المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ المفعول الثاني منصوب على نزع الخافض والفعل معلق عنه: - المنصوب على نزع الخافض في القرآن

[إبراهيم بن سليمان البعيمي]

الفصل: ‌ المفعول الثاني منصوب على نزع الخافض والفعل معلق عنه:

وقال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ} 1.

الاستفهام مُعلِّق للفعل عن العمل، وجملة (مم خلق) في محل نصب بالفعل (فلينظر) على نزع الخافض، ونظر هنا قلبية2.

1 الطارق: 5.

2 ينظر البحر المحيط: 10/ 451.

ص: 321

المطلب الرابع:‌

‌ المفعول الثاني منصوب على نزع الخافض والفعل معلّق عنه:

قال تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} 3.

{أيُّكم أحسنُ} مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب مفعول ثانٍ بعد إسقاط الخافض، والاستفهام مُعلِّق للفعل4، قال الزمخشري:"فإن قلت: كيف جاز تعليق فعل البلوى؟ قلتُ: لِمَا في الاختيار من معنى العلم، لأنه طريق إليه فهو ملابس له كما تقول: انظر أيهم أحسن وجهاً، واسمع أيهم أحسن صوتاً، لأن النظر والاستماع من طُرُق العلم"5

وقال تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ البَناتُ وَلَهُمُ البَنونَ} 6.

أجاز الدماميني أن يكون الفعل (استفتى) مُعلَّقاً عن العمل بالاستفهام، وجملة:(ألربك البنات) في موضع نصب على نزع الخافض قال:"الظاهر أن هذه

3 هود 7.

4 ينظر الدر المصون: 6/290.

5 الكشاف: 2/259.

6 الصافات: 149.

ص: 321

الجملة المقترنة بالهمزة في محل مفعول مقيّد بالجار على ما قرروه، والفعل مُعلّق، لأن الاستفتاء طريق العلم كالسؤال فجاز تعليقه كما علّق فِعْلُ السُّؤال نحو {سَلْهُم ْأَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعيمٌ} " 1.

وقال تعالى: {وَيَوْمَ يُناديهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهيدٍ} 2.

الفعل: (آذن) يتعدَّى لواحد بنفسه وللثاني بالباء يقال آذنته بالسفر بمعنىأعلمته به قال الشاعر:

آذَنَتْنا بِبَيْنِها أَسْماءُ

رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّواءُ3

وقد أجاز أبو حيّان وجماعة تعليق الفعل (آذن) في الآية الكريمة، لأنه بمعنى أعلم، وأعلم يعلّق فما كان بمعناه يأخذ حكمه قال في تفسير الآية الكريمة:"وآذنّاك معلّق، لأنه بمعنى الإعلام، والجملة من قوله: {مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ} في موضع المفعول، وفي تعليق باب أعلم خلافٌ، والصحيح أنه مسموع من كلام العرب"4، وقال السمين:" {مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ} هذه الجملة المنفية معلِّقة لـ (آذناك) ،لأنها بمعنى أعلمناك، وتقدّم لنا خلاف في تعليق أعلم، والصحيح وقوعه سماعاً من العرب"5.

1 تحفة الغريب: 1/33.

2 فصلت: 47.

3 بيت من الخفيف هو مطلع معلقة الحارث بن حلِّزة البكري، وهو في ديوانه:19.

4 البحر المحيط: 9/315.

5 الدر المصون: 9/534.

ص: 322

وقال تعالى: {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعيمٌ} 1.

أجاز أبو حيان والسمين2 أن تكون جملة (أيُّهم بذلك زعيمٌ) في محل نصب على نزع الخافض مفعول ثانٍ لـ (سأل) ، لأن (سأل) إذا كان بمعنى استفهم تعدَّى للثاني بـ (عن)، أو بـ (الباء) قال تعالى:{يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ} 3 وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها} 4 وقال تعالى: {ويَسْأَلونَكَ عَنِ ذي القَرْنَيْنِ} 5، وقال تعالى:{سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ} 6.

وقال علقمة الفحل:

فَإنْ تَسْأَلونِي بالنِّساءِ فَإنَّني

بَصيرٌ بِأَدْواءِ النِّساءِ طَبيبُ7

وإن كان (سأل) بمعنى (طلب) نصب الثاني بنفسه نحو قوله تعالى: {قُلْ لَاّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إنْ هُوَ إلَاّ ذِكْرٌ لِلعالَمِينَ} 8 وقوله تعالى: {لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ

1 القلم: 40.

2 ينظرالبحر المحيط: 10/246، الدر المصون: 10/415.

3 البقرة: 189.

4 الأعراف: 187.

5 الكهف: 83.

6 المعارج: 1.

7 بيت من الطويل وهو في ديوانه 35.

8 الأنعام: 90.

