الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل يتضمن ذكر أحوال الأندلس بعد انقطاع الدعوة الأموية عنها على الإجمال لا على التفصيل
وأما حال سائر الأندلس بعد اختلال دعوة بنى أمية، فإن أهلها تفرقوا فرقًا، وتغلب في كل جهة منها متغلب، وضبط كل متغلب منهم ما تغلب عليه، وتقسموا ألقاب الخلافة؛ فمنهم من تسمى بـ المعتضد، وبعضهم تسمى بـ المأمون، وآخر تسمى بـ المستعين، والمقتدر، والمعتصم، والمعتمد، والموفق، والمتوكل؛ إلى غير ذلك من الألقاب الخلافية؛ وفي ذلك يقول أبو علي الحسن بن رشيق1:
مما يزهدني في أرض أندلسٍ
…
سماع مُقتدرٍ فيها ومعتضِدِ2
ألقاب مملكة في غير موضعِهَا
…
كالهر يحكي انتفاخًا صَوْلَةَ الأسدِ!
وأنا ذاكر -إن شاء الله في هذا الفصل- أسماءهم والجهات التي تغلبوا عليها، على نحو ما شرطت من الإجمال؛ إذ لكل منهم أخبار وسير ووقائع لو بسطت القول فيها خرج هذا التصنيف عن حد التلخيص إلى حيز الإسهاب. وأيضًا فالذي منعني عن استيفاء أخبارهم أو أخبار أكثرهم، قلة ما صحبني من الكتب، واختلال معظم محفوظاتي.
1- هو أبو علي، الحسن بن رشيق القيرواني: أديب، شاعر، ناقد. ولد في المسيلة بالمغرب، وتوفي سنة 463هـ/ 1071م. من آثاره:"العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده" وديوان شعر. "معجم الأدباء، ياقوت الحموي: 220/3". والبيتان في ديوانه: 66.
2-
زهد في الشيء، وعنه زهدًا وزهادةً: أعرض عنه وتركه لاحتقاره، أو لتحرُّجه منه.
ملوك الطوائف
فأولهم في الربع الشرقي، رجل اسمه سليمان بن هود، تلقب بـ المؤتمن، وتلقب ابنه بـ المقتدر، وتلقب ابنه بـ المستعين3.
3- كذا في الأصل. وفي غيره من المراجع: أن سليمان بن هود هذا تلقب بالمستعين، وابنه بالمقتدر، وابنه بالمؤتمن.
كان بنو هود هؤلاء يملكون من مدن هذه الجهة الشرقية: طرطوشة وأعمالها، وسرقسطة وأعمالها، وأفراغة، ولاردة، وقلعة أيوب؛ هذه اليوم كلها بأيدي الإفرنج، يملكها صاحب بَرْشَنُونَة -لعنه الله- وهي البلاد التي تسمى أرْغُن، حد هذا الاسم آخر مملكة البرشنوني مما يلي بلاد إفرنسة.
ويجاور بنى هود هؤلاء رجل آخر اسمه عبد الملك بن عبد العزيز، يكنى أبا مروان، قديم الرياسة، هو أحق ملوك الأندلس بالتقدم لشرف بيته، ولا أعلم له لقبًا، كان يملك بلنسية وأعمالها.
وكان يلى الثغر رجل آخر يقال له: أبو مروان بن رَزِين، كان يملك إلى أول أعمال طليطلة.
وكان الذي يملك طليطلة وأعمالها: الأمير أبو الحسن يحيى بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن عامر بن مُطَرِّف بن موسى بن ذي النون1.
وأبو الحسن هذا أقدم ملوك الأندلس رياسة وأشرفهم بيتًا وأحقهم بالتقدم، تلقب بـ المأمون؛ كان أبوه إسماعيل هو الذي تغلب على طليطلة من قبلُ واستبد بملكها أول الفتنة.
ولم يزل أبو الحسن هذا يملك طليطلة وأعمالها كما ذكرنا، إلى أن أخرجه عنها الأدفنش2 -لعنه الله- واستولى عليها النصارى في شهور سنة 478، فهي قاعدة ملك النصارى إلى وقتنا هذا.
وكان يملك قرطبة وأعمالها إلى أول الثغر: جهور بن محمد بن جهور المتقدم ذكره ونسبه، إلى أن غلبه عليها صاحب طليطلة إسماعيل بن ذي النون والد أبي الحسن المذكور آنفًا.
وكان يملك إشبيلية وأعمالها: القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد
1-توفي سنة 460هـ/1068م بطليطلة.
2-
هو ألفونس السادس ملك قَشْتَالَةَ.
اللخمي، تغلب عليها بعد أن أخرج عنها القاسم بن حمود وابنيه محمدًا والحسن على ما سيأتي الإيماء إليه إن شاء الله عز وجل.
وكان يملك مالقة والجزيرة وغرناطة وما إلى ذلك: البربر بنو بَرْزَال الصنهاجيون على ما قدمناه.
