المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌عصبية طه حسين على الإسلام - تحت راية القرآن

[مصطفى صادق الرافعي]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌المؤلف في سطور

- ‌تنبيه

- ‌بين يدي الكتاب

- ‌المذهبان القديم والجديد

- ‌الميراث العربي

- ‌الجملة القرآنية

- ‌ما وراء الأكمة

- ‌الرأي العام في العربية الفصحى

- ‌تمصير اللغة

- ‌جلدة هرَّة

- ‌مقالات الأدب العربي في الجامعة المصرية

- ‌للتاريخ

- ‌مقال الجريدة الأولالأدب العربي في الجامعة المصرية

- ‌مقال الجريدة الثانيالأدب العربي في الجامعة

- ‌الدكتور طه حسين وما يقرِّره

- ‌التاريخ لا يكون بالافتراض ولا بالتحكم

- ‌أسلوب طه حسين

- ‌القنبلة الأولى

- ‌رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحب

- ‌إلى الجامعة المصرية

- ‌وإلى الجامعة أيضاً

- ‌وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا

- ‌فلسفةٌ كمضغ الماء

- ‌قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى (عِلْمٍ) بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ

- ‌أستاذ الآداب والقرآنإلى هيئة كبار العلماء ومجلس إدارة الجامعة

- ‌للتاريخ

- ‌كتاب الشعر الجاهليرأي لجنة العلماء فيه

- ‌فلما أدركه الغرق

- ‌موقف حرج لوزارة المعارف

- ‌طه حسين ابن الجامعة البكر

- ‌عصبية طه حسين على الإسلام

- ‌قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ

- ‌وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا

- ‌وشعر طه هو طه الشعر

- ‌خنفساء ذات لون أبيض

- ‌أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ

- ‌قال دمنة

- ‌حرية التفكير أم حرية التكفير. . .مقالة مرفوعة إلى البرلمان المصري

- ‌ذو الأقفال

- ‌فيلسوفة النمل

- ‌مسلم لفظاً لا معنى

- ‌رأيي في الحضارة الغربية

- ‌المجدد الجريء

- ‌الجامعة في مجلس النواب

- ‌جلسة يوم الاثنين13 سبتمبر سنة 1926خطبة الأستاذ عبد الخالقِ عطية

- ‌مسألة طه حسين

- ‌كلمة جريدة "الأهرام" الغراءالوزارة تعرض مسألة الثقةرشدي باشا وعدلي باشا في بيت الأمة ليلاًتفاصيل المسألة - تسويتها

- ‌جلسة يوم الثلاثاء

الفصل: ‌عصبية طه حسين على الإسلام

‌عصبية طه حسين على الإسلام

قيلت لي عبارة لم أصدقها ولا أزال في ريب منها، وأرجو أن تكون

حديثاً مفترى وكذباً صُراحاً، وأن يكون الشيخ طه بريئاً منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، إن الدم ليس غريباً من الذئب.

وليس الذئب إلا طبيباً دموياً، ولكن ابن يعقوب له دم غير دماء الناس، وقد كان لا بد لهذا الدم الزكي أن ينشأ به ذلك الفكر النبوي المفهَم فيستنقذ مصرَ وأهلها من المجاعة والقحط.

فلو أن الذئب ولغَ فيه لقتل به أمة كاملة، وبهذا كانت براءة الوحش من ذلك الدم كأنها فضيلة نقلته من طبع الذئاب إلى طباع أهل النْسُك من عباد الله المقرَّبين وجعلت تهمته مثلاً مضروباً في الظلم دائراً في الأفواه باقياً في ميراث بني آدم من الحكمة والبلاغة، وعاد الذئب - وإنه لذئب بعد - كأنما استُشهد وكأنما وقعت عليه التهمة فقتله في سبيل الله فأصبح قديساً اخضرت أظفاره من ريح الجنة فأنبتت ورق الريحان وانقلب ما كان سَفكه من الدم فنبت منه الورد، وبدا الذئب القديس في التاريخ كأنه طاقة زهر فيها الأخضر والأحمر، وفيها أوراق الياسمين البيضاء من أنيابه وأضراسه. . .

وطه حسين إن لم يكن ذئباً، ولكنا نرجو أن يرحمه الله ببراءته من تهمة

كتهمة الذئب تعدو على النبوة وتمزق بأظفارها أديم الإسلام، وقد علمنا إن كان لبريئاً منها، ولكن يقال والله أعلم إن المبشرين وجدوا في كتاب "الشعر

الجاهلي " ما كانوا يحومون حوله فلا يصلون إليه (1) وما قضوا في البحث عنه ستين سنة تحت شمس المشرق يلتمسون بعضه في كلام عالم من العلماء

المسلمين أو رجل ذي منصب فيهم أو أديب له شهرة ومكانة، فأصابوه اليوم في

(1) بعد نشر هذه المقالة بشهرين جاء في مجلة "الفتح " الإسلامية التي يحررها بعض علماء الأزهر الشريف ما يأتي:

ليقل لنا طه حسين كم يتقاضى من رجال التبشير. أو بعبارة أدق من رجال الدول الغربية من أجر على دعايته تلك لهم وعمله لصالحهم وجهاده من أجلهم هذا الجهاد الطويل العنيف الذي لا يرهب فيه أمة بأسرها. . .