ص: 323

وَالعاقِبَةُ للتَّقْوى} 1، وقوله تعالى:{وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً} 2، وقوله تعالى:{قُلْ لَاّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلَاّ المَوَدَّةَ في القُرْبى} 3.

وقال الشاعر:

فَلَوْ أَنْكِ في يَوْمِ الرَّخاءِ سَأَلْتِنِي

طَلاقَكَ لَمْ أَبْخَلْ وَأَنْتِ صَدِيقُ4

قال الدماميني:"ألا ترى أن سأل التى يراد بها طلب العلم لا المال إنما يتعدى إلى الثاني بالجار"5.

فـ (أيهم) في قوله تعالى: {سَلهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعيمٌ} معلّق لـ (سلهم) ، لكونه سبباً في العلم.

ويشكل قول الفيروز أبادي:"سأله كذا وعن كذا وبكذا بمعنى"6، إذ جعل (سأل كذا) وهو متعدٍّ للثاني بدون واسطة، بمعنى (سأله عن كذا وبكذا) وهو متعدٍّ للثاني بالحرف، ويمكن توجيه كلامه بأن سأل تفيد الطلب حيثما كانت فالأولى تفيد طلب المال ونحوه، والثانية تفيد طلب العلم ونحوه، وهذا معنى كلام الدماميني السابق (طلبُ العلمِ لا المالِ) إذ الجميع طلب.

1 طه: 132.

2 الأحزاب: 53.

3 الشورى: 23.

4 بيت من الطويل غير معزو، والنحاة يستشهدون به في تخفيف (أن) وإبراز اسمها، وهو في مغني اللبيب: 47، والأشموني: 1/146، وهمع الهوامع: 2/187.

5 تعليق الفرائد: 4/186.

6 القاموس المحيط: (سأل) 3/329.

ص: 324

وقال تعالى: {وَما أَدْراكَ ما الحاقَّةُ} 1.

وتكرر هذا الأسلوب في ثلاث عشرة آية2.

ذهب 3 جماعة من المفسرين للقرآن والمعربين له إلى أن الفعل (أدرى) في الآية الكريمة السابقة نصب (الضمير) مفعولاً أوَّلاً بنفسه، وعُلِّق عن العمل في الجملة التي بعده بالاستفهام، وهي عندهم في محلِّ نصب على نزع الخافض، بناءً على أن الأشهر في الفعل (درى) أن يصل إلى المفعول به بواسطة حرف الجر، فإذا صحبته همزة النقل - كما هو الحال في الآية الكريمة السابقة - نصب الأول بنفسه، والثاني بالباء، قال أبو حيّان:" (ما) : مبتدأ، والحاقة: خبر، والجملة في موضع نصب بـ (أدراك) ، و (أدراك) معلَّقة، وأصل (دَرى) أن يتعدَّى بالباء، وقد تُحْذف على قلة، فإذا دخلت همزة النقل تعدَّى إلى واحد بنفسه، وإلى الآخر بحرف الجر، فقوله: {ما الحاقَّةُ} بعد أدراك في موضع نصب بعد إسقاط حرف الجر"4ا?.

ص: 325

وقال السمين: "قوله: {ما الحاقَّةُ} : في موضع نصب على إسقاط الخافض، لأن (أدرى) بالهمزة يتعدَّى لاثنين، الأول بنفسه، والثاني بالباء قال تعالى: {ولا أَدْراكُمْ بِهِ} 1، فلمَّا وقعت جملة الاستفهام معلِّقة لها كانت في موضع المفعول الثاني، ودون الهمزة تتعدَّى لواحد بالباء نحو: دَرَيْتُ بكذا، ويكون بمعنى (علم) فيتعدّى لاثنين"2.

وذهبت طائفة أخرى3 إلى أن الفعل (أدرى) نصب الجملة المعلقة بنفسه قال مكي: " {وَما أَدْراكَ ما الحاقَّةُ} : ما مبتدأ، وما الثانية مبتدأ ثانٍ، والحاقة خبره، والجملة في موضع نصب بأدراك، وأدراك وما اتصل به خبر عن ما الأولى"4 وقال المنتجب: "ما الثانية مبتدأ ثانٍ والحاقة خبره، وأدرى تعدَّى إلى مفعولين فالكاف مفعول أول، والجملة مفعول ثانٍ"5.

هذا آخر ما منَّ الله بجمعه وأسأل الله أن يعلمنا ما جهلنا، وينفعنا بماعلمنا، ويزيدنا علماً، ويلهمنا رشدنا، وييسرلنا من أمرنا رشداً بمنه وكرمه، وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

1 يونس:16.

2 الدر المصون: 10/423، وينظر: 11/93.

3 منهم ابن عطية في المحرر الوجيز: 16/93، وابن الأنباري في: البيان في غريب إعراب القرآن: 2/456، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: 5/ 381.

4 إعراب مشكل القرآن: 753.

5 الفريد: 4/516، وينظر 4/719.

ص: 326