المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌سنة ثمان وثمانين ومائة وألف - تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار - جـ ١

[الجبرتي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد

- ‌مقدمة

- ‌سنة ست ومائة وألف

- ‌سنة عشرين ومائة وألف

- ‌سنة أحدى وعشرين ومائة وألف

- ‌سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف

- ‌سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف

- ‌سنة أربع وعشرين ومائة وألف

- ‌سنة خمس وعشرين ومائة وألف

- ‌سنة ثمان وعشرين

- ‌سنة تسع وعشرين ومائة وألف

- ‌سنة ثلاثين

- ‌سنة أحدى وثلاثين

- ‌سنة ثلاث وثلاثين

- ‌سنة ثمان وثلاثين

- ‌سنة أربعين ومائة وألف

- ‌في ذكر حوادث مصر وولاتها وتراجم أعيانها ووفياتهم ابتداء من سنة 1143

- ‌في ذكر حوادث مصر وتراجم اعيانها وولاتها

- ‌سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف

- ‌سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف

- ‌سنة أربع وثمانين ومائة وألف

- ‌سنة خمس وثمانين ومائة وألف

- ‌سنة ست وثمانين ومائة وألف

- ‌سنة سبع وثمانين ومائة وألف

- ‌سنة ثمان وثمانين ومائة وألف

- ‌سنة تسع وثممانين ومائة وألف

- ‌سنة تسعين ومائة وألف

- ‌سنة أحدى وتسعين ومائة وألف

- ‌سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف

- ‌سنة ثلاث وتسعين وألف

- ‌سنة أربع وتسعين ومائة وألف

- ‌سنة خمس وتسعين ومائة وألف

- ‌سنة ست وتسعين ومائة وألف

- ‌سنة سبع وتسعين ومائة وألف

- ‌سنة ثمان وتسعين ومائة وألف

- ‌سنة تسع وتسعين ومائة وألف

- ‌سنة مائتين وألف

الفصل: ‌سنة ثمان وثمانين ومائة وألف

1181 أتى الأمر من صاحب الدولة بتوجيه بعض عساكر مصرية تقوية للمجهادين فكان هو من جملة المعينين فيهم رئيسا في طائفتهم فتوجه إلى الأسكندرية وركب منها إلى الروم وابلى في تلك السفرة بلاء حسنا. وبعد مدة اذن لهم بالانصراف فعاد إلى مصر وقد وهنت قواه واعترته الأمراض وزاد شكواه وهو مع ذلك يكتب ويفيد ويجيز ويعيد ويحضر مجالس أهل الخط على عادته. وجلس ملازما لفراشه مدة حتى وافاه الحمام ليلة الأحد سادس عشر ذي الحجة فجهز وصلى عليه بمشهد حافل في مصلى المؤمنين ودفن عند ابن أبي جمرة قرب العياشي في قبر كان أعده لنفسه منذ مدة ولم يخلف بعده مثله رحمه الله.

ص: 440

‌سنة ثمان وثمانين ومائة وألف

.

استهلت ووالي مصر خليل باشا محجور عليه ليس له في الولاية إلا الأسم والعلامة على الأوراق والتصرف الكلي للامير الكبير محمد بك أبي الذهب والأمراء واعيان الدولة مماليكه واشرافاته والوقت في هدوء وسكون وامن والاحكام في الجملة مرضية والاسعار رخية وفي الناس بقية وستائر الحياء عليهم مرخية شعر:

ماالدهر في حال السكون بساكن

ولكنه مستجمع لوثوب

ومات في هذه السنة الإمام العلامة والتحرير الفهامة حامل لواء العلوم على كأهل فضله ومحرر دقائق المنطوق والمفهوم بتحريره ونقله من تكلحت بحبره عيون الفتوى وتشنفت المسامع بما عنه يروى وارتفع من حضيض التقليد إلى ذرا الفضائل وسابق في حلبة العلوم فحاز قصب الفواضل الروض النضير الذي ليس له في سائر العلوم نظير وهو في فقه النعمان الجامع الكبير عمدة الانام وفيلسوف الإسلام سيدى ووالدي بدر الملة أبي التدائي حسن بن برهان الدين إبراهيم ابن

ص: 440

الشيخ العلامة حسن ابن الشيخ نور الدين علي بن الوالي الصالح شمس الدين محمد بن الشيخ زين الدين عبد الرحمن الزيلعي الجبرتي العقيلي الحنفي وبلاد الجبرت هي بلاد الزيلع باراضي الحبشة تحت حكم الخطي ملك الحبشة وهم عدة بلاد معروفة تسكنها هذه الطائفة وهم المسلمون بذلك الاقليم ويتمذهبون بمذهب الحنفي والشافعي لا غير وينسبون إلى سيدنا اسلم بن عقيل بن أبي طالب وكان اميرهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي المشهور الذي أمن به ولم يره وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغيبة كما هو مشهور في كتب الأحاديث وهم قوم يغلب عليهم التقشف والصلاح ويأتون من بلادهم بقصد الحج والمجاورة في طلب العلم ويحجون مشاة ولهم رواق بالمدينة المنورة ورواق بمكة المشرفة ورواق بالجامع الأزهر بمصر وللحافظ المقريزي مؤلف في أخبار بلادهم وتفصيل احوالهم ونسبهم.

ومنهم القطب الكبير والمعتقد الشهير الشيخ إسمعيل بن سودكين الجبرتي تلميذ الشيخ ابن العربي ويسمى قطب اليمن والشيخ عبد الله الذي ترجمه الحافظ السيوطي في حسن المحاضرة وهو الذي كان يعتقده الملك الظاهر برقوق وأوصى عند موته بأن يدفن تحت قدمه بالصحراء ومنهم الولي العارف الشيخ علي الجبرتي الذي كان يعتقده السلطان الأشرف قايتباي وارتحل إلى بحيرة ادكو فيما بين رشيد والاسكندرية وبنى هناك مسجدا عظيما ووقف عليه عدة أماكن وقيعان وأنوال حياكة وبساتين ونخيل كثيرة وهو موجود إلى الآن عامر بذكر الله والصلاة وهو تحت نظر الفقير إلا أن غالب اماكنه زحفت عليها الرمال وطمستها وغابت تحتها وفيه إلى الآن بقية صالحة. وبنى أيضا مسجدا شرقي عمارة السلطان قايتباي ودفن به وقد خرب وانطمست معالمه ولم يبق إلا مدفنه وحوله حائط منهدم من غير باب ولا سقف وقبره ظاهر مكشوف يزار وللناس فيه اعتقاد عظيم.

ص: 441

ومن كراماته التي أكرمه الله بها أنه يرى على قبره في بعض الليالي المظلمة نور مثل القنديل المستنير يري ذلك سكان العمارة وغيرهم وهو أمر مشهور ومنها أن السفار وقوافل الاعراب ينزلون بأحمالهم حول قبره في الحوطة ويتركونها من غير حارس ليالي وأياما آمنين فلا يتعدى عليها سارق البتة ويعتقدون العطب للجاني في بدنه أو ماله وهو أمر مشهور أيضا مقرر في اذهانهم إلى الآن.

ومنهم الإمام الحجة المجتهد الفقيه الأصولي الجدلي صاحب التصحيح والترجيح فخر الدين أبي عمر وعثمان الحنفي الزيلعي شارح الكنز المسمى بتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق المدفون بحوطة سيدي عقبة بن عامر الجهني والشيخ الزيلعي الشافعي المدفون بالقرافة الكبرى وغير هؤلاء كثير ببلادهم وبأرض الحجاز ومصر والقصد بذلك التعريف بالنسبة قال تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} والنجاشي أول من أمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من الملوك ولم يره وأسلم على يد ابن عمه جعفر بن أبي طالب وزوجه أم حبيبة رضي الله عنها وجهزها من عنده وأرسلها للنبي صلى الله عليه وسلم من الحبشة إلى المدينة ومن أراد الاطلاع على أخبار النجاشي رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم وهداياه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهدايا النبي إليه وبعض أخبار الحبشة وما رد فيهم من الآيات الأحاديث والأثار فلينظر في كتاب الطراز المنقوش في محاسن الحبوش للإمام العلامة علاء الدين محمد بن عبد الله البخاري خطيب المدينة المنورة ورفع شأن الحبشان للعلامة جلال الدين السيوطي وتنوير الغبش في فضائلي السودان والحبش لابن الجوزي وفي تفسير البغوى اخرج أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت لما مات النجاشي كنا نحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور وفي أزهار العروش في من عرف اسمه من الصحابة الحبوش ومن عبيدة صلى الله عليه وسلم.

ص: 442

ومنهم أحد كبار المجاهدين والمهاجرين بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولى أبي بكر الصديق وهو أول من اذن في الإسلام وأول من ثوب في الفجر كما في الأوائل للسيوطي وكان خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيت المال كما في تهذيب الأسماء واللغات وكان يبدل الشين بالسين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنه: "شين بلال سين عندي وعند الله". وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: كان أبو بكر سيدنا واعتق سيدنا يعنى بلالا. وروى عنه كثير من كبار الصحابة ومنهم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن عمر واسامة بن زيد وجابر وأبو سعيد الخدري وكعب بن عرفجة والبراء ابن عازب وغيرهم وجماعة من التابعين رضي الله عنهم اجمعين.

ومنهم شقران بضم الشين المعجمة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما خدامه من الحبشة الاحرار فكثيرون وكذلك الصحابيات من امائه وأهل بيته.

ومنهم ام ايمن ذات الهجرتين وهي مرضعته وحاضنته وحليمة السعدية وثويبة وبركة جارية ام حبيبة وبريرة مولاة عائشة رصى الله عنها وتبعة جارية ام هانىء بنت أبي طالب وغفرة وسعيرة كذلك عبيد الصحابة.

