الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كُلُّ ذَلِكَ للأسَفِ كَانَ مِنْهم عَلى حِسَابِ فَهْمِهِم وعِلْمِهِم وحِفْظِهِم للحَدِيثِ النَّبويِّ بخَاصَّةٍ، نَاهِيكَ عَلى حِسَابِ عُلُوْمِ الشَّرِيعَةِ بعَامَّةٍ!
ونَفَرٌ آخَرُ مِنْهُم ممَّنْ مَسَّتْهُ وَخْزَاتُ التَّخَصُّصِ: قَدْ أشْغَلَ نَفْسَه وطُلابَه ببَعْضِ الدَّوْرَاتِ الإدَارِيَّةِ، والبَرامِجِ العَصِبيَّةِ، واللهُ المُسْتَعَانُ عَلى مَا يَصفُوْنَ!
* * *
* أما
العائِقُ الخامِسُ:
فَهُوَ فُضُوْلُ المُبَاحَاتِ، ومَا أدْرَاكَ مَا فُضُوْلُ المُبَاحَاتِ؟ إنَّهَا المُهْلِكَاتُ، فإذَا كَانَ المَاءُ والنَّارُ لا يَجْتَمِعَانِ، فكَذِلَكَ طَلَبُ العِلْمِ لا يَجْتَمِعُ مَعَ فُضُوْلِ المُبَاحَاتِ، ولا يَكَادُ!
وحَسْبُكَ مِنْها: فُضُوْلُ النَّظَرِ، والكَلامِ، والطَّعامِ، والنوْمِ، ومُخَالَطَةِ النَّاسِ، فإنَّ التَّوَسُّع في هَذِه المُبَاحَاتِ بَرِيدُكَ يَا طَالِبَ العِلْمِ إلى الانْقِطَاعِ أو الفُتُوْرِ، كَما أنَّها مَجْلَبَةٌ للمَعَاصِي!
فَيَا للأَسَفِ!؛ لَقَدْ تَوَسَّع كَثِيرٌ مِنْ طُلابِ العِلْمِ مِنْ أهْلِ زَمَانِنا في فُضُوْلِ المُبَاحَاتِ؛ مِمَّا أبْعَدَهُم عَنِ التَّحْصِيلِ، ورُبَّمَا انْقَطَعَ بِهِم الطَّلَبُ، وهُم بَعْدُ لَمْ يَتَغَرْغَرُوا بالعِلْمِ!
فالحذَرَ الحذَرَ يَا طَالِبَ العِلْمِ مِنْ فُضُوْلِ المُبَاحَاتِ، يَقُوْلُ ابنُ الجوْزِي رحمه الله في "صَيدِ الخاطِرِ" (214):"واعْلَمْ أنَّ فَتْحَ بَابِ المُبَاحَاتِ رُبما جَرَّ أذَىً كَثِيرًا في الدِّينِ! ".
وَيقُوْلُ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله في "بَدَائِعِ الفَوَائِدِ"(2/ 229): "إمْسَاكُ فُضُوْلِ النَّظَرِ، والكَلامِ، والطَّعامِ، ومُخَالَطَةِ النَّاسِ؛ فإنَّ الشَّيطَانَ إنَّمَا يَتَسَلَّطُ عَلَى ابنِ آدَمَ، وَينَالُ غَرَضَه مِنْه مِنْ هَذِه الأبوَابِ الأرْبَعَةِ! ".
وقَالَ أيضًا رحمه الله في "الفَوَائِدِ"(146): "قَسْوَةُ القَلْبِ في أرْبَعَةِ أشْيَاءٍ إذَا جَاوَزَتْ قَدْرَ الحاجَةِ: الأكْلُ، والنَّوْمُ، والكَلامُ، والمُخَالَطَةُ! ".
* * *
فكَانَ مْنَ خَالِصَةِ الذِّكْرَى أنْ يَحْذَرَ طَالِبُ العِلْمِ مِنْ فُضُوْلِ المُبَاحَاتِ، وأنْ يَطْوِيَ بِسَاطَهَا طَيًّا، لا سِيَّما ممَّنْ رَامَ مَرَاتِبَ العُلَماءِ، ومَنَازِلَ الحُكَماءِ!
فاحْذَرْ يا طَالِبَ العِلْمِ: أنْ يَمَسَّكَ قَرْحُ التَّرفِ والسَّرَفِ؛ فَإنَّهُما مَذْمُوْمَانِ شَرْعًا وعُرْفًا، وإيَّاكَ والتَّنَعُّمَ؛ فَإنَّه يوْرِثُ التَّخَنُّثَ (عَيَاذًا بالله!)، فَإنِّي رَأيتُ ثَلاثتَهَا مجَامِعَ الفُضُوْلِ والتَّبَسُّطِ، ومَنَابعَ التَّرهُّلِ والرِّقَّةِ، فاحْذَرْ،
وإلّا فالطَّرِيقُ مَسْدُوْدَةٌ والبُلْغَةُ مَفْقُوْدَةٌ، فَدْوْنَ ما تَتَمَنَّى خَرْطُ القَتَادِ!
* * *
فَهَذِه انْتِقَاءَاتٌ مختصَرَاتٌ مِنْ مَأثُوْرَاتِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ، تَأخُذُ بحُجَزِ طُلابِ العِلْمِ مِنْ مُوَاقَعَةِ: فُضُوْلِ الكَلامِ، والطَّعامِ، والنَّظَرِ، والنَّوْمِ، والمُخَالَطَةِ، فتأمَّلها فإنَّها عَزِيزَة!
* فأما فُضُوْلُ الكَلامِ:
فَقَدْ قَالَ تَعَالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].
وقَدْ نَصَّ كَثِير مِنَ السَّلَفِ عَلى أنَّ المَلَكَ يَكْتُبُ كُلَّ شَيءٍ مما يَقُوْلُهُ العَبْدُ: خَيرًا كَانَ أو شَرًّا أو مُبَاحًا!
وإلَيهِ ذَهَبَ ابنُ عَبَّاسٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وقَتَادَةُ السُّدُوْسِيُّ وغَيرُهُم.
يَقُوْلُ ابنُ عَبَّاسِ رضي الله عنهما في مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ: "يُكْتَبُ كُلُّ مَا تكلَّمَ بِه مِنْ خَيرٍ أو شَرٍّ؛ حَتَّى إنَّه ليُكْتَبُ قَوْلُهُ: أكَلْتُ، شَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ رَأيتُ".
وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الإمَامَ أحمَدَ رحمه الله كَانَ يَئِنُّ في مَرَضِهِ، فَبَلَغَهُ عَنْ طَاوُوْسَ أنه قَالَ: يَكْتُبُ المَلَكُ كُل شَيءٍ حَتَّى الأنينَ، فَلَمْ يَئِنْ أحمْدُ، حَتَّى مَاتَ رحمه الله" (1).