وتغلب على المرية وأعمالها زهير العامري الخادم، ثم ملكها بعده خيران العامري أيضًا الخادم، ثم تغلب عليها بعدهما أبو يحيى محمد بن مَعْن بن صُمَادح المتلقب بـ المعتصم؛ فلم يزل فيها إلى أن أخرجه عنها يوسف بن تاشُفين اللمتوني في شهور سنة 484.
وكان يملك دانية وأعمالها: مجاهد العامري1، أصله رومي، مولى لأبي عامر محمد بن أبي عامر، ثم ملكها بعده ابنه علي بن مجاهد، وتقلب بـ الموفق، لا أعلم في المتغلبين على جهات الأندلس أصون منه نفسًا ولا أطهر عرضًا ولا أنقى ساحةً، كان لا يشرب الخمر ولا يقرب من يشربها، وكان مؤثرًا للعلوم الشرعية، مكرمًا لأهلها. توفي قبل فتنة المرابطين بيسير، لا أتحقق تاريخ وفاته2.
وكان يملك الثغر الذي من الجهة المغربية من الأندلس وبعض المدن المجاورة للبحر الأعظم: ابن الأفطس المتلقب بـ المظفر، ذهب عني اسمه3، ثم كان له ابن اسمه عمر، يكنى أبا محمد، تلقب بـ المتوكل على الله، كان يملك بطليوس وأعمالها، ويابرة، وشَنْتَرين، والأشبونة.
كان المظفر هذا أحرص الناس على جمع علوم الأدب خاصةً من النحو والشعر ونوادر الأخبار وعيون التاريخ، انتخب مما اجتمع له من ذلك كتابًا كبيرًا ترجمه باسمه، على نحو: الاختيارات للروحي، وعيون الأخبار لأبي محمد بن قُتَيبة4؛
1- كان من أهل الأدب والشجاعة والمحبة للعلوم وأهلها. نشأ بقرطبة، وكانت له همة وجلادة وجرأة. وتوفي سنة 436هـ/1045م. "بغية الملتمس، الضبي: 472".
2-
يقال: إن علي بن مجاهد ظل على حكم دانية حتى غلبه عليها المقتدر أحمد بن سليمان بن هود صاحب سرقسطة، سنة 468 هـ، فخرج منها، وانقطعت أخباره.
3-
هو محمد بن عبد الله بن الأفطس.
4-
هو أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري: من أئمة الأدب، مصنف مكثر. ولد في=
جاء هذا الكتاب في نحو من عشرة أجزاء ضخمة، وقفت على أكثره، ترجمته المُظفَّري.
وكان لابنه المتوكل قدم راسخة في صناعة النظم والنثر، مع شجاعة مفرطة وفروسية تامة، وكان لا يُغِبُّ الغزو ولا يشغله عنه شيء. واتصلت مملكته إلى أن قتله المرابطون أصحاب يوسف بن تاشفين، وقتلوا ولديه الفضل والعباس صبرًا؛ ضربوا أعناقهم في غرة سنة 485.
وكانت أيام بني المظفر بمغرب الأندلس أعيادًا ومواسم، وكانوا ملجأ لأهل الآداب، خلدت فيهم، ولهم قصائد شادت مآثرهم وأبقت على غابر الدهر حميد ذكرهم؛ وفيهم يقول الوزير الكاتب الأبرع ذو الوزارتين أبو محمد عبد المجيد بن عبدون1، من أهل مدينة يَابُرة، قصيدته الغراء، لا بل عقيلته العذراء، التي أزرت على الشعر، وزادت على السحر، وفعلت في الألباب فعل الخمر، فجلت عن أن تُسامَى، وأنفت من أن تُضاهَى2؛ فقل لها النظير، وكثر إليها المشير، وتساوى في تفضيلها وتقديمها باقل وجرير3؛ فلله هي من عقيلة خدر قربت بسهولتها حتى أطمعت؛ وبعدت حتى عزت فامتنعت؛ أوردتها في هذا المصنف وإن كان فيها طول مخرج عن الحد الذي رسمته؛ مخل بالتلخيص الذي شرطته؛ لصحة مبانيها، ورشاقة ألفاظها، وجودة معانيها، سلك فيها أبو محمد رحمه الله طريقة لم يُسبق إليها، وورد شِرْعة لم يُزاحَم عليها؛ فلذلك قل مثلها لا بل عُدم، وعز نظيرها فما تُوهم ولا عُلم، وهي: من البسيط
الدهر يَفجَع بعد العين بالأثرِ
…
فما البكاء على الأشباح والصورِ؟
أنهاك أنهاك، لا آلوك موعظةً
…
عن نومةٍ بين ناب الليث والظُّفُرِ
فالدهر حرب وإن أبدى مسالمةً
…
والبيض والسود مثل البيض والسمرِ
ولا هُوادةَ بين الرأس تأخذه
…
يد الضِّراب وبين الصارم الذَّكَرِ4
= بغداد، وسكن الكوفة، وولي قضاء الدينور، فنسب إليها. توفي سنة 276هـ/889م. من آثاره:"الشعر والشعراء"، و"عيون الأخبار". "وفيات الأعيان، ابن خلكان: 42/3".