ومنهم مهجع بكسر الميم وفتح الجيم مولى عمر بن الخطاب وهو أول من استشهد ببدر وكان من المهاجرين الأولين وعده النبي صلى الله عليه وسلم من سادات أهل الجنة وقال في شأنه يوم قتل سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة.

ومنهم أسلم مولى عمر بن الخطاب وأيمن الحبشي المكي والد عبد الواحد ابن ايمن وبسار مولى المغيرة بن شعبة اخرج الحسن بن محمد الخلال في كرامات الأولياء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: "يا أبا هريرة يدخل علي الساعة

ص: 443

من هذا الباب رجل من أجل السبعة الذين يدفع الله عز وجل عن أهل الأرض بهم الاذى". فإذا حبشى قد طلع من ذلك الباب أقرع أجدع على رأسه جرة فيها ماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة هو هذا". ثم قال: "مرحبا بيسار" ثلاث مرات وكان يرش المسجد ويكنسه ومات في عهده صلى الله عليه وسلم.

واما الصحابة الاحرار من الجيوش الاخيار الذين كانوا يخدمون الرسول وأصحابه وأهل بيته فكثيرون جدا لا يمكن استيعابهم في هذا الأستطراد ضبطا وعددا وكذلك ابناء الحبشات من قريش من الصحابة والتابعين وأهل البيت الطاهرين والخلفاء العباسيين ومن ولد بأرض الحبشة من الصحابة من الحبشان مثل صفوان ابن امية بن خلف الجمحي وعمرو ابن العاص وغيرهما مثل عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو أول مولود في الإسلام بأرض الحبشة بالاتفاق وكان يسمى بحر الجود وأخباره في السخاء والكرم مشهورة والحرث بن حاطب الصحابي ومحمد بن حاطب وعمرو بن أبي سلمة وفي الجيوش أخلاق لطيفة وشمائل ظريفة وفيهم الحذق والفطانة ولطافة الطباع وصفاء القلوب لكونهم من جنس لقمان الحكيم وهم أجناس منهم السحرتي والامحرى وهم أحسن أجناس الحبوش الموصوفين بالصباحة والملاحة والفصاحة والسماحة والنعومة في الخد والرشاقة في القد ولله در الشيخ العلامة القاضي عبد البر ابن الشحنة الحنفي حيث يقول:

حبشية سألتها عن جنسها

فتبسمت عن در ثغر جوهري

فطفقت أسأل عن نعومة ما خفى

قالت فما تبغيه جنسى أمحرى

والامحرية تفوق على السحرتية باللطف والظرف والسحرتية تفوق على الامحرية بالشدة والعنف فبينهما عموم وخصوص مطلق وقيل: إن النجاشي منهم رضي الله عنه ويقال أن بني أرفدة الذين لعبوا بحرابهم

ص: 444

بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفازوا بخطابه أعني قوله لهم دونكم يا بني ارفدة منهم ويقرب من هذين النوعين نوعان آخران نوع الدموات وبلين ونوعان آخران وهما قمو وقتر ونوع آخر يسمى ازاره.

عود وانعطاف.

ان الشيخ عبد الرحمن وهو الجد السابع لجامعه وإليه ينتهي علمنا بالاجداد هو الذي ارتحل من بلاده ووصل الينا خبره سلفا عن خلف فقدم من طريق البحر إلى جدة وانتقل إلى مكة فجاور بها. وحج مرارا وذهب أيضا إلى المدينة المنورة فجاور بها سنتين ولقي من لقي بالحرمين من الأشياخ وتلقى عنهم ثم رجع إلى جدة وحضر إلى مصر من طريق القلزم فدخل إلى الجامع الأزهر في أوائل العاشر وجاور بالرواق ولازم حضور الأشياخ واجتهد في التحصيل وتولى شيخا على الرواق والتكلم على طائفته وتزوج وولد له. فلما مات خلف ولده الشيخ شمس الدين محمد ونشأ على قدم الصلاح والاشتغال بطلب العلم وتولى مشيخة الرواق كوالده وانجب وقرأ دروسا في الفقه والمعقول بالرواق وكان على غاية من الصلاح وملازمة الجماعة والسنن ولا يبيت عند عياله ليلة أو ليلتين في الجمعة وغالب لياليه يبيتها بالرواق لاجل الأشتغال بالمطالعة أول الليل على السهارة والتهجد آخره. ومما اتفق له وعد من كراماته أن السراج انطفأ في بعض الليالي الشتوية فايقظ النقيب ليسرج له سراجا فقام من نومه متكرها وأخذ قنديلا وذهب ليسرجه فلما عاد به وقرب من الرواق رأى نورا فستر ذلك القنديل ونظر إليه من بعد لينظر من أين أتاه الأسراج فوجده يطالع في الكراس وهو في يده اليسار وسبابة يده اليمنى رافعها وهي تضىء مثل الشمعة المستنيرة ويطالع في نورها. ثم دخل النقيب بالقنديل فاختفى ذلك الضوء وعلم الشيخ ذلك من النقيب فعاتبه على التجسس وأشار إليه بكتمان سره ولم يعش الشيخ بعد ذلك إلا قليلا.

ص: 445

وتوفي إلى رحمة الله تعالى. وخلف ابنه الشيخ علي فنشأ أيضا على قدم اسلافه في ملازمة العلم والعمل وصار له شهرة وتزوج بزينب بنت الإمام العلامة القاضي عبد الرحمن الجويني ولم يزل مواظبا على شأنه وطريقة اسلافه حتى توفي وخلف ولديه الإمام العلامة الشيخ حسن الذي تقدم ذكر تجرمته المتوفي سنة 1097 وأخاه الشبخ عبد الرحمن ومات في حياة أخيه سنة 1086 وكان لزينب الجوينية اماكن جارية في ملكها وقفتها على ولدي زوجها المذكورين. ولما توفي الشيخ حسن أعقب الجد إبراهيم وضيعا فكفلته والدته الحاجة مريم بنت الشيخ العمدة الضابط محمد بن عمر المنزلي الأنصاري فنشأ أيضا نشوءا صالحا حتى بلغ الحلم فزوجوه بستيتة بنت عبد الوهاب أفندي الدلجي في سنة 1108 وبنى بها في تلك السنة وحملت بالمترجم وولدته في سنة عشر ومائة وألف ومات والده وعمره شهر واحد وسن والده إذ ذاك ست عشرة سنة فربته والدته بكفالة جدته أم أبيه المذكورة وصاية الإمام العلامة الشيخ محمد النشرتي وقرروه في مشيخة الرواق كأسلافه والمتكلم عند الوصي المذكور فتربى في حجورهم حتى ترعرع وحفظ القرآن وعمره عشر سنين واشتغل بحفظ المتون فحفظ الألفية والجوهرة ومتن كنز الدقائق في الفقه ومتن السلم والرحبية ومنظومة ابن الشحنة في الفرائض وغير ذلك. واتفق له في أثناء ذلك وهو ابن ثلاث عشرة سنة أنه مر مع خادمه بطريق الأزهر فنظر شيخ مقبل منور الوجه والشيبة وعليه جلالة ووقار طاعن في السن والناس يزدحمون على تقبيل يده ويتبركون به فسأل عنه وعرف أنه ابن الشيخ الشرنبلالي فتقدم إليه ليقبل يده كغيره فنظر إليه الشيخ وتوسمه وقبض على يده وقال من يكون هذا الغلام ومن أبوه فعرفوه عنه فتبسم وقال عرفته بالشبه. ثم وقف وقال: اسمع يا ولدي أنا قرأت على جدك وهو قرأ على والدي وأحب أن تقرأ علي شيئا وأجيزك وتتصل بيننا سلسلة

ص: 446

الاسناد وتلحق الاحفاد بالاجداد. فامتثل اشارته ولازم الحضور عنده في كل يوم وقرأ عليه متن نور الايضاح تأليف والده في العبادات وكتب له الاجازة ونصها الحمد لله الذي أنعم على عبده بتوفيقه وأرشده إلى سواء طريقه وإذاقه حلاوة التفقه في دينه وتمام تحقيقه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا سريك له المنعم بلطائف الانعام وعظيمه ودقيقه وأشهد أن سيدنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله الهادي إلى الخير الكامل والجبر الشامل فأصبح كل أحد مغمورا في بحر فضله وجوده محفوظا من كيد الشيطان وجنوده وتعويقه وعلى آله الأطهار وصحابته الاخيار. وبعد فقد حضر لدى الولد النجيب الموفق اللبيب الفطن الماهر الذكي الباهر سليل العلماء الأعلام نتيجة الفضلاء العظام نور الدين حسن بن برهان الدين إبراهيم بن العلامة مفتي المسلمين وإمام المحققين الشيخ حسن الجبرتي الحنفي رحم الله اسلافه وبارك فيه وقرأ على متن نور الإيضاح من أوله إلى آخره تأليف والدي المندرج إلى رحمة الله تعالى سيدي وسندى الإمام العلامة الشيخ حسن ابن عمار الشرنبلالي وأجزته أن يروى ذلك عني وجميع ما يجوز لي روايته اجازة عامة كما أجازني به وتفقه أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه كما تلقى ذلك هو عن الشيخ علي المقدسي شارح نظم الكنز عن العلامة الشلبي شارح الكنز عن القاضي عبد البر بن الشحنة عن المحقق الكمال بن الهمام عن سراج الدين قارىء الهداية عن علاء الدين السيرامي عن السيد جلال الدين شارح الهداية عن علاء الدين بن عبد العزيز البخاري عن حافظ الدين صاحب الكنز عن شمس الأئمة الكردري عن برهان الدين صاحب الهداية عن فخر الإسلام البزدوى عن شمس الأئمة السرخسي عن شمس الأئمة الحلواني عن القاضي ابن علي النسفي عن الإمام محمد بن الفضل البخاري عن عبد الله السند موني عن الأمير عبد الله بن أبي حفص

