الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الحادي والستون بعد المائة: شعراء القرى العربية
والقرى العربية في نظر "ابن سلام" خمس هن: مكة والمدينة والطائف واليمامة والبحرين1. و "القرية" في تفسير علماء العربية المصر الجامع، وقيل كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارا وتقع على المدن وغيرها2. وقد جاءت اللفظة في مواضع عديدة من القرآن. كما وردت فيه: "القريتين"، بمعنى مكة والطائف3، و"أم القرى"، بمعنى "مكة"4، و"أهل القرى"، و"القرى". ومكة والمدينة والطائف قرى، أما "اليمامة"، فمصر جامع، ضم قرى، وكذلك البحرين. ولم تدخل "الحيرة"، أو الأنبار، في القرى العربية لكونهما خارج حدود جزيرة العرب في عرف العلماء.
وذكر "ابن سلام" أن أشعر أهل القرى الخمس، أهل قرية "المدينة"، أي "يثرب". وقد أخرجت خمسة من الفحول: ثلاثة من الخزرج واثنان من الأوس. فمن الخزرج من "بني النجار": "حسان بن ثابت"، ومن "بني سلمة":"كعب بن مالك"، ومن "بلحارث بن الخزرج":"عبد الله بن رواحة".
1 طبقات "52".
2 تاج العروس "10/ 290"، "قرى".
3 "الزخرف"، الرقم "43"، الآية "31"، تفسير الطبري "25/ 39".
4 "الأنعام"، الرقم "6"، الآية "92"، تفسير الطبري "7/ 180".
ومن "الأوس": "قيس بن الخطيم"، من "بني ظفر"، و "أبو قيس بن الأسلت" من "بني عمرو بن عوف"1.
وروي عن "أبي عبيدة" قوله: "اجتمعت العرب على أن أشعر أهل المدر: يثرب، ثم عبد القيس، ثم ثقيف، وعلى أن أشعر أهل المدر: حسان بن ثابت، ثم قال: "حسان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر اليمن في الإسلام، وهو شاعر أهل القرى". وروي أنه كان أشعر أهل الحضر2.
وقال "ابن سلام" في حديثه عن مكة: "وبمكة شعراء"3 ووصف أشعار قريش بأنها أشعار فيها لين4، وهي سهلة سلسة إذا قيست بأشعار أهل البادية، يتغلب عليها طابع الحضارة، وكذلك شعر باقي القرى. وقال عن "الطائف"، وبها شعراء وليس بالكثير. وعلل ذلك بقوله:"وإنما يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء، نحو حرب الأوس والخزرج، أو قوم يُغيرون ويغار عليهم. والذي قلل شعر قريش أنه لم يكن بينهم ثائرة، ولم يحاربوا. وذلك الذي قلل شعر عمان وأهل الطائف"5. وقال عن "البحرين": "وفي البحرين شعر كثير جيد وفصاحة"6. وقال عن "اليمامة": "ولا أعرف باليمامة شاعرا مشهورا"7.
ولم تنفرد أشعار قريش وحدها باللين، وإنما الليونة والسهولة في الشعر من طبائع الشعر الحضري أجمع. ففي طبيعة الحياة في الحاضرة سهولة غير موجودة في حياة البداوة، وراحة ودعة واستقرار، وهي أمور لا توجد في البادية، ثم فيها اجتماع واحتكاك بعالم خارجي، وميل إلى جمع المال والاستمتاع به، والابتعاد عن الغزو والحرب، وهي هينة رخيصة عند الأعراب، وما الذي يجعل الأعرابي يحرص على حياته حرص أهل الحواضر، وكل ما عنده جوع وفقر وطبيعة قاسية
1 ابن سلام، طبقات "52".
2 الاستيعاب "1/ 338"، "حاشية على الإصابة".
3 طبقات "57".
4 طبقات "60".
5 المصدر نفسه "65 وما بعدها".
6 كذلك "66".
7 كذلك "70".
تجعله لا يحصل على قوته إلا بالإغارة على غيره لاستلاب ما عنده من رزق. فلا غرابة إذا ما غلظ شعره وخشن شعوره المتمثل في نظمه، ولأن شعر الحضري في مقابله.
ولم يذكر "ابن سلام" السبب الذي جعل "اليمامة" فقيرة في الشعر، حيث يقول:"ولا أعرف باليمامة شاعرا مشهورا"1، ولا الأسباب التي حملته على القول بعدم وقوفه على شاعر شهير فيها، مع أن "الأعشى" منها، وهو شاعر شهير، والمرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، وهما شاعران مشهوران من "قيس بن ثعلبة"، و"قيس بن ثعلبة" من القبائل النازلة باليمامة، وقد ذكرها "ابن سلام" في طبقاته، كما ذكر "المتلمس"، في طبقاته، وهو شاعر معروف من شعراء اليمامة كذلك. ويظهر أنه نسي أسماءهم، لأنه كان يعلم أن الغلبة كانت لبني حنيفة على اليمامة عند ظهور الإسلام، ولم يحفظ الرواة -لسبب لا نعرفه- شعرا لشعراء من بني "حنيفة"، فعمم قوله على كل اليمامة، والحكم بالتعميم شيء مألوف بين أهل الأخبار.
وقد ذهب "الجاحظ" إلى أن "بني حنيفة" أهل اليمامة، كانوا أقل الناس شعرا، إذ يقول:"وبنو حنيفة مع كثرة عدهم، وشدة بأسهم، وكثرة وقائعهم، وحسد العرب لهم على دارهم وتخومهم وسط أعدائهم، حتى كأنهم وحدهم يعدلون بكرا كلها، ومع ذلك لم نر قبيلة قط أقل شعرا منهم. وفي إخوتهم عجل قصيد ورجز، وشعراء ورجازون". وقد أنكر أن يكون ذلك بسبب مكان الخصب وأنهم أهل مدر، أي حضر، وإنما رجع ذلك إلى الطبع، وإلى "قدر ما قسم الله لهم من الحظوظ والغرائز، والبلاد والأعراق مكانها"2.
ويلاحظ أن علماء اللغة، جعلوا "اليمامة" في جملة الأرضين التي لم يرجعوا إلى لغاتها، فذكروا أنهم لم يأخذوا اللغة "لا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف، لمجاورتهم تجار اليمن المقيمين عندهم"3، وذلك في الإسلام بالطبع، لأن تدوين اللغة لم يبدأ به إلا في هذا الحين. وهو رأي صحيح، لأن لغات أهل اليمامة متأثرة باللهجات العربية الجنوبية، كما كانت كتابتهم
1 طبقات "70".
2 الحيوان "4/ 380 وما بعدها".
3 المزهر "1/ 212".
بالمسند، بدليل عثور المستشرقين على كتابات عديدة في مواضع من اليمامة، مدونة بهذا القلم، وبلغة عربية جنوبية متأثرة بلهجات خاصة بعض التأثر، ولهذا فنحن تستطيع أن نقول إن كتابات اليمامة التي عثر عليها الآن والتي سيعثر عليها في المستقبل، تكون مجموعة فريدة مهمة من الكتابات الجاهلية وقد تكون جسرا بين العربية الجنوبية القحة، وبين اللغات العربية الشمالية، وقد تكون هذه الخصائص اللغوية الفريدة هي التي جعلت "ابن سلام" يقول في طبقاته:"ولا أعرف باليمامة شاعرا مشهورا"1، إذ سمع أن شعراء اليمامة كانوا يقولون الشعر بلهجاتهم التي تختلف عن اللهجة التي نظم بها شعراء مجموعة "أل" فأهمل لذلك شعرهم، أو أن شعرهم لكونه شعرا محليا خاصا، لم ينتشر خارج قبائل اليمامة، فلم يصل إلى علمه منه شيء، فقال لذلك قوله المذكور، ولم يعده من الشعر المألوف، الذي تعورف عليه بين علماء الشعر، ولما كان "الأعشى" والمرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، والمتلمس، قد نظموا الشعر باللهجة المألوفة، ولكونهم من المتنقلة الذين تنقلوا بين العرب، وقضوا أكثر أوقاتهم خارج اليمامة، لم يدخلهم لذلك في شعراء اليمامة، لا جهلا منه بأصلهم، وإنما لما بينته من أسباب.
ولعل لكثرة وجود العبيد والموالي بها دخل في هذا الباب، فاليمامة أرض خصبة ذات مياه، استقر أهلها وأقاموا في القرى وزرعوا واستعانوا بالموالي وبالعبيد وبأهل اليمن لاستغلال أرضهم، فصاروا من أصحاب الزارعة في جزيرة العرب، كما استغلوا معادنها، واستعانوا في استغلالها بالأعاجم، فذكر أنه كان في معدن "شمام" ألف أو يزيد من المجوس، لهم بيت نار2. ولعل "آل كرمان"، و "الأحمر" في الحرملية، هم من الأعاجم الذين كانوا قد ولجوا هذه المواضع للعمل بها قبل الإسلام3، أضف إلى ذلك وجود عدد كبير آخر من الموالي في أكثر قرى اليمامة، شغلوا في الزراعة وفي استغلال المعادن وفي تصنيعها، وهي أمور يأنف منها الأعرابي ويزدريها. ولهذا قيل لهم أهل "ريف"، وقد وصفهم جرير بقوله:
1 طبقات "70".
2 الصفة "142".
3 لغدة "302 وما بعدها، 356".
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم
…
من العبيد وثلث من مواليها1
وذلك تعبيرا عن كثرة من كان في اليمامة من العبيد والموالي الذين لعبوا دورا كبيرا في اقتصاد اليمامة، حيث شغلوا في الزراعة وفي الرعي وفي استغلال المعادن والصناعة، وإنشاء القرى، حتى صارت أرضها بين قري وأرض استغلت بزرعها سيحا، أي على مياه الأمطار. وأما القرى، فقد أقيمت على الآبار والعيون والمياه الجارية وعلي حافات الأودية. وقد حفر الرقيق أكثر هذه الآبار، كما استغلت الآبار العادية، أي الآبار القديمة التي تنسب إلى ما قبل مجيء قبائل "ربيعة" إلى اليمامة. ونجد في الكتب التي وصفت اليمامة ذكرا لمواضع كثيرة، توفرت بها المياه، فصارت أرضين خصبة، مونت اليمامة وغيرها بالحنطة والتمور والخضر.
وكان جل أهل "اليمامة" عند ظهور الإسلام من "بكر بن وائل"، وبكر بن وائل من "ربيعة"، فهم ليسوا من "مضر" أذن، الذين أخذ عنهم علماء العربية اللغة في الإسلام. فقوم الأعشى، وهم "بنو قيس بن ثعلبة" من بكر بن وائل، وبنو حنيفة، وهم قوم "مسيلمة" من بني لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل"2، فإلى ربيعة كانت الغلبة في هذا العهد، وأما بطون "تميم" التي كانت تقيم في مناطق من اليمامة، فلم تكن تكوّن الكثرة إلى جانب ربيعة، وتميم من مضر في عرف أهل الأخبار.
