الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأُعِيذُكَ باللهِ يَا طَالِبَ العِلْمِ مِنْ عِلْمِ المُنَافِقِ!، وقَدْ قِيلَ:"عِلْمُ المُنَافِقِ في قَوْلِه، وعِلْمُ المُؤْمِنِ في عَمَلِه"(1).
فاللهَ اللهَ: "زَيِّنُوا العِلْمَ، ولا تَتَزَيَّنُوا بِه"(2).
* * *
*
التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ:
اعْلَمْ إنَّ العِلْمَ نِصْفَانِ.
* نِصْفٌ: مَا حَوَتْهُ قَمَاطِرُ العِلْمِ؛ ابْتِدَاءً بالوَحْيَينِ (الكِتَابِ والسُّنَّةِ) ومَا تَخَرَّجَ مِنْهُما، أو حَامَ حَوْلَهُمَا، وانْتِهَاءً بِمَا تَضَمَّنَه "المَنْهَجُ العِلْمِيِّ" مِنْ تَنَابِيهَ وعَزَائِمَ
…
إلخ.
* ونِصْفٌ: هُوَ قَوْلُكَ فيمَا لا تَعْلَمُ: لا أعْلَمُ، لا أدْرِي!
يَقُوْلُ أبُو دَاوُدَ رحمه الله: "قَوْلُ الرَّجُلِ فيما لا يَعْلَمُ: لا أعْلَمُ، نِصفُ العِلْمِ"(3).
* * *
فَقَدِ اتَّفَقَتْ كلِمَةُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ العَالمَ إذَا أخْطَأ: (لا أدْرِي) فَقَدْ أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ!
فَحَذَارَ حَذَارَ يَا طَالِبَ العِلْمِ مِنْ تَنَكُّبِ سَنَنِ أهْلِ العِلْمِ السَّالِفينَ
(1) انْظُرْ "اقْتِضَاءَ العِلْمِ العَمَلُ" للخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ (38).
(2)
انْظُرْ "جَامِعَ العِلْمِ" لابْنِ عَبْدِ البَرِّ (1/ 665)، و"الحِلْيَةَ" لأبِي نُعَيمٍ (6/ 399).
(3)
انْظُرْ "جَامِعَ بَيَانِ العِلْمِ" لابْنِ عَبْدِ البَرِّ (2/ 842).
فيما لا عِلْمَ لَكَ فيه، بأنْ تَقُوْلَ: لا أدْرِي، فَمَا أبْرَدَها الَيوَمَ عَلَى الكَبِدِ، ومَا أحَرَّهَا يَوْمَ المَرَدِّ!
فإنْ كَانَ العِلْمُ (بِلا أدْرِي) نِصْفَ العِلْمِ، فَهِي واللهِ الجَهْلُ كُلُّهُ إذَا جُهِلَتْ!
* * *
قَالَ الرَّاجِزُ (1):
فإنْ جَهِلْتَ مَا سُئِلْتَ عَنْهُ
…
ولَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ عِلْمٌ مِنْهُ
فَلا تَقُلْ فيه بِغَيرِ فَهْمِ
…
إنَّ الخَطَأ مُزْرٍ بأهْلِ العِلْمِ
وقُلْ إذَا أعْيَاكَ ذَاكَ الأمْرُ
…
مَا لِي بِمَا تَسْألُ عَنْهُ خَبَرُ
فَذَاكَ شَطْرُ العِلْمِ عَنِ العُلَمآ
…
كَذَاكَ مَا زَالَتْ تَقُوْلُ الحُكَمآ
* * *
قَالَ مَالِكٌ رحمه الله: "كَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقُوْلُ: إذَا أخْطَأ العَالِمُ لا أدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ"، وبِمِثْلِهِ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ (2).
(1) السَّابِقُ (2/ 842).
(2)
انْظُرْ "جَامِعَ بَيَانِ العِلْمِ" لابْنِ عَبْدِ البر (2/ 839)، و"تَذْكِرَةَ السَّامِعِ والمُتكَلِّمِ"
لابْنِ جَمَاعَةَ (42)، و"الفَقِيهَ والمُتَفَقِّهَ" للخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ (2/ 172).
فلا تَكُنْ كَمَنْ قِيلَ لَهُ (1):
جَهِلْتَ فَعَادَيتَ العُلُوْمَ وأهْلَهَا
…
كَذَاكَ يُعَادِي العِلْمَ مَنْ هُوَ جَاهِلُه
ومَنْ كَانَ يَهْوَى أنْ يُرَى مُتَصَدِّرًا
…
ويَكْرَهُ "لا أدْرِي" أُصِيبَتْ مَقَاتِلُه
* * *
قَالَ ابنُ وَهْبٍ رحمه الله: "لَوْ كَتَبْنا عَنْ مَالِكٍ: لا أدْرِي، لمَلأنا الألْوَاحَ".
وعَنْ أبِي الذَّيَّالِ رحمه الله قَالَ: "تَعَلَّمْ لا أدْرِي، فإنَّكَ إنْ قُلْتَ: لا أدْرِي، عَلَّمُوْكَ حَتَّى تَدْرِي، وإنْ قُلْتَ: أدْرِي، سَألُوْكَ حَتَّى لا تَدْرِي! "(2).
وهَذا الإمامُ الآجُرِّيُّ رحمه الله نَرَاهُ في كِتَابِ "أخْلاقِ العُلَمَاءِ"(108) يُحَذِّرُ أهْلَ العِلْمِ مِنْ تَرْكِ "لا أدْرِي" فيما لا عِلَمَ لهم بِه، بِقَوْلِه:
"وأمَّا الحُجَّةُ للعَالمِ يُسْألُ عَنِ الشَّيءِ لا يَعْلَمُه فَلا يَسْتَنْكِفْ أنْ يَقُوْلَ: لا أعْلَمُ، إذا كَانَ لا يَعْلَمُ، وهَذَا طَرَيِقُ أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ ومَنْ بَعْدَهُم مِنَ أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ. اتَّبَعُوا في ذَلِكَ نَبِيَّهُم صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه كَانَ إذا سئِلَ
(1) انْظُرْ "أدَبَ الدُّنْيا والدِّينِ" للمَاوَرْدِيِّ (42).
(2)
انْظُرْ الآثَارَ في "جَامِعِ بَيَانِ العِلْمِ" لابْنِ عَبْدِ البَرِّ (2/ 839، 842).