ص: 447

البخاري عن أبيه المذكور عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني عن الإمام أبي يوسف عن الإمام الاعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه عن الإمام حماد بن سليمان عن إبراهيم النخعي عن الإمام علقمة عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أمين الوحي جبريل عليه السلام عن الله عز وجل. وأوصى الولد الاعز بالتقوى ومراقبة الله في السر والنجوى والله تعالى يوقفه وينفع به وبعلومه ويهدينا وأياه لما كان عليه السلف الصالح في اسساس الدين ورسومه. قال ذلك الفقير إلى الله تعالى: حسن بن حسن الشرنبلالي الحنفي في ثالث ربيع الأول من سنة 1123 وتوفي الشيخ في آخر تلك السنة وقد جاوز التسعين. واشتغل المترجم واجتهد في طلب العلوم وحضر اشياخ العصر وتفقه على الإمام العلامة السيد علي السيواسي الضرير وحضر عليه شرح الكنز للعيني والدر المختار وكتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم وشرح المنار لابن نجيم وشرح المنار لابن فرشتة وشرح التحرير للكمال بن الهمام وشرح جمع الجوامع ومختصر السعد وعلى العلامة الشيخ أحمد التونسي المعروف بالدقدوسي الحنفي شرح الكنز للعلامة الزيلعي والدرر لملاخسرو والسيد علي السراجية في الفرائض وشرح منظومة بن الشحنة في الفرائض والشنشورى على الرحبية والتلخيص ومتن الحكم وشرح التحفة وعلى الشيخ علي العقدي الحنفي ملا مسكين على الكنز ومتن الهداية والسراجية والمنار والنزهة في علم الغبار والقلصادى ومنظومة ابن الهائم وعلى الفقيه محمد بن عبد العزيز الزيادى الحنفي ملتقى الأبحر وفتح القدير والحكم لابن عطاء والقدورى وعقود الجمان في المعاني والبيان وأيساغوجي وعلى الشيخ الفقيد المحدث الشهاب أحمد بن مصطفى الأسكندري الشهير بالصياغ شرح الكبرى وام البراهين وشرح العقائد والمواقف وشرح المقاصد للسعد والكشاف والبيضاوى والشمائل والصحيحين رواية ودراية والأربعين

ص: 448

النووية والمشارق والقطب على الشمسية والمواهب اللدنية وشرح النخبة وعلى الشيخ منصور المنوفي شرح ابن عقيل على الالفية والشيخ خالد على الآجرومية والأزهرية والتوضيح وشرح تصريف العزى وشرح التلمسانية والخبيصي على التهذيب وشيخ الإسلام على الخزرجية وعلى الشيخ عيد النمرسي شرح الورقات والسمرقندية وآداب البحث والعضدية والعصام على السمرقندية وعلم الجبر والمقابلة والعروض واعمال المناسخات والكسورات والأعداد الصم والغربال والمساحة والحساب وعلى الشيخ شلبي البرانسي تلخيص المفتاح والمطول والتجريد وعلى الشيخ محمد السجيني الضرير المكودى على الالفية والفاكهي وشرح الشذور وملاجامي وشرح مختصر ابن الحاجب والمطول وعلى الشيخ أحمد العمادى شرح الجوهرة لعبد السلام والسكتاني على الصغرى وشرح مختصر السنوسي والكافي ونوادر الأصول والجامع الصغير وشرح المقاصد وعلى الشيخ حسن المدابغي الأشموني على الالفية وشرح المراح وقواعد الاعراب والمغنى وعلى الشيخ الملوى شرحه على السلم وشرح معراج الغيظي وأوضح المسالك وأوائل الكتب الستة والمسلسلات والمسندات وحضر أيضا دروس الشيخ عبد الرؤف البشبيشي وأبو العز العجمي وغيرهما وجد في التحصيل حتى فاق أهل عصره وباحث وناضل ودرس بالرواق في الفقه والمعقول وبالسنانية ببولاق. وكان لجدته أم أبيه مكان مشرف على النيل بربع الخرنوب عندما كان النيل ملاصقا لسدته فساكنها مدة فكان يغدو إلى الجامع ثم يعود إلى بولاق وله حاصل بربع الخرنوب يجلس فيه حصة ثم يعود إلى السنانية فيملي هناك درسا ثم احترق ذلك المنزل بما فيه وتلف فيه اشياء كثيرة من المتاع والصيني القديم فانتقلت إلى مصر وكانوا يذهبون إلى مكان لها بمصر العتيقة في أيام النيل بقصد النزهة وهي التي أعانته على تحصيل العلوم اشتغاله بالعلم كان يعاني التجارة

ص: 449

والبيع والشراء والمشاركة والمضاربة والمقايضة وكانت جدته ذات غنية وثروة ولها أملاك وعقارات ووقفت عليه أماكن ومنها الوكالة بالصنادقية والحوانيت بجوارها وبالغورية ومرجوش ومنزل بجوار المدرسة الاقبغاوية ورتبت في وقفها عدة خيرات ومكتب لاقراء أيتام المسلمين بالحانوت المواجه للوكالة المذكورة وربعة تقرأ في كل يوم وختمات في ليالي المواسم وقصعتي تريد في كل ليلة من ليالي رمضان وثلاث جواميس تفرق على الفقهاء والايتام والفقراء في عيد الأضحية. وتزوج بجدته المذكورة بعد موت جده الأمير علي أغا باش اخيتار متفرقة المعروف بالطورى وتزوج المترجم بابنته وله حكم قلاع الطور والسويس والمويلح وكانت إذ ذاك عامرة وبها المرابطون ويصرف عليهم العلوفات والاحتياجات. ولما مات علي أغا المذكور سنة سبع وثلاثين تقلد ذلك بعده المترجم مدة مع كونه في عداد العلماء وربي معتوقية عثمان وعليا ولم يزالا في كنفه حتى مات بعد مدة طويلة وأرسل خادما له يسعى سليمان الحصافي جربجيا على قلعة المويلح فقتلوه هناك فتكدر لذلك وترك هذا الأمر وأعرض عنه وأقبل على شأنه من الأشتغال وماتت زوجته بنت الأمير علي أغا المذكور في حياة ابيها فتزوج ببنت رمضان جلبي بن يوسف المعروف بالخشاب تابع كور محمد وهم بيت مجد وثروة ببولاق ولهم املاك وعقارات وأوقاف ومن ذلك وكالة الكتان وربع وحوانيت تجاه جامع الزردكاش وبيت كبير بساحل النيل وآخره تجاه جامع مزره جربجي وهو سكن رمضان جلبي المذكور وكان إنسانا حسنا رقيق الحاشية وفيه فضيلة وسليفة جيدة.

ومات رمضان جلبي المذكور سنة 1139 واستمرت ابنته في عصمة المترجم حتى ماتت في المحرم سنة 1182 وعمرها ستون سنة. وكانت من الصالحات الخيرات المصونات وحجت صحبته في سنة أحدى وخمسين وكانت به بارة وله مطيعة. ومن جملة برهالة وطاعتها أنها كانت تشتري له من

ص: 450

السراري الحسان من مالها وتنظمهن بالحلي والملابس وتقدمهن إليه وتعتقد حصول الأجر والثواب لها بذلك وكان يتزوج عليها كثيرا من الحرائر ويشتري الجوارى فلا تتأثر من ذلك ولا يحصل عندها ما يحصل في النساء من الغيرة. ومن الوقائع الغريبة أنه لما حج المترجم في سنة ست وخمسين واجتمع به الشيخ عمر الحلبي بمكة الوصي بان يشترى جارية بيضاء تكون بكرا دون البلوغ وصفتها كذا وكذا فلما عاد من الحج طلب من اليسرجية الجوارى لينقى منهن المطلوب فلم يزل حتى وقع على الغرض فاشتراها وأدخلها عند زوجته المذكورة حتى يرسلها مع من أوصاه بارسالها صحبته. فلما حضر وقت السفر أخبرها بذلك لتعمل لهم ما يجب من الزوادة ونحو ذلك فقالت له إني أحببت هذه الوصية حبا شديدا ولا أقدر على فراقها وليس لي أولاد وقد جعلتها مثل ابنتي والجارية بكت أيضا وقالت لا أفارق سيدتي ولا اذهب من عندها أبدا. فقال: وكيف يكون العمل قالت ادفع ثمنها من عندى واشتر أنت غيرها ففعل. ثم انها اعتقتها وعقدت له عليها وجهزتها وفرشت لها مكانا على حدتها وبنى بها في سنة خمس وستين وكانت لا تقدر على فراقها ساعة مع كونها صارت ضرتها وولدت له أولادا. فلما كان في سنة اثنين وثمانين المذكورة مرضت الجارية فمرضت فقامت الجارية في ضحوة النهار فنظرت إلى مولاتها وكانت في حالة غطوسها فبكت وزاد بها الحال وماتت تلك الليلة فأضجعوها بجانبها فاستيقظت مولاتها آخر الليل وحبستها بيدها وصارت تقول أن قلبي يحدثني انها ماتت ورأيت في منامي ما يدل على ذلك فلما تحققت ذلك قامت وجلست وهي تقول لا حياة لي بعدها وصارت تبكي وتنتحب حتى طلع النهار وشرعوا في تشهيلها وتجهيزها وغسلوها بين يديها وشالوا جنازتها ورجعت إلى فراشها ودخلت في سكرات الموت وماتت آخر النهار وخرجوا بجنازتها أيضا في اليوم الثاني. وهذا من أعجب ما شاهدته

