الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كفى بزيد رجلاً، وبحسب عمرو درهمٌ، وتعينه عند سقوط من في نحو: ما فيه من رجل"1.
1 شرح التسهيل: 1/ 3720.
المبحث الخامس:
نزع الخافض والتضمين:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: دراسة التضمين:
البحث في التضمين يطول لمن أراد أن يستوفي البحث حقه، والكلام فيه تتنازعه الحقيقة والمجاز، والنحو والبلاغة، ولكني سأُلم به في هذه العجالة، مشيراً إلى أهم ما دون فيه من بحوث، لمن أراد الوقوف على التفاصيل فأقول:
التضمين: من مصطلحات النحو والبلاغة والعروض.
وهو عند أهل اللغة: مصدر ضمّن يضمِّن تضميناً، كعلّم يعلِّم تعليماً، ويريدون به2: إيداع شيء شيئاً، يقال: ضمّنت الميّت القبر، أودعته إياه، وكلُّ شيء أُحرز فيه شيء فقد ضُمِّنَهُ، وبمعنى غَرِمَ يقال: ضمَّنته الشيء فَضَمِنَهُ، غرَّمته إياه، وضَمِنَه عنّي، التزم الغرم ومنه الغريم، لأنه ضامن، فعيل بمعنى فاعل.
والتضمين عند البلاغيين هو: "استعارة الشاعر كلاماً من غيره، وإدخاله في شعره"3 ومثاله قول الشاعر:
2 ينظر: العين:7/50، والتهذيب: 12/49، والصحاح واللسان، والقاموس والتاج (ضمن) .
3 ينظر في التعريف: الصناعتين: 36، الإيضاح للقزويني: 580، وتحرير التحبير:140.
لئنْ أَخْطَأْتُ في مَدْحيـ
…
ـكَ ما أَخْطَأْتَ في مَنْعي
لَقَدْ أَنْزَلْتُ حاجاتي
…
بِوادٍ غَيْرِ ذي زَرْعِ1
فضمَّن بيته قوله تعالى: {بِوادٍ غَيْرِذي زَرْعِ} من الآية 37 من سورة إبراهيم.
وعند العروضيين هو:"تعلُّق قافية البيت الأول بالبيت الثاني) 2 وهم يعدونه من عيوب الشعر.
قال الشاعر3:
يا ذا الَّذي في الحُبِّ يَلْحى أَما
…
تَخْشى عِقابَ اللهِ فينا أَما
تَعْلَمُ أنَّ الحُبَّ داءٌ أَما
…
وَاللهِ لَوْ حُمِّلتَ مِنْهُ كما
حُمِّلْتُ مِنْ حُبِّ رَخيمٍ لَما
…
لُمْتَ عَلى الحُبِّ فَذَرْني وَما
أَطْلُبُ إنِّي لَسْتُ أَدْري بِما
…
قُتِلتُ إلَاّ أّنَّني بَيْنما
أَنا بِبابِ القَصْرِ في بَعْضِ ما
…
أَطْلُبُ مِنْ قَصْرِهِمْ إذْ رَمى
شِبْهُ غَزالٍ بِسِهامٍ فَما
…
أَخْطَأَ سَهْماهُ وَلَكِنَّما
عَيْناهُ سَهْمانِ لَهُ كُلَّما
…
أَرادَ قَتْلِي بِهِما سَلَّما
1 بيتان من الهزج منسوبان لابن الرومي وهما في ديوانه: 4/1553، ونسبا لإسماعيل القراطيسي في عيون الأخبار 3/143، والأغاني:23/73.
2 الوافي في العروض والقوافي: 223، وينظر: كتاب القوافي للأخفش:65، والقوافي للتنوخي: 193، والشافي في علم القوافي: 97، والفصول في القوافي:93.
3 الأبيات من السريع منسوبة لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه 500، ودون عزو في الوافي في العروض والقوافي، ولا يخفى ما فيها من تكلّف الصنعة التي لا تتفق مع الذوق العربي السليم.
فكل بيت من هذه الأبيات تعلقت قافيته بالبيت اللاحق له.
وهو في اصطلاح النحاة: يدور حول المعنى اللغوي، إذ يعرفه ابن هشام بقوله:"قد يُشرِبون لفظاً معنى لفظ آخر فيعطونه حكمه"1 ويقول، الشريف الجرجاني:"أن يقصد بلفظ معناه الحقيقي، ويلاحظ معه معنى فعلٍ آخر يناسبه، ويُدَلُّ عليه بذكر شيء من متعلقاته"2 ويقول الأشموني: "إشراب اللفظ معنى لفظ آخر، وإعطاؤه حكمه لتصير الكلمة تؤدِّي مؤدَّى الكلمتين"3 ويرى الصبان أن الأولى أن يقال: "التضمين إلحاق مادة بأخرى في التعدِّي واللزوم، لتناسب بينهما أو اتحادٍ"4.
ويرى بعض العلماء: أن التضمين النحوي من أبواب المجاز وليس من باب الحقيقة، وما سمع منه يحمل على التجوُّز في اللفظ كابن السِّيْد البَطَلْيَوْسي في قوله:"اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدّى بحرف جرٍّ، والثاني بحرف جرٍّ آخر، فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع الآخر، مجازاً وإيذاناً بأن هذا الفعل في معنى الآخر"5، ويرى آخرون أنه من باب الحقيقة، وليس فيه مجاز، لأن كلاًّ من المعنيين مقصود لذاته، بخلاف المجاز الذي يكون القصد فيه لازم المعنى، كالزمخشري، والشريف الجرجاني، وسعد
1 مغني اللبيب: 897.