وقَالَ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، فلْيَقُلْ خَيرًا، أو ليَصْمُتْ"(2) مُتَّفَق عَلَيهِ.
وقَالَ صلى الله عليه وسلم: "كَفَى بالمرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ"(3) مُسْلِم في المُقَدِّمَةِ.
وقَالَ صلى الله عليه وسلم: "مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ"(4) أحمَدُ والتِّرمذِيُّ.
وهَذَا ابنُ رَجَبٍ رحمه الله يَسُوْقُ لَنَا في شَرْحِ هَذَا الحَدِيثِ دُرَرًا غَوَالي، إذْ يَقُوْلُ في "جَامِعِ العُلُوْمِ والحِكَمِ" (1/ 287): "ومَعْنَى هَذَا
(1) انْظُرْ "تَفْسِيرَ القُرْآنِ العَظِيمِ" لابنِ كَثِير (6/ 98).
(2)
أخْرَجَهُ البُخارِيُّ (6018)، ومُسْلِم (47).
(3)
أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (5).
(4)
أخْرَجَهُ أحمَدُ (1/ 201)، والتِّرمذِيُّ (2318)، وهُوَ صَحِيحٌ.
الحدِيثِ أنَّ مِنْ حُسْنِ إسْلامِهِ تَرْكَ ما لا يعْنيهِ: مِنْ قَوْلٍ أو فِعْلٍ، واقْتَصَرَ عَلى مَا يَعْنيهِ مِنَ الأقْوَالِ والأفْعَالِ.
ومَعْنَى: يَعْنيهِ أنَّه تَتَعَلَّقُ عِنَايَتُهُ بِه، ويَكُوْنُ مِنْ مَقْصدِه ومَطْلُوْبِهِ، والعِنَايَةُ شِدَّةُ الاهْتِمامِ بالشَّيءِ؛ يُقَالُ: عَنَاهُ يَعْنيهِ إذَا اهْتَمَّ بِهِ وطَلَبَهُ، ولَيسَ المُرَادُ أنَّه يَتْرُكُ مَا لا عِنَايَةَ لَه بِه ولا إرَادَةً بحُكْمِ الهَوَى وطَلَبِ النَّفْسِ؟!
بَلْ بِحُكْمِ الشَّرْعِ والإسْلامِ، ولهذَا جَعَلَهُ مِنْ حُسْنِ الإسْلامِ" انْتَهَى.
* * *
ومِنْ بَابَةِ الحذَرِ مِنْ فُضُوْلِ الكَلامِ؛ مَا ذَكَرَتْهُ خَوْلَةُ بِنْتُ قَيسٍ الأنصَارِيَّةُ رضي الله عنها، قَالَتْ: جَاءنَا رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ الله، بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ تُحَدِّثُ أنَّ لَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَوْضًا مَا بَينَ كَذَا إلى كَذَا؟
قَالَ: "أجَلْ، وأحَبُّ النَّاسِ إليَّ أنْ يَرْوَى مِنْهُ قَوْمُكِ"، قَالَتْ: فَقَدَّمْتُ إلَيْهِ بُرْمَةً (قِدْرٌ مِنْ حَجَرٍ) فِيهَا خُبْرَةٌ -أو خَزِيرَةٌ- (طَعَامٌ مِنْ لحْمٍ) فَوَضَعَ رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَهُ في البُرْمَةِ ليَأكُلَ، فاحْتَرَقَتْ أصَابِعُهُ، فَقَالَ:"حَسِّ"،
(كَلِمَةُ تَوَجُّعٍ مما أصَابَهُ)، ثُمَّ قَالَ:"ابنُ آدَمَ إنْ أصَابَهُ البَرْدُ، قَالَ حَسِّ، وإنْ أصَابَهُ الحَرُّ، قَالَ: حَسِّ"(1) أحمَدُ.
فَانْظُرْ؛ إلى كَرَاهَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم منْ فُضُوْلِ الكَلامِ، ومَا لا فَائِدَةَ فِيهِ، ولَوْ كَانَ تَأفُّفًا في تَوَجُّعٍ!
بَلْ مَا فَائِدَةُ قَوْلِكَ يا طَالِبَ العِلْمِ: "حَسّ"، عِنْدَ قَرْصِ بَرْدٍ، أو إزْعَاج حرٍّ؟ فاللَّهُمَّ ارْحَمْنَا، آمِينَ!
* * *
قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه: "رَحِمَ الله امْرَأً أمْسَكَ فَضْلَ القَوْلِ، وقَدَّمَ فَضْلَ العَمَلِ"(2).
وقَدْ كَانَ مَالِكُ بنُ آنسٍ رحمه الله يُعِيبُ كَثْرَةَ الكَلامِ، ويَقُوْلُ:"لا يُوْجَدُ (فُضُوْلُ الكَلامِ) إلَّا في النِّسَاءِ، والضُّعَفَاءِ! "(3)، أي: ضُعَفَاءَ الرِّجَالِ في الدِّينِ، أو العَقْلِ.
(1) أخْرَجَهُ أحمَدُ (45/ 296)، ورِجَالُه رِجَالُ الصَّحِيحِ.
(2)
انْظُرْ "عُيُوْنَ الأخْبَارِ" لابنِ قتيبَةَ (1/ 380).
(3)
انْظُرْ "الآدَابَ الشَّرعِيَّةَ" لابنِ مُفْلِح (1/ 66).
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ فُضُوْلَ الكَلامِ في قَانُوْنِ السَّلَفِ: هُوَ كُلُّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِنَ العَبْدِ لَيسَتْ مِنَ الفَائِدَةِ في شَيءٍ، وهَذَا مَا ذَكَرَهُ عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ رحمه الله، إذْ يَقُوْلُ:"كَانُوا (السَّلَفُ) يَكْرَهُوْنَ فُضُوْلَ الكَلامِ، وكَانُوا يَعُدُّوْنَ فُضُوْلَ الكَلامِ: مَا عَدَا كِتَابَ الله أنْ تَقْرَأهُ، أو أمْرًا بالمعْرُوْفِ أو نَهيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أو أنْ تَنْطِقَ في مَعِيشَتِكَ بِما لابُدَّ لَكَ مِنْه! "(1).
* * *
ومِنْ محَاسِنَ غُبَّارَاتِ الزَّمَنِ الأوَّلِ: أنَّ الرَّبِيع بنَ خُثيمٍ رحمه الله؛ حِينَما جَاءتْهُ ابْنَتُهُ وعِنْدَهُ أصْحَابُه، فَقَالَتْ: يا أبتَاهُ أذْهَبُ ألْعَبُ؟ فَقَالَ: لا!
فَقَالَ القَوْمُ: يَا أبا يَزِيدَ ائْذَنْ لها تَلْعَبُ! قَالَ: يُوْجَدُ ذَلِكَ في صَحِيفَتِي أنِّي قُلْتُ لها: الْعَبِي، ولَكِنْ اذْهَبِي فَقُوْلي خَيرًا! (2) انْتَهَى.