واليمامة إقليم مشهور عرف بعذوبة مياهه، وبخصبه وبكثرة قراه، وباشتغال أهله بالزراعة، وزراعة النخيل والأشجار المثمرة والحنطة، كما عرف بتربيته للإبل والبقر والغنم، ولذلك وفرت اللحوم به، وقد استقر أهله، وصاروا حضرا وأشباه حضر، ولعل لصلتهم باليمن ولنزوح أهلها القدامى من اليمن، وهم أهل زرع وضرع، ثم توفر الماء والتربة الخصبة في اليمامة، جعلت كل هذه الأمور أهلها حضرا على مستوى عال من الحياة بالنسبة إلى من كان يقيم في البوادي من القبائل، اعتمدوا في الدفاع عن أنفسهم على الحصون والبتل التي لا تزال آثار بعضها قائمة إلى هذا اليوم، فكانوا إذا بوغتوا بهجوم، أسرعوا إلى بتلهم وقصورهم، فتحصنوا بها. وهي من أهم ما يميز أهل الحضر عن
1 الخزانة "2/ 300"، "بولاق".
2 تاج العروس "6/ 78"، "حنيف".
أهل الوبر. ولهذا نجد مستوطنات أهل المدر، مكونة من أطم كما تسمى في "يثرب"، وقصور كما تسمى في الحيرة وفي قرى عرب العراق، وبتل كما عرفت في اليمامة، وبفضل هذا النظام الدفاعي، حموا أنفسهم من هجمات الأعراب عليهم.
ولطابع الاستقرار الغالب على أهل اليمامة أثر في شعر شعراء اليمامة. يظهر في أساليب شعرائها السهلة وفي البحور التي نظموا بها شعرهم، وهم يقربون بذلك من شعراء عرب العراق أو الشعراء الذين تأثروا بالشعر العراقي، كما يظهر هذا الطابع في المعاني التي تطرقوا إليها، وسبب قربهم في المعاني وفي الصياغة من أهل العراق، هو تشابه الحياة بين عرب الحيرة مثلا وبين أهل اليمامة. فأهل الحيرة حضر أو أشباه حضر، وأهل اليمامة حضر مثلهم أو أشباه حضر، لهم زراعة، ولهم حرف قد احترفوها منذ أمد طويل، ثم إن النصرانية كانت قد انتشرت بين عرب العراق، وقد انتشرت بين أهل اليمامة كذلك، وجذورها وإن لم تكن عميقة راسخة في المحيطين، لكنها كانت قد تأثرت بعقلية أهلهما على كل حال.
ومن شعراء اليمامة المرقش الأكبر، وهو "ربيعة بن سعد بن مالك"، ويقال: بل هو عمرو بن سعد بن مالك، وقيل "عوف بن سعد بن مالك" من "بني قيس بن ثعلبة" من قبائل اليمامة المعروفة، وكان أبوه سيد قومه في حرب البسوس، وهو خال "عمرو بن قميئة"، وله صهر مع طرفة والأعشى ميمون1. ذكر أنه إنما عرف بالمرقش بهذا البيت:
الدار قفر والرسوم كما
…
رقش في ظهر الأديم قلم2
ويعد "المرقش" الأكبر من الشعراء العشاق، وله قصة عن حبه ابنة عمه، وعن زواجها أثناء غيابه، ثم بحثه عنها، ونزوله كهفا أسفل "نجران"، ثم احتياله في الوصول إليها، ووفاته بعد ذلك، وهي قصة نجد لها مثيلا في قصص
1 بروكلمان "1/ 102"، المزهر "2/ 476 وما بعدها، 481".
2 الشعر والشعراء "1/ 138"، "دار الثقافة"، المرزباني، معجم "201"، الأغاني "5/ 199"، السيوطي، شرح شواهد "2/ 889"، اللسان "8/ 195" الأغاني "6/ 127"، المؤتلف"184"، المفضليات "111"، رسالة الغفران "337 وما بعدها، 351، 355، 560"، البيان والتبيين "1/ 374".
وحكايات الأمم الأخرى1. وقيل إن صاحبته "أسماء بنت عوف بن مالك"، كان أبوها زوّجها رجلا من مراد، والمرقش غائب، فلما رجع أخبر بذلك، فخرج يريدها ومعه عسيف له من "غفيلة" فلما صار في بعض الطريق مرض، حتى ما يحمل إلا معروضا، فتركه الغفيلي هناك في غار، وانصرف إلى أهله، فخبرهم أنه مات، فأخذوه وضربوه حتى أقر، فقتلوه، ويقال إن أسماء وقفت على أمره، فبعثت إليه فحمل إليها، وقد أكلت السباع أنفه. فقال:
يا راكبا أما عرضت فبلغن
…
أنس بن عمرو حيث كان وحرملا
وقد وصف في هذه الأبيات ما لاقاه في سفره، وهروب الغفيلي منه، وذهاب السباع بأنفه، ويقال إنه كتبها على خشب الرحل بالحميرية، وكان يكتب بها، فقرأها قومه، فلذلك ضربوا الغفيلي حتى أقر2. وفي أكل السباع أنفه يقول:
من مبلغ الفتيان أن مرقشا
…
أضحى على الأصحاب عبئا مثقلا
ذهب السباع بأنفه فتركنه
…
ينهشن منه في القفار مجدلا3
ونسب له قوله:
ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره
…
ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
أخوك الذي إن أحرجتك ملمة
…
من الدهر لم يبرح لها الدهر واجما
وليس أخوك بالذي إن تشعبت
…
عليك أمور ظل يلحاك دائما4
وقد تعرض "المعري" لكلمة "المرقش":
هل بالديار أن تجيب صمم
…
لو كان حيا ناطقا كلم
وقال بعد ذلك: "على أن مرقشا خلط في كلمته فقال:
1 بروكلمان، تأريخ الأدب العربي "1/ 102".
2 الشعر والشعراء "1/ 138 وما بعدها"، "الثقافة".
3 رسالة الغفران "355"، الأغاني "6/ 127".
4 بلوغ الأرب "3/ 107 وما بعدها".
ماذا علينا إن غزا ملك
…
من آل جفنة ظالم مرغم
وهذا خروج عما ذهب إليه الخليل"1.
وتعرض بعد ذلك له، بأن تصور نفسه وهو يقول له وقد زاره في أطباق العذاب: إن قوما من أهل الإسلام كانوا يستزرون بقصيدتك الميمية التي أولها:
هل بالديار أن تجيب صمم
…
لو كان حيا ناطقا كلم
وإنها عندي لمن المفردات. وكان بعض الأدباء يرى أنها والميمية التي قالها المرقش الأصغر ناقصتان عن القصائد المفضليات، ولقد وهم صاحب هذه المقالة. وبعض الناس يروي هذا الشعر لك:
تخيرت من نعمان عود أراكة
…
لهند ولكن من يبلغه هندا
خليلي جورا بارك الله فيكما
…
وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجارنا
…
ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا
ولم أجدها في ديوانك فهل ما حكي صحيح عنك؟
فيقول: لقد قلت أشياء كثيرة، منها ما نقل إليكم، ومنها لم ينقل. وقد يجوز أن أكون قلت هذه الأبيات ولكني سرفتها لطول الأبد ولعلك تنكر أنها في هند، وإن صاحبتي أسماء، فلا تنفر من ذلك، فقد ينتقل المشبب من الاسم إلى الاسم، ويكون في بعض عمره مستهترا بشخص من الناس، ثم ينصرف إلى شخص آخر، ألا تسمع إلى قولي:
سفه تذكُّره خويلة بعدما
…
حالت ذرا نجران دون لقائها2
ومن القصيدة الميمية المنسوبة إليه قوله:
النشر مسك والوجوه دنا
…
نير وأطراف الأكف عنم3
1 رسالة الغفران "337 وما بعدها".
2 رسالة الغفران "355 وما بعدها".
3 رسالة الغفران "560، أمالي المرتضى "2/ 255، 257".
وقوله:
ليس على طول الحياة ندم
…
ومن مراء المرء ما يعلم1
ولم يبق من شعر المرقش الأكبر إلا "12" قطعة، وفي بعض شعره اضطراب، والقطعة "54" من الأصمعيات من بحر عروض لم يهتد المتأخرون إلى تحديده2. ونجد بحر الخفيف عنده3.
وأما المرقش الأصغر، فهو "عمرو بن حرملة"، وقيل:"ربيعة بن سفيان"، وقيل "عمرو بن سفيان" وهو من بني سعد بن مالك بن ضبيعة، أحد عشاق العرب المشهورين. وورد في رواية أنه أخو المرقش الأكبر، ويقال إنه ابن أخيه، وقد اشتهر بقصة غرامه بفاطمة بنت المنذر الثالث ملك الحيرة4 وكانت لها خادمة تجمع بينهما، يقال لها "هند بنت عجلان"، وكان للمرقش ابن عم يقال له "جناب بن عوف بن مالك"، لايؤثر عليه أحدا، وكان لا يكتمه شيئا من أمره، فألح عليه أن يخلفه ليلة عند صاحبته، فامتنع عليه زمانا، ثم إنه أجابه إلى ذلك، فعلمه كيف يصنع إذا دخل عليها، فلما دنا منها أنكرت عليه مسه، فنحته عنها، وقالت: لعن الله سرا عند المعيدي. وجاءت الوليدة فأخرجته، فأتى المرقش فأخبره، فعض على إبهامه فقطعها أسفا وهام على وجهه حياء. وخلد القصة في شعر5.
وكان هرب من المنذر وأتى الشام، فقال:
أبلغ المنذر المنقب عني
…
غير مستعتب ولا مستعين
لات هنا وليتني طرف الز
…
ج وأهلي بالشأم ذات القرون6
1 أمالي المرتضى "2/ 78".
2 بروكلمان "1/ 102".
3 غرونباوم "279".
4 الشعر والشعراء، لابن قتيبة "105 وما بعدها"، الأغاني "5/ 193 وما بعدها"، للمرزباني "201"، بروكلمان "1/ 103"، "4 وما بعدها"، "فراج"، المؤتلف "184"، المفضليات "114"، الأغاني"6/ 136 وما بعدها"، رسالة الغفران "357".
5 الشعر والشعراء "1/ 143"، "الثقافة".
6 الشعر والشعراء "1/ 144"، "الثقافة".
وصاحبته بنت عجلان، أمة كانت لبنت "عمرو بن هند"، وفيه يقول:
يا بنت عجلان ما أصبرني
…
على خطوب كنحت بالقدوم
ومن شعره المشهور هذا البيت:
ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره
…
ومن يغو لا يعدم على الغي لائما1
ويعد المرقش الأصغر أشعر من عمه، ويغلب على شعره الغزل، وهو أكثر صقلا، وأقرب مطابقة لأسلوب المتأخرين2.
ومن شعراء اليمامة: "المتلمس"، وهو "جرير بن عبد المسيح"، وقيل "جرير بن عبد العزى"، وقيل غير ذلك، وهو من بني ضبيعة، وأخواله "بنو يشكر". وهو خال" طرفة"، لقب بالمتلمس لبيت قاله، هو:
فهذا أوان العرض حيا ذبابه
…
زنابيره والأزرق المتلمس
وقيل إن اسم أبيه "عبد العزى"، وهو من أسماء الوثنيين، ويظهر أنه تنصر فسمى نفسه عبد المسيح3.
