الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة طه حسين
هذا فيما يختص بأمر التعليم.
بقيت هناك نقطة أخرى لا بد من التنبيه إليها.
حدث يا حضرات الأعضاء حادث بالجامعة المصرية، وقام من ناحيتها
صوت أفقدها عطف الكثيرين، قد أدى إلى فتنة أو كاد، والأشد والأنكى أن البلاد لم ينلها حظ ولم تنلها مصلحة ظاهرة أو خفية من إثارة ذلك الموضوع الذي تعرض له صاحب ذلك الصوت حتى كان يقال ولو من طريق التساهل: إن الحسنات تكافأت مع السيئات.
وأظن أن حضراتكم بعد هذا البيان قد فطنتم
إلى ما أريد وتبينتم أن الصوت المعنى بقولي هذا هو كتاب "الشعر الجاهلي"
ذلك الذي تضمن طعناً ذريعاً على الموسوية الكريمة والعيسوية الرحيمة، وعلى الإسلام دين الدولة المصرية بنص الدستور.
أيها السادة، إن العقائد كانت وما زالت في الشرق وفي الغرب أيضاً
عواطف حساسة متوثبة متيقظة متأججة ولو ظهرت خامدة؛ فالرجل العاقل يجب عليه أن يبتعد عن كل ما يهيجها، والرجل العالم حقًّا الذي يفهم البيئة التي يعيش فيها والوسط الذي يكتنفه، يجد من علمه متسعاً لا نهاية له لمعالجة
الإصلاح والعيوب الكثيرة دون أن يجد نفسه مضطراً في وقت ما إلى أن يلج
هذا الباب الذي قد يترتب على ولوجه الكثير من الحوادث الجسام والأمور
العظام.
يا حضرات النواب، أرجو أن لا يتأول علينا متأؤل أو يتقول علينا متقول
أو يمتنَّ علينا ممتن بأنه أشد منا غيرة على حرية العلم والتعليم وأعظم منا رغبة
في تأييد حرية الرأي والتفكير.
إنه لا توجد في العالم حريات مطلقة، ولو كان الأمر كذلك لنهشت أعراض بحكم حرية الرأي، ولو كان الأمر كذلك لقام في
البلاد من يهاجم نظام الحكم اعتماداً على حرية الرأي، ولو كان الأمر كذلك لقام في البلاد من يبث مبادئ الفوضوية أو البلشفية استناداً إلى حرية الرأي، ولكن الحرية - يا حضرات الأعضاء - محددة وتنتهي عندما تبتدئ بالتصادم مع مقتضيات النظام والقانون.
أنت حر في كل ما تريد، ولكن حاذر أن تقع تحت سلطة القانون.
إن التعليم حر بنص الدستور، وليس منا من يعارض في ذلك؛ ولكن
الدستور قال أيضاً: إن التعليم حر إلا إذا أخل بالنظام العام، إذا كان منافياً
للأدب. والإخلال هنا معناه أن يترتب على تقرير الرأي حدوث فتنة أو احتمال حدوثها، وعند ذلك يقف القانون حداً حائلاً، لأن المصالح العامة مقدمة عن الشهوة؛ فعلى الذين يفهمون حرية الرأي كما حددها القانون، وعلى الذين يعقلون حرية التعليم كما يعنيها القانون، أن يفهموا أننا إذا تعرضنا لهذه المسألة فإنما نريد"أن نكون دائماً في دائرة القانون.
أيها السادة، إن تصرف هذا الشخص كان أيضاً مخالفاً للذوق، فإنه
مدرس بالجامعة المصرية، وهي معهد أميري يعيش من أموال الحكومة الممثلة
للأمة، فهو يتقاضى مرتبه من هذه الهيئة التي دينها الإسلام، فلم يكن من
المفهوم ولا من المعقول ولا من حسن الذوق أن يقوم هذا الشخص فيبصق في
وجه الحكومة التي يتقاضى مرتبه من أموالها بالطعن على دين رعيتها من أقلية
أو أكثرية.
إننا إذ نسلم أولادنا للحكومة ليتعلموا في دورها نفعل ذلك معتمدين
على أن بيننا وبينها تعاقداً ضمنياً على أن الديانات محترمة؛ لا أقول تعاقداً
ضمنياً فقط، بل صريحاً، لأن الحكومة تعنى بتعليم الدين في مدارسها وتضعه
في مناهجها؛ وإذا كان الأمر كذلك فعلى الذين يريدون أن يحرقوا بخور الإلحاد أن يحرقوه في قلوبهم، لأنهم أحرار في عقائدهم، أو أن يحرقوه في منازلهم، لأنهم أحرار في بيئاتهم الخاصة، أما أن يطلقوه في أجواء دور العلم ومنابر الجامعة فهذا لا يمكن أن نفهمه بأي حال من الأحوال "تصفيق حاد". وأغرب ما في هذا التصرف إن صح ما بلغني من أن إدارة الجامعة اشترت من مؤلف هذا الكتاب كتابه! اشترته يا حضرات النواب من أموال الأمة الموتورة؛ بهذا العمل! فإن كان هذا الكتاب سيدرس في الجامعة فتلك ثالثة الأثافي، وليس لنا على هذا الأمر تعليق؛ أما إذا كان الغرض من شراء الكتاب اتقاء ضرر انتشاره فهذا أيضاً تصرف غير معقول، لأن مال الأمة لا يجوز أن يدفع أجراً ومكافأة على إساءة للأمة، ولأن هذا التصرف في حد ذاته من المكافأة، وهذه المكافأة قد حلت حيث كانت تجب الإساءة وحيث كانت تجب المجازاة؛ هذا كله إن صح ما سمعته من أن إدارة الجامعة قد اشترت هذا الكتاب.
