المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌نزع الخافض من المفرد - المنصوب على نزع الخافض في القرآن

[إبراهيم بن سليمان البعيمي]

الفصل: ‌نزع الخافض من المفرد

وقال تعالى: {فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَّلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمونَ} 1.

وقال تعالى: {وَأَشْرِكْهُ في أَمْري كَيْ نَسَبِحَكَ كَثيراً} 2.

يجوز في الآيات الكريمة السابقة أن تكون لام كي محذوفة والتقدير: لكي تقر عينها، ولكي نسبحك، والمصدر منصوب على نزع الخافض كما سبق في آية الحشر.

1 القصص: 13.

2 طه: 32، 33.

ص: 299

‌نزع الخافض سماعاً في القرآن

‌نزع الخافض من المفرد

المبحث الثاني: نزع الخافض سماعاً في القرآن:

وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: نزع الخافض من المفرد:

نزع الخافض من المفرد موقوف على السماع، كما سبق ذكره، وقد جاءت آيات في القرآن كثيرة قال عنها عددٌ من النحاة، والمفسرين، والمعربين له بأنها منزوعة الخافض، وذلك مع أفعال لازمة، أو مما يتعدى لواحد بنفسه، وللثاني بالحرف، في غير المسائل القياسية الآنفة الذكر، منها قوله تعالى:{وَاللاتي تَخافونَ نُشوزَهُنَّ فَعِظوهُنَّ وَاهْجُروهُنَّ في المَضاجِعِ وَاضْرِبوهُنَّ فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغوا عَلَيْهِنَّ سَبيلاً إنَّ اللهَ كانَ عَلِيّاً كَبيراً} 3.

3 النساء: 34.

ص: 299

يتوقف إعراب {سِبيلاً} 1 على معرفة أصل اشتقاق الفعل (بغى) فإن أُخِذَ من (البَغْي) وهو الظُّلم فهو لازم وتكون كلمة (سيبلاً) حينئذٍ منزوعةَ الخافض والمعنى فلا تظلموهنَّ.

وإنْ فُسِّر الفعل (بغى) بـ (طلب) يقال بغيت الأمر أي طلبته، فالفعل حينئذٍ متعدٍّ بنفسه ويكون (سبيلاً) معمولاً له، والمعنى: لا تطلبوا عليهن ذنوباً تعنتاً لتتوصلوا بها إلى سبيل من السبل الثلاثة المتاحة لكم وهي: الوعظ، والهجر، والضرب التي كانت مباحة لكم وقت نشوزهن، أو الخوف من نشوزهن.

واختتام الآية الكريمة بـ {علياً كبيراً} غاية في البلاغة والإعجاز، ففيه إعلام للأزواج الذين منحهم الله صفة القوامة والعلو على أزواجهم بأن هذه صفة محكومة بأمر الله، وتوصيتهم بعدم الظلم والإسراف فيما أبيح لهم، فلا تستعلوا عليهنّ ولا تتكبروا، وتنبيه لهم بخفض الجناح ولين الجانب، وإشارة إلى أن قدرة الله فوق قدرتهم عليهنّ، وتذكيرهم بأن العلو والكبر من صفات الله تعالى.

وقال تعالى: {وَقالوا كونوا هوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهيمَ حَنيفاً وَّما كان مِنَ المُشْرِكينَ} 2.

1 ينظر في التوجيهات: التبيان:355 والفريد:1/729، والبحر:3/628، والدر:3/673.

2 البقرة: 135.

ص: 300

قراءة الجمهور بنصب: (مِلَّةَ) ، وقرئ1 في الشواذ برفع (مِلَّةُ) ، وتوجَّه قراءة الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره بل الهَدْيُ ملةُ، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره بل ملةُ إبراهيم حنيفاً هدْيُنا.

وفي توجيه قراءة النصب أربعةُ أقوال:

الأول: أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره بل نتَّبِعُ ملةَ إبراهيم2.