إن ذلك الأجر لا بد أن يكون عظيماً جدًّا كما يتحدث به الناس في أنديتهم الخ الخ.

ص: 156

دروس أكبر جامعة في أكبر مملكة إسلامية، وأصابوه من أستاذ كبير مصرّ عليه معاند فيه تؤيده الجامعة وتحميه وتدفع من ورائه وتنصره، وإن خَذَلت فيه الأمة كلها، وإن سفهت كل أهل العلم وأهل الأدب، وإن أهانت دين الأمة والحكومة تأييداً - زعموا - لحرية الفكر، لا يبالون أكان هو الفكر الناضج الصحيح أم الفكر العاجز المستهلك الذي يشبه أفكار الصبيان في إقامة ما يبنونه على شاطئ البحر من قصورهم الشاهقة في أملاكهم الواسعة، أو أفكار البنات تبني ما يلدن من الدُّمى والعرائس، أو أفكار طه حسين فيما زعم في القرآن والنبوة.

لقد ضاعت الثقة بهذه الجامعة فكأنها لا تفهم أن كلام طه ليس برهاناً

واحداً عند المبشرين.

ولكنه برهان عليه براهين، فهو في نفسه دليل ونسبته إلى

الجامعة دليل، ومجيئه من بلاد الأزهر تقوية للدليلين معاً، وإصرار الجامعة عليه خاتمة للأدلة؛ ألا ليت شعري ما تملك الجامعة أن تصنع إذا ترجم المبشرون خلاصة هذا الكتاب وشرحوه وبسطوه ونقلوه إلى الإنجليزية والفرنسية والسنسكريتية والصينية واليابانية وغيرها، وطبعوا منه الملايين - ولهم المطابع الكبيرة، ولديهم الأموال الطائلة المحبوسة على محاربة الإسلام، وفي أيديهم الدعوة العريضة - وأذاعوا في أقطار الأرض أن الجامعة المصرية الإسلامية لحكومة مصر قررت في دروسها أن القرآن وضع إنساني فيه الخرافة وفيه الكذب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رجل سياسي فلا نبوة ولا رسالة (1) ، وأن أئمة المسلمين يكذبون في تأويل تاريخهم ويؤيدون هذا التاريخ بقول الزور والانتحال.

ويستشهدون لقرآنهم وحديث نبيهم - وهما أصلا الدين كله - بشعر لفقوه تلفيقاً ونسبوه إلى أشخاص خلقوهم خلقاً.

وأن هذا الكذب مرتفع ممتد يرتقى في عصورهم وأجيالهم إلى زمن الخلفاء الراشدين، وأن ورود الأحاديث الصحيحة

عن النبي صلى الله عليه وسلم وما يؤثر من كلام أصحابه عن شيء اسمه امرؤ القيس وغير امرئ القيس لا يوثق به، إذ لم يكن من هذا شيء؛ فالأحاديث الصحيحة كذب، وأسانيدها التي حققها العلماء وحفظوها وتناقلوها وأجاز بها بعضهم بعضاً زمناً بعد زمن إنما هو تواضع على الكذب من هذه الأمة.

وحسبكم بأمة يمضي عليها زهاء أربعة عشر قرناً ويكون عديدها ثلاثمائة

مليون وتنبث في أقطار الأرض كلها ثم لا ينبغ فيها رجل يعرف الصحيح ويفطن

(1) أسرعت الجامعة بعد هذه المقالة فجمعت نسخ كتاب طه ومنعت بيعه لكنها اشترتها منه شراء.

فجعلت لعلمه ثمناً ثم لما ظهر لها أنه جهل دفعت فيه ثمناً آخر. . .

ص: 157

له ويستعلن به للناس ويقرره ويعلمه إلا رجلا واحدا هو العلامة حجة

المبشرين.. الدكتور طه حسين!..

" ما عسي أن تفعل الجامعة المصرية في هذا البلاء الداهم وهذه الفتنة

الآكلة، وكيف لها بسد الثْلمَة إدْا انفجرت - وانبثق منها هذا الشر العظيم، وهي إلى اليوم كأنها مأخوذة لا تعي، ومسحورة لا تفهم، وعميد الآداب فيها رجل أعجمي لا يزال من العربية في المنزلة التي يقال له فيها: إذا نقلت النقطة من تحت الباء إلى فوق صارت نوناً. . . فما رأينا هذه الجامعة تبرأت من هذا الكتاب. - ولا انتفَت من نسبته إليها، ولا تزال تحسبه كتاباً في الشعر - الجاهلي. . .