ص: 451

ورأيته ووعيته وكان سني إذ ذاك أربع عشرة سنة. واشتغل المترجم في أيام اشتغاله بتجويد الخط فكتب على عبد الله أفندي الانيس وحسن أفندي الضيائي طريقة الثلث والنسخ حتى أحكم ذلك وأجازه الكتبة وأذنوه أن يكتب الاذن على اصطلاحهم ثم جود في التعليق على أحمد أفندي الهندى النقاش لفصوص الخواتم حتى أحكم ذلك وغلب على خطه طريقته ومشى عليها وكتب الديواني والقرمة وحفظ الشاهدى واللسان الفارسى والتركي حتى أن كثيرا من الاعاجم والأتراك يعتقدون أن أصله من بلادهم لفصاحته في التكلم بلسانهم ولغتهم. وفي سنة أربع وأربعين اشتغل بالرياضيات فقرأ على الشيخ محمد النجاحي رقائق الحقائق للسبط المارديني والمجيب والمقنطر ونتيجة اللادقي والرضوانية والدرلابن المجدى ومنحرفات السبط وإلى هنا انتهت معرفة الشيخ النجاحي. وعند ذلك انفتح له الباب وانكشف عنه الحجاب وعرف السمت والأرتفاع والتقاسم والأرباع والميل الثاني والأول والأصل الحقيقي والمعدل وخالط أرباب المعارف وكل من كان من بحر الفن غارف وحل الرموز وفتح الكنوز واستخرج نتائج الدر اليتيم والتعديل والتقويم وحقق اشكال الوسايط في المنحرفات والبسائط والزيج والمحلولات وحركات التداوير والنطاقات والتسهيل والتقريب والحل والتركيب والسهام والظلال ودقائق الأعمال وانتهت إليه الرياسة في الصناعة واذعنت له أهل المعرفة بالطاعة وسلم له عطارد وجمشيد الراصد وناظره المشترى وشهد له الطوسي والأبهري وتبوأ من ذلك العلم مكانا عليا وزاحم بمنكبه العيوق والثريا وقدم القدوة العلامة والحكيم الفهامة الشيخ حسام الدين الهندي وكان متضلعا من العلوم الرياضية والمعارف الحكمية والفلسفية فنزل بمسجد في مصر القديمة واجتمع عليه بعض الطلبة مثل الشيخ الوسمي والشيخ أحمد الدمنهوري وتلقوا عنه أشياء في الهيئة فبلغ خبره المترجم

ص: 452

فذهب إليه للاخذ عنه فاغتبط به الشيخ وأحبه وأقبل بكليته عليه فلم يزل به حتى نقله إلى داره وافرد له مكانا وأكرم نزله وقام باوده وطالع عليه الجغميني وقاضي زاده عليه والتبصرة والتذكرة وهداية الحكمة لأثير الدين الأبهري وما عليها من المواد والشروح مثل السيد والمبيدي قراءة بحث وتحقيق وأشكال التأسيس في الهندسة وتحرير اقليدس والمتوسطات والمبادي والغايات والأكر وعلم الأرتماطيقي وجغرافيا وعلم المساحة وغير ذلك. ثم أراد أن يلقنه على الصنعة الألهية وكان من الواصلين فيها فغالطه عن ذلك وأبت نفسه الأشتغال بسوى العلوم المهذبة للنفس وكان يحكي عنه أمورا وعبارات واشارات تشعر بأنه كان من الكمل الواصلي في كل شيء ولم يزل عنده حتى عزم على الرحلة وسافر إلى بلاده. وقدم إلى مصر الإمام العلامة الشيخ محمد الغلاني الكشناوى وسكن بدرب الأتراك فأجتمع عليه المترجم وتلقى عنه علم الأوفاق وقرأ عليه شرح منظومة الجزنائية للقوصاني والدر والترياق والمرجانية في خصوص المخمس الخالي الوسط والأصول والضوابط والوفق المئيني وعلم التكسير للحروف وغير ذلك وسافر الشيخ إلى الحج وجاور هناك فلما رجع أنزله عنده وصحبته زوجته وجواره وعبيده وكمل عنده غالب مؤلفاته ولم يزل حتى مات كما تقدم ذكر ذلك في ترجمته ولقي المترجم في حجاته الشيخ النخلي وعبد الله بن سالم البصري وعمر بن أحمد ابن عقيل المكي والشيخ محمد حياة السندي الكوراني وأبو الحسن السندى والسيد محمد السقاف وغيرهم وتلقى عنهم واجازوه وتلقوا هم أيضا عنه ولقنه الشيخ أبو الحسن السندى طريق السادة النقشبندية والأسماء الأدريسية.

وهذه صورة اجازة الشيخ عمر ابن أحمد بن عقيل ومن خطه نقلت بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين

ص: 453

اصطفى خصوصا أفضل أنبيائه وعترته الطاهرين وصحابته أجمعين وبعد فإن مما تطابقت عليه النصوص وتوافقت عليه ألسنة العموم والخصوص أن الباحث عن ألسنة الغراء لأتباع هدى سيد الأنبياء الموجب لمحبة ذي الآلاء والنعماء هو الفائز بالقدح المعلى والمرفوع إلى المقام الأعلى ومن المعلوم أنه لم يبق في زماننا ما يتداول منها إلا التعلل برسوم الأسناد بعد انتقال أهل المنزل والناد فذو الهمة هو الذي يثابر على تحصيل أعلاه وينافس في فهم متنه ويفحص عن معناه ويناقش في رجاله الذين عليهم مغناه إلا وهو الشيخ الأجل الراقي بعزمه المتين من العلم والعمل إلى أعلى محل سيدنا وأستاذنا الشيخ حسن المرحوم إبراهيم بن الشيخ حسن الجبرتي أمده الله بالمدد الألهي فطلب من هذا الفقير أن أجيزه فلما لم أجد بدا من الأمتثال قلت سائلا التوفيق في الأول والفعال أجزت مولانا الشيخ حسن المذكور المنوه بذكره أعلى السطور أجزل الله تعالى له الأجور ما يجوز لي وعني روايته من مقروء ومسموع وأصول وفروع بشرطه المعتبر من تقوى الله والصيانة وضبط الألفاظ وسير الرجال والديانة حسبما أجازني بذلك شيوخ أكابر عدة هم في الشدائد عدة ومنهم بل من أجلهم سيدي وجدي لأمي بعد أن قرأت عليه جانبا كبيرا من كتب الحديث وغيره قراءة تحقيق وتدقيق وغيره من الشيوخ أهل التوفيق وقد سمع مولانا الشيخ حسن منى أوائل البخارى ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذى وابن ماجه والموطأ فليروعني المجاز المذكور متى شاء مما اتصلت بي روايته متى أراد رفع سند أو كتاب لمن هو من أهل الدراية وهو دام أنسه وزكا قدسه في غنية عن ذلك ولكن جرت العادة بأخذ الأكابر عن الأصاغر تكثيرا لسوادنا فهي سنة الأوائل والأواخر. وكذلك اجرت له بالصلاة المشهورة النفع بهذه الصيغة اللهم صل على سيدنا محمد وآله كما لا نهاية لكمالك وعد كماله حسبما أجازني بها ملانا الشيخ طاهر

ص: 454

ابن الملا إبراهيم الكوراني عن شيخه الشيخ حسن المنوفي مفتي الحنفية بالمدينة سابقا عن شيخه مولانا الشيخ علي الشبراملسي عن بعض اجلاء شيوخه وأمره أن يصلي بها بين المغرب والعشاء بلا عدد معين وبالمواظبة عليها يظهر نتائج فتحها خصوصا لمبتغى هذا العلم المجد في طلبه من ذويه نفعه الله تعالى بالعلم وجعله من أهل يه وقد أجزت الشيخ المذكور ضاعف الله تعالى له الأجور بالاسماء الأربعينية الادريسية السهروردية بقراءتها واقرائها لخل صادق أن وجد كما أجازني بذلك جملة من الشيوخ وقد اتصل سندي بها أيضا عن مولانا وسيدنا الامجد مولانا الشيخ أحمد بن محمد النخلي أنزل عليه شآبيب الرحمة والغفران الواحد العلي وهو يرويها عن الشيخ حجازي الديربي عن الشيخ شهاب الدين أحمد بن علي الخامي الشناوي وأجازه شيخه أيضا بشرحها للشيخ عثمان النحراوى قال الشيخ عثمان: أجازني بالاسماء الادريسية العظام الشيخ كمال الدين السوداني وهو يرويها عن شيخه أبي المواهب أحمد الشناوى عن السيد صبغة الله أحمد عن السيد وجيه الدين العلوى عن الحاج حميد الشهير بالشيخ محمد الغوث عن الحاج حصور عن أبي الفتح هدية الله سيرمست عن الشيخ قاضن الستارى عن الشيخ ركن الدين صينوورى عن الشيخ يابوتاج الدين عن السيد جلال الدين البخارى عن الشيخ ركن الدين أبي الفتح عن الشيخ صدر الدين أبي الفضل عن الشيخ أبي البركات بهاء الدين زكريا عن شيخ الشيوخ شهاب الدين السهروردى عن سيدي وجيه الدين المعروف بعمويه عن الشيخ أحمد اسود الدينوري عن الشيخ ممشاد الدينوري عن الشيخ أبي القاسم الجنيد البغدادى عن خاله سرى السقطى عن الشيخ معروف الكرخي عن الشيخ داود الطائي عن الشيخ حبيب العجمي عن سيد التابعين حسن البصري عن إمام المشارق والمغارب سيدنا علي بن أبي طالب عن