الثاني: أنه منصوب على الإغراء أي: عليكم ملةَ إبراهيم، وبه قال أبو عبيدة3.

الثالث: أنه منصوب على أنه خبر لـ (نكون) محذوفة، والمعنى حينئذٍ بل نكون أهلَ ملَّةِ إبراهيم، أو أصحابَ ملَّةِ إبراهيم، فحذف المضافُ، وأقيم المضافُ إليه مُقامه وهو رأي الفراء، والأخفش، والزجاج، والزمخشري4.

الرابع: أنه منصوب على نزع الخافض والمعنى نقتدي بملة إبراهيم5.

فالوجه الأول والثاني من هذه الأقوال واحد وهو أنه مفعول به ولكن العامل مختلف، والوجه الرابع مفعول به توسعاً بعد نزع الخافض، والثالث خبر كان.

1 القراء هم: يحيى بن هرمز والأعرج وابن أبي عبلة.

ينظر: مختصر ابن خالوية:17وتفسير القرطبي:2/95،والفريد:1/380، والبحر:1/464.

2 وهو تقدير الأخفش: معاني القرآن: 150.

3 ينظر مجاز القرآن: 1/57.

4 ينظر: معاني القرآن للفراء:1/82، ومعاني القرآن للأخفش: 150، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج: 1/213، والكشاف: 1/314، وعزا هذا القول ابنُ الأنباري في البيان في غريب إعراب القرآن للكوفيين: 1/124.

5 ذكر هذا الوجه أبو جيان في البحر: 1/646، والسمين في الدر: 2/135.

ص: 301

والوجه الرابع عندي ضعيف، لأن نزع الخافض مع غير أنْ وأنَّ وكي غير قياسي، ولا ينبغي حمل إعراب الآيات على وجه ضعيف، ما أمكن حملها على وجه أقوى منه، ولاسيما أن من الأوجه ما يدعمه السياق.

وقال تعالى: {إنَّ الصَّفا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَو اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أن يَّطّوَفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً فَإنَّ اللهَ شاكِرٌ عَليمٌ} 1.

وقال تعالى: {فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أيَّامٍ أُخُرَ وَعَلى الَّذينَ يُطيقونَه ُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَنْ تَصُوموا خَيْرٌ لَّكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمونَ} 2.

في توجيه نصب (خيراً) في الآيتين الكريمتين أربعة أقوال3:

الأول: أنه منصوب على نزع الخافض، أي: تطوّع بخير فنزع الخافض، وانتصب (خيراً)، وتعضد هذا الوجهَ قراءةُ ابن مسعود:(ومن تطوع بخير)4.

الثاني: منصوب على تضمين الفعل (تطوّع) معنى (فَعَلَ) فيكون المعنى ومن فَعَلَ خيراً.

الثالث: مفعول مطلق نائب عن المصدر الأصلي، لأنه وصف له في الأصل، والتقدير ومن يتطوّع تطوّعاً خيراً فحذف المصدر وحلت صفته محله.

1 البقرة: 158.

2 البقرة: 184.

3 ينظر في التوجيهات: التبيان:131،والفريد:1/397، والبحر:2/68، والدر:2/192.

4 ينظر في القراءة: الفريد: 1/397، البحر: 2/68.

ص: 302

الرابع: إذا قدر المصدر المحذوف معرفة فـ (خيراً) حال منه، والتقدير ومن تطوّع تطوّعه خيراً فإن الله شاكر عليم.

وقال تعالى: {وإنْ عَزَموا الطَّلاقَ فَإنَّ اللهَ سَميعٌ عَليمٌ} 1

وقال تعالى: {وَلا تَعْزِموا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ} 2.

الفعل عزم لازم، يتعدَّى بـ (على)، قال في القاموس:"عزم على الأمر يعزِم عزماً ويضمّ ومعزماً كمقعَد ومجلِس وعُزْماناً بالضم وعزيماً وعزيمة واعتزمه وعليه وتعزّم أراد فعله"3.