وهو كتاب في التنكيل بالإسلام.. وهو في موضوعه شبه بالسلسلة صفحاته

حلقاتهْ، " فلا تستهيننَّ بحلقة لتقول إنما هي واحدة وإنما هي ضئيلة ولا خطر

لها، فإنه ليس الشأن في حلقة حلقة ولا في صفحة صفحة، بل في اتصال بعض ذلك ببعضه واجتماع جملته من أجزائه وتفرق أجزائه على جملته.

وعلم الله ما كتبنا هذه المقالات إلا لنقنع الجامعة بجهل شيخها وفساد رأيه ومرض نيته، ثم لنرد عليه " هذا الغِل الذي في قلبه للمسلمين، وهذه السخرية التي في لسانه وقلمه لدينهم وأئمتهم وعلمائهم، وهو على ذلك ضعيف الفهم سخيف التقليد.

وهو في غاية تحصيله رجل حافظ كالأوراق المجموعة من كتاب إلى كتاب.

وفي غاية عمله رجل جريء يقع في الأشخاص وفي المعاني، ويستوحِل في كل

وَحَل، وقد لبسه عقله الناقص الأهوج فلا يتثبت ولا يتحرج ولا تسوؤة السيئة من نفسه ولا تسره الحسنة من أحد؛ وما زلنا نذكر له كلمة غريبة لو خلق الله منها شيئاً بعد موت طه لجاء منهما طه نفسُهُ مرة أخرى.

فقد لقيناه في جريدة "السياسة" عند رئيس تحريرها وقلنا له فيما قلنا: إنك لست بالعقل العام - ولا الحقيقة الكلية فيسوغ لك أن تظن أن ما لا تفهمه أنت لا يفهمه أحد، وإن الناس خُلقوا على درجات قد يبعد أعلاها من أسفلها حتى ليكون العالم من عالم أذكى منه بموضع كموضع الجاهل من العالم، وروينا. له قصة إمام عصره بهاء الدين العاملي حين اجتمع له العلماء في مجلس وفيهم علامة الشام الإمام البوريني، فبدأ البهاء يتكلم في التفسير بكلام صريح واضح فهمه كل من في المجلس من عالم وغير عالم، ثم دقق حتى لم يفهمهْ إلا العلماء، ثم علا حتى لم يفهمه إلا البوريني وحده، ثم غمض غموض السر في حقائق المعقولات حتى لم يفهمه ولا البوريني.

فما كان من جواب الأستاذ الأديب المهذب طه

حسين إلا هذه الجملة بحروفها "دا مغفل لازم ". . .

ص: 158

أما والله إن المغفل هو الذي يحسب أن سنن الكون تنشئ له أمة

جديدة بكتاب ككتاب الشعر الجاهلي، وتفسد له أمة قديمة بمجموعة

كمجموعة قصص السياسة، ثم لا يعلم أن الفاسق الفاجر يكون من الهوان

على الله بحيث لا يجعل الله أمره في هذه الأمة المسلمة يزيد شيئاً على حانة

في شارع في مدينة.

كلما نظرنا في كتاب "الشعر الجاهلي" لم نزدد إلا يقيناً. بأن هذا الأستاذ

الذي يسبح بمذهب ديكارت هو أشد الناس خروجاً في كتابه على هذا

المذْهب، فإنه لا يكتب ولا يفكر إلا لغرض واحد - يبتغي له وسائله وأسبابه بكل ما استطاع، وهو توهين أمر الإسلام وصدعه من مفاصله وتفكيك العُقَد

المحكمة التي يتماسك بها في تاريخه وناهيك به دائباً يجمع من هنا وهناك من

أثينا إلى مكة. . .!

فالأستاذ لا يبحث كما يدعي وكما هو الأصل في مذهب ديكارت، وإنما

يقرر تقريراً، وشتان بين بحث يراد منه ما ينتجه من غير تعيين لنتيجة محتومة.

وبين تقرير النتيجة التي يساق لها البحث وتجمع لها الأدلة، فإن الأول يصلع

على التجرد من الأسباب التي تؤثر في الرأي كالعاطفة والعصبية وغيرهما، وأما الثاني فزَعمُ التجرد فيه حماقة وسخرية؛ لأن النتيجة المعينة لا تجاذب إلا

مقدماتها. وهذه المقدمات - لا تستدعي إلا أسبابها، وهذه الأسباب لا تقوم إلا بأحوال مقررة منها الرأيُ والعصبية والميلُ والهوى ونحوها؛ وذلك ما حمل طه في اقتحام هذه - الخطة وركوب - هذا النهج، على ما فعل من تحريف النصوص وإرادتها لما ليس فيها؛ وعلى ذلك الخبط من سوء الفهم وفساد الاستنتاج، ومن أجل ذلك تناول الدين بالتكذيب والرد، وتعصَّبَ تلك العصبية الحمقاء في تأويله وسياق أدلته، وجعل الشبهة حجة والحجةَ شبهة. ليستوي له أن يخالف الإجماع، فإذا خالفه نقضه، فإذا نقضه وظن أنه قد تهيأ له نسق تاريخي ولو مزوراً مكذوباً عاد بالهدم على التاريخ وعلى الأسباب الطبيعية الواشجة فيه وكسر كل قياس كان العلماء يقيسون عليه، فيتم له. بذلك ما يسميه هو وأمثاله

جديداً وهو من السخف - بحيث ترى.