وكان ينادم "عمرو بن هند" ملك الحيرة هو وطرفة بن العبد، فبلغه أنهما هجواه، فكتب لهما إلى عامله بالبحرين كتابين، أوهمهما أنه أمر لهما فيهما بجوائز، وكتب إليه يأمره بقتلهما، فاستراب "المتلمس" من الكتابين وعرض كتابه على غلام من أهل الحيرة، فقرأه فإذا فيه أمر بقطع يديه ورجليه، ودفنه حيا، فمزقه، ورماه في نهر الحيرة، وقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك يقرأها، فأبى وذهب إلى البحرين فقتله عامل "عمرو بن هند". وهرب المتلمس إلى بصرى
1 الشعر والشعراء "1/ 143 وما بعدها"، "فمن يلق خيرا"، أمالي المرتضى "2/ 246".
2 بروكلمان "1/ 103".
3 بروكلمان تأريخ الآداب العربية "1/ 93"، الشعر والشعراء "1/ 112 وما بعدها"، الخزانة "3/ 73"، "بولاق".
فهذا أوان العرض جن ذبابه
…
زنابيره والأزرق المتلمس
السيوطي، شرح شواهد "1/ 298"، الاشتقاق "1/ 193"، البيان "1/ 375".
واستقر هناك إلى أن مات بها. وضرب المثل بصحيفة المتلمس1.
و"المتلمس" من "ضبيعة أضجم"، وقد نسبت إلى "الحارث الأضجم"، وكان قديم السؤدد فيهم، كانت تجبى إليه إتاوتهم2.
وقد ذكر "العيني" أن البيت المنسوب إلى "المتلمس"، وهو البيت الذي ضرب به المثل، فقيل صحيفة المتلمس، ونصه:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله
…
والزاد حتى نعله ألقاها
ليس من نظم المتلمس، ولم يقع في ديوان شعره، وإنما هو لأبي مروان النحوي، قاله في قصة المتلمس حين فر من عمرو بن هند. وكان قد هجا "عمرو بن هند"، وهجاه أيضا طرفة بن العبد، فقتل طرفة وفر المتلمس. وبعد البيت المذكور:
ومضى يظن بريد عمرو خلفه
…
خوفا وفارق أرضه وقلاها3
ويحتمل على رأي "بروكلمان" أن تكون قصة الصحيفة مختلفة، وكذلك القصيدة التي ورد فيها ذلك البيت4.
قال الشريف المرتضى: "ويقال إن صاحب المتلمس وطرفة في هذه القصة هو النعمان بن المنذر، وذلك أشبه بقول طرفة:
أبا منذر كانت غرورا صحيفتي
…
ولم أعطكم في الطوع مالي ولا عرضي
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
…
حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وأبو منذر هو النعمان بن المنذر، وكان النعمان بعد عمرو بن هند، وقد مدح
1 الشعر والشعراء "1/ 112 وما بعدها"، الأغاني"21/ 120"، الخزانة "1/ 446"، "بولاق"، الميداني، أمثال "1/ 270"، أمالي المرتضى"1/ 183 وما بعدها".
2 الاشتقاق "1/ 192".
3 العيني، المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية "4/ 134"، "حاشية على خزانة الأدب".
4 بروكلمان"1/ 94".
طرفة النعمان، فلا يجوز أن يكون عمرو قتله، فيشبه أن تكون القصة مع النعمان"1.
وفي شعر المتلمس ما يتعلق بأخبار القبائل، وفيه هجاء لعمرو بن هند. وهو من الشعراء المقلين. "قال أبو عبيدة: واتفقوا على أن أشعر المقلين في الجاهلية ثلاثة: المتلمس، والمسيب بن علس، وحصين بن الحمام المري"2. وذكر أنه أخذ يهجو "عمرو بن هند" من منفاه، ويحرض قوم طرفة على الطلب بدمه. فمن جملة ما قاله قصيدته:
إن العراق وأهله كانوا الهوى
…
فإذا نأى بي ودهم فليبعد
ولما تهدده "عمرو"، وحلف إن وجده بالعراق ليقتلنه وأن لا يطعمه حب العراق، قال المتلمس:
آليت حب العراق الدهر أطعمه
…
والحب يأكله في القرية السوس
لم تدر بصرى بما آليت من قسم
…
ولا دمشق إذا ديس الكراديس3
وبقى ببصرى حتى هلك بها، كان له ابن يقال له: عبد المدّان، أدرك الإسلام، وكان شاعرا، هلك ببصرى ولا عقب له4.
وكان طرفة بن العبد وخاله المتلمس وفدا على "عمرو بن هند" فنزلا منه خاصة ونادماه، ثم إنهما هجواه بعد ذلك، فكتب لهما كتابين إلى البحرين وقال لهما: إني قد كتبت لكما بصلة، فاشخصا لتقبضاها. فخرجا من عنده، والكتابان في أيديهما، فمرا بشيخ جالس على ظهر الطريق منكشفا يقضي حاجته، وهو مع ذلك يأكل ويتفلى، فقال أحدهما لصاحبه: هل رأيت أعجب من هذاالشيخ؟ فسمع الشيخ مقالته فقال: ماترى من عجبي؟ أخرج خبيثا، وأدخل طيبا، وأقتل عدوا، وإن أعجب مني لمن يحمل حتفه وهو لا يدري. فأوجس المتلمس في نفسه خيفة وارتاب بكتابه. ولقيه غلام من الحيرة فقال: أتقرأ يا غلام؟
1 أمالي المرتضى "1/ 185".
2 الشعر والشعراء "1/ 115".
3 الخزانة "3/ 75"، "بولاق".
4 الشعر والشعراء "1/ 115"، "دار الثقافة".
قال: نعم. ففض خاتم كتابه ودفعه إلى الغلام فقرأه عليه، فإذا فيه: إذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه واصلبه حيا. فأقبل على طرفة فقال: تعلم والله، لقد كتب فيك بمثل هذا. فلم يلتفت إلى قول المتلمس، وألقى المتلمس كتابه في نهر الحيرة وهرب إلى الشام، وأخذ يهجو "عمرو بن هند"1.
ورويت القصة بشكل آخر خال من التزويق والتنميق نوعا ما. ذكرت أن "المتلمس وطرفة بن العبد هجوا عمرو بن هند، فبلغه ذلك، فلم يظهر لهما شيئا، ثم مدحاه فكتب لكل منهما كتابا إلى عامله بالحيرة "؟ "، وأوهم أنه كتب لهما فيه بصلة. فلما وصلا الحيرة، قال المتلمس لطرفة: إنا هجوناه، ولعله اطلع على ذلك، ولو أراد أن يصلنا لأعطانا! فهلم ندفع الكتابين إلى من يقرؤهما، فإن كان خيرا وإلا ندرنا. فامتنع طرفة، ونظر المتلمس إلى غلام قد خرج من المكتب فقال: أتحسن القراءة، قال: نعم. فأعطاه الكتاب ففتحه، فإذا فيه قتله. ففر المتلمس إلى الشام وهجا عمرا هجاء مقذعا. وأتى طرفة إلى عامل الحيرة بالكتاب فقتله"2. وقد حلت الحيرة في هذه القصة في محل البحرين، وصار العامل القاتل عامل الحيرة، وخلت من ذكر الشيخ.
وطرفة هو القائل في قصيدة له:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا
…
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وكان النبي إذا استراث الخبر يتمثل بعجز هذا البيت من هذه القصيدة3.
ومن الشعر المنسوب إليه، قوله:
قليل المال تصلحه فيبقى
…
ولا يبقى الكثير على الفساد
وحفظ المال خير من بغاه
…
وجولٍ في البلاد بغير زاد
وقوله:
ولا يقيم على ذل يراد به
…
إلا الأذلان غير الحي والوتد
هذا علي الخسف مربوط برمته
…
وذا يشج فلا يرثي له أحد
1 السيوطي، شرح شواهد "1/ 295 وما بعدها"، المرزباني، معجم "5"، "فراج".
2 السيوطي، شرح شواهد "1/ 371"، الشعر والشعراء "1/ 112".
3 المرزباني، معجم "6".
وقوله:
ولو غير أخوالي أراد نقيصتي
…
جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت إلا مثل قاطع كفه
…
بكف له أخرى فأصبح أجذما1
وذكر أن النبي كتب لعيينة بن حصن كتابا، فقال: يا محمد أتراني حاملا إلى قومي كتابا كصحيفة المتلمس. أي لا أحمل إلى قومي كتابا لا علم لي بما فيه. وقد أشير إلى "صحيفة المتلمس" في شعر الفرزدق2، وفي شعر شعراء آخرين3.
ونسب إلى "المتلمس" قوله:
وأعلم علم حق غير ظن
…
وتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المال أيسر من بغاه
…
وضرب في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه
…
ولا يبقى الكثير مع الفساد4
وله شعر في الأقارب ذكره له الجاحظ في كتاب الحيوان5.
والمسيب بن علس، واسمه "زهير بن علس"، وإنما لقب بالمسيب بقوله:
فإن سركم ألا تئوب لقاحكم
…
غزارا فقولا للمسيب يلحق6
و"المسيب بن علس بن مالك بن عمرو بن قمامة"، هو من "جُماعة"، وهم من "بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار"، ويكنى "أبا فضة"، وهو خال الأعشى، وكان الأعشى راويته. واسمه:"زهير بن علس". وإنما سمي "المسيب" لبيت قاله، هو:
فإن سركم ألا تئوب لقاحكم
…
غزارا فقولوا للمسيب يلحق
1 بلوغ الأرب "3/ 112 وما بعدها".
2 السيوطي، شرح شواهد "1/ 297".
3 الحيوان "2/ 85".
4 الحيوان "3/ 47".
5 "3/ 136".
6 الشعر والشعراء "1/ 108".
وهو جاهلي لم يدرك الإسلام، من شعراء بكر بن وائل المعدودين، وكان امتدح بعض الأعاجم، فأعطاه، ثم أتى عدوا له من الأعاجم يسأله، فسمه فمات، ولا عقب له1.
وقد ذكر "الهمداني" أن الأعشى يحتذي في شعره على مثال "المسيب"، وكان الأعشى راويته2.
وله قصيدة قالها في "القعقاع بن معبد بن زرارة"، فيها:
فلأهدين مع الرياح قصيدة
…
مني مغلغلة إلى القعقاع
أنت الذي زعمت معد أنه
…
أهل التكرم والندى والباع3
وقد أورد "الهمداني" له قصيدة زعم أنه قالها في مدح "زيد بن مرب"، أو في مدح ابن ابنه "زيد بن قيس بن زيد" أولها:
كلفت بليلي خدين الشباب
…
وعالجت منها زمانا خبالا
لها العين والجيد من مغزل
…
تلاعب في القفرات الغزالا4
وقد ذكر "الجاحظ" شعرا قال إنه لغيلان بن سلمة الثقفي، هو:
في الآل يخفضها ويرفعها
…
ريع كأن متونه السحل
عقلا ورقما ثم أردفه
…
كلل على ألوانها الخمل
كدم الزعاف على مآزرها
…
وكأنهن ضوامرا إجل
وعقب عليه بقوله: "وهذا الشعر عندنا للمسيب بن علس"5.
وقد نشر ديوان "المسيب بن علس" في سلسلة نشريات "كب" GIBB بلندن سنة "1928م"6.