وقال الشاعر:

عَزَمْتُ عَلى إقامِةِ ذي صَباحٍ

لأمْرٍ ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسودُ 4

فـ (الطلاق) 5 في الآية الأولى، و (عقدة) في الآية الثانية منصوبان على نزع الخافض، والأصل - والله أعلم - وإن عزموا على الطلاق، ولا تعزموا على عقدة النكاح، فحذف الخافض، وانتصب معموله.

ويجوز أن يضمّن الفعل (عزم) معنى الفعل (نوى) فينتصب ما بعده مفعولاً به.

وقال تعالى: {وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرّاً إلاّ أنْ تَقولوا قَوْلاً مَعْروفاً} 6.

1 البقرة: 227.

2 البقرة: 235.

3 القاموس: (عزم) 4/149.

4 بيت من الوافر نسب لأنس بن مدركة الخثعمي في الحيوان:3/81،وشرح المفصل:3/12 والخزانة:3/87، ولأنس بن نهيك في اللسان:(صبح) ودون عزو في الكتاب 1/227 والمقتضب: 4/345.

5 ينظر: التبيان: 180، والفريد: 1/464، والبحر 2/450، والدر: 2/435.

6 البقرة: 235.

ص: 303

في انتصاب (سِرّاً) مع الفعل (واعد) ستة أوجه ذكرها العلماء1، وقدّروا في بعضها مفعولاً محذوفاً وهو لا تواعدوهنّ نكاحاً سراً:

الأول: أنه مفعول ثانٍ للفعل (واعد) .

والثاني: أنه حال من فاعلِه أي لا تواعدوهنّ مستخفين.

الثالث: أنه نعت مصدر محذوف والتقدير: لا تواعدوهنّ مواعدةً سرّاً.

الرابع: أنه حال من ذلك المصدر المحذوف مع جعل المصدر معرفه والتقدير: المواعدة مستخفية.

الخامس: أنه منصوب على الظرفية أي في سرٍّ.

السادس: أن يكون منصوباً على نزع الخافض والتقدير على سرٍّ، وذلك عند من فسّر السر بالجماع، ذكر هذا المنتجب، وابن هشام، وعزاه للأخفش2.

وقال تعالى: {وإنْ كُنْتُم مَّرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدوا ماءً فَتَيَمَّموا صَعيداً طَيِّباً} 3.

الفعل: (تَيَمَّمَ) سمع من العرب متعدياً بنفسه قال خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ:

تَيَمَّمْتُ كَبْشَ القَوْمِ حَتَّى عَرَفْتُهُ

وَجانَبْتُ شُبَّانَ الرِّجالِ الصَّعالِكا

فإنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصيبَ صَميمُها

فَعَمْداً عَلى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مالِكا4

1 ينظر: معاني القرآن للزجاج:1/313والتبيان:188،والفريد:1/477،والبحر:2/522، الدر المصون: 2/483.

2 الفريد:1/477، ومغني اللبيب: 190، 681.

3 النساء 43، والمائدة:6.

4 بيتان من الطويل وهما في ديوانه (ضمن شعراء إسلاميون) : 484، وفي الأغاني 2/290، والحماسة البصرية:1/101، والخزانة: 5/440، مع اختلاف يسير في الرواية.

ص: 304

وقال الأعشى:

تَيَمَّمْتُ قَيْساً وَكَمْ دُوْنَهُ

مِنَ الأرْضِ مِنْ مَهْمَهٍ ذي شَزَنْ1

وقال كُثيِّر عَزَّة:

تَيَمَّمْتُ لِهْباً أَبْتَغِي العِلْمَ عِنْدَهُمْ

وَقَدْ رُدَّ عِلْمُ العائِفِينَ إلى لِهْبِ2

قال امرؤ القيس:

تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الَّتي عِنْدَ ضارِجٍ

يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عِرْمِضُها طامِ3

وقال ذو الرُّمَّة:

تَيَمَّمْنَ عَيْناً مِنْ أُثالٍ نَميرَةً

قَموساً يَمُجُّ المُنْقِضاتِ احْتِفالُها4

ولو ذهبتُ أتتبعُ الشواهد الشعرية في تعدية الفعل (تَيَمَّمَ) عند العرب لطال البحث وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.

