الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثَانِيًا: أنْ يَكُوْنَ الدُّخُوْلُ عَلَيهِ مِنْ بَابِ التَّذْكِيرِ والموْعِظَةِ، وإلَّا.
ثالثًا: أنْ يَكُوْنَ الدُّخُوْلُ عَلَيهِ مِنْ بَابِ إجَابَةِ دَعْوَةِ السُّلْطَانِ، وذَلِكَ فيما لَوْ أمَرَهُ وَليُّ الأمْرِ بالدُّخُوْلِ والمَجِيءِ، وإلَّا حَسْبُكَ!
فإنَّا وإيَّاكَ؛ لَنْ نَنْسَ "ومَنْ أتَى أبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتَتَنْ"، و"إيَّاكُم وأبْوَابَ السُّلْطَانِ؛ فإنه قَدْ أصْبَحَ صَعْبًا هَبُوْطًا"، "وإيَّاكَ أنْ تُخْدع فإنَّ ذَلِكَ خَدِيعَةُ إبْلِيسِ"، و"السُّلْطَانُ دَاءٌ، والعَالِمُ طَبِيبٌ، فإذَا رَأيتَ الطَّبِيبَ يَجُرُّ الدَّاءَ إلى نَفْسِه فاحْذَرْهُ"، فاحْذَرَ أنْ يُرَحِّبُوا بِكَ فتمِيلَ إليهِم مَيلًا عَظِيمًا، والسَّلامُ عَلَيكَ يا طَالِبَ العِلْمِ والعزَّةِ!
* * *
* أمَّا
العائقُ الثالِثُ:
أنْ تَحْذَرَ يَا طَالِبَ العِلْمِ مِنَ الاشْتِغَالِ والنَّظَرِ في دَرَكَاتِ الهُوْنِ والدُّوْنِ، مِنْ عُلُوْمِ أهْلِ زَمَانِنَا، ومَا هُمْ فيه مِنْ شَارَاتٍ وضْعِيَّةٍ (1)، وألْقَابٍ جَوْفَاءَ، مَا أنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ أو بُرْهَانٍ، اللَّهُمَّ هَوَىً وظُنُوْنًا يَتَغَشَّوْنَ بِهَا مَجَالِسَ العِلْمِ، ليَسْتَبِيحُوا بِهَا زَهْرَةَ الحيَاةِ الدُّنْيا، إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي!
(1) أي: بَعْضُ الأسْمَاء العِلْمِيَّةِ الوَافِدَةِ عَلَينا: كـ (الدَّكْتُوْرَاه)، و (الماجِسْتِير)، و (البَكَلَرْيُوس)، وغَيرها.
واعْلَمْ يَا رَعَاكَ اللهُ: إنَّ العِلْمَ مَا جَاءَ عَنِ الكِتَابِ، والسُّنَّةِ، وأصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وهَذَا مَا أجْمَعَ عَلَيه سَلَفُ الأمَّةِ.
قَالَ الإمَامُ الأوْزَاعِيُّ رحمه الله: "العِلْمُ مَا جَاءَ عَنْ أصْحَابِ مُحَمَّدٍ، ومَا لَمْ يَجِيء عَنْهُم فَلَيسَ بِعِلْمٍ"(1).
* * *
وهَاكَ يا طَالِبَ العِلْمِ هَذِه القَاعِد السَّلَفيةَ في وِزَانِ عُلُوْمِ السَّلَفِ وعُلُوْمِ الخَلَفِ، وهُوَ مَا ذَكَرَهُ شَيخُ الإسْلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رحمه الله بِقَوْلِهِ في "مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى" (10/ 664): "العِلْمُ المَوْرُوْثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّه هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمَّى عِلْمًا، وما سِوَاهُ إمَّا أنْ يَكُوْنَ عِلْمًا فَلا يَكُوْنُ نَافِعًا.
وإمّا أنْ لا يَكُوْنَ عِلْمًا وإنْ سُمِّيَ بِه، ولئِنْ كَانَ عِلْمًا نَافِعًا فَلابُدَّ أنْ يَكُوْنَ في مِيرَاثِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ما يُغْنِي عَنْه مِمَّا هُوَ مِثْلُه وخَير مِنْه! ".
وقَالَ أيضا رحمه الله في أهَمِيَّةِ مخالَفَةِ أعْمَالِ الكُفَّارِ؛ ولَوْ كَانَ فِيهِ إتْقَانٌ، مَا ذَكَرَهُ في "اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ" (1/ 172): "فإذًا المُخَالَفَةُ
(1) انْظُرْ "جَامِعَ بَيَانِ العِلْمِ" لابْنِ عَبْدِ البَرِّ (1/ 644)، و"البِدَايَةَ والنِّهَايَةَ" لابنِ كَثِيرٍ (10/ 117).
لهم (أي: مُخَالَفةُ الكُفَّارِ) فيها مَنْفَعَةٌ وصَلاحٌ لَنا في كُلِّ أمُوْرِنا؛ حَتَّى مَا هُم عَلَيه مِنْ اتْقَانِ بَعْضِ أمُوْرِ دُنْيَاهُم؛ قَدْ يَكُوْنُ مُضِرًّا بأمْرِ الآخِرَةِ، أو بِمَا هُوَ أهَمُّ مِنْهُ مِنْ أمْرِ الدُّنْيَا، فالمُخَالَفَةُ فيه صَلاحٌ لَنَا".
