المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌توزيع الوظائف في دولة الدعوة - تأملات في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

[عبد الله بن عبد المحسن التركي]

الفصل: ‌توزيع الوظائف في دولة الدعوة

‌توزيع الوظائف في دولة الدعوة

لقد توسعت الدولة السعودية، دولة الدعوة، وتعددت مهماتها، وكثرت وظائفها، مما تطلب توزيع الوظائف والمسئوليات، بغية تمهيد الطريق، لتحقيق كيان حقيقي فاعل للدولة الإِسلامية، تلك الدولة التي أكرم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والمسلمين بها حين قيّض -سبحانه- آل سعود لحمل راية الدعوة والذود عنها، وهذه الوظائف العملية تتوزع مجالات الحياة المدنية والعسكرية، كالآتي:

أولاً: وظيفة القتال:

ويقوم بها كل من توافرت فيه القدرة على القتال تحت راية دولة الدعوة، مجاهدين في سبيل الله، مخلصين عملهم له، دفاعا عن التوحيد وأهله ووطنه، وكان ذلك فرض عين في أول الأمر، حتى قويت الدولة، وعز جانبها، فأصبح فرض كفاية، على أن يتسلحوا بالأسلحة اللازمة، وأن يتعلموا الرمي بالبندقية، ولم يكن لهم رواتب معروفة على ذلك إِلا ما يؤملون من غنيمة بعد النصر1.

1 عثمان بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، 12/26.

ص: 139

ثانيا: وظيفة المرابطة:

وهي الإِقامة على الثغور، حماية لأرض الإِسلام من الأعداء، وقد كانت تبنى الحصون، والقصور المجهزة بالأسلحة، والعتاد، والأطعمة اللازمة لعدة شهور، وهذه بعض القصور التي بنيت على عهد الإِمام محمد بن سعود، وابنه عبد العزيز، رحمهما الله:

1-

قصر البريمي، وهو مبني في عمان.

2-

قصر الغُذوانة بالرياض.

3-

قصر البدع، بني قريبا من بلدة الدَّلَم.

4-

قصر بسام، بني في السر.

5-

قصر الصفا، بني في عنيزة1.

ثالثاً: وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

وهذه الوظيفة هي التي ميّزت الدولة السعودية، وأتباعها عن سائر الدول، ولم تكن هذه المهمة من اختصاص مجموعة بعينها، بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب الجميع.

وحتى تتجنّب الأخطاء في هذه المهمة، فإِنه لا بد أن تتوافر ضوابط مهمة فيمن يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، أهمها:

1-

معرفة ما يأمر به الَامر، وينهي عنه الناهي.

1 عثمان بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، 1/150- 195.

ص: 140

2-

الرفق فيما يأمر به، وينهى عنه.

3-

الصبر على الأذى الذي يترتب على القيام بتلك المهمة.

4-

ألا يؤدي إِنكار المنكر إِلى ما هو أنكر منه.

5-

ألا تكون المسألة من المسائل الاجتهادية المختلف فيها بين أهل العلم المعتبرين؛ فإن خلاف كل منهم، لا يسمى منكرا وإِنما ينكر على من يخالف الدليل، إِذا تبين له ثبوته، وعدل عنه إِلى رأيه، وتعصب له.

6-

أن يكون الإِنكار في أول الأمر في صورة نصيحة سرّية لمن صدر منه المنكر، فإِن تاب، وإِلا أنكر عليه علانية.

وشملت هذه المهمة الأسواق بما فيها من عملات وموازين وغير ذلك، وإِذا حان وقت الصلاة لا تجد متخلفا عنها إِلا نادرا، ولا ترى من يشرب "التبغ" إِلا في السرّ، حتى اختفت المنكرات، وقوي حظ المعروف هناك1.

رابعاً: وظيفة جمع الزكاة والغنائم والأخماس:

والقائم عليها طائفة معينة من قبل ولاة الأمر يسمون "الجباة"، وذكر المؤرخ ابن بشر أنهم كانوا يجمعونها من بوادي جزيرة العرب مما وراء الحرمين، وعمان، واليمن، والعراق، والشام، وكانت تبلغ الآلاف من الريالات2.