1-
هو أبو محمد، عبد المجيد بن عبد الله بن عبدون الفهري اليابرتي: أديب الأندلس في عصره. كان يلقب بذي الوزارتين. ولد بيابرة، وتوفي فيها سنة 529هـ/1135م. "الأعلام، الزركلي: 149/4".
2-
تُضاهَى: تُشابَه.
3-
باقل: هو باقل الإيادي، الذي يضرب بعيه المثل، فيقال:"أعيا من باقل". جرير: هو جرير بن الخطفي، الشاعر الأموي المشهور.
4-
الصارم الذكر: السيف القاطع، المصنوع من أجود أنواع الحديد.
فلا تغرَّنْكَ من دنياك نومتها
…
فما صناعة عينيها سوى السَّهَرِ
ما لليالي -أقال الله عَثْرَتنا-
…
من الليالي وخانتْها يد الغِيَرِ1
في كل حين لها في كل جارحةٍ
…
منا جراح وإن زاغت عن النظرِ
تسر بالشيء، لكن كي تَغُرَّ به
…
كالأَيْم ثار إلى الجاني من الزَّهَرِ
كم دولةٍ وليت بالنصر خدمتها
…
لم تبقِ منها -وسل ذكراك- من خبرِ
هَوَتْ بدارا وفَلَّتْ غَرْبَ قاتله
…
وكان عَضْبًا على الأملاك ذا أُثرِ2
واسترجعت من بنى ساسان ما وهبت
…
ولم تدع لبنى يونانَ من أَثرِ3
وألحقت أختها طَسْمًا، وعاد على
…
عاد وجُرْهُمَ منها ناقض المِرَرِ4
وما أقالت ذوي الهيئات من يَمَنٍ
…
ولا أجارت ذوي الغايات من مُضَرِ5
ومزقت سبأً في كل قاصية
…
فما التقى رائح منهم بمبتكرِ6
وأنفذت في كليب حكمها، ورمت
…
مُهَلْهِلًا بين سمع الأرض والبصرِ7
ولم ترد على الضِّلِّيل صحته
…
ولا ثَنَتْ أسدًا عن ربها حُجُرِ8
ودوخت آل ذبيان وإخوتهمْ
…
عبسًا، وغصت بني بدر على النهَرِ9
1- العثرة: الزلة. الغير: غير الدهر: أحواله وأحداثه المتغيرة.
2-
دارا: من ملوك الفرس، لبث في الحكم ثلاثين عامًا، وقتله الإسكندر. فَلَّ السيف فَلًّا: ثلمه وكسر حده. الغرب: أول كل شيء وحده. العضب: السيف القاطع. الأملاك: الملوك.
الأثر: فرند السيف: ما يلمح في صفحته من أثر تموج الضوء.
3-
بنو ساسان: الأكاسرة من ملوك فارس.
4-
طسم، وعاد، وجرهم: من قبائل العرب القديمة.
5-
أقالت: يقال: أقال الله عثرته: صفح عنه وتجاوز.
6-
سبأ: قوم ورد ذكرهم في قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} إلى قوله: {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} [سبأ:16-20] . الرائح: العائد إلى داره في العشي. المبتكر: الخارج منه صباحًا.
7-
كليب: هو كليب بن ربيعة الذي يقال فيه: "أعز من كليب"؛ لما بلغه من عز وشرف وسؤدد.
ومهلهل: أخوه، وقد قتله بعض عبيده غدرًا.
8-
الضليل: هو الشاعر الجاهلي امرؤ القيس بن حجر الكندي، ملك كندة، وكانت قبيلة أسد قد قتلت أباه حجرًا، فحمل امرؤ القيس عبء الثأر له، وحارب أسد في مواقع عدة، حتى أدركه الأجل في "أنقرة" من بلاد الروم.
9-
ذبيان، وعبس: أخوان من بني بغيض بن ريث بن غطفان، بنو بدر: بطن من ذبيان.
وألحقت بعديٍّ بالعراق على
…
يد ابنه أحمر العينين والشعَرِ1
وأهلكت أَبْرَويزًا بابنه ورمت
…
بيزدَجُرْد إلى مرو فلم يَحُرِ2
وبلغت يزدجرد الصين واختزلت
…
عنه سوى الفرس جمع الترك والخَزَرِ3
ولم ترد مواضي رستمٍ وقنا
…
ذي حاجب عنه سعدًا في ابنة الغِيَرِ4
يوم القليب بنو بدر فنُوا وسعى
…
قليب بدر بمن فيه إلى سَقَرِ5
ومزقت جعفرًا بالبيض واختلست
…
من غِيله حمزةَ الظلَّام للجُزُرِ6
وأشرفت بخُبيب فوق فارعةٍ
…
وألصقت طلحة الفياض بالعَفَرِ7
وخضبت شيب عثمان دمًا وخطت
…
إلى الزبير ولم تستحي من عمرِ8
ولا رعت لأبي اليقظان صحبته
…
ولم تزوده إلا الضَّيْحَ في الغُمُرِ9
وأجزرت سيف أشقاها أبا حسن
…
وأمكنت من حسين راحتي شَمِرِ10
1- عدي: هو عدي بن زيد: شاعر جاهلي قديم، كان يسكن الحيرة من أرض العراق. وكان النعمان بن المنذر قد حبسه ثم قتله. فعمل ابنه زيد بن عدي على الانتقام منه، ولم تقر عينه إلا بعد أن أوغر صدر كسرى ملك الفرس عليه، فأمر بقتله. وأحمر العينين والشعر: صفة للنعمان بن المنذر لبرص كان فيه.