* * *
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، ويَنْقُصُ العِلْمُ، وتَظْهَرُ الفِتَنُ، ويَكثرُ الهَرْجُ، قِيلَ يَا رَسُوْلَ اللهِ: أيْمُ هُوَ؟ قَالَ: القَتْلُ القَتْلُ"(1) البُخَارِيُّ.
وفي هَذَا الحدِيثِ نكتَةٌ عِلْمِيَّةٌ نَفيسَةٌ ذَكَرَها الإمِامُ الحَافِظُ أبو حَاتِمٍ رحمه الله بِقَوْلِه في "مُقَدِّمَةِ المَجْرُوْحِينِ"(12): "في هَذَا الخبرِ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ مَا لم يَنْقُصْ مِنَ العِلْمِ لَيسَ بعِلْمِ الدِّينِ في الحَقِيقَةِ!
وفيه دَلِيلٌ عَلَى أنَّ ضِدَّ العِلْمِ يَزِيدُ، وكُلَّ شَيءٍ زَادَ مِمَّا لَمْ يَكُنْ مَرْجِعُه إلى الكِتَابِ والسُّنَّةِ فَهُوَ ضِدُّ العِلْمِ" انْتَهَى.
* * *
وقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يُرِدِ الله بِه خَيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ"(2) مُتَّفَقٌ عَلَيه.
ومِنْه نَعْلَمُ قَطْعًا؛ أنَّ كُلَّ عِلْمٍ لم يَكُنْ مِنَ الدِّينِ فَلَيسَ بفِقْهٍ، ومَنِ اشْتَغَلَ
(1) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (5690) وغَيرُه.
(2)
أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (1/ 27)، ومُسْلِمٌ (3/ 95).
بغَيرِه فَلَيسَ مِمَّنْ أرَادَ اللهُ بِه خَيرًا أصَالَةً لا حِوالَةً (1)!
* * *
وعَلَيه؛ فاعْلَمْ إنَّ هَذِه العُلُوْمَ الطَّبِيعِيَّةَ وغَيرَها مِمَّا هِيَ مِنْ عُلُوْمِ الدُّنْيا (الطَّبِيعَيَّةَ، الهَيئَةَ، الرِّياضِيَّةَ، الهندَسَةَ، الطِّبَّ وغَيرَها)(2) الَّتِي لم تَزَلْ تَزْدَادُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمِ؛ بأنَّهَا لَيسَتْ مِنَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ بِشَيءٍ، كَمَا أنَّه لا يَضُرُّ الجَهْلُ بِها، ولا يَنْفَعُ العِلْمُ بِها، بَلْ هِي عُلُوْمٌ دِنْيَوِيَّة؛ المَقْصُوْدُ مِنْهَا عِمَارَةُ الدُّنْيَا!
يَقُوْلُ ابنُ تَيمِيَّةَ رحمه الله في "مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى"(27/ 394):
"لَكِنَّ المَقْصُوْدَ أنْ يُعْرَفَ أنَّ الصَّحَابَةَ خَيرُ القُرُوْنِ، وأفْضَلُ الخَلْقِ بَعْدَ الأنْبِيَاءِ!
فَمَا ظَهَرَ (مِنَ العُلُوْمِ) فيمَنْ بَعْدَهُم مِمَّنْ يَظُنُّ أنَّها فَضِيلَةٌ للمُتَأخِّرِينَ، ولَمْ تَكُنْ فيهِم فإنَّها مِنْ الشَّيطَانِ، وهِي نَقِيصَةٌ لا فَضيلَةٌ سَواءٌ كَانَتْ مِنْ
(1) لأنَّ الخيرَ يَكُوْنُ في العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ أصَالَةً، وفي غَيرِه مِنَ عُلُوْمِ الدُّنْيا يَكُوْنُ تِبَاعًا!
(2)
لَقَدْ تَكَلَّمْتُ عَنْ: "عِلْمِ الطِّبِّ، وعِلْمِ الاجْتِماعِ، والإعْجَازِ العِلْمِيِّ"، بشَيءٍ مِنَ البَسْطِ والتَّحْرِيرِ، وبَيَّنْتُ كَثِيرًا مِنْ أخَطَائِها العِلْمِيَّةِ، وآثارِها العَمَلِيَّةِ، وحَذَّرْتُ مِنَ الجرِي ورَاءهَا والانْبِهَارِ بِها إلى غَيرِ ذَلِكَ ممَّا ذَكْرَتُه هُنَاكَ، وأسْألُ اللهَ أنْ يُيَسِّرَ إخْرَاجَها قَرِيبًا!
جِنْسِ العُلُوْمِ، أو مِنْ جِنْسِ العِبَادَاتِ، أو مِنْ جِنْسِ الخَوَارِقِ والآياتِ، أو مِنْ جِنْسِ السِّيَاسَةِ والمُلْكِ؛ بَلْ خَيرُ النَّاسِ بَعْدَهُم أتْبَعَهُم لهم".
وقَالَ أيضًا رحمه الله في "المَجْمُوْعِ"(9/ 126) في مَعْرَضِ رَدِّه عَلَى أرْبَابِ العُلُوْمِ الدِّنْيِوَيَّةِ، لا سِيَّما أرْبَابُ الفَلْسَفَةِ مِنْهُم: "فإنَّ عِلْمَ الحِسَابِ الَّذِي هُوَ عِلْمٌ بالكَمِّ المُنْفَصِلِ، والهندَسَةِ الَّتِي هِيَ عِلْمٌ بالكَمِّ المُتَّصِلِ عِلْمٌ يَقِينِيٌّ لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ البَتَّةَ: مِثْلُ جَمْعِ الأعْدَادِ وقِسْمَتِها وضَرْبِها، ونسْبَةِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ
…
والمَقْصُوْدُ أنَّ هَذا العِلْمَ الَّذِي تَقُوْمُ عَلَيه بَرَاهِينُ صَادِقَة لَكِنْ لا تَكْمُلُ بِذَلِكَ نَفْسٌ، ولا تَنْجُو مِنْ عَذَابٍ، ولا تُنَالُ بِه سَعَادَةٌ" انْتَهى.