ص: 455

سيدنا ومولانا سيد الخلق حبيب الحق عبده ورسوله وحبيبه وصفيه وخليله النبي الرسول الحاوى لجميع الكمالات الأصلية والفرعية الجامع لكل الصفات السنية والمراتب العلية المبعوث لكل الخلق المتخصص بالقرب من العالم الحق سيد الكونين والثقلين والفريقين من عرب ومن عجم محمد صلى الله عليه وسلم قال ذلك بفمه وكتبه بقلمه أسير ذنبه عمر بن أحمد بن عقيل السقاف باعلوى حفيد مولانا الشيخ عبد الله ابن سالم البصري عفا الله تعالى عنهم أجمعين سائلا من الشيخ المذكور أن لا ينساني وأصولي ومشايخي في الدين وجميع أقاربي من صالح الدعوات في خلواته وجلواته وحركاته وسكناته وأوصيه بما أوصي به نفسي وسائر المسلمين من ملازمة التقوى وكمال الأستعداد واتباع سبيل الهدى والرشاد واسأل الله تعالى الكريم المنان أن يوفقني وأياه والمسلمين لصالح القول والعمل ويجنبنا الخطأ والزلل ويجعلنا من العلماء العاملين والهداة الراشدين وإن يميتنا على سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين في كل وقت وحين. وللمترجم أشياخ غير هؤلاء كثيرون اجتمع بهم وتلقى عنهم وشاركهم وشاركوه مثل علي أفندي الداغستاني والشيخ عبد ربه سليمان بن أحمد الفشتالي الفاسي والشيخ عبد اللطيف الشامي والجمال يوسف الكلارجي والشيخ رمضان الخوانكي والشيخ محمد النشيلي والشيخ عمر الحلبي والشيخ حسين عبد الشكور المكي والشيخ إبراهيم الزمزمي وحسن أفندي قطعة مسكين وأحمد افندي الكرتلي والأستاذ عبد الخالق بن وفي وكان خصيصا به وأجازه بالأحزاب وهو الذي كناه بأبي التداني وألبسه التاج الوفائي والسيد مصطفى العيدروس وولده السيد عبد الرحمن والسيد عبد الله العيدروسي والشيخ علي بندق الشناوى الأحمدى وكثير من المشايخ الأزهرية مثل السيد محمد البنوفرى والشيخ عمر الأسقاطي والشيخ أحمد الجوهرى والشيخ أحمد

ص: 456

الدلجي بن خال المترجم والشيخ أحمد الراشدى والشيخ إبراهيم الحلبي صاحب حاشية الدر والسيد سعودى محشي ملا مسكين وغيرهم من الآكابر والاخيار وأهل الأسرار والانوار حتى كمل في المعارف والفنون ورمقته بالاجلال العيون وعلا شأنه على علماء الزمان وتميز بين الاقران واذعنت له أهل الاذواق وشاع ذكره في الآفاق ووفدت عليه الطلاب البلدانية والواردون من النواحي الآفاقية وأتوا إليه من كل فج يسعون لميقاته ولزموا الطواف بكعبة فضله والوقوف بعرفاته فمنهم من ينفر بعد اتمام نسكه وبلوغ امنيته ومنهم من يواظب على الاعتكاف بساحته وكان رحمه الله عذب المورد للطالبين طلق المحيا للورادين يكرم كل من أم حماه ويبلغ الراجي مناه والمقتفى جدواه والراغب أقصى مرماه مع البشاشة والطلاقة وسعة الصدر والرياقة وعدم رؤية المنة على المحتدى ومسامحة الجاهل والمعتدى مع حسن الاخلاق والصفات التي سجدت لها الخناصر كأنها آيات سجدات وكانت ذاته جامعة للفضائل والفواضل منزهة عن النقائص والرذائل وقورا محتشما مهيبا في الاعين معظما في النفوس محبوبا للقلوب لا يعادى أحدا ولا يخاصم على الدنيا فلذلك لا تجد من يكرهه ولا من ينقم عليه في شيء من الأشياء وأما مكارم الاخلاق والحلم والصفح والتواضع والقناعة وشرف النفس وكظم الغيظ والأنبساط إلى الجليل والحقير كل ذلك سجيته وطبعه من غير تكلف لذلك ولا يرى لنفسه مقاما أصلا ولا يعرف التصنع في الأمور ولا دعوى علم ولا معرفة ولا مشيخة على التلاميذ والطلبة ولا يرضي التعاظم ولا تقبيل اليد وله منزلة عظيمة في قلوب الآكابر والأمراء والوزراء والأعيان ويسعون إليه ويذهب إليهم لبعض المقتضيات والشفاعات ويرسل إليهم فلا يردون شفاعته ولا يتوانون في حاجة يتكلم فيها وله عندهم محبة ومنزلة في قلوبهم زيادة عن نظرائه من الأشياخ لمعرفته

ص: 457

بلسانهم ولغتهم واصطلاحهم ورغبتهم فيما يعلمونه فيه من المزايا والاسرار والمعارف المختص بها دون غيره وخصوصا أكابر العثمانيين والوزراء وأهل العلوم والفضلاء منهم مثل علي باشا ابن الحكيم وراغب باشا وأحمد باشا الكور وغيرهم ويأتون إليه أحيانا في التبديل. وأكرموه وهادوه كل ذلك مع العفة والعزة وعدم التطلع لشيء من أسباب الدنيا بوظيفة أو مرتب أو فائظ أو نحو ذلك. وكان بينه وبين الأمير عثمان بك ذي الفقار صحبة ومحبة وحج في أيام إمارته على الحج مرافقا له ثلاث مرات من ماله وصلب حاله ولم يصله منه سوى ما كان يرسله إليه على سبيل الهدية وكان منزل سكنه الذي بالصنادقية ضيقا من أسفل وكثير الدرج فعالجه إبراهيم كتخدا على أن يشترى له أو يبني له دارا واسعة فلم يقبل وكذلك عبد الرحمن كتخدا وكان له ثلاثة مساكن أحدها هذا المنزل بالقرب من الأزهر وآخر بالابزارية بشاطىء النيل ومنزل زوجته القديمة تجاه جامع مرزه. وفي كل منزل زوجة وسرار وخدم فكان ينتقل فيها مع أصحابه وتلامذته وكان يقتني المماليك والعبيد والجوارى البيض والحبوش والسود ومات له من الأولاد نيف وأربعون ولدا ذكورا واناثا كلهم دون البلوغ ولم يعش له من الأولاد سوى الحقير وكان يرى الأشتغال بغير العلم من العبثيات وإذا أتاه طالب فرح به وأقبل عليه ورغبه وأكرمه وخصوصا إذا كان غريبا وربما دعاه للمحاورة عنده وصار من جملة عياله ومنهم من أقام عشرين عاما قياما ونياما لا يتكلف إلى شىء من أمر معاشه حتى غسل ثيابه من غير ملل ولا ضجر. وانجب عليه كثير من علماء وقته المحققين طبقة بعد طبقة مثل الشيخ أحمد الراشدى والشيخ إبراهيم الحلبي والشيخ مصطفى أبي الاتقان الخياط والسيد قاسم التونسي والشيخ العلامة أحمد العروسي والشيخ إبراهيم الصيحاني المغربي والطبقة الاخيرة التي ادركناها مثل الشيخ أبي الحسن

ص: 458

القلعي والشيخ عبد الرحمن البناني. وأما الملازمون له فهم الشيخ محمد ابن إسمعيل النفراوي والشيخ محمد الصبان والشيخ محمد عرفة الدسوقي والشيخ محمد الأمير والشيخ محمد الشافعي الجناجي المالكي والشيخ مصطفى الريس البولاقي والشيخ محمد الشوبري والشيخ عبد الرحمن العريشي والشيخ محمد الفرماوى وهؤلاء كانوا المختصين به الملازمين عنده ليلا ونهارا وخصوصا الشيخ محمد النفراوى والصبان ومحمود أفندي النيشي والفرماوى والشيخ محمد الأمير والشيخ محمد عرفة فإنهم كانوا بمنزلة أولاده خصوصا الأولين فانهما كانا لا يقارفانه إلا وقت اقراء دروسهما وكان يباسط اخصاءه منهم ويمازحهم ويروحهم بالمناسبات والأدبيات والنوادر والأبيات الشعرية والمواليات والمجونيات والحكايات اللطيفة والنكات الظريفة وينتقلون صحبته في منازل بولاق ومواطن النزهة فيقطعون الأوقات ويشغلونها حصة في مدارسة العلم وأخرى في مطارحات المسائل وأخرى للمفاكهة والمباسطة والنوادر الأدبية. ومن الملازمين على الترداد عليه والأخذ عنه الشيخ محمد الجوهرى والشيخ سالم القيرواني ومحمد أفندي مفتي الجزائر والسيد محمد الدمرداش وولداه السيد عثمان والسيد محمد. وممن تلقى عنه شيخ الشيوخ الشيخ علي العدوى تلقى شرح الزيلعي على الكنز في الفقه الحنفي وكثيرا من المسائل الحكمية. ولما قرأ كتاب المواقف فكان يناقشه في بعض المسائل محققو الطلبة فيتوقف في تصويرها لهم فيقوم من حلقته ويقول لهم: اصبروا مكانكم حتى اذهب إلى من هو أعرف مني بذلك وأعود اليكم. ويأتي إلى المترجم فيصورها له بأسهل عبارة ويقوم في الحال فيرجع إلى درسه ويحققها لهم وهذا من أعظم الديانة والانصاف. وقد تكرر منه ذلك غير مرة وكان يقول عنه: لم نر ولم نسمع من توغل في علم الحكمة والفلسفة وزاد إيمانه إلا هو رحم الله الجميع. وممن تلقى عنه من أشياخ