قُلْتُ: هَذَا سَنَدٌ عَالٍ، ووَرَعٌ عَالٍ، لكِنَّ الله عَفُوٌّ كَرِيم!
* * *
أمَّا إنْ سَألْتَ عَنْ هَلاكِ النَّاسِ، فَهُو ما ذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ رحمه الله:
(1) انْظُرْ "الآدَابَ الشَّرعِيةَ" لابنِ مُفْلِح (1/ 62).
(2)
انْظُرْ "الزُهْدَ" للإمَامِ أحمَدَ (461).
"إنَّما أهْلَكَ النَّاسَ: فُضُوْلُ الكَلامِ، وفُضُوْلُ المَالِ! "(1).
أمَّا عَنْ قَسْوَةُ القَلْبِ، فكَما ذَكَرَهُ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ رحمه الله؛ أنَّه قَالَ:
"شَيئَانِ يُقَسِّيَانِ القَلْبَ: كَثْرَةُ الكَلامِ، وكَثْرَةُ الأكْلِ! "(2).
* * *
* أمَّا فُضُوْلُ الطعَامِ:
فكَما قَالَ تَعَالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: جَمَعَ الله الطِّبَّ كُلَّهُ في نِصْفِ آيَةٍ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} .
فأمَّا الإسْرَافُ المَذْمُوْمُ في الآيَةِ فَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ رحمه الله في "تَفْسِيره"(249)، إذْ يَقُوْلُ: " {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} : أي ممَّا رَزَقَكُمُ الله مِنَ الطَّيَباتِ، {وَلَا تُسْرِفُوا}: في ذَلِكَ، والإسْرَافُ: إمَّا أنْ يَكُوْنَ بالزِّيَادَةِ
(1) انْظُرْ "الآدَابَ الشَّرعِيَّةَ" لابنِ مُفْلِحٍ (3/ 261).
(2)
انْظُرْ "رَوْضَةَ العُقَلاءِ" لابنِ حِبَّانَ (43).
عَلى القَدْرِ الكَافي والشَّرَه في المأكُوْلاتِ الَّتِي تَضُرُّ بالجِسْمِ، وإمَّا يَكُوْنَ بزِيَادَةِ التَّرَفُّهِ والتَّنَوُّعِ في المأكَلِ والمَشْرَبِ واللِّبَاسِ، وإمَّا بتَجَاوُزِ الحَلالِ إلى الحَرَامِ" انْتَهَى.
وقَالَ صلى الله عليه وسلم: "مَا مَلأ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدَمَ أكَلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإنْ كَانَ لا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لطَعامِهِ، وثُلُث لشَرَابِهِ، وثُلُث لنَفَسِهِ"(1) أحمَدُ والتِّرمذِيُّ.
* * *
ولا تَحْسِبَنَّ يَا رَعَاكَ الله أنَّ مَا كَانَ عَلَيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وأصْحَابُه في حَيَاتهمْ مِنْ طُوْلِ جُوْعٍ، وقِلَّةِ زَادٍ: بأنَّهُم أقَلُّ فَضْلٍ مِنْ غَيرِهِم، وأنْقَصٌ حَالٍ ممَنْ دُوْنَهُم؟! كَلَّا!
بَلْ كَانُوا في أفْضَلِ حَالٍ، وأكْمَلِ مَالٍ، وهَذَا مَا ذَكَرَهُ ابنُ رَجَبٍ رحمه الله في "جَامِعِ العُلُوْمِ والحِكَمِ"(2/ 475)، إذْ يَقُوْلُ عَنْهُم: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وأصْحَابُه يجوْعُوْنَ كَثِيرًا، ويَتَقَلَّلُوْنَ مِنْ أكْلِ الشَّهَوَاتِ، وإنْ كَانَ ذَلِكَ لعَدَمِ وُجُوْدِ الطَّعَامِ؛ إلَّا أنَّ الله لا يخْتَارُ لرَسُوْلِهِ إلَّا أكْمَلَ الأحْوَالِ
(1) أخْرَجَهُ أحمَدُ (4/ 132)، والتِّرمذِيُّ (2380)، وهُوَ صَحِيحٌ.
وأفْضَلِها؛ ولهذَا كَانَ ابنُ عُمَرَ يَتَشَبَّهُ بِهِم في ذَلِكَ مَعْ قُدْرَتهِ عَلى الطَّعَامِ، وكَذَلِكَ أبُوهُ مِنْ قَبْلِهِ" انْتَهَى.
وقَالَ صلى الله عليه وسلم: "خَيرُ القُرُوْنِ قَرْني، ثُمَّ الْذِينَ يَلُونهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُوْنَهُم، ثُمَّ يَأتي قَوْمٌ يَشْهَدُوْنَ ولا يُسْتَشْهَدُوْنَ، ويَنْذُرُوْنَ ولا يُوْفُوْنَ، ويَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمنُ"(1) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
لِذَا كَانَ السَّلَفُ يحذِّرُوْنَ مِنَ السِّمْنَةِ والبِطْنَةِ، وهَذَا مَا ذَكَرَه ابنُ رَجَبٍ نَفْسُه (ص 471) عَنْ سَلَمَةَ بنِ سَعِيدٍ قَالَ:"إنْ كَانَ الرَّجُلُ ليُعيَّرُ بالبِطْنَةِ، كَما يُعَيَّرُ بالذَّنْبِ يَعْمَلُهُ".
قُلْتُ: هَذا التَّعْيِيرُ فِيما إذَا كَانَ الرَّجُلُ سَبَبًا في سِمْنَتِه؛ لا سِيَّما إذَا كَانَ أكُوْلًا ذَا شَرَهٍ، وإلَّا: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا!
* * *
كَما كَانَ السَّلَفُ يَكْرَهُوْنَ أنْ يُرْسِلَ المُسْلِمُ عَنَانَ بَطْنِهِ وَرَاءَ ما يَشْتَهِي ويَهْوَى!
وهَذَا مَا ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، أنَّه لمَّا دَخَلَ عَلى ابْنِهِ
(1) أخْرَجَهُ البُخارِيُّ (2615)، ومُسْلِم (2535).
عَبْدِ الله، وإذَا عِنْدَهُ لحْمٌ، فَقَالَ لَه: مَا هَذَا اللَّحْمُ؟ فَقَالَ: اشْتَهَيتُهُ، قَالَ: أوَ كُلمَّا اشْتَهيتَ شَيئًا أكَلْتَهُ؟ كَفَى بالمرْءِ سَرَفًا أنْ يَأكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَاهُ! (1) انْتَهَى.