* * *
يَقُوْلُ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله في بَيَانِ أنواعِ العُلُوْمِ، مَا جَاءَ في كِتَابِه "الفَوَائِدِ" (160): "نَوْعٌ تَكْمُلُ النَّفْسُ بإدْرَاكِهِ والعِلْمِ بِه، وهُوَ العِلْمُ باللهِ وأسْمَائِه وصِفَاتِه وأفْعَالِه وكُتُبِه وأمْرِه ونَهْيِه.
ونَوْعٌ لا يَحْصُلُ للنَّفْسِ بِه كَمَالٌ: وهُوَ كُلُّ عِلْمٍ لا يَضُرُّ الجَهْلُ بِه، فإنَّه لا يَنْفَعُ العِلْمُ بِها في الآخِرَةِ.
وكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَعِيذُ باللهِ مِنْ عِلم لا يَنْفَعُ، وهَذَا حَالُ أكْثَرِ العُلُوْمِ الصَّحِيحَةِ المُطَابِقَةِ الَّتِي لا يَضُرُّ الجَهْلُ بِها شَيئا: كالعِلْمِ بالفَلَكِ ودَقَائِقِه ودَرَجَاتِه، وعَدَدِ الكَوَاكِبِ ومَقَادِيرِها، والعِلْمِ بعَدَدِ الجِبَالِ وألْوَانِها ومَسَاحَتِها، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَشرَفُ العِلْمِ بِحَسَبِ شَرَفِ مَعْلُوْمِه، وشِدَّةِ الحَاجَةِ إلَيه، ولَيسَ ذَاكَ إلَّا العِلْمُ باللهِ وتَوَابع ذَلِكَ" انْتَهَى.
* * *
وقَالَ أيضًا في مَعْرَضِ الرَّدِّ عَلَى عُلَمَاءِ الفَلْسَفَةِ، مَا ذَكَرَهُ في "مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ" (2/ 122): "وإمَّا عِلْمٌ طَبِيعِيٌّ صحِيحٌ غَايِتُه مَعْرِفَةُ العَنَاصِرِ، وبَعْضِ خَوَاصِهَا وطَبَائِعَها، ومَعْرِفَةُ بَعْضِ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْها، ومَا يَسْتَحِيلُ مِنَ المُوْجِبَاتِ إلَيها، وبَعْضِ مَا يَقَعُ في العَالَمِ مِنَ الآثارِ بامْتِزَاجِها واخْتِلاطِها
…
وأيُّ كَمَالٍ للنَّفْسِ في هَذِا؟ وأيُّ سَعَادَةٍ لَهَا فيه؟! "انْتَهَى.
وقَالَ أيضًا في مَعْرَضِ الرَّدِّ عَلَى أهْلِ الطِّبِّ، مَا بَيَّنَهُ في "مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ" (2/ 318 - 319) بِقَوْلِهِ: "وحَاجَةُ النَّاسِ إلى الشَّرِيعَةِ ضَرُوْرَةٌ فَوْقَ حَاجَتِهم إلى أيِّ شَيءٍ، ولا نِسْبَةَ لحاجَتِهِم إلى عِلْمِ الطِّبِّ إلَيها، ألا تَرَى
أكْثَرَ العَالمِ، يَعِيشُوْنَ بغَيرِ طَبِيبٍ؟ ولا يَكُوْنُ الطَّبِيبُ إلَّا في المُدُنِ الجَامِعَةِ، وأمَّا أهْلُ البَدْوِ كُلُّهُم، وأهْلُ الكَفُوْرِ (القَرْيَةِ الصغِيرة) كُلّهُم، وعَامَّةُ بَنِي آدَمَ، فَلا يَحْتَاجوْنَ إلى طَبِيبٍ، وهُمْ أصَحّ أبْدَانًا وأقْوَى طَبِيعَةً ممَّنْ هُوَ مُتَقَيِّد بالطَّبِيبِ، ولَعَلَّ أعْمَارَهُم مُتَقَارِبَة
…
إلخ.
وأمَّا مَا يُقَدَّرُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرِيعَةِ ففَسَادُ الرّوْحِ والقَلْبِ جُمْلَةً، وهَلاكُ الأبدِ، وشَتَّانَ بَينَ هَذَا وهَلاكِ البَدَنِ بالموتِ: فَلَيسَ النَّاسُ قَطُّ إلى شَيءٍ أحْوَجَ مِنْهُم إلى مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بهِ الرَّسُوْلُ صلى الله عليه وسلم، والقِيَامِ بِه، والدَّعْوَةِ إلَيه، والصَّبْرِ عَلَيه، وجِهَادِ مَنْ خَرَجَ عَنْه حَتَّى يَرْجِعَ إلَيهِ، ولَيسَ للعَالَمِ صَلاح بِدُوْنَ ذَلِكَ البَتَّةَ" انْتَهَى.