1 بيت من المتقارب: وهو في ديوانه:69، ويستشهد به اللغويون في (شزن) و (أمم) وقيس: هو ابن معدي كرب الكندي أبو الأشعث، والمهمه: فلاة لا ماء بها ولا أنيس، والشزن: الغليظ من الأرض.

2 بيت من الطويل وهو في ديوانه: 469.

لهب بكسر اللام وإسكان الهاء: قبيلة عربية اشتهرت بالعيافة، والعيافة زجر الطير، وهي مما نهى عنه الإسلام.

3 بيت من الطويل في ملحق ديوانه: 475.

ضارج مورد ماء في بلاد القصيم يحمل الآن اسم ضاري، ولعل الجيم أبدلت ياء في لهجة بني تميم سكانه في وقت مضى، والعرمض: هو الطحلب، وطام بمعنى طاغٍ من النشاط.

4 بيت من الطويل وهو في ديوانه:1/525.

أثال: كغراب قرية في بلاد القصيم لا تزال تسمّى بهذا الاسم، ونميرة: عذبه، وقموس: غزيرة، المنقضات: الضفادع، يصف مورداً تيمّمته حمرٌ وحشية.

ص: 305

وقال ابن السكيت: "أَصْلُ التَّيَمُّم: القصد، ويقال تيمّمته إذا قصدت له، قال تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طَيِّباً} أي اقصدوا لصعيد طيّب، ثم كثر استعمالهم هذه الكلمة حتى صار التيمُّم مسح الوجه واليدين بالتراب"1.

والياء في تيمّم منقلبة عن همزة، وأصل الفعل:(أمَّ) بمعنى قصد يقال أمَّه يؤمُّه أمّاً بمعنى قصده.

ومع أن الفعل استعمل متعدِّياً كما رأينا في الشواهد السابقة إلا أننا نجد من المعربين للقرآن من أجاز أن تكون (صعيداً) منزوعة الخافض، قال أبو البقاء:"صعيداً مفعول تيمّموا، أي: اقصدوا صعيداً، وقيل: هو على تقدير حذف الباء أي: بصعيد"2.

وقال المنتجب: "وقيل: هو على تقدير حذف الباء أي بصعيد، وقيل هو ظرف وهذا على قول من جعل الصعيد الأرض، أو وجه الأرض، والوجه هو الأول وعليه المعنى والإعراب"3

وقال السمين:"وصعيداً مفعول به لقوله تيمّموا أي اقصدوا، وقيل: هو على إسقاط حرفٍ أي: بصعيد، وليس بشيء لعدم اقتياسه"4.

وقال الجمل: "وصعيداً مفعول به لقوله فتيمّموا أي اقصدوا، وقيل هو على إسقاط حرف أي لصعيد، وليس بشيء لعدم انقياسه"5.

1 إصلاح المنطق: 315.

2 التبيان: 362.

3 الفريد: 1/740.

4 الدر المصون: 3/693.

5 الفتوحات الإلهية: 1/ 385.

ص: 306

وقال تعالى: {قالَ فَبِما أَغْوَيْتَني لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المُسْتَقيمَ} 1.