وأبْلَغُ مِنْهُ مَا قَالَهُ أيضًا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه؛ حِينَ خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ: "إيَّاكُمْ والبِطْنَةَ، فإنَّها مَكْسَلَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، مُؤذِيَةٌ للجِسْمِ، وعَلَيكُم بالقَصدِ في قُوْتِكِم، فإنَّه أبْعَدُ مِنَ الأشَرِ، وأصَحُّ للبَدَنِ، وأقْوَى عَلى العِبَادَةِ، وأنَّ امْرأً لَنْ يُهْلَكَ حَتَّى يُؤثِرَ شَهْوَتَهُ عَلى دِينهِ! "(2).
وقَالَ أيضًا عَمْرُو بنُ قَيسٍ رحمه الله: "إيَّاكُم والبِطْنَةَ؛ فَإنَّها تُقَسِّي القَلْبَ"(3).
* * *
وهَذَا مَا يُؤكِّدُهُ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله في كِتَابِهِ البَدِيعِ "بَدَائِعِ الفَوَائِدِ"(2/ 820) إذْ يَقُوْلُ: "وأمَّا فُضُوْلُ الطَّعَامِ فَهْوَ دَاعٍ إلى أنْوَاعٍ كَثِيرةٍ مِنَ الشَّرِّ؛ فإنَّه يحرِّكُ الجوَارِحَ إلى المَعَاصِي، ويُثْقِلُهَا عَنِ الطَّاعَاتِ -وحَسْبُكَ
(1) انْظُرْ "الزُّهْدَ" للإمَامِ أحمَدَ (181).
(2)
انْظُرْ "الآدَابَ الشَّرعِيَّةَ" لابنِ مُفْلِحٍ (3/ 184).
(3)
انْظُرْ "جَامِعَ العُلُوْمِ والحِكَمِ" لابنِ رَجَبٍ (2/ 471).
بهَذَينَ شَرًّا- فَكَمْ مِنْ مَعْصِيَةٍ جَلَبَهَا الشِّبَعُ وفُضُوْلُ الطَّعَامِ، وكَمْ مِنْ طَاعَة حَالَ دُوْنَها، فَمَنْ وُقِيَ شَرَّ بَطْنِهِ فَقَدْ وُقِيَ شَرًّا عَظِيمًا، والشَّيطَانُ أعْظَمُ مَا يَتَحَكَّمُ مِنَ الإنْسَانِ إذَا مَلأ بَطْنَهُ مِنَ الطَّعَامِ!
ثُمَّ قَالَ: ولَوْ لم يَكُنْ في التَّملِّي مِنَ الطَّعَامِ إلَّا أنَّه يَدْعُو إلى الغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ الله عز وجل، وإذَا غَفَلَ القَلْبُ عَنِ الذِّكْرِ سَاعَةً وَاحِدَةً جَثَمَ عَلَيهِ الشَّيطَانُ ووَعَدَهُ ومَنَّاهُ وشَهَّاهُ، وهَامَ بِه في كُلِّ وَادٍ، فإنَّ النَّفْسَ إذا شَبِعَتْ تحَرَّكَتْ وجَالَتْ وطَافَتْ عَلى أبْوَابِ الشَّهَوَاتِ، وإذَا جَاعَتْ سَكَنَتْ وخَشَعَتْ وذَلَّتْ! " انْتَهَى.
وكَذَا يَقُوْلُ ابنُ الجَوْزِيُّ رحمه الله في "صَيدِ الخَاطِرِ"(451): "فأمَّا التَّوَسُّع في المطَاعِمِ؛ فإنَّه سَبَبُ النَّوْمِ، والشِّبَعُ يُعْمِي القَلْبَ، ويُهْزِلُ البَدَنَ ويُضْعِفُهُ".
* * *
ومِنْ طَرِيفِ حَبْسِ النَّفْسِ عَنْ فُضُوْلِ الطَّعَامِ، وحَبْسِها عَلى مُلازَمَةِ العِلْمِ، مَا ذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيُّ رحمه الله في "صَيدِ الخَاطِرِ" (278): أنَّ بَعْضَ الفُقَهَاءِ قَالَ: بَقِيتُ سِنِينَ اشْتَهِي الهَرِيسَةَ لا أقْدِرُ عَلَيها؛ لأنَّ وَقْتَ بَيعِهَا وَقْتَ سَماعِ الدَّرْسِ! " انْتَهَى.
اللَّهُمَّ؛ ارْحَمْ ضَعْفَنَا، وأجْبِرْ كَسْرَنَا، ومَنْ يُطِيقُ هَذَا؟ لكنَّنا نَعْلَمُ يَقِينًا أنَّ القَوْمَ في صِدْقٍ مَعَ الله، وحَالٍ مَعَ العِلْمِ مَا يَعْجَبُ المرْءُ مِنْهُ؛ حتَّى إنَّ الرَّجُلَ الصَّادِقَ مِنْ أهْلِ زَمَانِنَا في طَلَبِ العِلْمِ ليَتَصَاغَرُ أمَامَهُمْ، فَكَيفَ السَّبِيلُ والحَالَةُ هَذِه لمَنْ يَطْلُبُ العِلْمَ عَلى فَتْرةٍ في دِرَاسَةٍ، أو جَاهٍ في شُهْرَةٍ، أو مُمارَاةٍ في تَعَالمٍ؟!
* * *
ومَهْما جَاءَ مِنْ أثر هُنَا؛ إلَّا أنَّ الاعْتِدَالَ والقَصْدَ في الأكْلِ: هُوَ مَطْلَبٌ شَرعِيٌّ، ومَأرَبٌ صِحِّيٌّ، فالغُلُوُّ والتَّفْرِيطُ لَيسَ مِنْ جَادَّةِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ، وخَيرُ الأمُوْرِ أوْسَاطُهَا، كَما ذَكَرَه عُمَرُ رضي الله عنه وغَيرُهُ.
أمَّا مَنِ ابْتُليَ بِشَيءٍ مِنَ البِطْنَةِ أو السِّمْنَةِ؛ فَعَلَيهِ بالحِمْيَةِ الشَّرعِيَّةِ، وذَلِكَ بالصِّيَامِ، أو التَّدَرُّجِ في تَقْلِيلِ الطَّعَامِ والشَّرابِ، وعَدَمِ التَّرسُّلِ في كُلِّ ما تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وتَهوَاهُ!
* * *
ومَا أخْرَجَهُ الطَّبرانيُّ في "المُعْجَمِ الأوْسَطِ" وغَيرِه: "صُوْمُوا تَصِحُّوا" لا يَصِحُّ بِمَرَّةٍ!
ودع عَنْكَ مَا يُسَمَّى: (بالرِّجِيمِ) الَّذِي تَبَارَى في حَلَبَتِهِ أكْثَرُ أهْلِ زَمَانِنا مَا بَينَ: جَرِيح وطَرِيحٍ، وبَينَ كَالٍ ومُعْتَلٍّ؛ حَيثُ أخَذَ مِنْهُم مَآخِذَ وطَرَائِقَ شَتَّى: سَوَاءٌ في طَرِيقَةِ تَوْظِيفِهِ، أو تَنْوِيعِ أسْمائِهِ؛ حَتَّى إنَّه صَرَفَ كَثِيرًا مِنْ أهْلِ السِّمْنَةِ عَنِ الحِمْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، كَما أنَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ نَصِيبٌ، ونَعُوْذُ بالله مِنَ الشَّيطَانِ (الرَّجِيمِ)!