ولسنا نتحرج أن ننبه هنا إلى أصل هذا الجديد الذي يزعمونه ويتشدَّقون

به، فكل فاسق، وكل ملحد، وكل مقلد أحدَ هذين، وكل متهوس بإحدى هذه العلل الثلاث - هو مجد إذاً جرى في انتحال الأدب العربي وتعاطيه مجرى

ص: 159

التكذيب والرد والنقيصة والزراية عليه وعلى أهله والخبط ما بين أصوله

وفروعه، على أن لا يستخرج من بحثه إلا ما يخالف إجماعاً، أو يعيب فضيلة، أو يغض من دين، أو ينقض أصلاً عربياً جزلاً بسخافة إفرنجية ركيكة، أو يحقر معنى من هذه المعاني التي يعظمها الجامدون أنصار القديم من القرآن فنازلا، وبالجملة فالتجديد أن تكون لصاً من لصوص الكتب الأوروبية، ثم لا تكون ذا دين؛ أو لا يكون فيك من الدين إلا اسمك الذي ضُرِب عليك فلا حيلة لك فيه ولا تستطيع أن تستدرج منه إلا في أولادك المساكين كما فعل أبو مرغريت الشيخ (1) . . . ثم لا حاجة للجديد بإلحادك وزيغك إلا إذا طبعتَ بأحدهما أو كليهما مسائل التاريخ الإسلامي والأدب العربي، وأفسدت الخالص بالممزوج.

وحقرت الناس والمعاني، وكنت حراً طليقاً من قيود السماء والأرض إذا

صدرت أو وردت، فتقول على قدر عقلك، ثم تعقل على قدر زيغك، ثم تزيغ قدر ما أنت قادر!

أما إن بحثت وقايست وتعقلت وكنت أذكى الناس وأبلغ الناس، ثم كنت

لا تستخرج من التاريخ والأدب إلا ما يزينهما ويزيدهما ويكشف عن أسرارهما وحقائمهما الصحيحة، ولم تكن لص كتب أوروبية ومذاهب أوروبية فالويل لك فما أنت إلا قديم وما أنت إلا نفس حجرية ولو المسلمون

تقديس الكعبة وحجرها، وإن العصر لفي غنى عنك وعن كتبك وآرائك لأن

خمسة أو ستة - أو خمسين أو ستين - هم العصر وهم الأمة وهم من التاريخ

المترامي إلى المستقبل كالقطار: فيه ما فيه من عربات تحمل من العروض على

أجناسها وأنواعها ومن الناس على درجاتهم وطبقاتهم، ولكن الخمسة أو الستة هم وحدهم عربة الآلات والبخار وفحم نيوكاسل. . .

بل أيها المجددون، غير أنه ليس على الأرض معصوم من الخطأ، وغير

أننا نعرف أن غلطة العالم تدل على علمه كما يدل صوابه.

وأن شبهة الجاهل تدل على جهله كما يدل خطأُه، إذ كان الأول متحرزاً يتوقى جهده، وكان الثاني متحمقاً يسترسل جهده، فعلى قدر قوة الشبهة وضعفها، وبحسب نوع الغلطة وشكلها، يُعرف نوع الفكر وتتبين حالة العقل، وبهذين تعرف صفة النفس، وبالنفس لا بغيرها يقوم التاريخ الإنساني.

(1) وهو أبو "البرت" أيضاً؛ فكأنه مادة من مواد التحول الأجنبي في هذه الأمة وإخراج أبنائهم على غير دينهم ولغير وطنهم لا أكثر الله من أمثاله، ولا جعل في مرآته غير خياله.

ص: 160

فتعالوا نسألكم لو أن عيسى عليه السلام كان مَعه مائة ألف من أمثال

الخواجة المجدد سلامة موسى أيكون معه إلا مائة ألف مكابر سخيف

يفسدون عليه ولا يُغنُون في أمره ما يغني رجل واحد من أولئك الصيادين الذين كانت في أنفسهم الصافية روحُ الماء العذب!

ولو أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان معه خمسمائة ألف من أمثال الشيخ المجدد طه حسين، أفيردون عليه ما رد عربي واحد قلبُه روحُ سيفه؟

أرأيتم الآن أيها الفضلاء جداً.. أن الأمم في غنى عنكم، وأن حاجتها

كل الحاجة إنما هي إيمانها وقديمها، وأنكم لا تنزلون منها ومن تاريخها

وأسباب تاريخها إلا منزلة الثرثرة في المعنى الصريح من المعنى الصريح، وأن

مَثلكم معها كمثل حادثة تاريخية عظيمة أخذت ما أخذت من الناس وتركت ما تركت فيهم حتى مضت لسبيلها وصارت حديثاً في الأحاديث، جاء رجل