2-
أبرويز: هو كسرى أبرويز بن هرمز، من أشهر ملوك فارس. قتله ابنه شيرويه بتحريض من الرعية. يزدجرد: هو آخر ملوكهم، وكان فر من قصره إثر دخول جيش المسلمين إلى بلاده. لم يحر: لم يرجع.
3-
في البيت إشارة إلى هرب يزدجرد إلى الصين، وتحالفه مع الترك والصغد والخزر ضد المسلمين.
4-
رستم: هو قائد جيش الفرس يوم القادسية. ذو حاجب: هو خرزاد حامل رايتهم. وسعد: هو سعد بن أبي وقاص قائد جيش المسلمين في معركة القادسية. ابنة الغير: الداهية.
5-
القليب: البئر. وفي البيت إشارة إلى يوم القليب في الجاهلية، وغزوة بدر الكبرى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.
6-
يذكر اثنين من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم هما: جعفر بن أبي طالب، وقد استشهد في غزوة مؤتة، وحمزة بن عبد المطلب، وقد استشهد يوم أحد. وقوله: ظلَّام الجزر: أي: الكريم الذي يكثر من نحر الجزر للناس.
7-
يذكر مصرع خبيب بن عدي الأنصاري، الذي أُسر يوم الرجيع، وصلب وقتل بمكة، ومصرع طلحة بن عبيد الله التميمي، الذي قتل يوم الجمل.
8-
يشير إلى مقتل كل من: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعمر بن الخطاب غدرًا في مواضع مختلفة.
9-
أبو اليقظان: هو عمار بن ياسر، الذي قتله أصحاب معاوية بن أبي سفيان يوم صفين. الضيح: اللبن.
10-
أجزر فلانًا: دفع له شاة تصلح للذبح. أبو حسن: هو الإمام علي بن أبي طالب كرم الله =
وليتها إذ فدت عَمْرًا بخارجة
…
فدت عليًّا بمن شاءت من البشرِ1
وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسنٍ
…
أتت بمعضلة الألباب والفِكَرِ2
فبعضنا قائل ما اغتاله أحد
…
وبعضنا ساكت لم يؤت من حَصَرِ3
وأردت ابن زياد بالحسين فلم
…
يَبُؤْ بشِسْع له قد طاح أو ظُفُرِ4
وعممت بالظُّبى فَوْدَي أبي أنسٍ
…
ولم ترد الرَّدَى عنه قنا زُفَرِ5
وأنزلت مصعبًا من رأس شاهقة
…
كانت بها مهجة المختار في وَزَرِ6
ولم تراقب مكان ابن الزبير ولا
…
راعت عياذته بالبيت والحجرِ7
وأعملت في لطيم الجن حيلتها
…
واستوسقت لأبي الذِّبَّان ذي البَخَرِ8
ولم تدع لأبي الذبان قاضِبَهُ
…
ليس اللطيم لها عمرو بمنتصرِ9
وأحرقت شِلْوَ زيد بعدما احترقت
…
عليه وَجْدًا قلوب الآي والسورِ10
=وجهه، والحسين: هو ابنه. أشقاها: هو عبد الرحمن بن ملجم الذي طعن عليًّا، وشمر: هو ابن الجوشن: أحد العاملين على قتل الحسين في كربلاء.
1-
عمرو: هو عمرو بن العاص، وخارجة: رجل من أنصاره في مصر.
2-
ابن هند: هو معاوية بن أبي سفيان، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة. وحسن: هو الحسن بن علي بن أبي طالب. المعضلة: المشكلة أو المسألة الصعبة. الألباب: العقول والأفهام.
3-
الحصر: يقال: حَصِر فلان حَصَرًا: ضاق صدره، وحصِر القارئ: عَيَّ في منطقه ولم يقدر على الكلام، وحصر عن الشيء: امتنع عنه عجزًا.
4-
ابن زياد: هو عبيد الله بن زياد بن أبيه، أمير الكوفة، وأحد مدبري مقتل الحسين في كربلاء.
يبوء: يرجع. الشسع: رباط النعل. والمعنى: أن الليالي اقتصت للحسين من ابن زياد بميتة مشابهة على يد إبراهيم بن الأشتر النخعي من بعد.