* * *
وقَدْ نَصَّ ابنُ قُدَامَةَ المَقْدِسيُّ في كِتَابِه "مُخْتَصَرِ مِنْهَاجِ القَاصِدِينَ"(177) عَلى طَرِيقَةِ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ؛ إذْ يَقُوْلُ رحمه الله: "وطَرِيقُ الرِّيَاضَةِ في كَسْرِ شَهْوَةِ البَطْنِ أنَّ مَنْ تَعَوَّدَ اسْتِدَامَةَ الشِّبَعِ؛ فَيَنْبَغِي لَه أنْ يُقَلِّلَ مِنْ مَطْعَمِهِ يَسِيرًا يَسِيرًا مَعَ الزَّمَانِ إلى أنْ يَقِفَ عَلى حَدِّ التَّوَسُّطِ الَّذِي أشرْنَا إلَيهِ، وخَيرُ الأمُوْرِ أوْسَاطُها.
فالأوْلى تَنَاوُلُ مَا لا يَمْنَعُ مِنَ العِبَادَاتِ، ويَكُوْنُ سَببًا لبَقَاءِ القُوَّةِ، فَلا يُحِسُّ المُتَنَاوِلُ بجُوْعٍ ولا شِبَعٍ؛ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ البَدَنُ، وتَجْتَمِعُ الهِمَّةُ، ويَصْفُو الفِكْرُ، ومَتَى زَادَ الأكْلُ أوْرَثَهُ كَثْرَةَ النَّوْمِ، وبَلادَةَ الذِّهْنِ" انْتَهَى.
* * *
* أمَّا فُضُوْلُ النَّظَرِ:
قَالَ تَعَالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131].
قَالَ ابنُ كَثِير رحمه الله في "تَفْسِيره"(5/ 326): "يَقُوْلُ تَعَالى لنَبِيّهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهِ: لا تَنْظُرْ إلى هَؤلاءِ المُتْرَفِينَ، وأشْبَاهِهِم ونُظَرائِهِم، ومَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، فَإنَّما هُوَ زَهْرَةٌ زَائِلَةٌ، ونعْمَةٌ حَائِلَةٌ، لنَخْتَبِرَهُم بذَلِكَ، وقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُوْرُ" انْتَهَى.
ويَقُوْلُ ابنُ سَعْدِي رحمه الله في "تَفْسِيرِه"(466) في مَعْنَى هَذِهِ الآيةِ: "أي: ولا تَمُدَّ عَينيكَ مُعْجَبًا، ولا تكرِّرَ النَّظَرَ مُسْتَحْسِنًا إلى أحْوَالِ الدُّنْيَا والمُمَتَّعِينَ بِها مِنَ المآكِلِ والمَشَارِبِ اللَّذِيذَةِ، والمَلابِسِ الفَاخِرَةِ، والبُيُوْتِ الُمزخْرَفَةِ، والنِّسَاءِ المُجَمَّلَةِ؛ فإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ زَهْرَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا تَبْتَهِجُ بها نُفُوْسُ المُغْتَرِّينَ، وتَأخُذُ إعْجَابًا بأبْصَارِ المُعْرِضِينَ، ويَتَمَتَّعُ بها -بقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الآخِرَةِ- القَوْمُ الظَّالمُوْنَ، ثُمَّ تَذْهَبُ سَرِيعًا وتَمْضِي جَمِيعًا، وتَقْتُلُ مُحِبِّيهَا وعُشَّاقَهَا؛ فَيَنْدَمُوْنَ حَيثَ لا تَنْفَعُ النَّدَامَةُ، ويَعْلَمُوْنَ مَا هُم عَلَيهِ إذَا قَامُوْا يَوْمَ القِيَامَةِ؟
وإنَّما جَعَلَهَا الله فِتْنَةً واخْتِبَارًا ليَعْلَمَ مَنْ يَقِفَ عِنْدَهَا ويَغْتَرَّ بِها، ومَنْ هُوَ أحْسَنُ عَمَلًا" انْتَهَى.
* * *
وقَالَ ابنُ تَيمِيَةَ رحمه الله في كِتَابِ "مختصَرِ الفَتَاوَى المِصْرِيَّةِ"(35) في مَعْنَى هَذِه الآيةِ: "النَّظَرُ إلى الأشْجَارِ والخيلِ والبَهَائِمِ إذَا كَانَ عَلى وَجْهِ اسْتِحْسَانِ الدُّنْيَا والرِّيَاسَةِ والمَالِ فَهُوَ مَذْمُوْمٌ.
لَقَوْلِ الله تَعَالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبْقَى} .
وأمَّا إذَا كَانَ عَلى وَجْهٍ لا يُنقِصُ الدِّينَ، وإنَّما فِيهِ رَاحَةٌ للنَّفْسِ فَقَطُ، كالنَّظَرِ إلى الأزْهَارِ، فَهَذَا مِنَ البَاطِلِ الَّذِي يُسْتَعَانُ بِه عَلى الحقِّ" انْتَهَى.
* * *
وهَذَا ابنُ القَيِّمِ رحمه الله نَجِدُهُ في "بَدَائِعِ الفَوَائِدِ"(2/ 817)، يُحذِّرُ مِنْ فُضُوْلِ النَّظَرِ مُبيِّنًا غَوَائِلَهُ، وآثَارَهَ السَّيَئةِ، بقَوْلِهِ: "فُضُوْلُ النَّظَرِ يَدْعُو إلى الاسْتِحْسَانِ، ووُقُوْعِ صُوْرَةِ المَنْظُوْرِ إلَيهِ في القَلْبِ، والاشْتِغَالِ بِهِ، والفِكْرِ في الظَّفَرِ بِهِ، فَمَبْدَأُ الفِتْنَةِ مِنْ فُضُوْلِ النَّظَرِ
…
فالحَوَادِثُ العِظَامُ إنَّما
كُلُّهَا مِنْ فُضُوْلِ النَّظَرِ، فَكَمْ نَظْرَةٍ أعْقَبَتْ حَسَرَاتٍ لا حَسْرَةً، كَما قَالَ الشَّاعِرُ:
كُلُّ الحَوَادِثِ مَبْدَأُهَا مِنَ النَّظَرِ
…
ومُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ
كَمْ نَظْرَةٍ فَتكَتْ في قَلْبِ صَاحِبِهَا
…
فَتْكَ السِّهَامِ بَلا قَوْسٍ ولا وَتَرِ
وقَالَ الآخَرُ:
وكُنْتَ مَتَى أرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِدًا
…
لقَلْبِكَ يَوْمًا أتْعَبَتْكَ المَنَاظِرُ
رَأيتُ الَّذِي لا كُلُّهُ أنْتَ قَادِرٌ
…
عَلَيهِ ولا عَنْ بَعْضِهِ أنْتَ صَابِرُ
* * *
وهَذَا أبو الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه يحذِّرُ مَوَاطِنَ النَّظَرِ بِقْوْلِهِ: "إيَّاكُمْ والسُّوْقَ، فإنَّها تُلْغِي وتُلْهِي"(1)، نَعَمْ؛ لأنَّ السُّوْقَ مَوْرِدُ النَّظَرِ إلى الصُّوَرِ، ومَثَارَةُ التَّلَفُّتِ إلى الزِّينَةِ والفِتْنَةِ!