وزير المعارف: أما فيما يختص بمسألة كتاباً في الشعر الجاهلي "
فقد قلت لحضراتكم في الجلسة الماضية إننا نطمع في أن تكون الجامعة معهداً طلقاً للبحث العلمي الصحيح، وليس معنى هذا أننا نرضى أن تكون كراسي الأساتذة منابر تلقى فيها المطاعن في أي دين من الأديان قصدَ النيل من كرامته أو التهجم على حرمته وإنما واجب الأساتذة أن يتحاشوا ذلك في كتاباتهم ومحاضراتهم،
وحادثة كتاب (في الشعر الجاهلي) حصلت كما تعلمون فى عهد الوزارة
السابقة، فلما توليت الوزارة أردت أن أقف - على حقيقة الأمر، فسألت سعادة مدير الجامعة عن الإجراءات التي اتخذها إزاء هذه الحادثة، فأجاب بأن الجامعة منعت انتشار الكتاب بشراء جميع النسخ من المكاتب وحصرتها في مخازنها، كما اتخذت الإجراءات اللازمة لمنع طبع نسخ أخرى منه، وقد أكد لي سعادته أن ما يؤاخذ عليه المؤلف لم يُلقِه على طلبته في الجامعة كما ظن، وأن المؤلف صرح على صفحات الجرائد بأنه مسلم ولم يقصد الطعن في دين من الأديان أو المس بكرامته (ضجة) .
هذا ما أكده لي مدير الجامعة، أما فيما يختص بالمبلغ الذي دُفع ثمناً
للكتاب فإني أصرح بأني لو كنت مسؤولاً لما رضيتُ بهذا التصرف، وإني
موافق على استرداده إذا كان لا يوجد مانع قانوني يحول دون ذلك.
أما فيما يختص بالإجراءات الأخرى فلا يخفى على حضراتكم أن المؤلف
مسافر إلى أوروبا منذ شهر يونيو عقب تأليف الوزارة مباشرة ولم يعد بعد؛ فلا يمكن أن أتخذ من الآن إجراءات في غيابه، وعلى كل حال فإني أعد ببحث المسألة. . .
الرئيش (1) : ترفع الجلسة للاستراحة.
فرفعت الجلسة.
ثم أعيدت.
خطبة الأستاذ القاياتي
الشيخ القاياتي: سادتي النواب، كان بودي أن تمر بنا ميزانية الجامعة
فنتقبلها هاتفين مصفقين؛ لأنها ميزانية أمنية طالما تمنيناها، وغاية كثيراً ما
رجوناها، لأننا نعتقد أن وجود جامعة مصرية إنما هو طريق إلى الفلاح
المرجو، وإلى الحرية المطلوبة، وإلى الاستقلال الحقيقي المنشود.
ولكن الله تعالى أراد - أو أن غير الله ممن يجرؤون على ما لا يجوز لهم أن يجرؤوا عليه أرادوا - أن تمر علينا هذه الميزانية ونحن نئن من الألم، ونتضجر، من الحزن، ونبكي من المصيبة التي كنا نرجو أن تكون نعمة كبرى.
أنا لا أريد أن أتكلم عن الجامعة باعتبار إدارتها، ولا باعتبار ما يدرس
(1) هو رجل الأمة العظيم ونابغة الشرق كله ونادرة الفلك صاحب الدولة سعد باشا زغلول.
فيها. ولا باعتبار كفاية - مدرسيها وموظفيها بعد أن أدلى به حضرات الأعضاء المحترمين من البيانات في هذا الشأن، ولكن الذي أريد الكلام فيه من غير إطالة هو موضوع كتاب "في الشعر الجاهلي" الذي ألفه الدكتور طه حسين وهو ابن الجامعة البكر الذي كانت تنفق عليه من مال الأمة وما كان يظن أبداً أن يقابل هذا الإحسان بالعقوق إلى درجة أن يضربها بضرب دين الإسلام دين الأغلبية.
ذكر حضرة النائب الأستاذ عبد الخالق عطية ملاحظات كثيرة عن هذا
الكتاب، وعن وقعه على الأمة، وتأثيره في قارئيه وسامعيه، حتى لقد قال
بحق: "إنه أثار فتنة أو كاد".