جاءت كلمة (صراطَ) في الآية منصوبة، والفعل الذي يطلبها هو (قَعَدَ) ، وهو لازم، وللنحاة في توجيه نصبها ثلاثة أقوال:

الأول: أنه منصوب على إسقاط الخافض وهو رأي الأخفش قال: (أي على صراطك، كما تقول توجه مكة أي: إلى مكة وقال الشاعر:

كَأَنِّيَ إذْ أسْعى لأظْفَرَ طائِراً

مَعَ النِّجْمِ في جَوِّ السَّماءِ يُصَوِّبُ2

يريد: لأظفر بطائر، فألقى الباء، ومثله:{أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} 3 يريد عن أمر ربكم"4.

ووافقه الزجاج، وحكى الإجماع على ذلك قال:"لا اختلاف بين النحويين في أنَّ (على) محذوفة، ومن ذلك قولك ضُرِبَ زَيدٌ الظهرَ والبطنَ"5.

الوجه الثاني: أنَّه منصوب على الظرفية المكانية: وإليه مال الفراء قال: "المعنى - والله أعلم- لأقعدنَّ لهم على طريقهم، أوفي طريقهم، وإلقاء الصفة من هذا جائز، كما قال قعدت لك وَجْهَ الأرض، وعلى وجه الأرض، لأن الطريق صفة في المعنى فاحتمل ما يحتمله اليوم والليلة والعام إذا قيل آتيك غداً أو في غدٍ"6.

1 الأعراف: 16.

2 سبق تخريجه.

3 الأعراف: 150.

4 معاني القرآن: 295.

5 معاني القرآن وإعرابه: 2/324.

6 معاني القرآن: 1/375.

ص: 307

القول الثالث: هو مفعول به للفعل: (لأقعدنَّ) لأنه قد ضمِّن معنى (لألزمنَّ) ذكره أبوحيّان، والسمينُ وغيرهم1.

واسْتضعفَ الرأيُ الأولُ، لأن حذف حرف الجر هنا ليس من مواضع القياس.

وضُعّف القول الثاني، لأن الصراط ظرف مكان مختص، وظروف المكان المختصة لايصل إليها الفعل إلابواسطة حرف الجر.

وقال تعالى: {هُوَ الَّذي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَّالقَمَرَ نوراً وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَموا عَدَدَ السِّنينَ وَالحِسابِ ما خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إلَاّ بِالحقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَّعْلَمونَ} 2.

الضمير في: {قَدَّرَهُ} قيل: إنه منصوب على نزع الخافض، و {مَنازِلَ} مفعول به للفعل قدّر، والفعل (قدّر) حينئذٍ على بابه، والمعنى: والقمر قدّر له منازل، قال أبو جعفر النحاس:" {وقَدَّرَهُ مَنازِلَ} : بمعنى: وقدّر له، مثل: وإذا كالوهم"3، ووافقه أبو البقاء4، والمنتجب 5، وأبو حيّان6 والسمين7.

1 ينظر في توجيه الإعراب: إعراب القرآن للنحاس: 2/117، ومجمع البيان للطبرسي: 4/177، والتبيان: 559، الفريد: 2/277، والبحر: 5/21، والدر: 5/266، والفتوحات الإلهية: 2/126، وعناية القاضي لشهاب الدين الخفاجي: 4/258.

2 يونس: 5.

3 إعراب القرآن:2/245.

4 التبيان: 666.

5 الفريد: 2/534.

6 البحر: 6/14.

7 الدر: 6/153.

ص: 308

ويصح أن يكون الضمير مفعولاً به، ومنازل حينئذٍ إما ظرف مكان أي: قدّر القمر في منازل، ويشكل أن العامل في الظرف ليس من مادته، أو مفعولٌ به ثانٍ بعد حذف مضافٍ وإحلال المضاف إليه محلّه، وذلك إذا ضمّن الفعل قدّر معنى صيّر، والمعنى صيّر القمر ذا منازل، أو حال من الضمير إذا فسّر قدّر بـ (خلق أو هيَّأ) ، والمعنى خلق الله القمر متنقلاً1.