وقَدْ عَدَّ بَعْضُ السَّلَفِ كَثْرَةَ الالْتِفَاتِ مِنْ خَوَارِمِ المُروْءَةِ، وهَذَا مَا ذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ رحمه الله:"لَيسَ مِنَ المُروْءَةِ كَثْرَةُ الالْتِفَاتِ في الطَّرِيقِ! "(2).
(1) انْظُرْ "الزُّهْدَ" للإمَامِ أحمَدَ (168).
(2)
انْظُرْ "بَهْجَةَ المَجَالِسِ" لابنِ عَبْدِ البرِّ (1/ 644).
ومِثْلُهُ أيضًا كَثْرَةُ الالْتِفَاتِ بَعْدَ الانْصَرَافِ مِنَ الصَّلاةِ؛ حَيثُ نَجِدُ بَعْضًا مِنَ المُصَلِّينَ (للأسَفِ!) إذا سَلَّمَ مِنْ صَلاتِه؛ لا يَسْأمُ مِنَ الالْتِفَاتِ يَمِينًا وشِمَالًا، ويُقَلِّبُ نَاظِرَيهِ في وُجُوْهِ المُصَلِّينَ!
* * *
وهُنَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ نَوَادِرِ التَّوَرُّعِ وغَضِّ البَصَرِ، وهُوَ أنَّ رَجُلًا سَألَ دَاوُدَ الطَّائيَّ رحمه الله، فَقَالَ: لَوْ أمَرْتَ بِما في سَقْفِ البَيتِ مِنَ العَنْكَبُوْتِ فنُظِّفْ؟!
فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ الطَّائيُّ: أمَّا عَلِمْتَ أنَّ مُجَاهِدًا كَانَ العَنْكَبُوْتُ في دَارهِ ثَلاثِينَ سَنَةً لم يَشْعُرْ بِهِ (1)؟!
قُلْتُ: أي: مَا زَالَتِ العَنَاكِبُ تَنْسِجُ بِيُوْتَها وتَعِيشُ عَلى سَقْفِ بَيتهِ مُنْذُ ثَلاثِينَ، وهُوَ لا يَعْلَمُ ولا يَنْظُرُ!
والعَجَبُ مَوْصُولًا لا يَنْقَطِعُ؛ إذَا عَلِمْنَا أنَّ القَوْمَ في حَالٍ مَعَ الله تَعَالى، وفي انْقِطَاعٍ عَنِ الدُّنْيَا ممَّا كَانَ سَبَبًا في صَرْفِ هِمَمِهِم عَنْ فُضُوْلِ النَّظَرِ، فإنْ فَهِمْتَ هَذَا مِنْهُم، وإلَّا تجَاوَزْهُ إلى مَا تَسْتَطِيعُ؟!
(1) انْظُرْ "الزُّهْدَ" للإمَامِ أحمَدَ (255).
وهَذَا لَوْنٌ آخَرُ في وَرَعِ القَوْمِ وعُلُوِّ هِمَمِهِم، وهو أنَّ يَحْيَى بنَ يَحْيَى اللَّيثيَّ فَقِيهَ الأنْدَلُسِ رحمه الله لمَّا رَحَلَ إلى المَدِينَةِ النَّبوِيَّةِ ليَطْلُبَ العِلْمَ عِنْدَ الإمَامِ مَالِكٍ رحمه الله، فَبَينَما هُوَ جَالِسٌ إذْ مَرَّ عَلى بَابِ مَالِكٍ الفِيلُ!
فَخَرَجَ كُلُّ مَنْ كَانَ في مَجْلِسِهِ لِرُؤْيَةِ الفِيلِ، سِوَى يَحْيَى بنِ يَحْيَى، وبَقِيَ مَكَانَهُ!
فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: لِمَ لا تَخْرُجُ فَتَرَى الفِيلَ؛ لأنَّه لا يَكُوْنُ في الأنْدَلُسِ؟
فَقَالَ يَحْيَى: إنَّما جِئْتُ مِنْ بَلَدِي لأنْظُرَ إلَيكَ، وأتعَلَّمَ مِنْ هَدْيِكَ وعِلْمِكَ، ولم أجِئ لأنْظُرَ إلى الفِيلِ، فأُعْجِبَ بِهِ مَالِكٌ، وسَمَّاهُ: عَاقِلَ الأنْدَلُسِ (1)!
فافَهَمْ هَذَا أيضًا، وإلَّا تجاوَزْهُ، فالعُقُوْلُ قَاصِرَةٌ، والِهمَمُ مُتَقَاصِرَةٌ، والله المُسْتَعَانُ وعَلَيهِ التُّكلانُ!
* * *
(1) انْظُرْ "جَذْوَةَ المُقْتَبِسِ" للحُمَيدِيِّ (382)، و"تَرْتِيبَ المَدَارِكِ" للقَاضِي عِيَاضٍ (2/ 540)، و"سِيَرَ الأعْلامِ" للذَّهَبِيِّ (10/ 521) بتَصرُّفٍ.
* أمَّا فُضُوْلُ النَّوْمِ:
فَقَدْ قَالَ الله تَعَالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 17، 18].
أي: كَانُوا يُكَابِدُوْنَ قِيَامَ اللَّيلِ فَلا يَنَامُوْنَ مِنَ اللَّيلِ إلَّا أقَلَّهُ، بَلْ لا تمَرُّ عَلَيهِم لَيلَةٌ إلَّا أخَذُوْا حَظَّهُمْ مِنَ الصَّلاةِ، لِذَا كَانَ طُوْلُ النَّوْمِ وفُضُوْلُهُ مَانِعًا عَنِ القِيَامِ، وقَاطِعًا لتَحْصِيلِ الخَيرِ!
قَالَ وَهْبُ بنُ مُنبِّهٍ رحمه الله: "لَيسَ مِنْ بَنِي آدَمَ أحَبُّ إلى شَيطَانِهِ مِنَ الأكُوْلِ النَّوَامِ! "(1).
وفَوْقَ ذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ رحمهم الله: يَرَوْنَ كَثْرَةَ النَّوْمِ والطَّعَامِ ذَنْبًا مُتَوَقِّفٌ عَلى التَّوْبَةِ، وهَذَا مَا قَالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رحمه الله:"تُوبوا إلى الله مِنْ كَثْرَةِ النَّوْمِ والطَّعَامِ! ".