متسكع متلكع فاحتسى ألف كأس من الخمر وأحرق ألف دخينة من التبغ

وأضرم النار وروح النار على دماغه ليخرج من دماغه رواية تمثيلية في تلك

الحادثة تزخرفها بالكذب وتزينها بالفلسفة وتزيدها بالتحليل والمنطق وتجملها

بالخيال والشعر، ثم لا تكون مع هذا كله في جنب الأصل إلا مَلهاة وهزءا

وسخرية ليس فيها إلا حسام لا يقطع، وبطل لا يمنع، ونار لا تحرق وبحر لا

يغرق؟

أتظنون أنْ التجديد لا يقوم إلا بالهدم، وهل يبلغ ما أنتم فيه من الحماقة

وضعف البصر بعواقب الأمور وأسرار الأشياء أن تقولوا إن البناء الجديد لا يقوم إلا بعد هدم القديم وإزاحة أنقاضه وإقرار الجديد في موضعه؛ أهو بناء من الطوب والحجارة والأخشاب ترفعون هذا وتضعون هذا، أم هو بناء بالكلام على أرض من الورق، فكل ما جاء ليبنى بَنَى وكل ما جاء ليهدم هدم؛ أفلا تعلمون أن القديم لا يهدم ألبتة لأنه هو الذي يُباع الجديد ويشقه؛ فإن هُدم في أمة من الأمم زال الجديد بزواله ولم يبق من الأمة إلا بقايا لا تستمسك على حادثة ولا تقر على صدمة.

وأن سنة الكون في الجديد أنه ترميم في بعض نواحي القديم وتهذيب في بعضها وزُخرُف في بعضها الآخر، وإلا لوجب أن

ص: 161

يتجدد التركيب الإنساني والتركيب العقلي، وهو ما لم يقع ولن يقع منه شيء.

فالشأن في الجديد أن تتصل المادة الجديدة بالقديم فإذا هو هو، ولكن

ببعض الزيادة أو بعض الزينة أو بعض القوة، وكل ذلك لإحداث بعض المنفعة، فالرجل المجدد لا يوجد نفسه أيها الفضلاء جديداً، وما هو من الهوان على الكون ونواميسه وعلله بحيث يقول ساكون فيكون؛ ولو أن كل أسود في مطعم أو حانة كأسود بني عبس لفسدت الأرض ولم يبق للشجاعة تاريخ يُحفظ، ولو أن كل لون أحمر يقول أنا الورد لما بقي للورد معنى إلا أن يكون خجلاً في وحه الدنيا. . .

المجدد أيها الفضلاء جديداً لا تخرجه للأمة إلا أقوى عناصر القديم متى

اجتمعت فيه صحيحة متظاهرة يمد بعضها بعضاً، فإن من انتهى إلى غاية من

الغايات كان هو الحريُّ أن يستشرف لما بعدها وأن يأتي بما لا يستطيع مَن

دونه، ولكن الشرط أن يكون قد بلغ هذه الغاية، وما يبلغها إلا إذا كان مهيأ بوسائلها، ولن تأتي له هذه الوسائل على أتمها وأكملها إلا إذا شاءت الحكمة الإلهية أن تنقح شيئاً في أسأليب الحياة والنظام القديم.

فالذي يحصل من كل ما تقدم أن لا جديد إلا حيث تُباع الحكمة شيئاً ثم

تتصل نواميس الحياة النفسية بهذا الشيء فإذا هي تفعل به ما اقتضته الحكمة مما نسميه هدماً أو بناء، فأنت إذا كنت مجدداً في اللغة مثلاً وكانت فيك العناصر الكافية لاجتماع قوة من قوى الناموس العام فلا بد أن تباع شيئاً غير موجود لا يستطيعه غيرك كما تستطيعه أنت، فإذا أبدعت واستحدثت رأيت القديم نفسه هو الدليل على أنك جددتَ فكنت بشهادته مجدداً؛ وهي شهادة كما ترى لا تنالها بأنك "محرر" صحيفة أو مترجم مجلة أو ملخص من بعض آراء الفلاسفة، بل من حياة عصرك وطبيعته وقوانين وجوده، إذ تكون أنت زيادة في العصر وآية في الطبيعة وكلمة جديدة في قوانين الأمة.

(1) ذلك أصل جديد في زمننا، فهو راجع إلى العامية والإلحاد والتهور والفساد الأوروبي وما جرى هذا المجرى، ويقابله من معنى القديم، العربية والإسلام والفضائل الرقية وما اتصل بها.

أما الجديد فيما عرف من تاريخ الأدب العربي فكان أن الرواة لم يكونوا يحملون الشعر إلا للمثل والشاهد، فلا حجة لهم من كلام المحدثين ولا رواية الا من الشعر القديم وحده إلى آخر المائة الأولى، وبهذا انصرفوا عن بثار وأبي نواس وطبقتهما وتجنبوهم في الرواية.

ص: 162

كأن هذا بعيد عن موضوعنا، ولكن كيف نصنع وموضوعنا طه حسين.

وهو رجل كشبكة الصائد: كلها عيون وخروق، وبين كل خرق وخرق

عقدة. . .