* * *
وهَذَا الذَّهَبِيُّ رحمه الله أيضًا نَجِدُه يُعِيبُ عِلْمَ النَّحْوِ الَّذِي هُوَ أفْضَلُ وأكْمَلُ مِنْ عُلُوْمِ (القَوْمِ!) لا سِيما إذَا خَرَجَ عَنْ حَدِّه المَقْصُوْدِ، وذَلِكَ بِقَوْلِه في كِتَابِهِ "زَغَلِ العِلْمِ" (39): "النَّحْوِيُّوْنَ لا بَأسَ بِهِم، وعِلْمُهُم حَسَنٌ مُحتاجٌ إلَيه، لَكِن النَّحْوِيَّ إذا أمْعَنَ في العَرَبِيَّةِ، وعَرِيَ عَنْ عِلْمِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ بَقِيَ فَارِغًا بَطَّالًا لَعَّابًا، ولا يَسْألُه اللهُ والحَالَةُ هَذِه عَنْ عِلْمِه في الآخِرَةِ؛ بَلْ هُوَ كَصِنْعَةٍ مِنَ الصَّنَائِعِ: كالطَّبِّ والحِسَابِ، والهندَسَةِ لا
يُثَابُ عَلَيها، ولا يُعَاقَبُ إذَا لَمْ يَتكبَّرْ عَلَى النَّاسِ، ولا يتَحَامَقْ عَلَيهم، واتَّقَى اللهَ تَعَالَى، وتَوَاضَعْ وَصَانَ نَفْسَهُ" انْتَهَى.
* * *
فعَلَيكَ أخِي طَالِبَ العِلْمِ بمَا قَالَه ابنُ رَجَب رحمه الله في "بَيَانِ فَضْلِ عِلْمِ السَّلَفِ"(68): "وفي كَلامِهِم (السَّلَفِ) كِفَايَة وزِيَادَة، فَلا يُوْجَدُ في كَلامِ مَنْ بَعْدِهِم مِنْ حَقٍّ إلَّا وهُوَ في كَلامِهِم مَوْجُوْد بأوْجَزِ لَفْظٍ، وأخْصَرِ عِبَارَةٍ، ولا يُوْجَدُ في كَلامِ مَنْ بَعْدِهِم مِنْ بَاطِلٍ إلَّا وفي كَلامِهِم مَا يُبَيِّنُ بُطْلانَه لمَنْ فَهِمَهُ وتَأمَّلَهُ، ويُوْجَدُ في كَلامِهِم مِنَ المعَاني البَدِيعَةِ والمآخِذِ الدَّقِيقَةِ مَا لا يَهْتَدِي إلَيه مَنْ بَعْدَهُم ولا يَلِمُّ بِهِ، فَمَنْ لم يَأخُذْ العِلْمَ مِنْ كَلامِهِم فَاتَهُ ذَلِكَ الخَيرُ كُلُّه مَعَ مَا يَقَعُ في كَثِيرٍ مِنَ البَاطِلِ مُتَابَعَةً لمَنْ تَأخَّرَ عَنْهُم" انْتَهَى.
* * *
واعْلَمْ يا رَعَاكَ اللهُ، أنَّ العِلْمَ إذا أُطْلِقَ، فإنَّه لا يَصْدُقُ إلَّا عَلَى العِلْمِ الشَّرْعِيّ فَضْلًا وكَمَالًا، أجْرًا ومَآلًا، عِزًّا وحَالًا
…
!
ومَا سِوَاهُ مِنْ عُلُوْمِ الدُّنْيا؛ فَهِي عُلُوْمٌ مُقَيَّدَةٌ بِمَا تُضَافُ إلَيه مِنْ: حِرَفٍ ومِهَنٍ وفِكْرٍ
…
كعُلُوْمِ الطَّبِيعَةِ، والفَلَكِ، والهَيئَةِ، والحِسَابِ،
والصنَاعَاتِ، والرِّيَاضِيَّاتِ، والهندسَةِ، والأحْيَاءِ، و (الكِيمِيَاءِ)، و (الفيزِيَاءِ)، و (الجُغْرَافيا)، وعِلْمِ الأرْضِ (الجُيُوْلُوْجِيا)، وعِلْمِ التِّجَارَةِ، وعِلْمِ السِّيَاسَةِ، وكَذَا حِرَفِ النِّجَارَةِ، والفِلاحَةِ، والصِّنَاعَةِ، والحِيَاكَةِ إلخ.
* * *
فَعِنْدَ ذَلِكَ؛ كَانَ مِنَ الخَطأ البيِّن رَصْفُ تِلْكَ العَنَاوِينِ الرَّابِضَةِ فَوْقَ بَعْضِ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، والأطَارِيحِ الجَامِعِيَّةِ كَقَوْلهِم: العِلْمُ والإيمَانُ، العِلْمُ والإسْلامُ، الإيمَانُ مِحْرَابُ الطِّبِّ، الدِّينُ والعِلْمُ التَّجْرِيبِيُّ، القُرْآنُ والإعْجَازُ العِلْمِيُّ
…
وغَيرُها مِمَّا هُوَ مِنْ زَبَدِ العُلُوْمِ الدَّخِيلَةِ، والانْهِزَامِ الجَاثِمِ عَلَى عُقُوْلِ وأقْلامِ كَثِيرٍ مِنَ كُتَّابِ المُسْلِمِينَ هَذِه الأيامَ!
ومَا ذَاكَ الخَطَأُ الدَّارِجُ هُنَا وهُنَاكَ إلَّا لِكَوْنِ القَوْمِ قَدْ ظَنُّوا بأنَّ العِلْمَ شَيءٌ، والدِّينَ شَيء آخَرَ!