* * *
أمَّا مَنْهَجُ السَّلَفِ في النَّوْمِ فكَانَ قَصْدًا في اعْتِدَالٍ، فَلا يَنَامُوْنَ تَكَثُّرًا ولا تَشَهِّيًا، بَلْ يَنَامُوْنَ إذَا غَلَبَهُمُ النُّوْمُ وجَثَمَ، وإذَا نَامُوا أخَذُوا حَظًّا مِنَ
(1) انْظُرْ "الزُّهْدَ" للإمَامِ أحمَدَ (517).
الكِفَايَةَ بِقَدْرِ مَا يُعِينَهُم عَلى عَمَلِ الدِّينِ والدُّنْيَا!
وهَذَا مَا نصَّ عَلَيهِ ابنُ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ رحمه الله في "مخُتصَرِ مِنْهَاجِ القَاصِدِينَ"(59)، إذْ يَقُوْلُ:"ويَنْبَغِي أنْ لا يَنَامَ حَتَّى يَغْلِبَهُ النَّوْمُ، فَقَدْ كَانَ السَّلَفُ لا يَنَامُوْنَ إلَّا غَلَبَةً".
* * *
* أمَّا فُضُوْلُ المُخَالَطَةِ:
لا شَكَّ أنَّ العُزْلَةَ والخَلْوَةَ بذِكْرِ الله تَعَالى، ومُحَاسَبَةَ النَّفْسِ في الخَلَوَاتِ مِنَ العُبُوْدِيَّةِ الَّتِي أمَرَنَا الله بِها، فَفِي القُرْآنِ والسُّنَّةِ الشَّيءُ الكَثِيرُ مِنَ الأوَامِرِ والشَّوَاهِدِ الدَّاعِيَةِ إلى ذِكْرِ الله تَعَالى، والتَّفَكُّرِ في خَلْقِهِ وآلائِهِ، ومُحَاسَبَةِ النَّفْسِ!
* * *
فَقَدَ ذَكَرَ ابنُ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ رحمه الله في "مخُتصَرِ مِنْهَاجِ القَاصِدِينَ"(114)، أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ:"خُذُوا حَظَّكُم مِنَ العُزْلَةِ".
وكَذَا قَالَ مَسْرُوْقٌ رحمه الله: "إنَّ المرْءَ لحقِيقٌ أنْ يَكُوْنَ لَهُ مَجَالِسُ يَخْلُو فِيهَا
فَيذْكُرَ فِيهَا ذُنُوْبَهُ، فَيَسْتَغْفِرَ منْها" (1).
* * *
وهَذَا شَيخُ الإسْلام ابنُ تَيمِيَّةَ رحمه الله، يَقُوْلُ في "مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى"(10/ 405، 426): "وأمَّا اعْتِزَالُ النَّاسِ في فُضُوْلِ المُبَاحَاتِ ومَا لا يَنْفَعُ -وذَلِكَ بالزُّهْدِ فِيهِ- فَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ".
وقَالَ أيضًا: "ولا بُدَّ للعَبْدِ مِنْ أوْقَاتٍ يَنْفَرِدُ بها بنَفْسِهِ في دُعَائِه وذِكْرِه، وصَلاتِه وتَفَكُّرِه، ومُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ وإصْلاحِ قَلْبِهِ" انْتَهَى.
* * *
لِذَا كَانَ فُضُوْلُ المُخَالَطَةِ بَريدًا لقَسْوَةِ القَلْبِ، وقَاطِعًا لطَرِيقِ الخَيرِ والتَّفَكُّرِ، وطَلَبِ التَّوْبَةِ، نَاهِيكَ مَطَالِبَ العِلْمِ ومَدَارِجَ العُلَماءِ!
وهَذَا مَا ذَكَرَهُ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله في "بَدَائِعِ الفَوَائِدِ"(2/ 821) بِقَوْلِهِ: "إنَّ فُضُوْلَ المُخَالَطَةِ: هِيَ الدَّاءُ العُضَالُ الجالِبُ لِكُلِّ شَر، وكَمْ سَلَبَتِ المُخَالَطَةُ والمُعَاشَرَةُ مِنْ نِعْمَةٍ؟ وكَمْ زَرَعَتْ مِنْ عَدَاوَةٍ؟ وكَمْ غَرَسَتْ في القُلْبِ مِنْ حَزَازَاتٍ تَزُولُ الجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ وهِيَ في القُلُوْبِ لا تَزُوْلُ؟!
(1) انْظُرْ "الزُّهْدَ" للإمَامِ أحمَدَ: (458).
فَفُضُوْلُ المُخَالَطَةِ فِيهِ خَسَارَةُ الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وإنَّما يَنْبَغِي للعَبْدِ أنْ يَأخُذَ مِنَ المُخَالَطَةِ بمِقْدَارِ الحَاجَةِ" انْتَهَى.
* * *
ثُمَّ؛ إيَّاكَ يَا طَالِبَ العِلْمِ: أنَّ تَظُنَّ بأنَّ الجُلُوْسَ مَعَ الصَّالحِينَ خَيرٌ كُلُّهُ، وفَضْلٌ جُلُّهُ، دُوْنَ تَقْيِيدٍ بحَالٍ أو اعْتِبَارٍ بمَقَالٍ؟!
وهَذَا مَا قَرَّرَهُ ابنُ القَيِّمِ في كِتَابِهِ "الفَوَائِدِ"(80)، إذْ ذَكَرَ بَعْضَ آفَاتِ الاجْتِماعِ مَعَ الصَّالحِينَ مَا يَعِزُّ وُجُوْدُهُ عِنْدَ غَيرِهِ رحمه الله؛ إذْ يَقُوْلُ: "الاجْتِماعُ بالإخْوَانِ قِسْمانِ:
أحَدُهُمَا: اجْتِماعٌ عَلى مُؤانَسَةِ الطَّبع، وشُغْلِ الوَقْتِ؛ فَهَذَا مَضَرَّتُه أرْجَحُ مِنْ مَنْفَعَتِه، وأقَلُّ مَا فِيهِ أنْ يُفْسِدَ القَلْبَ، ويُضيِّعَ الوَقْتَ.
الثاني: الاجْتِماعُ بِهِم عَلى التَّعَاوُنِ عَلى أسْبَابِ النَّجَاةِ، والتَّوَاصِي بالحَقِّ والصَّبْرِ؛ فَهَذَا أعْظَمُ الغَنِيمَةِ وأنْفَعِهَا؛ ولَكِنْ فِيهِ ثَلاثُ آفَاتٍ:
أحَدُهَا: تَزَيُّنُ بَعْضِهِم لبَعْضٍ.
الثانِيَةُ: الكَلامُ والخُلْطَةُ أكْثَرَ مِنَ الحَاجَةِ.