رأينا عصبية طه على الإسلام تلبس ثلاثة وجوه: أولها عقيدته في القرآن

وأنه من وضع الذي جاء به لا من وحي ولا تنزيل ولا معجزة.

وثانيهما رأيه في النبي صلى الله عليه وسلم وأنه رجل سياسي فلا نبوة ولا رسالة.

وثالثها عمله في توهين أمر الأئمة من الصحابة فمَنْ بعدهم وقياسهم في

الإنسانية وأهوائها وشهواتها على قياس من نفسه وطباعه. . .

فأما القرآن فقد أفردنا له مقالاً افتضح به أستاذ الجامعة أشد فضيحة

وأخزاها، ونزيد عليه هنا أن الأستاذ يقول في صفحة 85 في الرد على

المستشرق هوار الذي زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من شعر أمية بن أبي الصلت واستعان به في نظم القرآن: "من الذي يستطيع أن ينكر أن كثيراً من القصص القرآني كان معروفاً بعضه عند اليهود وبعضه عند النصارى وبعضه عند العرب أنفسهم، وكان من اليسير أن يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم تأملوا - كما كان من اليسير أن

يعرفه غير النبي؛ ثم كان النبي وأمية متعاصرين، فلمَ يكون النبي هو الذي أخذ من أمية ولا يكون أمية هو الذي أخذ من النبي؟

وهذه العبارة ناطقة برأي قائلها، حتى كأنه يقول إن القرآن لا ينقصه إلا أن

يكتب عليه "تأليف فلان" ونعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره.

ويقول في صفحة 18 في بيان أن القرآن ليس في حاجة إلى شواهد من

الشعر على ألفاظه ومعانيها عند العرب: " نخالفهم أشد الخلاف، لأن أحداً لا ينكر عربية النبي فيما نعرف. . . ".

ص: 163

يعني إذا لم ينكر أحد عربيته لم ينكر صحة كلامه؛ ونعوذ بالله ونتوب إليه

ونستغفره.

ثم يقول في صفحة 76 عن علماء الموالي وعلماء العرب: "وأرادوا هم -

علماء العرب - أو الموالي، أو أولئك وهؤلاء، أن يدرسوا القرآن درساً لغوياً ويثبتوا صحة ألفاظه ومعانيه؛ ولأمر ما شعروا بالحاجة إلى إثبات أن القرآن كتاب عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب، فحرصوا على أن يستشهدوا على كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب يثبت أن هذه الكلمة القرآنية عربية لا سبيل إلى الشك في عربيتها" انتهى.

والرجل يكرر هذا المعنى ويطيل فيه، ولا يفهم أن الاستشهاد بالشعر لا

يراد منه إثبات عربية القرآن ولا مطابقة ألفاظه لألفاظ العرب، ولا هو من شك في العربية ولا "من أمر ما. . . "

وإنما يراد به اتخاذ القرآن سبباً في جمع مادة

اللغة وشواهدها، كما كان هو السبب في وضع العلوم العربية كلها؛ أفترى

وضع النحو كان لإثبات أن القرآن ليس فيه لحن، أم كان لإقامة الألسنة الزائغة حتى يسهل عليها الأداء والقراءة؛ ثم يراد من تقييد تلك الشواهد وجمعها وتدوينها تفسير كلمات القرآن ليفهمها من يجيئون بعد العرب كما فهمها العرب أنفسهم، وظاهر أنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالنص على معاني الكلمات عندهم، ولا ثقة بهذا النص إن لم يكن عليه دليل من شعرهم، إذ هو وحده، المحفوظ عنهم، وهو كان متن اللغة والخبر والأثر؛ ولعمري لولا صنيع العلماء في جمع

هذه الشواهد لقام ألف زنديق يضيفون إلى مطاعنهم في القرآن أن فيه خطأ في

اللغة، فانظر، أين هذه الحكمة مما يخبط فيها أستاذ الجامعة.

ويقول في صفحة 91: "إن اليونان يقدسون الإلياذة والأوديسا ويعنون

بجمعهما وترتيبهما وروايتهما وإذاعتهما عناية المسلمين بالقرآن الكريم ".

ولم نفهم شيئاً من هذا الكلام، لأنه يحتمل كل شيء، ولو فسرَ لنا فسرنا

له وأريناه مبلغ جهله وسوءِ أدبه!

وأما رأيه في النبي صلى الله عليه وسلم فمن أعجب ما عجبنا له أنه ما من عالمٍ أو كاتب مسلم يذكره صلى الله عليه وسلم إلا صلى عليه أو وضع رمز الصيغة ولو هذا الحرف "ص"

وترى كتاب المسيحية يأخذون بهذا الأدب في كتبهم العربية، لأن المسلمين

يقراونها؛ أما أستاذ الجامعة فكأنه لا يتولى النبى صلى الله عليه وسلم ولا يحس عظمته ولا أثره.