ص: 459

العصر العلامة الشيخ محمد المصليحي والعلامة الشيخ حسن الجداوي والشيخ محمد المسودى والشيخ أحمد بن يونس والشيخ محمد الهلباوى والشيخ أحمد السجاعي لازمه كثيرا وأخذ عنه في الهيئة والفلكيات والهداية وألف في ذلك متونا وشروحا وحواشي. وأما من تلقى عنه من الآفاقيين وأهالي بلاد الروم والشام وداغستان والمغاربة والحجازيين فلا يحصون واجل الحجازيين الشيخ إبراهيم الزمزمي. وأما ما اجتمع عنده وما اقتناه من الكتب في سائر العلوم فكثير جدا قلما اجتمع ما يقاربها في الكثرة عند غيره من العلماء أو غيرهم. وكان سموحا باعارتها وتغييرها للطلبة وذلك كان السبب في اتلاف أكثرها وتخريمها وضياعها حتى أنه كان أعد محلا في المنزل ووضع فيه نسخا من الكتب المستعملة التي يتداول علماء الأزهر قراءتها للطلبة مثل الأشموني وابن عقيل والشيخ خالد وشروحه والأزهرية وشروحها والشذور وكذلك من كتب التوحيد مثل شروح الجوهرة والهدهدى وشرح السنوسية والكبرى والصغرى وكتب المنطق والاستعارات والمعاني وكذلك كتب الحديث والتفسير والفقه في المذاهب وغير ذلك فكانوا يأتون إلى ذلك المكان ويأخذون ويغيرون وينقلون من غير استئذان فمنهم من يأخذ الكتاب ولا يرده ومنهم من يهمل التغيير فتضيع الكراريس ومنهم من يسافر ويتركها عند غيره ومنهم من يهمل آخر الكتاب ويتفق أن الإثنين والثلاثة يشتركون في الكتاب الواحد والنسخة الواحدة ولا بد من حصول التلف من أحدهم ولا بد من حصول الضياع والتلف في كل سنة وخصوصا في أواخر الكتب عندما تفتر هممهم. وأكثر الناس منحرفو الطباع معوجو الأوضاع. واقتنى أيضا كتبا نفيسة خلاف المتداولة وأرسل إليه السلطان مصطفى نسخا من خزائنه وكذلك أكابر الدولة بالروم ومصر وباشة تونس والجزائر واجتمع لديه من كتب الاعاجم مثل الكلستان وديوان حافظ

ص: 460

وشاه نامه وتواريخ العجم وكليله ودمنه ويوسف زليخا وغير ذلك وبها من التشاويه والتصاوير البديعة الصنعة الغريبة الشكل وكذلك الآلات الفلكية من الكرات النحاس التي كان اعتنى بوضعها حسن افندي الروزنامجي بيد رضوان افندى الفلكي كما تقدم في ترجمتها. ولما مات حسن أفندي المذكور اشترى جميعها من تركته وكذلك غيرها من الآلات الارتفاعية والميالات وحبق الارصاد والاسطرلابات والأرباع والعدد الهندسية وأدوات غالب الصنائع مثل التجارين والخراطين والحدادين والسمكرية والمجلدين والنقاشين والصواغ وآلات الرسم والتقاسيم ويجتمع به كل متقن وعارف في صناعته مثل حسن أفندي الساعاتي وكان ساكنا عنده وعابدين أفندي الساعاتي وعلي افندي رضوان وكان من أرباب المعارف في كل شيء ومحمد افندى الأسكندراني والشيخ محمد الاقفالي وإبراهيم السكاكيني والشيخ محمد الزبداني وكان فريدا في صناعة التراكيب والتقاطير واستخراج المياه والادهان وغير هؤلاء ممن رأيت ومن لم أر وحضر إليه طلاب من الافرنج وقراوا عليه علم الهندسة وذلك سنة تسع وخمسين وأهدوا له من صنائعهم وآلاتهم اشياء نفيسة وذهبوا إلى بلادهم ونشروا بها ذلك العلم من ذلك الوقت وأخرجوه من القوة إلى الفعل واستخرجوا به الصنائع البديعة مثل طواحين الهواء وجر الاثقال واستنباط المياه وغير ذلك. وفي أيام اشتغاله بالرسم رسم ما لا يحصى من المنحرفات والمزاول على الرخامات والبلاط الكذان ونصبها في اماكن كثيرة ومساجد شهيرة مثل الأزهر والاشرفية وقوصون ومشهد الإمام الشافعي والسادات. وفي الآثار منها ثلاثة واحدة باعلى القصر وأخرى على البوابة وأخرى عظيمة بسطح الجامع بقى منها قطعة وكسر باقيها فراشو الأمراء الذين كانوا ينزلون هناك للنزاهة ليمسحوا بها صواني الأطعمة الصفر وكذلك بورد أن بالتماس مصطفى أغا الورداني

ص: 461

وكذلك بحوش مدفن الرزازين بالتماس رضوان جرجبي الرزاز رحمه الله ولما تمهر الآخذون عنه والملازمون عنده ترك الأشتغال بذلك واحال الطلاب عليهم فإذا كان الطالب من أبناء العرب تقيد بتلميذه الشيخ محمد ابن إسمعيل النفراوى وإن كان من الاعاجم والاتراك تقيد بمحمود افندي النيشي. واشتغل هو بمدارسة الفقه واقرائه ومراجعة الفتاوى والتحرى في الفروع الفقهية والمسائل الخلاقية وانكب عليه الناس يستفتونه في وقائعهم ودعاويهم. وتقرر في اذهانهم تحرية الحق والنصوص حتى أن القضاة لا يثقون إلا بفتواه دون غيره وتقيد للمراجعة عنده الشيخ عبد الرحمن العريشي فانفتحت قريحته وراج أمره وترشح بعده للافتاء. وكان المترجم لا يعتني بالتأليف إلا في بعض التحقيقات المهمة منها نزهة العينين في زاكاة المعدنين ورفع الأشكال بظهور العشر في العشر في غالب الأشكال والاقوال المعربة عن أحوال الأشربة وكشف اللثام عن وجوه مخدرات النصف الأول من ذوى الارحام والوشي المجمل في النسب المحمل والقول الصائب في الحكم على الغائب وبلوغ الآمال في كيفية الأستقبال والجداول البهية برياض الخزرجية في علم العروض واصلاح الأسفار عن وجوه بعض مخدرات الدر المختار ومآخذ الضبط في اعتراض الشرط على الشرط والنسمات الفيحية على الرسالة الفتحية والعجالة على أعدل آلة وحقائق الدقائق على دقائق الحقائق واخصر المختصرات على ربع المقنطرات والثمرات المجنية من أبواب الفتحية والمفصحة فيما يتعلق بالاسطحة والدر الثمين في علم الموازين وحاشية على شرح فاضي زادة على الجغميني لم تكمل وحاشية على الدر المختار لم تكمل ومناسك الحج وغير ذلك جواش وتقييدات على العصام والحفيد والمطول والمواقف والهداية في الحكمة والبرزنجي على قاضي زاده وأمثلة وبراهين هندسية شتى. وماله من الرسومات المخترعة

ص: 462

والآلات النافعة المبتدعة ومنها الآلة المربعة لمعرفة الجهات والسمت والانحرافات باسهل ماخذو أقرب طريق والدائرة التاريخية وبركار الدرجة. واتفق أنه في سنة اثنتين وسبعين وقع الخلل في الموازين والقبابين وجهل أمر وضعها ورسمها وبعد تحديدها وريحها ومشيلها واستخراج رمامينها وظهر فيها الخطأ واختلفت مقادير الموزونات وترتب على ذلك ضياع الحقوق وتلاف الأموال وفسد على الصناع تقليدهم الذى درجوا عليه فعند ذلك تحركت همة المترجم لتصحيح ذلك وأحضر الصناع لذلك من الحدادين والسباكين وحرر المثاقيل والصنج الكبار والصغار والقرسطونات ورسمها بطريق الأستخراج على أصل العلم العملي والوضع الهندسي وصرف على ذلك أموالا من عنده ابتغاء لوجه الله ثم أحضر كبار القبانية والوزانين مثل الشيخ علي خليل والسيد منصور والشيخ علي حسن والشيخ حسن ربيع وغيرهم وبين لهم ما هم عليه من الخطأ وعرفهم طريق الصواب في ذلك وأطلعهم على سر الوضع والصنعة ومكنونها واحضروا العدد وأصلحوا منها ما يمكن اصلاحه وابطلوا ما تقدم وضعه وفسدت لقمه ومراكزه وقيدوا بصناعة ذلك الأسطى مراد الحداد ومحمد ابن عثمان حتى تحررت الموازين وانضبط أمرها وانصلح شأنها. وسرت في الناس العدالة الشرعية المأمورين بإقامتها واستمر العمل في ذلك أشهرا وهذا هو السبب الحامل له على تصنيف الكتاب المذكور وهذا هو ثمرة العلم ونتيجة المعرفة والحكمة المشار إليها بقوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} . ولما وصل إلى مصر الشيخ إبراهيم بن أبي البركات العباسي البغدادي الشهير بابن السويدى في سنة 1175 وكان إماما فاضلا فصيحا مفوها ينظم الشعر بالاملاء ارتجالا في أي قافية من أى بحر من غير تكلف فأنزله المترجم وأكرمه واغتبط به وصار يتنقل صحبته مع الجماعة بمنازل بولاق والمنتزهات. واتفق أنه تمرض أياما فأقام بمنزل بولاق

ص: 463

المشرف على النيل فقيد به من يعوله ويخدمه ويعلل مزاجه فكان كلما اختلى بنفسه وهبت عليه النسمات الشمالية والنفحات البحرية أخذ القلم ببنانه ونقش على أخشابه وحيطانه فكتب نحو العشرين قصيدة على مواقف عديدة كلها مدائح في المذكور والرياض والزهور والكوثر والسلسبيل وجريان النيل وتركت بحالها وذهبت كغيرها. وفي سنة تسع وسبعين توفي ولده أخي لأبي أبو الفلاح علي وقد بلغ من العمر اثنتي عشرة سنة. فحزن عليه وانقبض خاطره وانحرف مزاجه وتوالت عليه النوازل وأوجاع المفاصل وترك الذهاب إلى بولاق وغيرها ونقل العيال من هناك ولازم البيت الذي بالصنادقية واقتصر عليه وفتر عن الحركة إلا في النادر. وصار يملي الدروس بالمنزل ويكتب على الفتاوى ويراجع المسائل الشرعية والقضايا الحكمية مع الديانة والتحرى والمراجعة والإستنباط والقياس الصحيح ومراعاة الأصول والقواعد ومطارحات التحقيقات والفوائد وتلقي الوافدين وأكرام الواردين وإطعام الطعام وتبليغ القاصد المرام ومراعاة الأقارب والأجانب مع البشاشة ولين الجانب وسعة الصدر وحسن الاخلاق مع الخلان وال أصحاب والرفاق ويخدم بنفسه جلاسه ولا يمل معهم ايناسه ولا يبخل بالموجود ولا يتكلف المفقود ولا يتصنع في أحواله ولا يتمشدق في أقواله ويلاحظ السنة في أفعاله. ومن أخلاقه أنه كان يجلس بآخر المجلس على اى هيئة كان بعمامة وبدونها ويلبس أى شيء كان ويتحزم ولو بكنار الجوخ أو قطعة خرقة أو شال كشميرى أو محزم ولا ينام على فراش ممهد بل ينام كيفما اتفق وكان أكثر نومه وهو جالس وله مع الله جانب كبير كثير الذكر دائم المراقبة والفكر ينام أول الليل ويقوم آخره فيصلي ما تيسر من النوافل والوتر ثم يشتغل بالذكر حتى يطلع الفجر فيصلي الصبح ويجلس كذلك إلى طلوع الشمس فيضطجع قليلا أو ينام وهو جالس مستندا وهذا دأبه