5-
أبو أنس: هو الضحاك بن قيس الفهري. زفر: هو زفر بن الحارث الكلابي، حليف الضحاك في معركة مرج راهط. الظبى: جمع ظبة: حد السيف. الفود: جانب الرأس. القنا: الرماح.
6-
مصعب: هو مصعب بن الزبير، وكان واليًا على العراق من قِبَلِ أخيه عبد الله. الشاهقة: العالية، المرتفعة، والمراد بها: قلعة الكوفة.
7-
يريد: عبد الله بن الزبير، وكان يسمى العائذ؛ لأنه كان يقول: أنا العائذ بالبيت. ولكن تلك العياذة لم تمنعه من منجنيق الحجاج بن يوسف الثقفي وسيفه.
8-
لطيم الجن: هو عمرو بن سعيد الأموي، وكان عبد الملك بن مروان قد استدرجه بالحيلة إلى داره وقتله. وأبو الذبان: كنية نُبِز بها عبد الملك، وكان أبخر.
9-
قاضبه: سيفه.
10-
الشلو: العضو. زيد: هو زيد بن علي بن الحسين، وكان ثار على الأمويين، وبويع بالخلافة في الكوفة سنة 122 هـ.
وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم
…
تبقِ الخلافة بين الكأس والوترِ1
حَبَابة حب رمان أتيح لها
…
وأحمر قطرته نفحة القطرِ2
ولم تعد قُضبُ السفَّاح نائية
…
عن رأس مروان أو أشياعه الفُجُرِ3
وأسبلت دمعة الروح الأمين على
…
دم بفخ لآل المصطفى هَدَرِ4
وأشرقت جعفرًا والفضل ينظره
…
والشيخ يحيى بِرِيقِ الصارم الذكرِ5
وأخفرت في الأمين العهد، وانتدبت
…
لجعفر بابنه والأعبُد الغُدرِ6
وما وفَتْ بعهود المستعين ولا
…
بما تأكد للمعتز من مِرَرِ7
وأوثقت في عُراها كل معتمدٍ
…
وأشرقت بقَذَاها كل مقتدرِ
وروعت كل مأمون ومؤتمنٍ
…
وأسلمت كل منصور ومنتصرِ
وأعثرت آل عباد لعًا لهمُ
…
بذيل زَبَّاءَ لم تنفِرْ من الذُّعُرِ8
بني المظفر والأيام -لا نُزلتْ-
…
مراحل، والورى منها على سفرِ
سُحْقًا ليومكم يومًا ولا حملت
…
بمثله ليلة في غابر العمرِ9
1- الوليد بن يزيد: أحد خلفاء بني أمية، وكان مولعًا بالخمر والغناء، متهمًا في دينه.
2-
حبابة: جارية مغنية، كانت ليزيد بن عبد الملك، وكان مولعًا بها، فماتت شَرِقةً بحبات رمان تناولتها في خلوة أنس وطرب.
3-
السفاح: هو أبو العباس السفاح، أول خلفاء الدولة العباسية. والقضب: السيوف القاطعة. ومروان: هو مروان بن محمد، آخر خلفاء الدولة الأموية.
4-
فخ: موضع على مسافة فرسخ من مكة، قُتل فيه عدد من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، في أيام المهدي العباسي، وذهب دمهم هدرًا.
5-
جعفر والفضل: ابنا يحيى بن خالد البرمكي. وفي البيت إشارة إلى نكبة البرامكة في بغداد زمن الرشيد العباسي.
6-
الأمين: هو محمد بن هارون الرشيد، الذي ولي الخلافة بعد أبيه، فثار عليه أخوه المأمون وقتله، واستبد بالملك.
وجعفر: هو جعفر بن المعتصم الملقب بالمتوكل، الذي أعانه ابنه المنتصر على قتله ليستبد بالحكم. الأعبد: العبيد. الغدر: جمع الغادر: الخائن، الناكث للعهد والذمة.
7-
المستعين: هو أبو العباس، أحمد بن المعتصم، ولي الخلافة بعد المنتصر سنة 348هـ، ثم كان مصيره القتل في نزاع على الخلافة. والمعتز: هو المعتز بن المتوكل، ولي الخلافة بعد خلع المستعين، ثم مات قتلًا بعد حين. المرر: جمع المِرَّة: الأصالة والإحكام.
8-
لعًا: كلمة تأسف أو توجع تُقال للعاثر. زباء: الداهية الشديدة، أو الناقة التي كثر الشعَر في وجهها.
9-
الغابر: الماضي.