1 الاشتقاق "316"، الخزانة "1/ 545"، الشعر والشعراء "1/ 107"، ابن سلام، طبقات "36"، ألقاب الشعراء "315"، الخزانة "2/ 9"، "بولاق".
2 الإكليل "2/ 307"، الشعر والشعراء "1/ 108"، أمالي المرتضى "1/ 560".
3 ابن سلام، طبقات "36".
4 الإكليل "2/ 304 وما بعدها".
5 الحيوان "6/ 335".
6 بروكلمان "1/ 151". GIBB، MEMORIAL، LONDON 1928
ومن شعراء اليمامة: "ذو الكف الأشل"، واسمه "عمرو بن عبد الله بن حنيفة" من بني قيس بن ثعلبة، يكنى أبا جلان، فارس شاعر جاهلي، توعدته "بنو حنيفة" فقال فيها شعرا1.
و"الفند"، هو "سهل بن شيبان بن ربيعة بن زمّان بن مالك بن صعب" الزماني من شعراء الجاهلية. وله قصيدة في حرب البسوس2. وهو من "بني حنيفة". وكان أحد فرسان ربيعة المشهورين، شهد حرب بكر وتغلب، أي حرب البسوس، فكتب بنو بكر بن وائل إلى بني حنيفة يستنصروهم، فأمدوهم بالفند الزماني في سبعين رجلا، وكتبوا إليهم أنا قد بعثنا إليكم ألف رجل3.
ومن الشعر المنسوب إليه، قوله:
كففنا عن بني هند
…
وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام ترجعهم
…
جميعا كالذي كانوا
فلما صرح الشر
…
وأضحى وهو عريان
شددنا شدة الليث
…
عدا والليث غضبان
بضرب فيه تفجيع
…
وتوهين وإرنان
وطعن كفم الزق
…
وهى والزق ملآن4
وقد وردت هذه الأبيات في "الخزانة" بشيء من الاختلاف5.
و"عمرو بن عبد العزى بن سحيم بن مر بن الدئل" الحنفي، من بني حنيفة، وهو شاعر جاهلي6، وكذلك كان "عمرو بن الذراع" الحنفي من الشعراء الجاهليين7.
1 المرزباني، معجم "14".
2 الحماسة "1/ 21"، الخزانة "2/ 57"، السيوطي، شرح شواهد "2/ 944"، الأغاني "20/ 143 وما بعدها"، الاشتقاق "207"، الحماسة، للبحتري "74" الحماسة لأبي تمام "1/ 6".
3 الخزانة "2/ 57 وما بعدها".
4 الحيوان "6/ 415 وما بعدها"، الأمالي، للقالي "1/ 260".
5 الخزانة "2/ 58".
6 المعجم، للمرزباني "40".
7 المعجم، للمرزباني "41".
ومن شعراء اليمامة أيضا "موسى بن حابر بن أرقم بن سلمة بن عبيد" الحنفي اليمامي. وكان جاهليا نصرانيا، يلقب بـ "أزيرق" اليمامة. ويعرف بـ "ابن ليلى"، وهي أمه. وهو شاعر كثير الشعر1، وعرف أيضا بـ "ابن الفريعة"2. وورد أنه كان من الشعراء الإسلاميين3.
ومن شعراء اليمامة: "مجاعة بن مرارة بن سلمى4 بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة" الحنفي اليمامي، وكان من رؤساء حنيفة، وأسلم ووفد، وأعطاه الرسول أرضا باليمامة يقال لها "العورة"، وكتب له كتابا بذلك، وكان بليغا حكيما، وكان ممن أسر يوم اليمامة، فأشير على "خالد" باستبقائه فأبقاه؛ وكان قد انضم إلى "مسيلمة"5.
ومن شعراء اليمامة "ثمامة بن أثال"، وكان من سادتها، ولما أسلم قطع الميرة عن أهل مكة، وكانوا قد عتبوا عليه لدخوله في الإسلام، حتى شق عليهم ذلك، فكتبواإلى الرسول: إنك تأمر بصلة الرحم، وإنا قد هلكنا، فكتب إلى ثمامة أن خل إليهم الحمل، فخلاه إليهم. وكان قد ثبت على الإسلام، ولم يرتد مع مسيلمة. وتوفي سنة "12" للهجرة6. وذكر من شعره قوله:
دعانا إلى ترك الديانة والهدى
…
مسيلمة الكذاب إذ جاء يسجع
فيا عجبا من معشر قد تتابعوا
…
له في سبيل الغي والغي أشنع7
وأشير إلى شاعرة من شاعرات "بني عجل" اسمها "حسينة"، وكان "عمرو بن الحارث بن أقيش" العكلي، قد أسرها، في يوم العذاب في الجاهلية، وهو يوم أغارت فيه "بنو عبد مناة بن أد بن طابخة" على عجل وحنيفة بأرض
1 المرزباني "285"، شرح الحماسة، للمرزوقي "326".
2 الخزانة "1/ 146"، "بولاق"، المؤتلف "165"، الأغاني "10/ 107"، الحيوان "4/ 280".
3 الحيوان "4/ 280"، "حاشية 5".
4 وقيل سليم.
5 الإصابة "3/ 242"،"رقم 7724"، المرزباني، معجم "442"، خليفة بن خياط كتاب الطبقات "66".
6 الإصابة "1/ 204 "، "رقم 961"، الجمان في تشبيهات القرآن، لابن ناقيا البغدادي "283".
7 الاستيعاب "1/ 208"، "حاشية على الإصابة".
جو باليمامة، ففاداها أخوها "أبجر بن جابر بن بجير بن شريط" العجلي بمائة من الإبل وخمسة أفراس1.
وإذا تجوزنا فأدخلنا "الحيرة" في جملة هذه القرى، وجب اعتبار "عدي بن زيد" العبادي ممثلها الأول، إذ لم يبلغ أحد مبلغه في الشعر من بين رجال هذه المدينة. فهو المقدم على جميع شعراء الحيرة التي كان يفد إليها الشعراء، ولأكثرهم ذكريات مع ملوكها، الذين كانوا يجملون العطاء لمن يمدحهم ويكيل لهم الثناء، لا لمجرد حب الاستماع إلى المدح والثناء والإطراء، بل لما لشعر المديح ولشعر الهجاء من أثر كبير في حياة ذلك اليوم، فالشعر هو من أهم وسائل الإعلام في ذلك الوقت، وللدعاية والإعلام وجلب الناس نحو الممدوح أهمية كبيرة بالنسبة إلى رجال الحكم والسياسة في كل زمان ومكان، إن كذبا وإن صدقا، فالسياسي يريد تحقيق سياسته، بأية وسيلة كانت، حتى إن كانت بالكذب والغش والتزوير، فالشعر من وسائل الخدمة السياسية التي استعان بها ملوك الحيرة في بسط نفوذهم في جزيرة العرب.
و"عدي بن زيد" العبادي هو ابن الحيرة، فهو لسان هذه المدينة، أما بقية الشعراء، فقد كانوا يأتون هذه المدينة، لنيل صلة أو لقضاء أمر، ثم يعودون إلى ديارهم، ومنهم من كان يطيل المقام بها، فيتأثر بثقافتها وبمحيطها حسب قابلياته وسرعة استجابته للمؤثرات الخارجية. ويظهر أنه كان لأهل الحيرة ولعرب العراق عامة ذوق خاص في الشعر، ولهم حب لتنويع البحور، والتزام البحور السهلة المؤثرة، وميل إلى التنوع في الوزن، والتعبير أحيانا عن بعض أفكار مستمدة من البداوة، والظهور بلون محدد من التراث المحلي2.
يقول "غرونباوم": "وليس من الغريب أن نجد التفنن في الأوزان الشعرية في العراق أغنى مما كان عليه في أي مكان آخر، وذلك لأن أجيالا كثيرة هي التي عاشت في المدينة وفي البلاط، ونزعت بطبيعة وضعها إلى التحسين في تلك الفنون، ولكن الغريب المدهش حقا أن نرى أبا دؤاد يعرض علينا أغنى تنوع عروضي في الشعر العربي القديم، لأن شعره جاء على اثني عشر بحرا. وإذا
1 المرزباني، معجم "37".
2 غرونباوم "264".
عدينا أمر التنويع في الأوزان، وجدنا هذه المدرسة قد أكثرت من بحر الرمل، ولا يستعمل هذا البحر في الشعر القديم إلا أبو دؤاد في ثلاث قصائد، وطرفة في ثلاث قصائد، وعدي في سبع قصائد، والمنقب في واحدة، والأعشى في اثنتين. ولا يستثنى من هذا الحكم أيضا إلا امرؤ القيس، القصيدة 18 وأقول إن هذه الحقيقة تقوي الرواية التي تقول إنه كان راوية لأبي دؤاد"1.
وقد لفت نظره وجود هذا البحر: بحر الرمل في العراق، ونموه بالحيرة بصورة خاصة، وعلل ذلك بقوله:"إن الرمل استعير من الوزن البهلوي ذي الثماني مقاطع كما صوره "بنفينيسته" "المجلة الآسيوية 2: 221، 1930"، وأنه عدل على نحو يلائم العروض العربي. والحق أن ليس من عقبة داخلية تقف دون القول بوجود أثر فارسي في النسق الشعري العربي، في المناطق المجاورة للدولة الفارسية والتابعة لها، ولأؤيد هذه النظرية أحيل القارئ على بحر المتقارب، فقد أثبت "بنفينيسته" أنه مشتق من البحر البهلوي hendekaayllabic ذي الأحد عشر مقطعا اثباتا يكاد لا يقبل الشك"2.
ولاحظ "غرونباوم" أن الخاصية العروضية الثانية لمدرسة الحيرة هي نزوعها إلى بحر الخفيف، وعند أبي دؤاد منه خمس عشرة قصيدة، وعند عدي سبع، وعند الأعشى خمس، ولم يستعمل هذا البحر عند الشعراء المعاصرين إلا على نحو عارض3. ولكننا نجد بحر الخفيف في شعر "عمرو بن قميئة"4، وفي شعر للمرقش الأكبر5، والمرقش الأصغر6، وفي شعر لعبيد7، وفي شعر ينسب لعامر بن الطفيل8، ومعلقة الحارث بن حلزة9.
ويعتبر "شوارتز" بحري الرمل والخفيف نوعا من الإيقاع الفارسي، انتقل إلى العربية. أما تأثير الشعر الساساني في الأعشى فيشهد به قطعة "بهلفية" طبعها
1 غرونباوم "265 وما بعدها".
2 غرونباوم "265 وما بعدها".
3 غرونباوم "266".
4 القصيدة 6 و9 "لايل".
5 المفضليات "48".
6 المفضليات "59".
7 عبيد "11" و "27".
8 القصيدة "5"، والقطعة "14"، "لايل".
9 غرونباوم "277".
"بنفينيسته" وترجمها، وقطعة أبي دؤاد "14"1، "18"2، وما فيهما من إشارة إلى البيزرة، تدلان على أثر الحضارة الساسانية في العراق.