لِذَا نَجِدُهُم يُفَرِّقُوْنَ بَينَ الدِّينِ والعِلْمِ، ومَا عَلِمُوا أنَّ الدِّينَ الإسلامِيَّ هُوَ العِلْمُ، والعِلْمَ دِينٌ؛ فانْظُرُوا عَمَّنْ تَأخُذُوْنَ دِينكُم!
فإنَّ حَالَ هَذِه العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ؛ بَلْ أكْثَرِ العُلُوْمِ الصَّحِيحَةِ المُطَابِقَةِ للعَقْلِ والتَّجْرُبَةِ؛ فإنَّه لا يَضُرُّ الجَهْلُ بِها شَيئًا، كَمَا أنَّه لا يَنْفَعُ العِلْمُ بِها!
لِذَا؛ فلا يَهُوْلَنَّكَ يَا طَالِبَ العِلْمِ مَا يَتَجَارَى بِهِ أهْلُ زَمَانِنَا في تَسْوِيقِ هَذِه العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ، مَعَ زُخْرُفٍ مِنَ الشَّارَاتِ والألْقَابِ في صُرُوْحِ الجَامِعَاتِ، ومَا يَقْذِفُه الإعْلامُ العَائِمُ فَوْقَ بَرَاكِينَ مِنَ الثَّقَافَاتِ الغَرْبِيَّةِ، كُلُّ ذَلِكَ مُحَاكَاتٌ ومُشَابَهَةٌ لِمُخَلَّفَاتِ الاسْتِعْمَارِ (الدَّمَارِ) الغَرْبِيِّ!
* * *
ومَهْمَا قِيلَ؛ فَلَنْ يَتَعَدَّ أصْحَابُ هَذِه العُلُوْمِ الطَّبِيعِيَّةِ وغَيرِها (مِمَّا هِيَ مِنْ عُلُوْمِ الدُّنْيا) مَكَانَهُم مِنَ العِلْمِ؛ فَهُم لا يَعْلَمُوْنَ إلَّا ظَاهِرًا مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيا؛ بَلْ هَذَا مَبْلَغُهُم مِنَ العِلْمِ، كَمَا أنَّها عُلُوْمٌ يَشْتَرِكُ فيها كُلُّ إنْسَانٍ وجَانٍّ (المُؤْمِنُ مِنْهُم والكَافِرُ)!
ومَعَ هَذَا فَلَيسَ لهم فيها مِنْ الأجْرِ شَيء، اللَّهُمَّ إلَّا إذا جَعَلُوا مِنْ هَذِه العُلُوْمِ والصِّنَاعَاتِ قُرُباتٍ، بَعْدَ اسْتِحْضَارِ قَصدٍ ونيَّاتٍ!
كَنِيّةِ: التَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى بَينَ المُسْلِمِينَ، كَمَا يَنْوِيهِ النَّجَّارُ والفَلاحُ وغَيرُهُما مِنْ أهْلِ الحِرَفِ والمِهَنِ، و"إنمَا الأعْمَالُ بالنياتِ، وإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"(1) مُتَّفَق عَلَيهِ.
(1) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (1)، ومُسْلِم (1907).
ومَهْمَا يَكُنْ؛ فالأجْرُ والخَيرُ: في العِلْمِ الشَّرْعِيِّ أصْلٌ وغَايَةٌ، وفي غَيرِه مِنَ عُلُوْمِ الدُّنْيا طَارِئٌ ووَسَيلَةٌ!
* * *
وأخِيرًا؛ فَإنَّنا لا نَقُوْلُ بطَرْحِ العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ (الطَّبِيعِيَّةِ والتَّجْرِيبِيَّةِ) جُمْلَة وتَفْصِيلًا؛ كَلَّا!
بَلْ للتَّفْصِيلِ اعْتِبَارٌ ومَأخَذُ، فالنَّاسُ حَوْلها طَرَفَانِ ووَسَطٌ، كَما يَلي:
الطرَفُ الأولُ: مَنْ أفْرَطَ فِيهَا إفْرَاطًا أخْرَجَهَا مِنْ حَدِّهَا ومَنْزِلَتِهَا إلى التَّقْدِيسِ والغُلُوِّ؛ فَرَفَعَهَا فَوْقَ غَيرِها مِنَ العُلُوْمِ، لاسِيَّما العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ، وأهْلُ هَذَا الطَّرَفِ فِيهِمْ غُلُوّ وإسْرَافٌ مَذْمُوْمَانِ!
الطَّرَفُ الثاني: مَنْ عِنْدَهُ تَفْرِيطٌ وتَقْصِيرٌ فِيهَا؛ حَتَّى قَطَعَ بَعْضهُم بحُرْمَتِهَا، ومِنْهُم مَنْ صَرَّحَ بخُلُوِّهَا مِنَ الخَيرِ والفَائِدَةِ رَأسًا، وأهْلُ هَذَا الطَّرَفِ فِيهِم تَفْرِيطٌ وإجْحَاف مَذْمُوْمَانِ!
الوَسَطُ: مَنْ قَالَ بأنَّها عُلُوْم مُبَاحَةٌ: فَمِنْهَا مَا هُوَ حَلالٌ مَقْبُوْلٌ، ومِنْهَا مَا هُوَ حَرَام مَرْدُوْد، فَفِيهَا الخَيرُ والشَّرُّ كَغَيرِهَا مِنَ العُلُوْمِ
الدِّنْيَوِيَّةِ، والنَّاسُ إلى الخَيرِ مِنْهَا في حَاجَةٍ وطَلَبٍ، لا سِيَّما في عِمارة الأرْضِ، وصَلاحِ الدِّينِ والدُّنْيَا، فَهِي مِنْ بَابِ الوَسَائِلِ، و"للوَسَائِلِ أحْكَامُ المَقَاصِدِ".