ص: 464

على الدوام. ويحاذر الرياء ما أمكن وكان يصوم رجب وشعبان ورمضان ولا يقول: إني صائم وربما ذهب إلى بعض الأعيان أو دعي إلى وليمة فيأتون إليه بالقهوة والشربات فلا يرد ذلك بل يأخذها ويوهم الشرب وكذلك الأكل ويضايع ذلك بالمؤانسة والمباسطة مع صاحب المكان والجالسين. وكان مع مسايرته للناس وبشاشته ومخاطبته لهم على قدر عقولهم عظيم الهيبة في نفوسهم وقورا محتشما ذا جلال وجمال. وسمعت مرة شيخنا سيدي الشيخ محمودا الكردى يقول: أنا عندما كنت أراه داخلا في دهليز الجامع يداخلني منه هيبة عظيمة وأدخل إلى رواقنا وانظر إليه من داخل وأسأل المجاورين عنه فيقولون لي هذا الشيخ الجبرتي فأتعجب لما يداخلني من هيبته دون غيره من الأشياخ فلما تكرر على ذلك أخبرت الأستاذ الحفني فتبسم وقال لي: نعم أنه صاحب اسرار. وكان مربوع القامة ضخم الكراديس ابيض اللون عظيم اللحية منور الشيبة واسع العينين غزير شعر الحاجبين وجيه الطلعة يهابه كل من يراه ويود أنه لا يصرف نظره عن جميل محياه. ولم يزل على طريقته المفيدة وأفعاله الحميدة إلى أن آذنت شمسه بالزوال وغربت بعد ما طلعت من مشرق الاقبال وتعلل اثني عشر يوما بالهيضة الصفراوية فكان كلما تناول شيئا قذفته معدته عندما يريد الاضطجاع إلى أن اقتصر على المشروبات فقط وهو مع ذلك لا يصلي إلا من قيام. ولم يغب عن حواسه وكان ذكره في هذه المدة يقرأ الصمدية مرة ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بالصيغة السنوسية كذلك ثم الأسم العشرين من الأسماء الإدريسية وهو يا رحيم كل صريخ ومكروب وغياثه ومعاذه هكذا كان دأبه ليلا ونهارا حتى توفى يوم الثلاثاء قبيل الزوال غرة شهر صفر من السنة وجهز في صبحة يوم الأربعاء وصلي عليه بالأزهر بمشهد حافل جدا ودفن عند اسلافه بتربة الصحراء بجوار الشمس البابلي والخطيب

ص: 465

الشربيني ومات وله من العمر سبع وسبعون سنة.

ومات الإمام العلامة الفقيه المعمر الشيخ أحمد بن محمد الحماقي الحنفي كان أبوه من كبار علماء الشافعية فتحنف هذا بأذن الإمام الشافعي والشيخ أحمد البنوفرى والشيخ سليمان المنصورى وغيرهم وتصدر رضي الله عنه لرؤيا رآها وكان يخبر بها من لفظه وتلقى عن أئمة عصره كالشيخ أحمد الدقدوسي والشيخ علي العقدي ومحمد عبد العزيز الزيادى والشيخ أحمد البنوفرى والشيخ سليمان المنصورى وغيرهم وتصدر للاقراء والتدريس بالجامع الأزهر مدة سنين ثم تولى مشيخة افتاء الحنفية بعد موت الشيخ حسن المقدسي. وكان إنسانا حسنا دمث الاخلاق حسن العشرة صافي الطوية عارفا بفروع المذهب لين الجانب لا يتحاشى الجلوس في الأسواق والقهاوى وكان اخوانه من أهل العلم ينقمون عليه في ذلك فلا يبالي باعتراضهم ولم يزل حتى توفي في سحر ليلة الجمعة خامس عشرى صفر من السنة رحمه الله.

ومات الإمام الفقيه العلامة المحدث الفرضي الأصولي الورع الزاهد الصالح الشيخ أحمد بن محمد بن محمد بن شاهين الراشدى الشافعي الأزهري ولد بالراشدية قرية بالغربية سنة 1118 وبها نشأ وحفظ القرآن وجوده وقدم الأزهر فتفقه على الشيخ مصطفى العزيزى والشيخ مصطفى العشماوى وأخذ الحساب والفرائض عن الشيخ محمد الغمرى وسمع الكتب الستة على الشيخ عيد النمرسي بطرفيها وبعضها على الشيخ عبد الوهاب الطندتاوى وسيدى محمد الصغير وله شيوخ كثيرون. ورافق الشيخ الوالد وعاشره مدة طويلة وتلقى عنه وهو أحد أصحابه من الطبقة الأولى ولم يزل محافظا على وده وتردده ومؤانسته ويتذكر الازمان السالفة والأيام الماضية وله شيوخ كثيرون. وكان من جملة محفوظاته البهجة الوردية وقد انفرد في عصره بذلك واعتنى بالكتب الستة كتابة ومقابلة وتصحيحا وكان حسن التلاوة للقرآن حلو الأداء مع معرفته

ص: 466

بأصول الموسيقي ولذلك ناطت به رغبة الأمراء فصلى إماما بالأمير محمد بك ابن إسمعيل بك مع كمال العفة والوقار والانجماع عن الناس حتى أن كثير منهم يود أن يسمع منه حزبا من القرآن فلا يمكنه ذلك ثم اقلع عن ذلك واقبل على إفادة الناس فقرأ المنهج مرارا وابن حجر على المنهاج مرارا وكان يتقنه ويحل مشكلاته بكمال التؤدة والسكينة فاستمر مدة يقرأ دروسه بمدرسة السنانية قرب الأزهر ثم انتقل إلى زاوية قرب المشهد الحسيني وكان تقرير مثل سلاسل الذهب في حسن السبك وقد انتفع به كثير من الأعلام ولما بنى المرحوم محمد بك أبو الذهب المدرسة تجاه الجامع الأزهر في هذه السنة راوده أن يكون خطيبا بها فامتنع فالح عليه وأرسل له صرة فيها دنانير لها صورة فأبى أن يقبل ذلك ورده فالح عليه فلما أكثر عليه خطب بها أول جمعة وألبسه فروة سمور وأعطاه صرة فيها دنانير فقبلها كرها ورجع إلى منزله محموما يقال فيما بلغني أنه طلب من الله أن لا يخطب بعد ذلك فانقطع في منزله مريضا إلى أن توفي ليلة الثلاثاء ثاني شوال من السنة وجهز ثاني يوم وصلى عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن بالقرافة الصغرى تجاه قبة أبي جعفر الطمحاوى ولم يخلف بعده في جمع الفضائل مثله. وكان صفته نحيف البدن منور الوجه والشيبة ناتىء الجبهة ولا يلبس زى الفقهاء ولا العمامة الكبيرة بل يلبس قاووقا لطيفا فتلي ويركب بغلة وعليها سلخ شاة أزرق. وأخذ كتبه الأمير محمد بك ووقفها في كتبخانته التي جعلها بمدرسته وكان لها جرم وكلها صحيحة مخدومة وسرق غالبها.

ومات الشيخ الصالح سعد بن محمد بن عبد الله الشنواني حصل في مباديه شيئا كثيرا من العلوم ومال إلى فن الأدب فمهر فيه وتنزل قاضيا في محكمة باب الشعرية بمصر وكان إنسانا حسنا بينه وبين الفضلاء مخاطبات ومحاورات وشعره حسن مقبول وله قصائد ومدائح في الأولياء وغيرهم

ص: 467

أحسن فيها ولم أعثر على شيء منها وجدد له شيخنا السيد مرتضى نسبة إلى الشيخ شهاب الدين العراقي دفين شنوان. توفي يوم السبت خامس جمادى الثانية من السنة وقد جاوز السبعين رحمه الله.

ومات العلامة الفقيه الصالح الدين الشيخ علي بن حسن المالكي الأزهري قرأ على الشيخ على العدوى وبه تخرج وحضر غيره من الأشياخ ومهر في الفقه والمعقول وألقى دروسا بالأزهر ونفع الطلبة وكان ملازما على قراءة الكتب النافعة للمبتدئين مثل أبي الحسن وابن تركي والعشماوية في الفقه وفي النحو الشيخ خالد والأزهرية والشذور وحلقة درسه عظيمة جدا وكان لسانه أبدا متحركا بذكرى الله. توفي ليلة الخميس منتصف ربيع الأول من السنة ودفن بالمجاورين.

ومات الشيخ الإمام المحدث البارع الزاهد الصوفي محمد بن أحمد ابن سالم أبو عبد الله السفاريتي النابلسي الحنبلي ولد كما وجد بخطه سنة 1114 تقريبا بسفارين وقرأ القرآن في سنة أحدى وثلاثين في نابلس واشتغل بالعلم قليلا وارتحل إلى دمشق سنة ثلاث وثلاثين ومكث بها قدر خمس سنوات فقرأ بها على الشيخ عبد القادر التغلبي دليل الطالب للشيخ مرعي الحنبلي من أوله إلى آخره قراءة تحقيق والاقناع للشيخ موسى الحجازي وحضره في الجامع الصغير للسيوطي بين العشائين وغيره مما كان يقرأ عليه في سائر أنواع العلوم وذاكره في عدة مباحث من شرحه على الدليل فمنها ما رجع عنها ومنها ما لم يرجع لوجود الأصول التي نقل منها وكان يكرمه ويقدمه على غيره وأجازه بما في ضمن ثبته الذي خرجه له الشيخ محمد بن عبد الرحمن الغزى في سنة خمس وثلاثين وعلى الشيخ عبد الغني النابلسي الأربعين النووية وثلاثيات البخارى والإمام أحمد وحضر دروسه في تفسير القاضي وتفسيره الذي صنفه في علم التصوف وأجازه عموما بسائر ما يجوز له وبمصنفاته كلها.