من للأسِرَّة، أو من للأعِنَّةِ، أو
…
من للأسنة يهديها إلى الثُّغرِ
من للظبى وعوالي الخط قد عُقدت
…
أطراف ألسنها بالعي والحصرِ1
وطوقت بالمنايا السود بِيضَهُمْ
…
فاعجب لذاك وما منها سوى الذكرِ
من لليراعة أو من للبراعة أو
…
من للسماحة أو للنفع والضررِ
أو دفع كارثة أو ردع آزفةٍ
…
أو قمع حادثةٍ تعيا على القدَرِ2
وَيْبَ السماح وويب البأس لو سلما
…
وحسرة الدين والدنيا على عُمَرِ3
سقت ثَرَى الفضل والعباس هاميةٌ
…
تُعزى إليهم سماحًا لا إلى المطرِ4
ثلاثةٌ ما رأى السَّعدان مثلهمُ
…
واخبر ولو عزَّزا في الحوت بالقمرِ
ثلاثةٌ ما ارتقى النَّسران حيث رَقُوا
…
وكل ما طار من نَسْرٍ ولم يَطِرِ
ثلاثةٌ كذوات الدهر منذ نأوْا
…
عني، مضى الدهر لم يرْبع ولم يحُرِ5
ومر من كل شيء فيه أطيبه
…
حتى التمتع بالآصال والبُكَرِ
أين الجلال الذي غضت مهابتُهُ
…
قلوبنا وعيون الأنجم الزُّهُرِ6
أين الإباء الذي أرسوْا قواعدَهُ
…
على دعائمَ من عز ومن ظَفَرِ
أين الوفاء الذي أصفوْا شرائعه
…
فلم يرد أحد منها على كدرِ7
كانوا رواسي أرض الله، منذ مضوا
…
عنها استطارت بمن فيها ولم تقرِ8
كانوا مصابيحها فمُذْ خبوْا عثرت
…
هذي الخليقة يا لله في سَدَرِ9
كانوا شجَا الدهر فاستهوتهم خدع
…
منه بأحلام عاد في خُطا الحضرِ10
1- العوالي: الرماح، والخط: موضع في البحرين، كانت تُثَقَّف فيه الرماح.
2-
الآزفة: القيامة، ومنه: الأزف: الضيق وسوء العيش. قمع فلانًا: قهره وذلَّله، أو منعه عما يريد، أو ضرب أعلى رأسه.
3-
ويب: كلمة مثل وَيْل، تقول: ويبَكَ، وويبَ لك، وويبًا لك، ويقال: ويبَ فلان. عمر: هو أبو محمد عمر المتوكل بن المظفر.
4-
الفضل والعباس: هما ابنا المتوكل، وقد قتلهما المرابطون في بَطَلْيُوس. الهامية: السحابة الممطرة.
5-
لم يربع: لم يقف. لم يحر: لم يرجع.
6-
الزهر: المشرقة، المتلألئة.
7-
الشرائع: جمع الشريعة: مورد الماء الذي يستقى منه بلا رِشَاءٍ.
8-
لم تقر: لم تثبت.
9-
السدر: الحيرة، يقال: سدِر فلانٌ: تحير بصره.
10-
الشجا: ما اعترض ونشب في الحلق من عظم ونحوه.
وَيْلُمِّهِ من طَلُوب الثأر مدركه
…
منهم بأُسْد سَرَاة في الوغى صُبُرِ1
من لي ولا من بهم إن أظلمت نُوَبٌ
…
ولم يكن ليلها يفضي إلى سَحَرِ2
من لي ولا من بهم إن عطلت سنن
…
وأُخفيت ألسن الآثار والسيرِ3
من لي ولا من بهم إن أطبقت محن
…
ولم يكن وِرْدُها يدعو إلى صَدَرِ4
على الفضائل إلا الصبر بعدهم
…
سلام مرتقب للأجر منتظرِ
يرجو عسى وله في أختها أمل
…
والدهر ذو عُقَبٍ شتى وذو غيرِ5
قَرَّطتُ آذان من فيها بفاضخة
…
على الحسان حصا الياقوت والدررِ6
سيارة في أقاصي الأرض قاطعة
…
شَقَاشِقًا هدرت في البدو والحضرِ7
مطاعة الأمر في الألباب قاضية
…
من المسامع ما لم يقض من وَطَرِ8
وكان أبو محمد هذا يكتب للمتوكل على الله، ونمت حاله معه؛ وهو أحد كتاب المغرب، وممن جمع منهم فضيلتي الكتابة والشعر، على أنه مقل من النظم، لم يثبت به منه إلا يسير بالنسبة إلى غزارة آدابه ونباهة قدره. وسيمر من مختار رسائله في موضعه من هذا الكتاب ما يدل على ما وصفناه به.
حكى عن نفسه رحمه الله أنه كان بين يدي مؤدبه، وسنه إذ ذاك ثلاث عشرة سنة، فعن للمؤدب أن قال: من المجتث
الشِّعْرُ خُطَّةُ خَسْفِ
وجعل يردد هذا القول. قال الوزير أبو محمد رحمه الله: فكتبت في لوحي مجيزًا له:
لكل طَالبِ عُرْفِ9
1- الوغى: الحرب.
2-
النوب: جمع النائبة: الحادثة، النازلة. السحر: آخر الليل قبيل الفجر.
3-
السنن: المناهج والطرائق.