وهُمْ مَعَ هَذَا لا يُخْرُجْوْنَها عَنْ حَدِّهَا وحَجْمِهَا، فَلا يَذْهَبُوْنَ بِها إلى الغُلُوِّ ولا إلى التَّفْرِيطِ، كَما أنَّهم لا يُسَامُوْنَ بِها العُلُوْمَ الشَّرْعِيَّةَ؛ فَضْلًا عَنْ أفْضَلِيَتِّها، فَلَهَا قَدْرُهَا وتَقْدِيرُهَا، واللهُ أعْلَمُ.
* * *
وقد اشْتَرَطَ الإمَامُ الشَّوكَانيُّ رحمه الله (1350) لتَعَلُّمِ العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ شَرْطًا عَزِيرًا، في كِتَابِه "أدَبِ الطَّلَبِ" (124) حَيثُ قَالَ: "ثُمَّ لا بَأسَ عَلى مَنْ رَسَخَ قَدَمُهُ في العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ أنْ يَأخُذَ بطَرَفٍ مِنْ فُنُوْن هِي مِنْ أعْظَمِ مَا يَصْقِلُ الأفْكَارَ، ويُصَفِّي القَرَائِحَ، ويَزِيدُ القَلْبَ سُرُوْرًا والنَّفْسَ انْشِرَاحًا: كالعِلْمِ الرِّيَاضِيِّ والطَّبِيعِيِّ، والهندَسَةِ والهَيئَةِ والطِّبِّ.
وبالجُمْلَةِ فالعِلْمُ بِكُلِّ فَنٍّ خَيرٌ مِنَ الجَهْلِ بِه بكَثِيرٍ ولا سِيَّما مَنْ رَشَّحَ نَفْسَهُ للطَّبقَةِ العَلِيَّةِ والمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ.
ودَعْ عَنْكَ مَا تَسْمَعُهُ مِنَ التَّشْنِيعَاتِ، فإنَّها كَما قَدَّمْنَا لَكَ شُعْبَةٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، وأنْتَ بَعْدَ العِلْمِ بأيِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُوْمِ: حَاكِمٌ عَلَيهِ بِما قَدْ يَكُوْنُ
لَدِيكَ مِنَ العِلْمِ، غَيرَ مَحكُوْمٍ عَلَيكَ، واخْتَرْ لنَفْسِكَ مَا يَحلُو!
ولَيسَ يُخْشَى عَلى مَنْ قَدْ ثَبَتَ قَدَمُهُ في عِلْمِ الشَّرْعِ مِنْ شَيءٍ، وإنَّما يُخْشَى عَلى مَنْ كَانَ غَيرَ ثَابِتِ القَدَمِ في عُلُوْمِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، فإنَّهُ رُبَّما يَتَزَلْزَلُ وتحوْلُ ثِقَتُهُ؛ فإذَا قَدَّمْتَ العِلْمَ بِما قَدَّمْنَا لَكَ مِنَ العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ فاشْتَغِلْ بِما شِئْتَ، واسْتكْثِرْ مِنَ الفُنُوْنِ مَا أرَدْتَ وتبحَّرْ في الدَّقَائِقِ مَا اسْتَطَعْتَ، وجَاوِبْ مَنْ خَالَفَكَ وعَذَلَكَ وشَنَّعَ عَلَيكَ، بقَوْلِ القَائِلِ:
أتانَا أنَّ سَهْلًا ذَمَّ جَهْلًا
…
عُلُوْمًا لَيسَ يَعْرِفُهُنَّ سَهْلُ
عُلُوْمًا لَوْ دَرَاهَا مَا تَلاهَا
…
ولكِنَّ الرِّضَى بالجَهْلِ سَهْلُ
إلى آخِرِ كَلامِهِ".
قُلْتُ: إنَّ مَا ذَهَبَ إلَيهِ الإمَامُ الشَّوكَانيُّ فِيهِ نَظَر بَيِّن؛ حَيثُ اشْتَرَطَ لتَعَلُّمِ العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ شُرُوْطًا لَيسَتْ في كِتَابٍ ولا سُنَّةٍ، بَلِ الوَاقِعُ يَشْهَدُ بخِلافِ مَا ذَهَبَ إلَيهِ، هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنهُ رحمه الله مِمَّنْ يُشَنِّعُ عَلى التَّقْلِيدِ وأهْلِهِ، ويحذِّرُ مِنْهُ مَا أمْكَنَ إلَيهِ سَبِيلًا!
فَقَولهُ رحمه الله: ثُمَّ لا بَأسَ عَلى مَنْ رَسَخَ قَدَمُهُ في العُلُوْمِ الشرْعِيَّةِ أنْ يَأخُذَ بطَرَفٍ مِنَ العِلْمِ الرِّيَاضِيِّ والطَّبِيعِي، والهندَسَةِ والهَيئَةِ والطِّبِّ.
ولَيسَ يُخْشَى عَلى مَنْ قَدْ ثَبَتَ قَدَمُهُ في عِلْمِ الشَّرْعِ مِنْ شَيءٍ، وإنَّما يُخْشَى عَلى مَنْ كَانَ غَيرَ ثَابِتِ القَدَمِ في عُلُوْمِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، فإنَّهُ رُبَّما يَتَزَلْزَلُ وتحُوْلُ ثِقَتُهُ .. إلَخْ!