والثَّالِثَةُ: أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ شَهْوَةً وعَادَةً يَنْقَطِعُ بِها عَنِ المَقْصوْدِ" انْتَهى.
قُلْتُ: إذَا لم يُفَتِّشْ طَالِبُ العِلْمِ عَنْ مَوَاطِنِ جُلُوْسِهِ، ومَبَاغِي جُلَسَائِهِ، كَما ذَكَرَ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله، وإلَّا كَانَتْ مُخَالَطتهُ بالصَّالحِينَ آفةً قَدْ تَأخُذُهُ إلى أوْدِيَةِ غَفْلةٍ عَنْ طلَبِ العِلْمِ الَّذِي يُرِيدُ، وهُوَ لا يَعْلَمُ، والله أعْلَمُ.
* * *
ومِنْ مَحَاسِنِ النَّصَائِح السَّنِيَّةِ الخَاصَّةِ لطُلابِ العِلْمِ، مَا ذَكَرَهَا ابنُ القَيِّمِ عَنْ شَيخِهِ ابنِ تَيمِيَّةَ في "مَدَارِجِ السَّالِكِينَ" (2/ 202):"قَالَ لِي شَيخُ الإسْلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ - قَدَّسَ اللهُ رُوْحَهُ - في شَيءٍ مِنَ المُبَاحِ: هَذَا يُنَافي المَرَاتِبَ العَالِيَةَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ تَرْكُه شَرطًا في النَّجَاةِ".
* * *
وأخِيرًا؛ فإنَّني أُوْصِي نَفْسِي، وطُلابَ العِلْمِ أنْ يَأخُذُوا حَظَّهُم مِنْ كُتُبِ "الزُّهْدِ" قِرَاءةً وإقْرَاءً، ودَرْسًا ومُدَارَسَةً، هَذَا إذَا عَلِمْنا أنَّ السَّلَفَ كَانَتْ مَجالِسُهُمْ لا تَنْقَطِعُ عنِ رِوَايَاتِ كُتُبِ "الزُّهْدِ" تَألِيفًا وتحْدِيثًا وقِراءةً، بَلْ مَا تجَمَّلَ تَارِيخُهُمْ إلَّا بِما ذُكِرَ عَنْهُمْ مِنْ زُهْدِيَّاتٍ وتَقْوَى كَانَتْ مَاثِلَةً: في تألُّهٍ في عِبَادَةٍ، وإيمانٍ في اسْتقَامَةٍ، ووَرَعٍ في خَشْيَةٍ، وصَبْر في يَقِينٍ!
والحَالَةُ هَذِه الَّتِي نَعِيشُ؛ كَانَ لِزَامًا علَينَا أنْ نَأخُذَ حَظًّا مِنَ النَّظَرِ في كُتُبِ "الزُّهْدِ"، لا سِيَّما وأنَّ الدُّنْيَا (هَذِه الأيامَ)، قَدْ أخَذَتْ زُخْرُفَهَا، وتَزَيَّنَتْ لأهْلِهَا، واهْتَزَّتْ ورَبَتْ لِذِي عَينٍ، والله خَيرٌ حَافِظًا!
فَهَيَّا إلى مَوْعُوْدِ قِرَاءةِ كُتُب "الزُّهْدِ"، وأخُصُّ مِنْهَا؛ كِتَابَ "الزُّهْدِ" للإمَامِ أحمَدَ (241)، ووَكِيع (197) وغَيرِهِما.
فَيَا طَالِبَ العِلْمِ: لا يَرَاكَ الله في هَذ الدُّنْيَا إلا زَاهِدًا، أو مُقْتَصِدًا، فَما الدُّنْيَا إلَّا كَما قَالَ أحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ رحمه الله:"طَعَامٌ دُوْنَ طَعَامٍ، وشَرَابٌ دُوْنَ شرَابٍ، ولِبَاسٌ دُوْنَ لِبَاسٍ، وصَبْرُ أيامٍ قَلاِئلَ! "، ذَكَرَه ابنُ تَيمِيَّةَ وغَيرُه.
وجِمَاعُ "الزُّهْدِ" إنْ سَألْتَ، فَهُوَ كَما قالَهُ ابنُ تَيمِيَّةَ رحمه الله في "مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى"(10/ 21، 641): هُوَ تَرْكُ الرَّغْبَةِ فِيما لا يَنْفَعُ في الدَّارِ الآخِرَةِ، وهُوَ فُضُوْلُ المُبَاحَاتِ الَّتي لا يُسْتَعَانُ بِها عَلى طَاعَةِ الله، مَعَ ثِقَةِ القَلْبِ بِما عِنْدَ الله" انْتَهَى.
* * *
وأخْتِمُ بِهَذِه النَّصِيحَةِ مِنْ قَوْلِ الحسَنِ البَصْرِيِّ رحمه الله: "كَانَ الرَّجُلُ إذَا طَلَبَ العِلْمَ؛ لَمْ يَلْبَثْ أنْ يُرَى ذَلِكَ في تَخَشُّعِهِ، وبَصَرِه، ويَدِه،
وصَلاتِه، وزُهْدِه، وإنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُصِيبَ البَابَ مِنْ أبْوَابِ العِلْمِ فَيَعْمَلَ بِه؛ فَيَكُوْنَ خَيرًا لَه مِنَ الدُّنْيا ومَا فيها" (1).
* * *
كَما أضِفْ هُنَا أنَّ بَرنامَجَنا في (المَنْهَجِ العِلْمِيِّ)، كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى طَرِيقة خَاصَّةٍ مَعَ طُلابِنا (لَيسَ إلا!)، لِذَا لمَّا لمَسْنا ثَمَرَتَه عَلَى طُلابِنَا، وتَنَافُسَهُم فيه، أرْتَأينا نَشْرَهَا لعُمُوْمِ الفَائِدَةِ لَدَى أبْنَاءِ المُسْلِمِينَ؛ عَلَّهَا تَنْشُرُ مَوَاتَ أفْئِدَة أُخْرَى رَانَ عَلَيها الجَهْلُ، واسْتَعْبَدَتْهَا لُعَاعَةٌ مِنْ دُنْيا زَائِلَةٍ، واللهُ المُوفِّقُ والهادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيلِ.
وخِتَامًا؛ فَقَدْ ألْقَى القَلَمُ عَصَاهُ، واسْتَقَرَّ بِه النَّوَى، فَمَا أجَادَ بِه فَمِنْ فَضْلِ رَبي، ومَا أخَطأ فيه فَمنِّي والشَيطَانِ، واللهُ ورَسُوْلُه مِنْهُ بَرِيئانِ!
والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ، والصلاةُ والسَّلامُ عَلَى عَبْدِه ورَسُوْلِهِ الأمِينِ
* * *
(1)"الزُّهْدُ" للحَسَنِ البَصْرِيِّ (92)، و"أخْلاقُ العُلَمَاء" للآجُرِّيَ (89).