1 عثمان بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، 1/130، 153.

2 عثمان بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، 1/129.

ص: 141

ولقد كان هذا العمل من جباية الأموال يخضع لرقابة شديدة، خوفا من الظلم، والإِجحاف بأصحاب الأموال.

خامساً: وظيفة القضاء:

والقضاة هم الذين يقومون بفض المنازعات بين الأفراد والقبائل، وكان يُعين من تتوافر فيه الكفاية لهذه المهمة، من دراية كافية بعلوم الشرع، لا سيما الفقه، والحديث.

وكان القائم بقضاء الدرعية، عاصمة الدولة، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتولى القضاء بعد وفاته، أبناؤه: حسين، وعبد الله، ثم أحفاده، وقد كانوا على معرفة بعلوم الشريعة، أهلتهم لهذه المهمة بجدارة.

ويتصف القضاة بالنّزاهة، والعدل، والمساواة بين الناس، لا فرق بين أمير وغير أمير، وقد ذكر أن أحد الأمراء سبَّ رجلاً في مجلسه، فأخبر الرجل قاضي الدرعية وقتئذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فأرسل إِلى الأمير، فاعترف بالذنب، فعرض القاضي على الرجل أن يشتري المسبّة بالفداء، فأبى الرجل، فحكم على الأمير كحكمه على سائر الناس، وهو الضرب بالعصى، فتلقاه الأمير، وهو يقول: سمعا وطاعة لما يحكم به الشرع الحنيف، وسرى الخبر إِلى آل سعود، وإِلى أهل الدرعية، فحمد الناس هذه العدالة1.

1 سيد الأهل، داعية التوحيد، ص25.

ص: 142

سادساً: وظيفة التعليم:

وهي من أعظم الوظائف، إِن لم تكن أعظمها على الإطلاق؛ لأن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، دعوة تربوية في المقام الأول، والتعليم والتربية ركنان أساسيان في الدعوة إِلى الله، ولعلّ الشيخ محمداً قد فطن إِلى ذلك منذ البداية الأولى، فكان يتزود بالعلم، وينشره بكل ما يملك، ويربي أولاده، وأحفاده، وتلامذته على ذلك، وكان الأمراء أنفسهم يحيون هذه السنة في مجالسهم العامة والخاصة.

والذي حدا بالشيخ محمد بن عبد الوهاب إِلى ذلك، كثرة أعدائه الذين يفترون الشبهات العلمية حول دعوته، فكان المنهج التعليمي المشبع بالحجة والبرهان، هو السبيل المناسب لرد هذه الفتنة، واقتلاع جذورها.1

وكان الشيخ يضع الأسلوب الأمثل لتعليم الناس على اختلاف درجاتهم وبيئاتهم، ولعل كتابه:(تلقين أصول العقيدة للعامة) خير دليل على هذه القدرة التربوية، حيث جاء على صورة سؤال وجواب بأسلوب مقنع وجميل2.

هذا، ومن الجدير بالذكر أن مجالس الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كانت تعقد في الأماكن المناسبة، وفي المسجد.

وكان الشيخ يلقي دروس التوحيد والتفسير والفقه وغيرها، وكان

1 محمد بن عبد الوهاب، كشف الشبهات، ص7.

2 مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب 1/370.

ص: 143

يأمر النساء والصبيان بحضور الدرس؛ ليتعلموا شؤون دينهم بأدلتها الصحيحة.

أما أبناء الشيخ وتلامذته، فقد كان لكل واحد منهم مجلسه الذي يحضره العلماء وغيرهم؛ لأن المعلمين كانت تتوافر فيهم الإِجادة، وسعة الاطلاع، والرفق بالمتعلمين، والجود بالعلم في كل وقت.

ومما ساعد على نشر العلم، والإِقبال عليه، أن الدولة قد أعدت له ميزانية مالية مناسبة، حتى شمل التشجيع المالي الصغار، حيث يخرجون من عند المعلم بألواحهم إِلى الأمير في قصره، ويعرضون عليه خطوطهم، فمن استحسن خطه أعطاه أكثر من غيره1.