فقد ذكره في كتابه مراراً تفوت العدَّ فلم يتأدب معه ولا مرة واحدة، فلا بعقيدة

ص: 164

المسلمين أخذ، ولا بمجاملة المسيحيين اقتدى، بل طريقته هي طريقة المبشرين

بعينها، تُشعرك وقاحة الكاتب وغرورَه وانتشار عُقَدِه، مع أنهم قالوا إن هذه

الصلاة من الرجل المسلم إنما تكون دليلاً على خلوص نيته وقوة عقيدته، وأنه لا شوب فيها ولا شرك، وعلى أن بشاشة الإيمان قد خالطت قلبه، ولكن شيخ الجامعة قد تجرد من دينه منذ الصفحة الأولى، وقد والله صدق فيه الحديث.

"رَغِمَ أنفُ عبد ذُكِرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ "

فما أنف أَرغَمُ من أنف طه حسين كمداً وذلاً وخزياً ولعنة.

والأستاذ يكذب الحديث الصحيح ويتهكم به كما رأيت في بعض ما مر.

وما نظن أحداً يسلم من تكذيبه، بل هو يقول في صفحة 128:" فأنا لا أقدس أحداً من الذين يعاصرونني ولا أبرئه من الكذب والانتحال".

فإذا كان هذا من رأيه فيمن يعاصرونه ويعرفهم حق المعرفة، فيهم أستاذه

وصديقه وأبوه وأمه، فكيف به فيمن لا يعرفهم إلا من الكتب، بل هو يكاد

يصرح في صفحة 101 أن كل شخص لا يعرفه فأكبر الظن عنده أنه من

أشخاص الأساطير لم يوجد قط؛ قال: "نحن لا نعرف مَن سَعد ومن مالك ومن زيدُ مَناة، فأكبر الظن عندنا أنهم أشخاصُ أساطير لم يوجدوا قط ".

فهل تعرف يا أستاذ الجامعة أولئك الذي ألفوا كتب التاريخ؛ وإذا كنت لا

تعرفهم فليس ما يمنع أن يكونوا أشخاص أساطير، وإذن فالكتب قد ألَّفَت

نفسها. . . إذ لو قلت: إن غير أولئك ألفوها قلنا لك: وهؤلاء لا تعرفهم؛ فلا تزال تدور في محال لو أخذنا بقياسك الفاسد ورأيك السقيم!

قالوا: سعد ومالك وزيدُ مَناة وفلان وفلان، وفسروهم وأخبرونا خبرهم.

فإن قلنا إننا لا نعرفهم ولم نثبتهم عياناً فيجوز لذلك أن يكونوا رجال أساطير - صدق هذا على كل ما كان قبلنا، وسيصدق علينا وعلى تاريخنا إذا جاء من بعدنا ووِرثتنا الدنيا، فلا يكون العلم التام إلا الجهل التام، وحسبك بهذا جهلاً ممن يقول به.

ثم إنه ليس في الطبيعة الإنسانية تواطؤ على نمط واحد من

الخُلُق، فإن وُجد الكذب وُجد معه الصدق، وإن كانت الغفلة كان التحزز، وإن عُرف التلفيق عُرف النقد والتمحيص، وما قطُّ وُجدت أمة يُجمع كل أدبائها وعلمائها على الكذب.

ولقد امتازت الأمة الإسلامية دون كل الأمم بعلم الرواية وشروطه

الكثيرة، كما بسطنا الكلام عليه في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب؛

ص: 165

فإن كان عندنا الكذابون والوضاعون ومن لا ثقة بهم، فإن عندنا الناقدين

والمصححين والثقات؛ ولكن ما أنت صانع في رجل كطه حسين جَهله أوسعُ

من علمه، ولسانه أوفى من عقله، ولا يدري إلى الآن أنه متى صار التاريخ إلى الطريقة الجدلية فلا حاجة إلا اطلاع ولا فكر ولا علم، وكل عاقي هو مؤرخ، إذ حسبه من العلم أن يقول فيما لم يكن إنه كان، وفيما كان: يجوز أنه لم يكن، وعجيب أن تكون هذه هي طريقة أستاذ الأدب في الجامعة وأن يكون رجال هذه الجامعة من الغفلة بحيث يظنون هذا علماً أو تجديداً في العلم. . .

ويقول في صفحة 48 يعني النبي صلى الله عليه وسلم أول أمره مع قريش: "ولم يكن يطمع في ملك ولا تغلب ولا قَهر، أو لم يكن ذلك في دعوته ".

وهذه العبارة الأخيرة يقلد فيها دهاة السياسة في لغتهم العملية التي

يجعلون لكل جملة منها بابين، غير أن طه سدَّ في عبارته البابين والنافذة

أيضاً. . . فإن معناها الصريح أن النبي صلى الله عليه وسلم أولَ أمره لم يكن يطمع في ملك، أو كان يطمع، ولكنه كتم ذلك فلم يُظهره في دعوته التي دعا بها الناس إلى الله.