وقد تعرض "بروكلمان" لموضوع تأثر الشعر الجاهلي بمؤثرات أجنبية، فأنكر ذلك، إذ قال: "وأما ما زعمه بعض العلماء من أن مؤثرات أجنبية أثرت في فن الشعر القديم، فليس هناك ما يؤيده، نعم يريد بورداخ أن يرجع النسيب العربي إلى شعر القصور اليونانية بالإسكندرية، لأن أكثر النسيب العربي يقال في عشق النساء المتزوجات، كما هو الحال عند شعراء ملوك الإسكندرية، ويتصور انتقال هذه الصناعة إلى العرب عن طريق شعراء الملوك في الشام والعراق. ولكن مثل هذه الأبيات الغزلية، التي تشبه النسيب في مطلع القصائد وإن لم تبلغ بعد نموا كاملا، يعرفها أيضا شعر التكرية في أوائل القصائد المطولة وفي أواخرها.
ولا شك أنه من قبيل المصادفة والاتفاق أن يبدو في قصيدة للمسيب بن علس، يتكرر فيها ست مرت هذ الخطاب: ولأنت، صدى ورنين لأسلوب الأنشودة القديم الذي يتميز به أكنوستوس تيوس. كما وضح ذلك الأستاذ نوردن3.
ونرى في الشعر العراقي وفي شعر سواحل الخليج، أي العربية الشرقية، ذكرا للبحر وللسفين. وفي شعر طرفة قوله:
كأن حدوج المالكية غدوة
…
خلايا سفين بالنواصف من دد
عدولية أو من سفين ابن يامن
…
يجور بها الملاح طورا ويهتدي
يشق حباب الماء حيزومها بها
…
كما قسم الترب المفايل باليد4
وصف للبحر ولسفن رجل يظهر أنه كان يهوديا صاحب سفن، ولا نجد هذا الوصف أو الالتفاتة إلى البحر في شعر الشعراء القاطنين البوادي، أو الذين لم يروا النهرين الكبيرين في العراق أو ساحل الخليج. فهذا الوصف هو من خصائص
1
فانتحى مثل ما انتحى باز دجن
…
جوعته القناص للدارج
الأغاني "15/ 95"، من الخفيف
2
إذا شاء فارسه ضمه
…
كما ضم باز إليه الجناح
غرونباوم "302".
3 بروكلمان "1/ 62".
4 البيت رقم "3" وما بعده من معلقته.
البلاد التي تكون على سواحل البحار.
وليس وجود السهولة في الشعر العراقي مثل شعر "عدي بن زيد"، أو في شعر أهل القرى، بأمر غريب. وقد عبر عنها بالليونة كذلك. فالحضارة، أي الحياة في القرية أو في المدينة. وحياة أهل المدر، هي ليونة وسهولة في حد ذاتها بالنسبة إلى حياة البوادي والبراري، حيث الخشونة والغلظة في الحياة، ومن ثم صار الأعرابي غليظا فظًّا خشنا، يتكلم بعنجهية لا يفهمها أهل المدر والاستقرار، فيتصورونها فظاظة منه وغلظة، وإنسان على هذا النحو من الطبع أو التطبع، لا بد وأن يكون شعره خشنا مثله، فالشعر تعبير عن إحساس نفسي، وعن انعكاس لثقافة المرء ولتربيته الناتجة عن محيطه، ولهذا نجد شعر شعراء القرى يختلف عن شعر أهل البوادي، بألفاظه وبأسلوب نظمه وبمعانيه وبروحه الحضرية.
وقد وصف شعر "عدي" بالليونة، ونسبوا ذلك إلى سكنه الحضر. "وأما عدي بن زيد فلقربه من الريف وسكناه الحيرة في حيز النعمان بن المنذر لانت ألفاظه فحمل عليه كثير، وإلا فهو مقل"1. وقالوا عنه "وعدي من الشعراء مثل سهيل في النجوم: يعارضها، ولا يجري معها. هؤلاء أشعارهم كثيرة في ذاتها، قليلة في أيدي الناس، ذهبت بذهاب الرواة الذين يحملونها"2. وقيل عن شعره:"والعرب لا تروي شعره، لأن ألفاظه ليست بنجدية، وكان نصرانيا من عباد الحيرة، قد قرأ الكتب"3. وقد أرادوا بالكتب، الكتب المقدسة التوراة والأناجيل والكتب النصرانية الأخرى. ولم يشيروا إلى لغتها، والأغلب أنها كانت بالآرامية التي كانت شائعة في العراق وبين نصارى المشرق، ولكني لا استبعد احتمال وجود بعض منها باللغة العربية، لأن غالبية أهل الحيرة كانت تتكلم بها، ولا سيما الطبقة الحاكمة التي هي من صلب عربي. فلا يستبعد احتمال ترجمة بعض الكتب لهم بالعربية، للوقوف عليها.
قال "أبو عبيدة" إن العرب لاتروي شعر أبي دؤاد وعدي بن زيد، لأن ألفاظهما ليست بنجدية، فلا بد أن يكون أساس الشعر عندهم على صميم العربية.
1 العمدة "1/ 104".
2 العمدة "1/ 104"، الأغاني "2/ 18".
3 الشعر والشعراء "1/ 154"، "الثقافة".
من لسان مضر، وما عدا ذلك فهو مما تبعث عليه فطرة صاحبه، ولكن العرب لا يبالون به ولا يروونه، وعلى هذا مشى المتأخرون في الاحتجاج بالشعر العربي، فالعلماء لا يرون شعر عدي بن زيد حجة. لأنه كان يسكن بالحيرة ويدخل الأرياف، فثقل لسانه؛ وهذا الاعتبار يحدد لنا منشأ الشعر"1. ولكننا لو تصفحنا شعر الشواهد، نجد أن فيه شعرا من شعر عدي، استشهد به في القواعد2، وقد ذكر "الجاحظ" أن "أبا إياس" النصري، وكان أنسب الناس، كان يقول: "كانوا يقولون: أشعر العرب أبو دواد الإيادي، وعدي بن زيد العبادي"3.
والواقع أن شعر "عدي" أقرب إلينا من شعر أهل البادية، وأسهل فهما، وفيه معان حضرية لا نعثر عليها في شعر شعراء أهل الوبر، ونجد في شعره ألفاظا معربة، استشهد بها "الجواليقي" في كتابه المعرب، وذلك دليل على تأثره بمحيطه وببلدته التي كانت عربية نبطية فارسية، تلعب بها تيارات ثقافية متباينة، وهو يخالف شعراء البوادي، فابتعاده عن الأعاريض الطويلة، وميله إلى الأعاريض القصيرة، ثم في أسلوب خمرياته الشبيهة بخمريات الأعشى وحسان بن ثابت، ثم يخالف شعراء نجد في أفكار الزهد والتصوف التي ترد في شعره، والتي لا ترد ولا تخطر على بال الشاعر الأعرابي4.
وعدي بن زيد العبادي، هو "عدي بن زيد بن حماد بن أيوب"، وقيل:"عدي بن زيد بن حمار "حماز" بن زيد بن أيوب بن مجروف "محروف" بن عامر بن عصبة "عصية" بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم"، وقيل: عدي بن زيد بن أيوب بن حمار "حماد""جمار"، أحد بني "امرئ
1 الرافعي "2/ 8 وما بعدها"، الأغاني "15/ 97"، الشعر والشعراء "150 وما بعدها، 162".
2 شرح شواهد المغني، للسيوطي "2/ 658".
3 البيان والتبيين "1/ 323".
4 كارلو نالينو "90 وما بعدها".
القيس بن زيد مناة بن تميم"1. وكان كاتبا لكسرى على ما يجتبى من الغور، وكان سبب ملك النعمان بن المنذر. وكان كسرى مكرما له محبا، وكان عدي أنبل أهل الحيرة وأجودهم منزلة ولو أراد أن يملكه كسرى على الحيرة ملكه، ولكن كان يحب الصيد واللهو، ولم يكن راغبا في ملك العرب2. وعرف بـ "أبي سوادة"3.
وجد عدي أول من سمي من العرب بأيوب، وجده "جمار""حمار""حماد""حماز" أول من كتب من العرب، لأنه نزل الحيرة فتعلم الكتابة منها. وذكره الجمحي في الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية، وقال: هم أربعة رهط، فحول شعراء، موضعهم من الأوائل، وإنماأخل بهم قلة شعرهم بأيدي الرواة، طرفة وعبيد بن الأبرص، وعلقمة بن عبدة، وعدي بن زيد4. وذكر أن "حمازا"، كان أول من تعلم الكتابة "من بني أيوب" وكتب للنعمان الأكبر5.
وكان لعدي بن زيد عدو من أهل الحيرة يقال له: "عدي بن أوس" من "بني مرينا". سبق أن تحدثت عنه، أوغر صدر "النعمان" على عدي حتى حبسه بالصنّين، سجن بظاهر الكوفة، فقال عدي بن زيد شعره كله أو أكثره في الحبس حتى مات به6. وكان موته من جملة أسباب القضاء على حكم النعمان7.
1 وتجد اختلافا بين النسخ المطبوعة في ضبط الأعلام، في مثل "حماد" و "مجروف" و "عصبة"، وذلك بسبب، اختلاف النسخ الخطية الأصلية في ضبط هذه الأسماء لتحريف وقع بها من النساخ، فأخذ كل محقق ما وجده في نسخته، أو في النسخ، وبسبب الأخطاء المطبعية، راجع الشعر والشعراء "1/ 150، 153"، "الثقافة"، "حماد"، و"حمار" في معجم الشعراء، للمرزباني "80"، "إخراج عبد الستار أحمد فراج"، "حمار"، "كذا في أوهي إحدى روايتين في اسمه، وجعلها الشنقيطي "حماد" بالدال، ويروى "حماز" و"خمار"، أسماء المغتالين "140"، "تحقيق عبد السلام هارون"، طبقات ابن سلام "117"، الأغاني "2/ 17"، الخزانة "1/ 184"، الموشح "72".
2 المرزباني، معجم "80 وما بعدها"، "فراج"، طبقات ابن سلام "31"، رسالة الغفران "146 وما بعدها".
3 رسالة الغفران "186، 203".
4 السيوطي، شرح شواهد "1/ 471 ومابعدها".
5 الشعر والشعراء "1/ 153".
6 كتاب أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام، لمحمد بن حبيب "140 وما بعدها"، "تحقيق عبد السلام هارون".
7 السيوطي، شرح شواهد "2/ 658 وما بعدها".
وقد ذكر عنه علماء الشعر، أنه كان نصرانيا هو وأهله، وليس معدودا من الفحول، وعيب عليه أشياء. "وكان الأصمعي وأبو عبيدة يقولان: عدي بن زيد في الشعراء بمنزلة سهيل في النجوم، يعارضها ولايجري معها. وكذلك عندهم أمية بن أبي الصلت. ومثلهما عندهم من الإسلاميين الكميت والطرماح"1. وقيل عنه إنه "كان يسكن بالحيرة، ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شيء كثير جدا، وعلماؤنا لا يرون شعره حجة، وله أربع قصائد غرر إحداهن:
أرواح مودع أم بكور
…
لك فاعمد لأي حال تصير
والثانية:
أتعرف رسم الدار من أم معبد
…
نعم فرماك الشوق قبل التجلد
والثالثة:
لم أر مثل الفتيان في غبن الـ
…
ـأيام ينسون ما عواقبها
والرابعة:
طال ليلي أُراقب التنويرا
…
أرقب الليل بالصباح بصيرا2
ومن شعره:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه
…
فإن القرين بالمقارن مقتدي
يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كلمة نبي ألقيت على لسان شاعر: إن القرين بالمقارن مقتدي3
ومن الأخباريين من نسب القصيدة التي مطلعها:
طال ليلي أراقب التنويرا
…
أرق الليل بالصباح بصيرا
1 السيوطي، شرح شواهد "1/ 471"، الخزانة "1/ 184"، "بولاق".