وقال تعالى: {وَاسْتَبَقا البابَ وَقَدَّتْ قَميصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ} 2 الفعل (استبق) بمعنى (تسابق) فهو لازم يتعدى بـ (إلى) ، فـ (البابَ) في الآية الكريمة منصوب إمّا على نزع الخافض، وإما على تضمين (استبق) معنى (ابتدر) ، ونزع الخافض هنا ليس قياسياً، والتضمين في قياسيته كلام3.

وقال تعالى: {آتُوني زُبَرَ الحَديدِ} 4.

قرأ5أبوبكر شعبةُ بنُ عيّاش6 عن عاصم (ايتوني) بهمزة وصل ثم ياء منقلبة عن همزة هي فاء الكلمة من (أتى يأتي) من المجيء، والفعل:(أتى) يتعدَّى

1 ينظر المراجع السابقة.

2 يوسف 25.

3 ينظر: معاني القرآن للزجاج 3/103، والفريد3/48،والبحر: 6/259،والدر: 6/470.

قال الزمخشري في الكشاف: 2/312:" {وَاسْتَبَقا البابَ} وتسابقا إلى الباب على حذف الجار وإيصال الفعل كقوله: {واخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا"ا?.

4 الكهف: 96.

5 ينظر: المبسوط: 240، والتذكرة لابن غلبون: 517، والتيسير للداني: 146، والإقناع لابن الباذش: 693، والنشر: 2/315، والاتحاف: 2/226.

قال ابن الجزري: "واختلفوا في {ردماً آتوني} و {قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ} فروى ابن حمدون عن يحيى، وروى العليمي كلاهما عن أبي بكر بكسر التنوين في الأول، وهمزة ساكنة بعده، وبعد اللام في الثاني من المجيء، والابتداء على هذه الرواية بكسر الهمزة، وإبدال الهمزة الساكنة ياءً، ووافقهما حمزة في الثاني" النشر: 2/315.

6 هو: أبو بكر بن عيّاش بن سالم الأسدي الكوفي مقرئ روي عن عاصم، وأخذ عنه الكسائي توفي عام 193 ?.

ينظر ترجمته في: معرفة القراء الكبار: 1/134 وبهامشه ثبت طويل لمصادر ترجمته لمن أراد ذلك.

ص: 309

لواحد بنفسه فعلى هذه القراءة يكون الفعل قد استوفى معموله في ياء المتكلم، وكلمة (زُبَرَ) على هذه القراءة منصوبةٌ على نزع الخافض والتقدير: ايتوني بزبر الحديد.

وقرأ الباقون: (آتوني) من الإيتاء وهو الإعطاء، والفعل حينئذ يتعدى إلى مفعولين الأول ياء المتكلم، والثاني (زبر) وعليها فلا شاهد في الآية 1.

وقال تعالى: {وَقالَ الّذينَ كَفَروا إنْ هَذا إلَاّ إفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرونَ فَقَدْ جاءوا ظُلْماً وَّزُورا} 2.

الفعل: (جاء) سمع متعدياً بنفسه كقوله تعالى: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَّقينٍ} 3، وقوله تعالى:{وَجاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ} 4، وسمع لازماً كقوله تعالى:{جاءَ بِكُمْ مِنَ البَدْوِ} 5وكقوله تعالى: {مَنِ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِهَا} 6،قال صاحب التاج:"ويرد في كلامهم لازماً ومتعدياً"7.

1 ينظر: التبيان: 861، والفريد: 3/ 371، والبحر: 7/227، والدر: 7/547، والفتوحات الإلهية: 3/47.

2 الفرقان: 4.

3 النمل: 22.

4 الأعراف: 113.

5 يوسف: 100.

6 الأنعام 160.

7 جيأ: 1/130.

ص: 310

فعلى كون الفعل متعدياً يصحّ في إعراب (ظلماً) وجهان 1:

الأوّل: أنها مفعول به للفعل جاء.