وإذن يا شيخ الجامعة فقد كان للدعوة بطن وظهر، ولا تكون كذلك إلا إذا

كانت من عنده هو لا من عند الله، وليتأمل القراء شنعة ما يخرج من هذا القياس من إنكار النبوة والرسالة، نعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره.

ثم يقول في صفحة 55: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرض على الهجاء ويثيب عليه أصحابه، ويتحدّث أن جبريل كان يؤيد حساناً".

وهذا الجهل مما تضيق به الصدور فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن به الهجاء ولا الإقذاع، وإنما كانت تلك سُنة عربية اضطرته إليها طبيعة العرب لحماية أعراض المسلمين، فقد كان من هذه السنّة عند العرب أنه إذا سكت المشتوم صدق الشاتم فجرى كلامه مجرى التاريخ الصحيح، ثم كانت معارك الألسنة لا يسكت فيها إلا الذليل فسكوته ذل، ولا يُغلب فيها إلا العَيي فعيه ذل آخر، وكل ذلك من أمرهم فلم يكن بدٌّ من المصير إليه ليتعالمه العرب فلا يؤثر هجاء قريش أثره

فيهم ويكون سبباً لنفرتهم ولتوهين أمر المسلمين عليهم (1) .

وما كان جبريل

(1) كأنَّ أستاذ الأدب في الجامعة لا يحفظ القرآن ولم يتل قوله تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) .

فهؤلاء الذين انتصروا من بعد ما ظلموا هم شعراء النبي صلى الله عليه وسلم فليس هجاؤهم هجاء ولكنه انتصار من ظلم حاق بهم فتأمل هذا فإنه من أدق معاني الأدب.

ص: 166

يؤيد حساناً في الهجاء، ولكن في الكفاح عن نبيه كما ورد في الحديث:

"إن الله ليؤيد حساناً ما كافح عن نبيه"

والعبارة بهذه اللفظة (الكفاح) تُفهِم معانيَ كثيرة وليس منها معنى الهجاء، وكأنه صلى الله عليه وسلم كُشف له أن طه حسين

سيدعي عليه ويغض منه فقيد غرضه بها ليقول للناس: انظروا فإنه. . .

وافهموا فإنه..

* * *

وأما عصبية الرجل على أئمة المسلمين فقد مر من ذلك نبذ، وانظر

كيف يقول في صفحة 51 عن أبي سفيان في فتح مكة: "فنظر فإذا هو بين

اثنتين: إما أن يمضي على المقاومة فتفنى مكة، وإما أن يصانع ويصالح

ويدخل فيما دخل فيه الناس "وينتظر. . . " لعل هذا السلطان "السياسي"

الذي انتقل من مكة إلى المدينة، ومن قريش إلى الأنصار، أن يعود إلى

قريش وإلى مكة مرة أخرى؛ قال: وألقى الرماد على هذه النار التي كانت

متأججة بين قريش والأنصار وأصبح الناس جميعاً - في ظاهر الأمر - إخواناً

مؤتلفين في الدين" انتهى نصاً.

وقد طال "انتظار" أبي سفيان في رأي الشيخ المأفون حتى قام حفيده يزيد

بن معاوية فانتقم من غزوة بدر في وقعة الحَرّة كما قال في صفحة 55، وفي

هذه الصفحة يقول: "إن يزيد صورة صادقة لجده أبي سفيان في السخط على

الإسلام وما سنَّه للناس من سنن (1) .

فأبو سفيان والصحابة أو أكثرهم منافقون في رأي الجامعة المصرية.

لأنهم لم يكونوا إخواناً مؤتلفين في الدين إلا - في ظاهر الأمر - وأبو سفيان مع ذلك من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وقد شهد معه حنينا والطائف وفُقئت عينه في هذه.

وهو القائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة حنين:

"والله إنك لكريم فِداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فنِعمَ المحارَب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت"

أفهذا كلام منافق ينتظر ويتربص؟

(1) هذا أيضاً من جهل الشيخ بالتاريخ، فقد جعل ميراث أبي سفيان في أولاده السخط على الإسلام والانتقام منه والحمق في ذلك، مع أن المعروف في التاريخ أن معاوية إنما ورث حلمه الذي

يضرب به المثل من أبيه أبي سفيان، حتى أنه لما قتل حجر بن عدي وجماعته بعد أن ثاروا عليه في خبرهم المشهور أرسلت إليه عائشة أم المؤمنين تشفع فيه وفي أصحابه؛ فبلغه رسولها وقد قتلوا، فقال لمعاوية:"أين غاب عنك حلم أبي سفيان " فتأمل قول من عرفوا الرجل وعاصروه.

وقول أستاذ الجامعة!

ص: 167

على أن الذي ما يُقضَى العجبُ منه أن رأي طه حسين هذا هو بعينه ونصه

رأي الرافضة ومذهبهم، فقد زعموا أن الصحابة كانوا منافقين في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وجلة المهاجرين وخيارَ الأنصار.

فكيف يتفق كل هذا في كتاب الجامعة، وهل الذي فيها أستاذ للآداب أم

هو أستاذ للفكر والرفض؟

ص: 168