2 الشعر والشعراء "1/ 150 وما بعدها"، "الثقافة".
3 المرزباني، معجم "82"، "فرج".
إلى "سوادة بن عدي" غير أن معظمهم يرى أنها لعدي1.
وذكر "أبو العلاء" المعري، أنه شاهد بعض الوراقين ببغداد، يسأل عن قافية "عدي بن زيد" العبادي، التي أولها:
بكر العاذلات في غلس الصبـ
…
ـح يعاتبنه أما تستفيق
وأن "ابن حاجب النعمان"، وهو أبو الحسين عبد العزيز بن إبراهيم، سأل عن هذه القصيدة وطلبت في نسخ من ديوان عدي، فلم توجد، ثم سمع بعد ذلك أن رجلا من أهل "استراباذ"، يقرأ هذه القافية في ديوان "العبادي"، ولم تكن في النسخة التي في دار العلم2. وقد أورد "المعري" قصائد من شعره في رسالة الغفران3، وأشار إلى بعض ما نحل عليه، وإلى بعض ما نسب إليه، ونسب إلى غيره4.
"قال الأصمعي: كان عدي لا يحسن أن ينعت الخيل، وأخذ عليه قوله في صفة الفرس: فارها متتايعا. وقال: لا يقال لفرس "فاره" إنما يقال له جواد وعتيق، ويقال للكودن والبغل والحمار: فاره"5. ووصف الخمر بالخضرة، ولم يعلم أحد وصفها بذلك. وهو أول من شبه أباريق الخمر بالظباء6. وقالوا عنه إنه ممن أقر على نفسه بالزنا. وأوردوا له أبيات شعر في ذلك7.
وفي شعر "عدي بن زيد"، زهد الرهبان وتصوف المتصوفين، فيه تذكير بالآخرة وتزهيد في الدنيا، ووعظ بمصير محزن يلحق المغرورين العتاة المتجبرين كالمصير الذي لحق الملوك الطغاة والأقوام الخالية، ولا سيما في القصيدة التي يقول فيها:
1 الخزانة "1/ 183 وما بعدها".
2 رسالة الغفران "173 وما بعدها".
3 "ص186 وما بعدها".
4 رسالة الغفران "335".
5 الشعر والشعراء "1/ 154"، "الثقافة".
6 الشعر والشعراء "1/ 155"، "الثقافة".
7 الشعر والشعراء "1/ 156"، "الثقافة".
أين كسرى كسرى الملوك أنوشَرْ
…
وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الر
…
وم لم يبق منهم مذكور
وأخو الخضر إذ بناه وإذ دجـ
…
ـلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كلـ
…
ـسا فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فبان الـ
…
ـملك عنه فبابه مهجور
وتبين رب الخورنق إذ أشـ
…
ـرف يوما وللهدي تفكير
سره ماله وكثرة ما يمـ
…
ـلك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه وقال فما غبـ
…
ـطة حي إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والنعـ
…
ـمة وارتهم هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق جف
…
فألوت به الصبا والدبور1
وورد أن "هشام بن عبد الملك"، كان في مجلس فخم، فحدثه "خالد بن صفوان" بحديث ملك الحيرة الذي اغتر بهذه الدنيا، ثم أنشد قصيدة "عدي بن زيد"، التي منها:
أيها الشامت المعير بالدهر
…
أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيـ
…
ـام بل أنت جاهل مغرور
حتى أتم إنشادها عليه، فبكى وتأثر2. وورد في رواية أخرى أن قائل هذا الشعر هو: أحد بني تميم "عدي بن سالم" المري العدوي. وقد ذكر ذلك "السهيلي"، لكنه عاد بعد ذكره الشعر، فقال: "والذي ذكره عدي بن زيد في هذا الشعر هو النعمان بن امرئ القيس جد النعمان بن المنذر. وأول هذا الشعر:
أرواح مودع أم بكور
…
لك فانظر لأي ذاك تصير
قاله عدي وهو في سجن النعمان بن المنذر وفيه قتل"3. وروي أن "يونس
1 العقد الفريد "3/ 191"، ابن هشام، سيرة "1/ 56"، "حاشية على الروض".
2 الجمان في تشبيهات القرآن "304 وما بعدها".
3 الروض الأنف "1/ 58".
النحوي"، كان يقول: "لو تمنيت أن أقول شعرا ما تمنيت إلا هذا"1، أي القصيدة المذكورة.
وفي شعره الذي قيل إنه قاله للنعمان بن المنذر، وكان قد نزل معه في ظل شجرة مونقة ليلهو النعمان هناك، مثال على الحث على الزهد والابتعاد عن الدنيا والإقناع بنبذها والترهب في هذه الحياة، تحدث فيه على لسان الشجرة، مخاطبا الملك، قائلا له بعد أن رأى ما عليه من الأنس والحبور: أيها الملك؟ أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: وما الذي تقول؟ قال: تقول:
من رآنا فليحدث نفسه
…
أنه موف على قرن زوال
وصروف الدهر لا يبقى لها
…
ولما تأتي به صمُّ الجبال
رب ركب قد أناخوا حولنا
…
يمزجون الخمر بالماء الزلال
إلى أن يقول:
ثم أضحوا عصف الدهر بهم
…
وكذاك الدهر حالًا بعد حال
قالوا: فتنغص النعمان، ونزع ملكه، وخلعه عنه، وترهب إلى غير ذلك من أشعار له، فيها هذا المعنى من الترغيب في الزهد والإبعاد عن لذائذ الدنيا2.
و"حكي عن النعمان بن المنذر، أنه خرج متصيدا ومعه عدي بن زيد العبادي فمر بآرام -وهي القبور-، فقال عدي: أبيت اللعن أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: لا. قال: إنها تقول:
أيها الركب المخفو
…
ن على الأرض تمرون
لكما كنتم فكنا
…
وكما كنا تكونون3
والشعر المنسوب إلى "عدي" الذي أدى على حد قول علماء الأخبار إلى
1 بلوغ الأرب "3/ 119".
2 المبرد، الكامل "1/ 294"، العمدة "1/ 223"، الجمان في تشبيهات القرآن "308"، المحاسن والأضداد "36".
3 المحاسن والأضداد "35".
إعراض "النعمان" السائح عن ملكه، وهروبه إلى البراري ليعيش فيها عيشة الرهبان، هو شعر لا يمكن أن يكون من شعر "عدي"، لأن شاعرنا لم يكن كبير السن آنذاك حتى يصدر منه مثل هذا الشعر، كما أنه لم يكن على اتصال وثيق بذلك الملك في ذلك العهد، ولعله من الشعر المصنوع، الذي وضع عليه. وهو شيء كثير. ولو قالوا إنه نظمه، وهو في سجنه حكاية عن قصة قديمة، لكان كلامهم هذا أقرب إلى العقل وأسهل للتصديق، لأنه كان قد كبر في العمر، وفي موقف يمكن أن يصدر منه مثل هذا الشعر.
وهو شعر سلس سهل جميل ذو معان عميقة لطيفة، تتحدث عن تجارب رجل خبر الأيام، وعاش في نعيم ورفاه، حتى وصل مركزا عاليا في بلده، وإذا به يجد طريقه إلى المقابر، فيقبر بها وكأنه لم يكن شيئا مذكورا، فمن رأى الثاوين فيها، ومن نظر إلى القبور، فليحدث نفسه، أنه سيكون مثلهم، وأنه موف على قرن زوال، وصروف الدهر لا يبقى لها، ولا تدوم حال على حال، وقد صار أسلوبه هذا نموذجا لمن مال إلى الزهد والتصوف في الإسلام، وربما كان الشاعر "أبو العتاهية" ممن تأثر بهذا الشعر المنسوب إلى "عدي".
ولعل الأحداث التي وقعت له، والأيام التي قضاها في سجنه، حتى جاءته منيته، وهو فيه، قد أثرت في نفسيته فجعلته، يكثر من الزهد في هذه الحياة، ومن وعظ الإنسان، بأن يغتر ويتجبر ويتكبر، فالسعادة لا تدوم لأحد، والملك لا يخلد لملك أو مالك، والحياة مهما كانت سعيدة ناعمة، فإنها قصيرة تمر مر البرق خاطفة، فعلى المتجبر أن يتعلم العبر من حياة الماضين ومن الأمم العظيمة، ومن الجبابرة، من أمثال: الأكاسرة وملوك الروم، وصاحب الحضر، ومن حياة من شاد القصور، وإذا به يتركها لغيره، ثم يدفن في حفرة ضيقة، فيخاطب النعمان صاحبه والشامتين به، الحساد الذين وشوا به حتى أصابه ما أصابه، ويقول لهم جميعا، وهو قابع في سجنه1:
أيها الشامت المعير بالدهـ
…
ـر أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيـ
…
ـام بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلدن أم من
…
ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر
…
وان أين قبله سابور
إلى أن ينتهي منها بقوله:
ثم صاروا كأنهم ورق جف
…
فألوت به الصبا والدبور
وهي قصيدة نظمت بالبحر الخفيف.
قال "الجاحظ": "وقال عدي بن زيد العبادي، وهو أحد من قد حُمِل على شعره الحمل الكثير، ولأهل الحيرة بشعره عناية، وقال أبو زيد النحوي: لو تمنيت أن أقول الشعر ما قلت إلا شعر عدي بن زيد:
كفى زاجرا للمرء أيام عمره
…
تروح له بالواعظات وتغتدي
فنفسك فاحفظها من الغي والردى
…
متى تغوها تغو الذي بك يقتدي
فإن كانت النعماء عندك لامرئ
…
فمثلا بها فاجز المطالب أو زد
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه
…
فإن القرين بالمقارن مقتدي
ستدرك من ذي الجهل حقك كله
…
بحلمك في رفق ولما تشدد
وظلم ذوي القربى أشد عداوة
…
على المرء من وقع الحسام المهند
وفي كثرة الأيدي عن الظلم زاجر
…
إذا خطرت أيدي الرجال بمشهد1
وورد أن "عمر بن الخطاب" تمثل بشعر عدي:
كدمى العاج في المحاريب أو كالـ
…
ـبيض في الروض زهره مستنير2
ومن شعراء الحيرة "ابن بقيلة"، وله شعر ذكر فيه حال الحيرة بعد فتح المسلمين لها، إذ يقول:
أبعد المنذرين أرى سواما
…
تروح بالخورنق والسدير
وبعد فوارس النعمان أرعى
…
قلوصا بين مرة والحفير
1 الحيوان "7/ 150".
2 البيان والتبيين "1/ 45".