2 حاشية الشريف الجرجاني على الكشاف: 1/126.
3 شرح الأشموني: 2/ 95.
4 حاشية الصبان على الأشموني: 2/95.
وهناك تعريفات أخر للتضمين تدور حول هذا المعنى ينظر فيها: البرهان للزركشي:3/338 والاتقان للسيوطي: 3/270، والكليات لأبي البقاء:2/24، والنحو الوافي: 2/564.
5 الاقتضاب: 2/265.
الدين التفتازاني1، ومنهم من يرى فيه جمعاً بين الحقيقة والمجاز وعليه العز بن عبد السلام في كتابه مجاز القرآن2.
والتضمين: يقع في ثلاثة أبواب نحوية هي: باب الأسماء المبنية، وباب التعدّي واللزوم، وباب حروف المعاني.
وكما اختلفوا فيه بين الحقيقة والمجاز، تنازعوا كذلك في قياسية التضمين من عدمها على ثلاثة مذاهب3:
فريق يرى أن التضمين سماعيّ لا قياسي، وإنما يُلجأ إليه عند الضرورة، أمَّا إن أمكن إجراء اللفظ على مدلوله فهو أولى.
وذهب فريق ثانٍ: إلى القول بإطلاق القياس في التضمين دون قيود.
وتوسط فريق ثالث: فأجاز التضمين في الأفعال بشروط ثلاثة:
أ- تحقق المناسبة بين الفعلين.
ب- وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر، ويؤمن معها اللبس.
ج- ملاءمة التضمين للذوق العربي.
1ينظر الكشاف: 1/126، وحاشية يس:2/5.
2 ينظر: رأيه في حاشية يس على التصريح: 2/4.
3 ينظر في التضمين: الخصائص: 2/308، وارتشاف الضرب: 1984، ومغني اللبيب: 545، وحاشية الشمني على مغني اللبيب: 2/279، الأشباه والنظائر: 1/ 248، ومعترك الأقران للسيوطي: 1/198، 302، وحاشية الشيخ يس على التصريح: 2/4، والكليات لأبي البقاء: 2/24، وحاشية الدسوقي على المغني: 2/305، والنحو الوافي: 2/564، وفي النحو العربي: 120، وللدكتور عبد الفتاح بحيري إبراهيم بحث في التضمين في مجلة كلية اللغة العربية بالرياض العدد: الثالث:1393?.
المطلب الثاني: الفرق بين التضمين ونزع الخافض:
أوّلاً: من الناحية البلاغية: التضمين أبلغ من نزع الخافض، لأن الفعل المضمَّن معنى فعل آخر يؤدِّي المعنيين في وقت، واحد أحدهما أصالة، والآخر تضميناً، فيكون أبلغ في تأدية المعنى المراد، أما نزع الخافض فهو: حذف وإيصال فقط، وليس فيه معنى زائد عن المعنى الأصلي، وهذه المسألة تنبَّه لها ابن القيم فقال في معرض رده على من يرى أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض: "ظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر، وأمَّا فقهاء أهل العربية، فلا يرتضون هذه الطريقة، بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف، ومعنى مع غيره، فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال، فيُشربون الفعل المتعدِّي به معناه، هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى، وطريقة حذاق أصحابه، يضمّنون الفعل معنى الفعل، لا يقيمون الحرف مقام الحرف، وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن، وهذا نحو قوله تعالى:{عَيْناً يَّشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ} 1 فإنهم يضمنون: (يَشْرَبُ) معنى (يَرْوَى) فيعدونه بالباء التي تتطلَّبها، فيكون في ذلك دليل على الفعلين، أحدهما بالتصريح والثاني بالتضمين، والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار، وهذا من بديع اللغة، ومحاسنها، وكمالها. وهذا أحسن من أن يقال: يشرب منها، فإنه لا دلالة فيه على الرِّيِّ، وأن يقال يروى بها، لأنه لا
1 الإنسان: 6.
يدلّ على الشُّرب بصريحه بل باللزوم، فإذا قال يشرب بها دلّ على الشرب بصريحه، وعلى الرِّيّ بالباء فتأمله"1.
ثانياً: من الناحية الإعرابية: الفعل اللازم الذي يصل إلى المفعول به بواسطة حرف الجر هو متعدّ بالواسطة، والجار والمجرور بعده في محل نصب، والدليل على ذلك أنه لو عطف على المجرور لنصب المعطوف يقال: مررت بزيد وعمراً بالنصب، قال الشاطبي:"إنَّ الحرف إنْ حُذف فلا بد للمنجر به من النصب، فيصير الفعل متعدياً بنفسه بالعرض كالمتعدي بحق الأصل، وذلك لأنه إذا تعلق به الجار فقد صار موضعه نصباً، ولذلك تقول: مررت بزيد وعمراً فتعطف على موضعه نصباً"2 فمنزوع الخافض انتصب بالعَرَض الذي طرأ عليه لا بسبب تحمُّل فعله معنى لم يكن فيه ذلك المعنى من ذي قبل، أما التضمين، فلأن الفعل قد ضُمّن معنى آخر لم يكن فيه ذلك المعنى من ذي قبل، فيأخذ معنى جديداً مع بقاء المعنى الأصلي للفعل فهو جمع بين معنيين معنى أصلي، ومعنى تضمني، وبسبب المعنى التضمنى تعدى الفعل لا بسبب نزع الخافض.
1 بدائع الفوائد: 2/21.
2 المقاصد الشافية: 1/142.