4-
المحن: الدواهي والمصائب. الورد: الإشراف على الماء. الصدر: الرجوع عنه.
5-
غير الدهر: حوادثه وأحواله المتغيرة.
6-
قرط الأذن: جعل فيها قُرْطًا. الفاضخة: الكاسرة، يقال: فضخ الشيء: كسره، وفضخ العين: فقأها.
7-
الشقاشق: جمع الشقشقة: ما يخرجه الجمل من فمه عند الهدير، يقال: هدرت شقشقة فلان: ثار أو أفصح في الكلام.
8-
الوطر: الحاجة فيها مأرب.
9-
العُرْف: المعروف.
ثم خطر لي بيت ثانٍ، وهو:
للشيخ عَيْبَة عيبٍ
…
وللفتى ظَرْفُ ظَرْفِ1
قال: فنظر إليَّ المؤدب وقال: يا عبد المجيد، ما الذي تكتب؟ فأريته اللوح؛ فلما رآه لطمني وعرك أذني وقال: لا تشتغل بهذا! وكتب البيتين عنده.
ومن غزارة حفظه رحمه الله ما حدث الوزير الأجل أبو بكر محمد ابن الوزير أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زُهْر بن عبد الملك بن زهر2 -وكان أبو بكر هذا قد مات عن سن عالية، نيف على الثمانين- قال:
بينا أنا قاعد في دهليز دارنا وعندي رجل ناسخ أمرته أن يكتب لي كتاب الأغاني3 فجاء الناسخ بالكراريس التي كتبها؛ فقلت له: أين الأصل الذي كتبت منه لأقابل معك به قال: ما أتيت به معي؛ فبينا أنا معه في ذلك إذ دخل الدهليز علينا رجل بَذُّ الهيئة، عليه ثياب غليظة أكثرها صوف، وعلى رأسه عمامة قد لاثها4 من غير إتقان لها؛ فحسبته لما رأيته من بعض أهل البادية، فسلم وقعد وقال لي: يا بني، استأذن لي على الوزير أبي مروان؛ فقلت له: هو نائم؛ هذا بعد أن تكلفت جوابه غاية التكلف؛ حملني على ذلك نزوة الصِّبا وما رأيت من خشونة هيئة الرجل. ثم سكت عني ساعة، وقال: ما هذا الكتاب الذي بأيديكما؟ فقلت له: ما سؤالك عنه؟ فقال: أحب أن أعرف اسمه، فإني كنت أعرف أسماء الكتب! فقلت: هو كتاب الأغاني؛ فقال: إلى أين بلغ الكاتب منه؟ قلت: بلغ موضع كذا، وجعلت أتحدث معه على طريق السخرية به والضحك على قالبه، فقال: وما لكاتبك لا يكتب؟ قلت: طلبت منه الأصل الذي يكتب منه لأعارض به هذه الأوراق، فقال: لم أجئ به معي؛ فقال: يا بني، خذ كراريسك وعارض؛ قلت: بماذا؟ وأين الأصل؟ قال: كنت أحفظ هذا الكتاب في مدة صباي؛ قال: فتبسمت من قوله، فلما رأى تبسمي قال: يا بني، أمسك علي؛ قال: فأمسكت عليه وجعل يقرأ، فوالله إن أخطأ واوًا ولا فاء؛ قرأ هكذا نحوًا من كراستين، ثم أخذت له في وسط السِّفْر وآخره، فرأيت حفظه في ذلك كله سواء.
فاشتد عجبي، وقمت مسرعًا حتى دخلت على أبي، فأخبرته بالخبر ووصفت له
1 العيبة: الوعاء، الظرف.
2-
كان ابن زهر من نوابغ الطب والأدب في الأندلس. ولد بإشبيلية، وخدم دولتي الملثمين والموحدين. توفي بمراكش سنة 595هـ/1199م. "الأعلام، الزركلي: 250/6".
3-
هو كتاب ضخم، يقع في ثلاثة وعشرين جزءًا -وفقًا لطبعة دار الثقافة ببيروت- ألفه أبو الفرج الأصفهاني، المتوفى سنة 356هـ/ 967م.
4-
لاث العمامة على رأسه: لفَّها وعصبَها.
الرجل؛ فقام كما هو من فوره، وكان ملتفًّا برداء ليس عليه قميص، وخرج حاسر الرأس حافي القدمين لا يرفُق على نفسه، وأنا بين يديه، وهو يوسعني لومًا، حتى ترامى على الرجل وعانقه، وجعل يقبل رأسه ويديه ويقول: يا مولاي اعذرني، فوالله ما أعملني هذا الجِلْفُ1 إلا الساعة؛ وجعل يسبني، والرجل يُخفِّض عليه ويقول: ما عرفني؛ وأبي يقول: هَبْهُ ما عرفك، فما عذره في حسن الأدب.