ص: 468

وكتب له اجازة مطولة وذكر فيها مصنفاته وعلى الشيخ عبد الرحمن المجلد ثلاثيات البخارى وحضر دروسه العامة وأجازه وعلى الشيخ عبد السلام ابن محمد الكاملي بعض كتب الحديث وشيئا من رسائل اخوان الصفا وعلى ملا الياس الكوراتي كتب المعقول وعلى الشيخ إسمعيل بن محمد العجلوني الصحيح بطرفيه مع مراجعة شروحه الموجودة في كل رجب وشعبان ورمضان من كل سنة مدة أقامته بدمشق وثلاثيات البخارى وبعض ثلاثيات أحمد وشيئا من الجامع الصغير شرحه للمناوى والعلقمي وشيئا من الجامع الكبير وبعضا من كتاب الاحياء مع مراجعة تخريج أحاديثه للزين العراقي والاندلسية في العروض مع مطالعة بعض شروحها وبعضا من شرح شذور الذهب وشرح رسالة الوضع مع حاشيته التي ألفها وحاشية ملا الياس وأجازه بكل ذلك وبما يجوز له روايته وعلى الشيخ أحمد بن علي المنيني شرح جمع الجوامع للمحلى وشرح الكافية لملا جامي وشرح القطر للفاكهي وحضر دروسه للصحيح وشرحه على منظومة الخصائص الصغرى للسيوطي وقد أجازه بكل ذلك أجازة مطولة كتبها بخطه وعلى الشيخ محمد بن عبد الرحمن الغزى بعضا من شرح ألفية العراقي لزكريا وأول سنن أبي داود وعلى قريبه الشيخ أحمد الغزى غالب الصحيح بالجامع الاموى بحضرة جملة من كبار شيوخ المذاهب الأربعة وعلى الشيخ مصطفى بن سوار أول صحيح مسلم وعلى حامد أفندي مفتي الشام المسلسل بالأولية وثلاثيات البخارى وبعض ثلاثيات أحمد وحج سنة ثمان وأربعين فسمع بالمدينة على الشيخ محمد حياة المسلسل بالأولية وأوائل الكتب الستة وتفقه على شيخ المذهب مصطفى بن عبد الحق اللبدى وطه بن أحمد اللبدى ومصطفى بن يوسف الكرمي وعبد الرحيم الكرمي والشيخ المعمر السيد هاشم الحنبلي والشيخ محمد السلقيني وغيرهم ومن شيوخه الشيخ

ص: 469

محمد الخليلي سمع عليه اشياء والشيخ عبد الله البصروى سمع عليه ثلاثيات أحمد مع المقابلة بالاصل المصحح والشيخ محمد الدقاق أدركه بالمدينة وقرأ عليه أشياء واجتمع بالسيد مصطفى البكرى فلازمه وقرأ عليه مصنفاته وأجازه بما له وكتب له بذلك وله شيوخ اخر غير من ذكرت وله مؤلفات منها شرح عمدة الاحكام للحافظ عبد الغني في مجلدين وشرح ثلاثيات أحمد في مجلد ضخم وشرح نونية الصرصرى الحنبلي سماه معارج الأنوار في سيرة النبي المختار وبحر الوفا في سيرة النبي المصطفى وغذاء الالباب في شرح منظومة الآداب والبحور الزاخرة في علوم الآخرة وشرح الدرة المضية في اعتقاد الفرقة الاثرية ولوائح الأنوار السنية في شرح منظومة أبي بكر بن أبي داود الحائية وكان المترجم شيخا ذا شيبة منورة مهيبا جميل الشكل ناصرا للسنة قامعا للبدعة قوالا بالحق مقبلا على شأنه مداوما على قيام الليل في المسجد ملازما على نشر علوم الحديث محبا في أهله ولا زال يملي ويفيد ويجيز من سنة ثمان وأربعين إلى أن توفي يوم الإثنين ثامن شوال من هذه السنة بنابلس وجهز وصلي عليه بالجامع الكبير ودفن بالمقبرة الزاركنية وكثر الأسف عليه ولم يخلف بعده مثله رحمه الله رحمة واسعة.

ومات العمدة المبجل الفاضل الشيخ أحمد بن محمد بن عبد السلام الشرفي المغربي الأصل المصرى المولد وكان والده شيخا على رواق المغاربة بالجامع الأزهر ومن شيوخ الشيخ أحمد الدمنهوري وولده هذا كان له معرفة بعلم الميقات ومشاركة حسنة وفيه صداقة ود وحسن عشرة مع الاخوان ومكارم اخلاق ويدعو الناس والعلماء في المولد النبوي إلى بيته بالازبكية ويقدم لهم الموائد والحلوى وشراب السكر وكان لديه فوائد ومآثر حسنة توفي سابع ربيع الأول من السنة وقد جاوز السبعين رحمه الله.

ص: 470

ومات العمدة الفاضل الشيخ زين الدين قاسم العبادي الحنفي تفقه على الشيخ سليمان المنصورى والشيخ أحمد بن عمر الأسقاطي إلى أن صار يقرأ درسا في المذهب ولم يزل ملازما شأنه حتى توفي ثالث عشر الحجة من السنة وقد ناهز الثمانين رحمه الله.

ومات العمدة المعمر الشيخ عبد الله الموقت بجامع قوصون وكان يعرف بالطويل وكان إنسانا صالحا ناسكا ورعا توفي فجأة في الحمام ثاني عشر الحجة عن سبع وثمانين سنة.

ومات العمدة الفاضل الأديب الماهر الشيخ علي بن أحمد بن عبد الرحمن ابن محمد بن عامر العطشي الفيومي الشافعي وهو أخو الشيخ أحمد العطشي وكان له مذاكرة حسنة وحضر على الشيخ الحفني وغيره وكان نعم الرجل توفي في جمادى الآخرة.

ومات السيد الشريف المعمر محمد بن حسن بن محمد الحسني الوفائي باش جاويش السادة الأشراف أخذ عن الشيخ المعمر يوسف الطولوني وكان يحكي عنه حكايات مستحسنة وغرائب وكان متقيدا بالسيد محمد أبي هادى الوفائي في أيام نقابته على الأشراف ولديه فضيلة وفوائد توفي في هذه السنة عن نحو ثمانين سنة.

ومات الشيخ الصالح سليمان بن داود بن سليمان بن أحمد الخربتاوي وكان من أهل المروءة والدين توفي ثامن عشرى المحرم من السنة في عشر الثمانين.

ومات الجناب المكرم الأمير أحمد أغا البارودي وهو من مماليك إبراهيم كتخدا القازدغلي وتزوج بأبنته التي من بنت البارودي وسكن معها في بيتهم المشهور خارج باب سعادة والخرق وولد له منها أولاد ذكور واناث ومنهم صاحبنا إبراهيم جلبي وعلي ومصطفى وهو أستاذ محمد أغا الآتي ذكره ذكره. تقلد المترجم في أيام علي بك مناصب جليلة مثل

ص: 471

أغاوية المتفرقة وكتخدا الجاويشية وكان إنسانا حسنا صافي الباطن لا يميل طبعه لسوى عمل الخير ويحب أهل العلم وممارستهم وكان له ميل عظيم واعتقاد حسن في المرحوم الشيخ الوالد ويزوره في كل جمعة مع غاية الأدب والامتثال ومما شاهدته من كمال أدبه وشدة اعتقاده وحبه أنه صادفه مرة بالطريق وهو إذ ذاك كتخدا الجاويشية وهو راكب في أبهته وأتباعه والشيخ راكب على بغلته فعندما رآه ترجل ونزل عن جواده وقبل يده فأنكر عليه فعله واستعظمه واستحى منه والتمس منه أن يقيد به بعض الطلبة ليقرئه شيئا من الفقه والدين فقيد به الشيخ عبد الرحمن العريشي فكان يذهب إليه ويطالع له القدورى وغيره وكان يكرمه ويواسيه ولم يزل على حسن حالته حتى توفي في سابع جمادى الأولى من السنة وكان له في منزله خلوة ينفرد فيها بنفسه ويخلع ثياب الأبهة ويلبس كساء صوف أحمر على بدنه ويأخذ سبحة كبيرة يذكر ربه عليها.

ومات الأمير الصالح خليل أغا مملوك الأمير عثمان بك الكبير تابع ذي الفقار وهو أستاذ الأمير علي خليل توفي ببلد له بالفيوم وجيء به ميتا في عشية نهار السبت حادى عشرين جمادى الثانية من السنة فغسل وكفن ودفن بالقرافة وكان إنسانا دينا خيرا محبا للعلماء والصلحاء.

ومات الأمير إسمعيل أفندي تابع المرحوم الشريف محمد أغا كاتب البيورلدى وكان إنسانا خيرا صالحا توفي يوم الأحد ثاني عشرين جمادى الثانية.

ومات السيد المعمر الشريف عبد اللطيف أفندي نقيب الأشراف بالقدس وابن نقبائها عن تسعين سنة تقريبا وولى بعده أكبر أولاده السيد عبد الله أفندي رحمه الله.

ومات الأمير المبجل محمد أفندي جاوجان ميسو وكان حافظ لكتاب الله موفقا وفيه فضيلة وفصاحة ويحب العلماء والاشراف ويحسن إليهم.

ص: 472