فصرنا بعد هلك أبي قبيس
…
كجرب المعز في اليوم المطير
تقسمنا القبائل من معد
…
علانية كأيسار الجزور
وكنا لا يرام لنا حريم
…
فنحن كضرة الضرع الفخور
نؤدي الخرج بعد خراج كسرى
…
وخرج من قريظة والنضير
كذاك الدهر دولته سجال
…
فيوم من مساءة أو سرور1
فهو يتأسف على ما وقع للحيرة، من تسلط قبائل "معد" عليها، ومن دخولهم في حكمهم، بعد أن كانوا يحكمون تلك القبائل، ويجبون الجبايات، ويظهر من ذكر "قريظة" والنضير في هذا الشعر، أن حكم الحيرة قد بلغ أرض هاتين القبيلتين، وذلك إن صح بالطبع أن هذا الشعر هو من شعره، وأنه أصيل غير مصنوع.
وهو "عبد المسيح بن بقيلة" الغساني، أو "عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن بقيلة"، وبقيلة اسمه "ثعلبة"، وقيل:"الحارث". وقد حشر في جملة المعمرين الذين عاشوا ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام، فلم يسلم، وكان نصرانيا. وله حديث مع خالد، حين طلب من أهل الحيرة إرسال رجل من عقلائهم ليكلمه في أمر المدينة، فلما جاء إليه قال له: أنعم صباحا أيها الملك. فقال خالد: قد أغنانا الله عن تحيتك هذه، ثم سأله أسئلة أخرى، ثم قال له. أعرب أنتم أم نبيط؟ قال: عرب استنبطنا، ونبيط استعربنا2، في حديث منمق، يرويه أهل الأخبار، وكأنهم كانوا مع خالد وابن بقيلة يسجلون حديثهما بالكلم والحروف.
وقد تطرق "الجاحظ" إلى خبر التقاء "عبد المسيح" بخالد بن الوليد، وروى حديثه معه3. وذكر "المرتضى" أنه لما بنى قصره المعروف بقصر ابن بقيلة قال:
1 الطبري "3/ 362"، وتجد هذه الأبيات في أمالي المرتضى مع بعض الاختلاف "1/ 262".
2 الطبري "3/ 362"، أمالي المرتضى "1/ 260 وما بعدها"، البيان والتبيين "2/ 147 وما بعدها".
3 البيان والتبيين "2/ 147 وما بعدها".
لقد بنيت للحدثان حصنا
…
لو أن المرء تنفعه الحصون
طويل الرأس أقعس مشمخرا
…
لأنواع الرياح به حنين1
وروى "المرتضى"، أن بعض مشايخ أهل الحيرة خرج إلى ظهرها يختط ديرا، فلما احتفر موضع الأساس، وأمعن في الاحتفار أصاب كهيئة البيت، فدخله فإذا رجل على سرير من رخام، وعند رأسه كتابة: أنا عبد المسيح بن بقيلة:
حلبت الدهر أشطره حياتي
…
ونلت من المنى بلغ المزيد
وكافحت الأمور وكافحتني
…
فلم أحفل بمعضلة كئود
وكدت أنال في الشرف الثريا
…
ولكن لا سبيل إلى الخلود2
ومن شعره في الناس وفي تهافتهم والتفافهم حول الغنى قوله:
والناس أبناء علات فمن علموا
…
أن قد أقل فمجفوٌّ ومهجور
وهم بنون لأم إن رأوا نشبا
…
فذاك بالغيب محفوظ ومخفور
وهذا يشبه قول أوس بن حجر:
بني أم ذي المال الكثير يرونه
…
وإن كان عبدا سيد الأمر جحفلا
وهم لمقل المال أولاد علة
…
وإن كان محضا في العمومة مخولا3
ومن شعراء "تنوخ""عمرو بن عبد الجن بن عائذ الله بن أسعد بن سعد بن كثير بن غالب"، وكان فارسا في الجاهلية، و "بنو عبد الجن" أسرة معروفة، كان لها بقية في الكوفة. ومن شعره:
أما والدماء المائرات تخالها
…
على قنة العُزّى وبالنسر عندما
1 أمالي المرتضى "1/ 262".
2 أمالي "263".
3 أمالي المرتضى "1/ 262 وما بعدها".
ثم:
وما سبح الرحمن في كل ليلة
…
أبيل الأبيلين المسيح بن مريما1
وأدخلوا في هذه الطبقة "جذيمة" الأبرش، و "لجيم بن صعب بن على بن بكر بن وائل"، وهو القائل:
من كل ما نال الفتى
…
قد نلته إلا التحية2
وجذيمة الأبرش، هو "جذيمة بن مالك بن فهم بن عمرو" ملك الحيرة، والأبرش لقب له، ويقال له الوضاح3، وهو خال "عمرو بن عدي"، وكان ينادم عديًّا، وكان له نديمان هما: مالك، وعقيل، بقيا معه أربعين سنة، ثم قتلهما وندم، ويضرب بهما المثل لطول ما نادماه. وقد قتلت الزباء جذيمة4. وقد شاء أهل الأخبار عده شاعرا من الشعراء وأوردوا له شعرا، كما سبق أن تحدثت عنه في أثناء حديثي عن مملكة الحيرة، وعن أسطورة صلته بالزباء. ولو جعلناه شاعرا: لوجب علينا تقديمه على كل الشعراء الجاهليين.
وقصة شعره أسطورة من أساطير أهل الأخبار، فلو كان له شعر، لوجب أن يكون بعربية أخرى، هي العربية التي دون بها شاهد قبر "امرئ القيس" ملك الحيرة، الذي توفي سنة "328" للميلاد أي بعد "جذيمة" بأمد، وشعره هو من شعر تبابعة اليمن وآدم والجن من صنع الرواة وأهل الأخبار.
وترى في شعر الأعشى، وأمية بن أبي الصلت، و "عدي بن زيد"، وكلهم من شعراء القرى، قصصا، لا تجده في الشعر المنسوب إلى غيرهم من الشعراء. قصصا نصرانيا وقصصا يرد عند اليهود، وقصصا من قصص الأساطير والخرافات، أو مما يتعلق بالأشخاص، كالذي ينسب إلى الأعشى من سرده حكاية السموأل وقصره في قصيدته التي يقول فيها:
1 الخزانة "3/ 340 وما بعدها"، "بولاق".
2 المزهر "2/ 476"، أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام، نوادر المخطوطات "المجموعة السادسة""ص112 وما بعدها".
3 البيان والتبيين "1/ 262".
4 رسالة الغفران "170، 278".
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به
…
في جحفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله
…
حصن حصين وجار غير غدار1
وقد وصف فيها السموأل وحصنه، وقصة وفائه، وما كان قد جرى من حوار بينه وبين الملك الغساني المطالب بأدرع الكندي، وترى من قراءتك لها أن النظم نمط غير مألوف في شعر غيره من الشعراء، الأبيات فيهما مكملة لما قبلها متصلة بعضها ببعض، بحيث لا يمكن أن تفصل بينها، وإلا اختل المعنى، وظهر فراغ فيه. وهو شيء غير مألوف عند غيره. فالبيت على حد قول علماء الشعر شعر مستقل قائم بنفسه، لا يؤثر حذفه أو تقديمه أو تأخيره على المعنى ولا على ارتباط الأبيات بعضها ببعض، أما في هذه القصيدة فكل بيت فيها تابع لسابقه، متصل معناه بمعناه، لأنه جزء منه، فلا يمكن حذف شيء من القصيدة دون أن يؤثر في معناها.
ونجد في شعره قصصا عن سد مأرب، وعن تهدمه وإغراقه من كان يسكن عنده بالماء، ذكر ذلك ليكون عبرة وأسوة للمؤتسي، وهو قصص بني على حادث تهدم ذلك السد2.
وفي شعر الأعشى قصص إرم وعاد وطسم وجديس، وأهل جوّ، ووبار3. وهو قصص رصعه الأخباريون بشعر نسبوه إلى "هزيلة" امرأة من "جديس"، وإلى "عميرة بنت غفار الجديسية"، في قصص عن الملوك القدماء، وكيف أنهم كانوا يدخلون على العذارى قبل إدخالهم على أزواجهم، في قصص ينسب إلى ملوك آخرين، مثل ملوك اليمن4. وهو قصص نجد له مشابه عند الأمم الأخرى.
ومن شعراء "غسان": "الشيظم بن الحارث" الغساني، وهو من الأسرة الحاكمة، كان قد قتل رجلا من قومه، وكان المقتول ذا أُسرة، فخافهم
1 الزمخشري، المستقصى في أمثال العرب "1/ 436".
2 راجع البيت "67 فما بعده" من القصيدة رقم "4"، وديوانه "ص43".
3 الخزانة "2/ 270 وما بعدها"، "هارون".
4 الخزانة "2/ 271 وما بعدها"، "هارون".
فلحق بالحيرة، فكان يتكفف الناس نهاره ويأوي إلى خربة من خراب الحيرة، فبينا هو ذات يوم في تطوافه إذ سمع قائلا يقول:
لحا الله صعلوكا إذا نال مذقة
…
توسد إحدى ساعديه فهوّما
مقيما بدار الهون غير مناكر
…
إذا ضيم أغضى جفنه ثم برشما
يلوذ بأذراء المثاريب طامعا
…
يرى المنع والتعبيس من حيث يمما
يضنُّ بنفس كدَّر البؤس عيشها
…
وجود بها لو صانها كان أحزما
فذاك الذي إن عاش عاش بذلة
…
وإن مات لم يشهد له الناس مأتما
بأرضك فاعرك جلد جنبك إنني
…
رأيت غريب القوم لحما موضما
فكأنه نبهه من رقدة، فتحايل إلى صاحب خيل المنذر، وتقرب إليه، وأظهر له أنه رجل من أهل "خيبر"، أقبل إلى هذه البلدة بجارة فأصاب بها، وله بصر بسياسة الخيل، فضمه إلى بعض أصحابه، حتى إذا وافق غرة من القوم، ركب فرسا جوادا من خيل المنذر وخرج من الحيرة يتعسف الأرض، حتى نزل بحي من بهراء فأخبرهم بشأنه، فأعطوه زادا ورمحا وسيفا، وخرج حتى أتى الشام فصادف الملك متبديا، وكان إذا تبدى لا يحجب أحد عنه، فأتى قبة الملك فقام قريبا منه، وأنشأ يقول:
يا صاحب الخيل الجياد المقربه
…
وصاحب الكتيبة المكوكبه
والقبة المنيعة المحجبه
…
وواهب المضمرة المرببه
والكاعب البهكنة المؤتبه
…
والمائة المدفأة المنتخبه
والضارب الكبش فويق الرقبه
…
تحت عجاج الكبة المكتّبه
هذا مقام من رأى مطَّلَبَه
…
لديك إذ عمّى الضلال مذهبه
وخال أن حتفه قد كربه
فأذن له الملك، فدخل عليه، وقص قصته، ثم بعث إلى أولياء المقتول فأرضاهم عن صاحبهم1.
1 ذيل الأماني "179 وما بعدها".
