛ بلغني هذا كله وأنا بالبلاد المصرية في التاريخ المتقدم. وكان الذي تولى قتل هذا الرجل والإراحة منه وحسم الخلاف الواقع بسببه، السيد الأجل أبا محمد عبد العزيز ابن أمير المؤمنين أبي يعقوب بن عبد المؤمن بن علي، وهو يومئذ والٍ على مدينة سجلماسة وأعمالها.
وفاة أبي يعقوب الثاني
ثم اتصل بي في هذه السنة -وهي سنة 621- أن أبا يعقوب أمير المؤمنين توفي في أحد الشهرين من شوال أو ذي القعدة من سنة 620 ولم يبلغني كيفية وفاته1 فاضطرب الأمر، واشرأَبَّ4 الناس للخلاف.
1- يقال: إن أبا يعقوب هذا كان يهوى رعاية الأبقار ورياضتها، فهجمت عليه بقرة شموس كان يروضها، فضربته بقرنها فقتلته.
2-
اشرأب: مد عنقه، أو ارتفع لينظر.