والثاني أنها حال في تأويل مصدر باسم فاعل أي: ظالمين، أو على حذف مضاف أي ذوي ظلم، أو جعل المصدر حالاً على حدّ:(طلع زيد بغتة) وكقوله تعالى: {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتينَكَ سَعْياً} 2 وقوله تعالى: {ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً} 3.

وعلى كونه لازماً فلها توجيهان أيضاً: الأول: أنها منصوبة على نزع الخافض، أي: جاءوا بظلم وزور، ومال إلى هذا الوجه جماعة من المفسرين4.

والثاني: أنه حال من فاعل جاء بحسب التوجيه السابق.

وقال تعالى: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلاً فيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمونَ} 5.

{مَثَلاً} : في الآية الكريمة مفعول لـ {ضَرَبَ} ، و {رَجلاً} بدل منه، واختار هذا العكبري والمنتجب 6.

1 ينظر في التوجيهات: معاني القرآن للزجاج: 4/58، وإعراب القرآن للنحاس: 3/152، والتبيان:980،والفريد:3/620،والبحر:8/82،الدر:8/455،والفتوحات الإلهية:3/244.

2 البقرة: 260.

3 نوح: 8.

4 ينظر المراجع السابقة.

5 الزمر: 29.

6 التبيان: 1111، والفريد:4/190.

ص: 311

وروى أبو حيّان والسمين: أنَّ الكسائي قال: "انتصب رجلاً على إسقاط الجار أي: لرجل، أو في رجل"1.

وقال تعالى: {وَلا يَسْأَلُ حَميمٌ حَميماً} 2.

الجمهور على قراءة الفعل (يَسأل) بالبناء للفاعل فـ (حميماً) مفعول به أوّل لـ (يَسْأَلُ) أي يسأله عن حاله لما هو فيه من الشغل بنفسه، أو لا يسأله شفاعة، أو لا يسأله نُصْرَةً ومَنفعةً، أو لا يسأله أن يحمل عنه من أوزاره شيئاً، وقيل بل هو منصوب على نزع لخافض أي: لا يسأل حميمٌ عن حميمٍ.

وقرأ3 ابن كثير4 بروايةٍ عنه، وأبو جعفر5، وأبو حيوة6، وشيبة7، والبزي8 بالبناء للمفعول:(يُسْأَلُ) فـ (حميماً) منصوب على نزع

1 البحر المحيط: 9/197، والدر المصون: 9/424.

2 المعارج: 10.

3 ينظر: السبعة: 650، والحجة لابن زنجلة: 722، والمبسوط: 381، والتذكرة لابن غلبون: 730، والنشر: 2/390

4 هو: عبد الله بن كثير الكناني تابعي جليل مقرئ مكة أحد السبعة توفي عام 120?.

تنظر ترجمته في معرفة القراء الكبار:1/86.

5 يزيد بن القعقاع المدني أحد العشرة، قرأ على كثير من الصحابة، توفي عام: 127?.

تنظر ترجمته في طبقات الذهبي: 1/72.

6 شريح بن يزيد الحضرمي الحمصي، له اختيار شاذ في القراءة. تنظر ترجمته في غاية النهاية: 1/325.

7 شيبة بن نصاح مقرئ المدينة وقاضيها كان متعاصراً مع أبي جفعر توفي عام: 130?.

ترجمته في: غاية النهاية: 1/329.

8 أحمد بن محمد بن القاسم الأهوازي المخزومي المكي مؤذن المسجد الحرام، توفي عام 250?.

ترجمته في معرفة القراء الكبار: 1/ 173.