كُلُّ هَذَا مِنْهُ رحمه الله مُنْتَقَدٌ وبَعِيدٌ، لأمُوْرٍ:
أوَّلًا: لَيسَ هُنَاكَ دَلِيلًا شرْعِيًّا عَلى اشْتِرَاطِ مَنْ رَامَ تَعَلُّمَ العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ أنْ يَكُوْنَ رَاسِخًا في العِلْمِ الشَّرْعِيِّ؟
هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ العُلُوْمَ الدِّنْيَوِيَّةَ مِنَ العُلُوْمِ المُبَاحَةِ، والحَالَةُ هَذِه فَهِيَ لا تَحْتَاجُ إلى رُسُوْخٍ في العِلْمِ، بَلْ هِي مِنْ شَأنِ عَامَّةِ النَّاسِ في حَيَاتهم الدِّنْيَوِيَّةِ، بَلْ هُنَالِكَ مِنْ آحَادِ العَامَّةِ مَنْ يُحْسِنُ مِنَ العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ مَا لا يُحْسِنُهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ!
ثَانِيًا: لو أنَّنا لَوْ أخَذْنَا بِما اشْتَرَطَهُ الشَّوكَانيُّ رحمه الله لتَعَطَّلَتْ كَثِيرٌ مِنْ مَصَالِحِ الدُّنْيَا، وعِمار الأرْضِ!
ثَالثًا: لَيسَ بالضَّرُوْرِي أنَّ كُلَّ مَنْ تَعَلَّمَ العُلُوْمَ الدِّنْيَوِيَّةَ أنْ يَزِلَّ، أو تَتَحَوَّلَ ثِقَتُهُ، لأنَّ دَلِيلَ الشَّاهِدِ والحَالِ قَاضٍ بهَذَا!
* * *
إلَّا أنَّنا مَعَ هَذَا؛ نُحَذِّرُ كَلَّ الحَذَرِ مِنَ النَّظَرِ إلى هَذِه العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ بعَينِ الإفْرَاطِ والانْبِهَارِ، أو الانْصَرَافِ بِها عَنْ تَعَلُّمِ وَاجِبَاتِ الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِمَّا لا يُعْذَرُ المُسْلِمُ بجَهْلِهَا، وإلَّا وَقَعْنَا فِيما حَذَّرَ مِنْهُ الشَّوكَانيُّ رحمه الله، وهُوَ كَذَلِكَ!
* * *
ومِنْ آخِرِ نَحِسَاتِ أدْعِيَاءِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ هَذِه الأيام، أنَّ نَابِتَةً مِنْهُم لَمْ تَزَلْ تَنْفُخُ في رَوْعِ شَبَابِ المُسْلِمِينَ بَعْضَ العُلُوْمِ التَّجْرِيبِيَّةِ، الوَافِدَةِ مِنْ مُسْتَنْقَعَاتِ الفِكْرِ الغَرْبِي (الكَافِرِ)، ضَارِبِينَ بِعُلُوْمِ وكُتُبِ السَّلَفِ الصَّالِحِ عُرْضَ الحَائِطِ، مُزَاحِمِينَ مَا كَانَ عَلَيه المُسْلِمُوْنَ مِنْ الأمْرِ الأوَّلِ: إنَّها العُلُوْمُ الإدارِيَّةُ، والنَّفْسِيَّةُ (البَرْمجةُ العَصَبِيَّةُ اللُّغَوِيَّةُ)، وغَيرُها!
* * *
فَلَيتَ شِعْرِي؛ هَلْ نَسِيَ هُؤلاءِ (المُنْهَزِمُوْنَ) أنَّ الأمَّةَ الإسْلامِيَّةَ هَذِه الأيامَ في حَالٍ لا يُنَادَى وَليدُها؟ مِنْ جَهْلٍ بِدِييهِم، وتَفَرُّقٍ بَينَهُم، وضَعْفٍ لَدَيهِم
…
؟! فإنْ كَانُوا عَلَى عِلْمٍ بِهَذا؛ فلِمَاذا هَذِه العُلُوْمُ الدَّخِيلَةُ الَّتِي تُرَوَّجُ وتُسَوَّقُ بَينَ شَبَابِ المُسْلِمِينَ؛ حتَّى أخَذَتْ (للأسَفِ!) أخَادِيدَ في قُلُوْبِ بَعْضِ طُلابِ العِلْمِ؟!
قَالَ تَعَالى: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ} [البقرة: 61]، وقَالَ تَعَالى:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف 103 - 104].
وقَالَ عَبْدُ اللهِ بنِ مَسْعُوْدٍ رضي الله عنه: "كَيفَ أنْتُم إذا لَبِسَتْكُم فِتْنَةٌ يَهْرَمُ فيها الكَبِيرُ، ويَرْبُو فيها الصَّغِيرُ، ويَتَّخِذُها النَّاسُ سُنّة، فإذا غُيِّرَتْ قَالُوا: غُيِّرَتِ السُّنّة!
قَالُوا: ومَتَى ذَلِكَ يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: إذا كَثُرَتْ قُرَّاؤكُم، وقَلَّتْ فُقَهَاؤُكم، وكَثُرَتْ أمَرَاؤُكُم، وقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُم، والْتُمِسَتِ الدُّنْيا بعَمَلِ الآخِرَةِ" (1) الدَّارِميُّ والحَاكِمُ.