ثم أدخله الدار وأكرم مجلسه وخلا به فتحدثا طويلًا؛ ثم خرج الرجل وأبي بين يديه حافيًا حتى بلغ الباب، وأمر بدابته التي يركبها فأسرجت، وحلف عليه ليركبنَّها ثم لا ترجع إليه أبدًا.
فلما انفصل قلت لأبي: من هذا الرجل الذي عظمته هذا التعظيم؟ قال لي: اسكت ويحك! هذا أديب الأندلس وإمامها وسيدها في علم الآداب، هذا أبو محمد عبد المجيد بن عبدون، أيسر محفوظاته كتاب الأغاني؛ وما حفظه في ذكاء خاطره وجودة قريحته.
سمعت هذه الحكاية من أبي بكر بن زهر رحمه الله حين دخلت عليه وقد وفد على مراكش لتجديد بيعة أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف في شهور سنة 595.
وأنشدني الوزير أبو بكر المذكور في هذا التاريخ لنفسه -بعد أن سألني عن اسمي وعن نسبي فتسميت وانتسبت، وتسمى لي هو رحمه الله، وانتسب من غير استدعاء، تواضعًا منه وشرف نفس وتهذيب خلق، قدس الله روحه وسامحه: من البسيط
لاح المشيب على رأسي فقلت له:
…
الشيب والعيب، لا والله ما اجتمعَا
يا ساقيَ الكأسِ لا تعدل إليَّ بها
…
فقد هجرت الحُمَيَّا والحميم معَا! 2
وأنشدني رحمه الله وقال: احفظ عني: من البسيط
إني نظرت إلى المرآة إذ جُليتْ
…
فأنكرت مقلتاي كل ما رأتَا
رأيتُ فيها شُيَيْخًا لست أعرفه
…
وكنت أعرف فيها قبل ذاك فتَى
هذا ما أنشدني لنفسه بلفظه رحمه الله. وله شعر كثير أجاد في أكثره. وأما الموشحات خاصة فهو الإمام المقدم فيها، وطريقته هي الغاية القصوى التي يجري كل من بعده إليها؛ هو آخر المجيدين في صناعتها، ولولا أن العادة لم تجر بإيراد
1- الجلف: الكز الغليظ الجافي، أو الأحمق.
2-
عدل عدلًا وعدولًا: مال. الحميا: حميا كل شيء: شدته وحدته، وحميا الشباب: أوله ونشاطه، ومن الخمر: شِدتها وسَوْرتها. الحميم: القريب الذي توده ويودك.
الموشحات في الكتب المجلدة المخلدة لأوردتُ له بعض ما بقي على خاطري من ذلك.
رجع القول إلى ملوك الطوائف
ثم رجع بنا القول إلى ذكر أحوال الأندلس؛ فهؤلاء الرؤساء الذين ذكرنا أسماءهم هم الذين ملكوا الأندلس بعد الفتنة وضبطوا نواحيها؛ واستبد كل رئيس منهم بتدبير ما تغلب عليه من الجهات، وانقطعت الدعوة للخلافة وذكر اسمها على المنابر؛ فلم يذكر خليفة أموي ولا هاشمي بقطر من أقطار الأندلس، خلا أيام يسيرة دعي فيها لهشام المؤيد بن الحكم المستنصر بمدينة إشبيلية وأعمالها، حسبما اقتضته الحيلة واضطر إليه التدبير، ثم انقطع ذلك حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالي، فأشبهت حال ملوك الأندلس بعد الفتنة حال ملوك الطوائف من الفرس بعد قتل دارا بن دارا.
ولم يزالوا كذلك وأحوال الأندلس تضعف وثغورها تختل، ومجاوروها من الروم تشتد أطماعهم ويقوى تشوفهم؛ إلى أن جمع الله الكلمة، ورَأَب الصدع، ونَظَم الشمل، وحسم الخلاف، وأعز الدين، وأعلى كلمة الإسلام، وقطع طمع العدو، بيمن نقيبة أمير المسلمين وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين اللمتوني رحمه الله. ثم استمر على ذلك ابنه علي، وأعادا إلى الأندلس معهود أمنها وسالف نضارة عيشها؛ فكانت الأندلس في أيامهما حرمًا آمنًا. وأول دعاء دعي للخلافة العباسية -أبقاها الله- على منابر الأندلس في أيامهما. ولم تزل الدعوة العباسية وذكر خلفائها على منابر الأندلس والمغرب إلى أن انقطعت بقيام ابن تُومَرْت1 مع المصامدة في بلاد السُّوس2، على ما يأتي بيانه إن شاء الله عز وجل.
1- هو أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن تومرت المصمودي البربري، المتلقب بالمهدي: مؤسس الدولة المؤمنية الكومية. توفي سنة 524هـ/1130م. "الأعلام، الزركلي: 228/6".
2-
السوس: كورة بالمغرب مدينتها طنجة، وهناك أيضًا السوس الأقصى، ومدينته طَرْقَلة. وقيل: السوس: بلدة بالمغرب، كانت الروم تسميها "قَمُّونية". "معجم البلدان، الحموي: 280/3".