وفي شعر شعراء القرى، مزية امتازوا بها عن شعر شعراء أهل البوادي، هي أن أبيات القصيدة عندهم ليست على نحو أبيات القصيدة عند بقية الشعراء من استقلال الأبيات بنفسها، وقيامها بذاتها بحيث يمكن رفع الأبيات من مواضعها وتقديمها أو تأخيرها، أو حذفها، دون أن يؤثر ذلك على وحدة القصيدة أو المعنى. ففي شعر "الأعشى" مثلا، ترابط بين الأبيات واتصال بين البيت المتقدم والبيت الذي يليه، بحيث لا يمكن حذف أحدهما ورفعه، دون أن يؤثر حذفه على المعنى، كذلك يتعذر علينا في بعض شعره نقل البيت عن موضعه، وقد يأتي الأعشى بالفعل في بيت ثم يأتي بفاعله أو بمفعوله في البيت التالي، أو يأتي بفعل الشرط في بيت ويأتي بخبره بعد بيت أو بيتين1. ويرد التضمين في شعره، كما نجد "الاستدارة" فيه كذلك، والاستدارة توالي مجموعة متلاحمة من الأبيات تجري على نظام متسق، يقوم فيه كل بيت بنفسه في معناه، ولكن المعنى التام لا يتم إلا بالبيت الأخير منها. وهو أسلوب يثير السامع ويشوقه، ويجعله يتتبع الكلام حتى يبلغ منتهاه2.
وأشعر شعراء "البحرين" الذين ذكرهم "ابن سلام": المثقب العبدي، والممزق العبدي، والمفضل بن معشر3.
و"المثقب العبدي" واسمه "عائذ بن محصن بن ثعلبة"، من "بني عبد القيس"، من شعراء الجاهلية، وإنما سمي مثقبا لقوله:
ظهرن بكلّة وسدلن أخرى
…
وثقبن الوصاوص للعيون4
وذكر "ابن قتيبة" أن اسمه "محصن بن ثعلبة"5، وقيل اسمه شأس بن عائذ
1 ديوان الأعشى، المقدمة "ص ظ".
2 ديوان الأعشى، "غ".
3 طبقات "69".
4
رددن تحية وكنن أخرى
…
وثقبن الوصاوص للعيون
الشعر والشعراء "356"، طبقات الشعراء "229"، الخزانة "4/ 431".
السيوطي، شرح شواهد "1/ 190 وما بعدها".
ظهرن بكلة وسدلن رقما
…
وثقبن الوصاوص للعيون
تابع العروس "1/ 166"، "ثقب"، ألقاب الشعراء "316".
5 الشعر والشعراء "1/ 311"، "طبعة دار الثقافة".
ابن محصن، وقيل اسمه نهار بن شأس، وكان يكنى أبا وائلة. وهو من شعراء البحرين1.
"وكان أبو عمرو بن العلاء يستجيد هذه القصيدة له، ويقول: لو كان الشعر مثلها لوجب على الناس أن يتعلموه، وفيها يقول:
أفاطم قبل بينك متعيني
…
ومنعك ما سألتك أن تبيني
ولا تعدي مواعد كاذبات
…
تمر بها رياح الصيف دوني
فإني لو تعاند في شمالي
…
عنادك ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتُها ولقلت بيني
…
كذلك أجتوي من يجتويني
فإما أن تكون أخي بحق
…
فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني
…
عدوا أتقيك وتتقيني
فما أدري إذا يممت أرضا
…
أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا ابتغيه
…
أم الشر الذي هو يبتغيني2
وتحدث عنه "ابن قتيبة"، فقال: "وهو قديم جاهلي، كان في زمن عمرو بن هند، وإياه عنى بقوله:
إلى عمرو ومن عمرو أتتني
…
أخي الفعلات والحلْم الرزين
وله يقول:
غلبت ملوك الناس بالحزم والنهى
…
وأنت الفتى في سورة المجد ترتقي
وأنجب به من آل نصر سميدع
…
أغر كلون الهندوانيّ رونق3
ويرى "بروكلمان"، أن "ابن قتيبة" إنما أخذ رأيه المذكور من البيت المتقدم المذكور في المفضليات، ولكن الأصمعي يعارض ذلك، فقد مدح المثقب أبا قابوس النعمان بن المنذر4.
1 المرزباني، معجم "167"، الخزانة "4/ 429 وما بعدها".
2 الشعر والشعراء "1/ 311 وما بعدها".
3 الشعر والشعراء "1/ 312"، المرزباني، معجم "303".
4 بروكلمان، "1/ 115"، البيت "41" من القصيدة "76"، المفضليات.
فإن أبا قابوس عندي بلاؤها
…
جزاء بنعمى لا يحل كنودها
البيت "14" من القصيدة "28" في المفضليات.
وللمثقب العبدي ديوان مطبوع، كما يوجد له شرح1. ومن شعره:
لا تقولن إذا ما لم ترد
…
أن تتم الوعد في شيء نعم
حسن قول نعم من بعد لا
…
وقبيح قول لا بعد نعم
إن لا بعد نعم فاحشة
…
فبلا فابدأ إذا خفت الندم
فإذا قلت نعم فاصبر لها
…
بنجاح القول إن الخلف ذم2
واعلم بأن الذم نقص للفتى
…
ومتى لا تتقي الذم تذم
أكرم الجار وراع حقه
…
إن عرفان الفتى الحق كرم
لاتراني راتعا في مجلس
…
في لحوم الناس كالسبع الضرم
إن شر الناس من يكشر لي
…
حين يلقاني وإن غبت شتم
وكلام سيء قد وقرت
…
عنه أذناي وما بي من صمم
فتعديت خشاة أن يرى
…
جاهل أني كما كان زعم
ولبعض الصفح والإعراض عن
…
ذي الخنى أبقى وإن كان ظلم3
وأما "الممزق" العبدي، فاسمه "شأس بن نهار بن أسود"، وإنما سمي "الممزق" ببيت قاله:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل
…
وإلا فأدركني ولما أمزق4
وهو ابن أخي المثقب العبدي، وكان معاصرا لأبي قابوس النعمان بن المنذر5. قال عنه "ابن قتيبة": "وهو جاهلي قديم، قال البيت المذكور في قصيدة قالها لبعض ملوك الحيرة6. وذكر أنه قالها للملك عمرو بن هند، حين هم بغزو عبد القيس، فلما بلغته القصيدة انصرف عن عزمه7. وقيل: إنه عرف بالممزق ببيته:
1 حققه الشيخ محمد حسن آل يسين، "بغداد 1956م، بروكلمان "1/ 115".
2 الخزانة "4/ 431"، "بولاق".
3 بلوغ الأرب "3/ 124".
4 ابن سلام، طبقات "70"، الاشتقاق "330"، الآمدي، المؤتلف "185"، ألقاب الشعراء "316"، المفضليات "2/ 232".
5 بروكلمان "1/ 119"، ألقاب الشعراء "316"، المرزباني "495"، المزهر "2/ 435 وما بعدها"، الحيوان "2/ 298"، "5/ 441".
6 الشعر والشعراء "1/ 314"، المرزباني، معجم "481"، الأصمعيات رقم "50".
7 البيان والتبيين "1/ 375 وحاشية رقم 4"، جمهرة ابن حزم "282".
فمن مبلغ النعمان أن ابن أخته
…
على العين يعتاد الصفا ويمزق1
وقد نسبه "السيوطي" على هذه الصورة: "شأس بن نهار بن الأسود بن جبريل بن عباس بن حي بن عوف بن سود بن عذرة بن منبه بن بكرة" العبدي، ثم البكري2. ومن شعره:
أحقا أبيت اللعن إن ابن فرتنا
…
على غير إجرام بريقي مشرقي
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل
…
وإلا فأدركني ولما أمزق
فأنت عميد الناس مهما تقل نقل
…
ومهما تضع من باطل لا يحقق
أكلفتني أدواء قوم تركتهم
…
فإلا تداركني من البحر أغرق
فإن يعمنوا أشئم خلافا عليهم
…
وإن يتهموا مستحقبي الحرب أعرق3
ومما ينسب إليه:
هل للفتى من بنات الدهر من واق
…
أم هل له من حمام الموت من واق
وقوله:
هون عليك ولا تولع بإشفاق
…
فإنما مالنا للوارث الباقي4
ونجده يذكر في شعره صراخ الديك، ولا نجد للديك ذكرا عند الأعراب؛ لأنهم لا يربون الدجاج، وتربية الدجاج من خصائص الحضر. تراه يقول:
وقد تخذت رجلاي في جنب غرزها
…
نسيفا كأفحوص القطاة المطرق
أنيخت بجو يصرخ الديك عندها
…
وباتت بقاع كادئ النبت سملق5
وذكر "المرتضى" أن من شعره قوله:
ألا من لعين قد نآها حميمها
…
وأرقني بعد المنام همومها
1 بلوغ الأرب "3/ 124".
2 شرح شواهد "2/ 680 وما بعدها".
3 الشعر والشعراء "1/ 314".
4 بلوغ الأرب "3/ 125".
5 الحيوان "2/ 298".
فباتت لها نفسان شتي همومها
…
فنفس تعزيها ونفس تلومها
وذكر أن من العلماء من ينسبه لمعقر بن حمار البارقي1.
ومن شعراء "عبد القيس": "سويد" و "زيد" ابنا "خذاق". قال عنهما "ابن قتيبة": "وهما قديمان، كانا في زمن عمرو بن هند. ويزيد القائل:
نعمان إنك غادر خدع
…
يخفي ضميرك غير ما تبدي
فإذا بدا لك نحت أثلتنا
…
فعليكها إن كنت ذا جد
وهززت سيفك كي تحاربنا
…
فانظر بسيفك من به تردي
وله شعر في الموت وفي ذم الدنيا، قال عنه "أبو عمرو بن العلاء" إنه "أول شعر قيل في ذم الدنيا"2.
وكان يزيد قد هجا "النعمان بن المنذر" فبعث إليه النعمان كتيبته "الدوسر" فاستباحتهم، فقال أخوه سويد:
ضربت دوسر فينا ضربة
…
أثبتت أوتاد ملك فاستقر
فجزاك الله من ذي نعمة
…
وجزاه الله من عبد كفر3
ومن شعره قوله في "عمرو بن هند":
أبى القلب أن يأتي السدير وأهله
…
وإن قيل عيش بالسدير غزير
به البق والحُمّى وأسد خفية
…
وعمرو بن هند يعتدي ويجور
وهو القائل أيضا:
جزى الله قابوس بن هند بفعله
…
بنا وأخاه غدرة وأثاما
بما فَجَرا يوم العطيف وفرقا
…
قبائل أحلافا وحيا حراما
لعل لبون الملك تمنع درها
…
ويبعث صرف الدهر قوما نياما
وإلا تغاديني المنية أغشكم
…
على عدواء الدهر جيشا لهاما4
1 أمالي المرتضى "1/ 325".
2 الشعر والشعراء "1/ 302".
3 الاشتقاق "2/ 200".
4 الشعر والشعراء "1/ 302 وما بعدها".
وكانت عبد القيس وتميم على اتصال بملوك المناذرة الذين كان نفوذهم يمتد إلى البحرين واليمامة في بعض الأحايين، فكانت جيوش الحيرة في نزاع مستمر مع هذه القبائل التي كانت تنفر من دفع الإتاوة ومن الخضوع لآل لخم. ونجد أخبار هذا النزاع في شعر شعرائها، وهي أخبار لا نجدها في كتب التواريخ المألوفة، التي لم تحفل بالشعر، فضاع عليها قسط كبير من تأريخ الحيرة، حصلنا عليه لحسن حظنا من كتب الشعر والأدب التي دونت أخبار الشعراء ودونت المناسبات التي قيل فيها هذا الشعر.