* * *
فإنِّي أُعِيذُكَ باللهِ يا مَنْ تَسْعَى في نَشْرِ هَذِه العُلُوْمِ الدَّخِيلَةِ الهَجِينَةِ في بِلادِ المُسْلِمِينَ، مِمَّا يَلي:
أوَّلًا - أنْ يَنَالَكَ نَصْيِبٌ مِنْ قَوْلِه صلى الله عليه وسلم: "
…
ومَنْ سَن في الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً،
(1) أخْرَجَهُ الدارِميُّ في "مُسْنَدِه"(191)، والحاكِمُ في "المُسْتَدْرَكِ"(4/ 514)، وهُوَ صَحِيحٌ.
فَعَلِيه وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ يَعْمَلُ بِها مِنْ غَيرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أوْزَارِهِم شَيئًا" (1) مُسْلم.
وبَعْدَئِذٍ؛ فَلا تَنْسَ يَا رَعَاكَ اللهُ! مَا فَعَلَه المأمُوْنُ يَوْمَ عرِّبَتْ في عَهْدِه عُلُوْمُ اليُوْنانِ، والفَلاسِفَةِ مِنَ اليَهُوْدِ والنَّصَارَى والِهنْدِ: مِثْلُ الطِّبِّ، والحِسَابِ، والطَّبِيعَةِ، والهَيئَةِ، والمَنْطِقِ
…
فَلَمّا دَرَسَها النَّاسُ، وتَنَاقَلُوْها فيمَا بَينَهُم؛ ظَهَرَتْ بِسَبَبِها البِدَعُ والأهْوَاءُ، وضَلَّ وابْتَعَدَ النَّاسُ عَنْ عِلْمِ النُّبوَّةِ
…
فعِنْدَها كَانَ الضَّلالُ والانْحِرَافُ، والشَّرُّ الكَبِيرُ، والفَسَادُ العَرِيضُ!
* * *
لأجْلِ هَذا؛ كَانَ عَلَيكَ أنْ تَقِفَ بِخَوْفِكَ عِنْدَ هَذَا العِلْمِ، لا سِيَّما إذَا عَلِمْتَ أنَّ الَّذِينَ ضَلُّوا وأضَلُّوا بِهَذِه العُلُوْمِ الوَافِدَةِ وَقْتَئِذٍ: هُمُ مِنَ العُلَمَاءِ!، فَكَيفَ والحَالَةُ هَذِه إذا عَلِمَ الجَمِيعُ أنَّ مُعْظَمَ الَّذِينَ يَتَجَارَوْنَ وَرَاء هَذِه العُلُوْمِ النَّكدَةِ، ويَتَقَاطَرُوْنَ عَلَى دَوْرَاتِها: هُمُ الشَّبَابُ مِنْ أبْنَاءِ المُسْلِمِينَ؛ فاللهَ اللهَ فيهِم!
(1) أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (1017).
ثَانيًا - لا يَخْفَاكَ يَا رَعَاكَ اللهُ؛ أنَّ الأُمَّةَ بعَامَّة تَعِيشُ هَذِه الأيامَ جَهْلًا بدِينها، لِذَا كَانَ الأوْلَى بِنا أنْ نَسْعَى حَثِيثًا في عَوْدَةِ الأُمَّةِ إلى دِينها أوَّلًا، ثُمَّ إذا كَانَ في الأمْرِ مُتَّسَعٌ فَعِنْدَئِذٍ يَكُوْنُ للكَلامِ في مِثْلِ هَذِه العُلُوْمِ الوَافِدَةِ شَيءٌ مِنَ البَسْطِ والتَّحْرِيرِ!
فَكُلُّ يَدٍّ مُدَّتْ إلَى هَذه العُلُوْمِ الوَافِدَةِ لِتَنْبُشَها بَعْدَ أنْ أُقْبِرَتْ، وأصْبَحَتْ عِظَامًا نَخِرَة، فَلَيسَ لَها أنْ تروِّجَها بَينَ أبْنَاءِ المسْلِمِينَ، ظنًّا مِنْها أنَّ الأسْمَاعَ في صَممٍ، وأنَّ العُيُوْنَ في سُبَات، وأنَّ الأقْلامَ والأنامِلَ لا تَجْتَمِعَانِ (1)؟!
* * *
ثَالثًا - ألَمْ يَأْنِ لَنا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُنا لمِا يَذْكُرُه أهْلُ هَذِه العُلُوْمِ التَّجْرِيبِيَّةِ مِنَ الغَرْبِ والشَّرْقِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ؟ فَلَمْ يَزَلْ هم حتَّى سَاعَتِي هَذِه وهُم يَصِيحُونَ بِخُطُوْرة هَذِه العُلُوْمِ في غَيرِ نَدْوَةٍ، أو لِقَاء، أو دَوْرَةٍ تَدْرِيبِيَّةِ!
* * *
(1) هُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ الكُتُبِ العِلْمِيةِ الرَّادَةِ عَلَى "البَرْمَجَةِ اللغَوِيةِ العَصَبِيَّةِ"، فَمِنْها:"البَرْمجَةُ اللغَوِيةُ العَصَبِيَّةُ" في طَبْعَتِه الثانِيَةِ للأخ أحْمَدَ الزَّهْرَاني، وهُو مِنْ أنْفَسِها وأجْوَدِها، وكَذَا "الفِكْرُ العَقَدِي الوَافِدُ ومَنْهَجِيَّةُ التَّعَامُلِ مَعَه" للأخْتِ فُوْزَ بِنْتِ عَبْدِ اللطِيفِ كُرْدِي، وهُو عِبَارة عَنْ مُذَكرَةٍ، كما أنه بَحْثٌ نَفيس جَيد في بَابِه.