ص: 312

الخافض أي: عن حميمٍ1، قال أبو علي الفارسي:"من ضمّ فقال: {لا يُسْأَلُ حَميمٌ حَميماً} فالمعنى- والله أعلم -: لا يُسألُ حميمٌ عن حميمه ليُعرفَ شأنُه من جهته كما قد يُتعرّف خبرُ صديق من جهة صديقه، والقريب من قريبه، فإذا كان كذلك، فالكلام إذا بنيت الفعل للفاعل: سألتُ زيداً عن حميمه، وإذا بنيت الفعل للمفعول قلت: سُئل زيدٌ عن حميمه، وقد يحذف الجار فيصل الفعل إلى الاسم الذي كان مجروراً قبل حذف الجار فينتصب بأنه مفعول الاسم الذي أسند إليه الفعل المبني للمفعول به فعلى هذا انتصاب قوله حميم حميماً"2.

وقال تعالى: {وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوى} 3.

وقال تعالى: {وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ وَالسَّلوى} 4.

الفعل (ظَلَّلَ) المضعّف: يتعدى إلى واحد بنفسه وللثاني بالحرف ومثاله قول الشاعر:

قامَتْ تُظَلِّلُنِيْ مِنَ الشَّمْسِ

نَفْسٌ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَفْسي

قامَتْ تُظَلِّلُنِيْ وَمِنْ عَجَبٍ

شَمْسٌ تُظَلِّلُنِيْ مِنَ الشَّمْسِ5

1 التبيان: 1239، والفريد: 4/527، والبحر: 10/274والدر: 10/453.

2 الحجة 6/ 320.

3 البقرة: 57.

4 الأعراف: 170.

5 بيتان من الكامل نسبا لابن العميد، ولأبي إسحاق الصابي وكلاهما ممن لا يستشهد بشعره، وإنما أوردتهما للتمثيل فقط، والبيتان في أسرار البلاغة: 303، ويتيمة الدهر: 3/182، ومعجم الأدباء: 2/56، وشروح التلخيص: 4/63، 137، ومعاهد التنصيص: 2/113 (ضمن أربعة أبيات) .

ص: 313

ذهب جمهرة من المفسرين: إلى أنَّ الغمام في الآية إنما هو آلة الظل، ولا يجوز أن يكون مفعولاً به، لأنه لم يقع عليه فعل الفاعل، إلا بتأويل: جَعَلْنا الغمامَ عليكم طبقات، فالطبقة العليا تُظِلُّ التي أسفل منها، ولهذا حكموا عليه بأنه منزوع الخافض أي ظَلَّلَناكم بالغمام، أشار إلى ذلك أبو البقاء1، ومنع أن يكون الفعل متعدياً إلى الغمام بنفسه، لأنه لم يقع عليه فعل الفاعل، وقال أبوحيّان:"مفعول على إسقاط حرف الجر، أي بالغمام كما تقول ظلَّلْتُ على فلان بالرداء، أو مفعول به لا على إسقاط الحرف، ويكون المعنى جعلناه عليكم ظُلَلاً، فعلى هذا الوجه الثاني يكون (فَعَّل) فيه بجعل الشيء بمعنى ما صيغ منه كقولهم: عدَّلت زيداً أي: جعلته عدلاً فكذلك هذا، معناه: جعلنا الغمام عليكم ظُلّة، وعلى الوجه الأول تكون (فَعَّل) فيه بمعنى أفعل، فيكون التضعيف أصله للتعدية ثم ضمِّن معنى فِعْلٍ يُعدَّى بـ (على) فكأن الأصل: وظلَّلناكم أي أظللناكم بالغمام"2، ويرى السمين أنَّ الغمام مفعول به للفعل ظَلَّلَ على تضمين (ظلَّل) معنى (جَعَلَ) 3، وحكى قول أبي البقاء السابق، وقال عنه: إنه تفسير معنى لا إعراب وعلَّل ذلك بقوله: "لأن حذف حرف الجر لا ينقاس"4، وقال المنتجب:"أي: جعلنا الغمام يُظِلُّكُم"5.

1 التبيان: 1/65.

2 البحر: 1/345.

3 وإليه مال الزمخشري ينظر الكشاف: 1/282، 2/ 124.

4 الدر المصون: 1/369.

5 الفريد: 1/294.

ص: 314