وهذا كله من واقع إِيمان الجميع بقيمة العلم والتربية، وأهميتهما في حراسة الدين، والدفاع عنه.

سابعاً: وظيفة الضيافة:

وهي عادة عربية أصيلة، أقرها الإِسلام، وحث عليها، وقد خصصت الدولة لهذه المهمة المبالغ الضخمة من بيت المال، حيث كانت تعقد مجالس الضيافة كل يوم مرتين، وكان يحضرها الأعداد الكبيرة من أهل الدرعية، وغيرهم2.

ثامناً: وظيفة حفظ الضالة:

وهي إِحدى الوظائف المهمة، لاسيما في البيئة الصحراوية

1 عثمان بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، 1/129.

2 عثمان بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، 1/89.

ص: 144

الشاسعة، حيث تفقد المواشي، ولا يقع صاحبها عليها إِلا بصعوبة بالغة، وكان يؤتى بأعداد كبيرة من هذه الماشية، فكانت ترعى وتُتعهد، حتى يأتي صاحبها بعد فترة قد تطول، فيأخذها ونتاجها معها1.

وقد كان لهذه الوظيفة صداها الكبير في أرض الجزيرة، مما عزز جانب الدولة، والدعوة أيما إِعزاز.

تاسعاً: وظيفة تأمين الطرق:

وهي وظيفة تعتبر ضرورة ملحة للمسافرين في هذه المسافات البعيدة، وكانت مهمة شاقة كلفت الدولة مئونة كبيرة، لم تكن لتقوم بها على النحو الذي قامت به، لولا توفيق الله، ثم كون الدولة تنطلق من عقيدة راسخة، وعبادة خالصة لله سبحانه وتعالى.

وقد كان لهذا الأمر الذي يتعلق بتأمين الطرق أثره العظيم في ذلك الوقت، ولا سيما لدى قوافل الحجاج الذين كانوا يعطون مكوساً باهظة لقطاع الطرق، فقويت بذلك شوكة دولة الدعوة، وأيدها الكثيرون، وذاع صيتها في أرجاء العالم الإِسلامي كله، حيث كانت الجيوش التركية عاجزة عن تحقيق ما حققته الدولة السعودية، دولة الدعوة ذات البعد العقدي والدعوي، وذلك بفضل الله تعالى، ثم بفضل تحكيم شرع الله، وإِنزال العقوبات المقررة شرعاً،

1 عثمان بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، 1/128.

ص: 145

بقطاع الطرق واللصوص1.

ولا شك أن هذه الوظيفة قد يسرت بقية الوظائف، من جمع الزكوات، وإِرسال العلماء، وغير ذلك.

عاشراً: وظيفة أمراء البلدان:

وهي الإِشراف على الوظائف السابقة في نواحي الدولة، التي كانت قد بلغت أكثر من ثلاث عشرة ناحية، وعلى كل ناحية أمير يعاونه عالم أو قاضٍ.

وكانت هذه النواحي أول الأمر خاضعة لنظام أشبه بالنظام العسكري، حيث كانت دولة الدعوة محاطة بكثير من العداوات، ومن هنا عظمت وظيفة الأمراء، وكان الأمير في الناحية يمثل الإِمام الأكبر في العاصمة2.

ونود في نهاية الأمر أن نبين أمرين يتعلقان بهذه الوظائف:

1-

أن هذه الوظائف لم تظهر دفعة واحدة، بل بالتدريج، وكذلك لم تكن فاعليتها في النواحي التابعة لها بدرجة واحدة، بل بدرجات متفاوتة.

2-

أن هذه الوظائف كانت تأخذ صفة تطوعية في بادئ الأمر، ثم أخذت بعد ذلك صفة رسمية.

رحم الله الإِمامين الجليلين اللذين نفع الله بهما الإِسلام كثيراً: الإِمام محمد بن سعود، والشيخ محمد بن عبد الوهاب.

1 عثمان بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، 1/127.

2 حسين بن غنام، روضة الأفكار والأفهام، 1/192.

ص: 146