والحق أن يقال إنه ما كان من المظنون أن يوجد
بين المسلمين في مصر من يجرؤ على الدين إلى هذا الحد الذي بلغه الشيخ طه
حسين.
قبائح متعددة، ما بين تكذيب لصحيح التاريخ وتكذيب لنصوص القرآن.
ونسبة التحايل إلى الله وإلى النبي محمد وإلى موسى عليهما السلام.
وقبل أن أتعرض لسرد ما جاء في هذا الكتاب أو سرد شيء منه، أريد أن
أظهر لكم شدة اندهاشي مما نقله معالي وزير المعارف عن حضرة مدير
الجامعة، من أن هذا الكتاب لم يلق على الطلبة، يعني أن الدكتور طه حسين لم يلق على طلبته ما جاء في هذا الكتاب. اندهشنا من هذا القول، لأن المؤلف نفسه صرح في مقدمة كتابه أنه ألقاه على الطلبة؛ ولست أدري كيف يمكن أن يكون حقاً ما قيل من أنه لم يلقه على طلبته بعد أن يقرر هو بنفسه بأنه ألقاه عليهم.
أصوات: ماذا قال؟
الشيخ القاياتي: قال في مقدمة الكتاب: "هذا نحو من البحث في تاريخ
الشعر العربي - لم يألفه الناس عندنا من قبل، وأكاد أثق بأن فريقاً منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقاً آخر سيزورون عنه ازوراراً، ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء، أريد أن أذيع هذا البحث، أو بعبارة أصح، أريد أن أقيده، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة، وليس سرًّا ما تحدثت به إلى أكثر من مائتي شخص".
هذا قول المؤلف في مقدمة الكتاب، ولست أفهم كيف يقال بعد ذلك إنه
لم يلق هذا الكتاب على طلبة الجامعة، وأن يترتب على ذلك ما رتبته الجامعة
من منع أستاذ أن يرد عليه في الجامعة بعد أن سمحت له بذلك، بعلة أن الكتاب لم يلق على الطلبة حتى يرد عليه في نفس الجامعة.
لقد جاء في هذا الكتاب تكذيب صريح للقرآن، ونسبة صريحة للنبي عليه
الصلاة والسلام بأنه متحايل، وكذب صريح على التاريخ؛ لا يجوز أبداً أن
نهمل ولا أن نترك صاحبه دون تدقيق معه في البحث ويكون حسابنا معه عسيراً.
إنني أعرف أنه من الكرم والمروءة أن يعفو الإنسان عمن أساء إليه، ولكن من
الظلم والتهجم على المصلحة أن يعفو الإنسان عمن أساء إلى غيره، أو عمن
طعن في وطنه أو دينه "تصفيق".
إن الدولة أعلنت في دستورها أنها دولة إسلامية، وإن دولة إسلامية لا
تحافظ على دينها من أن يمس ولا على كرامتها أن تجرح لهي دولة أعوذ بالله أن تكون مصر من أمثالها!
لقد بلغت الدرجة بالدكتور طه حسين أن يذكر في كتابه أن حادثة إبراهيم
وإسماعيل - التي نص الكتاب عليها - حادثة لا يعول عليها التاريخ ولا يمكن
التسليم بها، وإنما هي حادثة أرجعها المسلمون لسبب مخصوص هو سبب
سياسي أكثر منه دينياً.
وقد جاء في كتابه بالصفحة 26 ما يأتي:
"للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل؛ وللقرآن أن يحدثنا عنهما
أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي".
معنى هذا أن دعوى الله أن شيئاً حصل لا ينهض دليلاً على أن هذا الشيء
حصل؛ والله يعلم أن هذا يساوي في قوله إن الله كذاب فيما قال!
ثم جاء في الصفحة المذكورة:
". . . فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم
إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها. ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه
القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، والقرآن
والتوراة من جهة أخرى؛ وأقدم عصر يمكن أن تكون قد نشأت فيه هذه الفكرة إنما هو هذا العصر الذي أخذ اليهود يستوطنون فيه شمال البلاد العربية ويبثون فيه المستعمرات، فنحن نعلم أن حروباً عنيفة شبَّت بين هؤلاء اليهود المستعمرين وبين العرب الذين كانوا يقيمون في هذه البلاد وانتهت بشيء من
المسألمة والملاينة ونوع من المحالفة والمهادنة؛ فليس ببعيد أن يكون هذا
الصلح الذي استقر عليه الرأي بين المغيرين وأصحاب البلاد منشأ هذه القصة
التي تجعل العرب واليهود أبناء أعمام، لا سيما وقد رأى أولئك وهؤلاء أن بين الفريقين شيئاً من التشابه غير قليل، فأولئك وهؤلاء ساميون".
وقد جاء بالصفحة 27 ما يأتي:
"وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة في
القرن السابع للمسيح ".
كلمة "الأسطورة" يا حضرات الزملاء لا تقال إلا للخرافات أوالترَّهات.
فالقول بأن هذه القصة التي وردت في كتاب الله العزيز خرافة، يعني أن الله
يخرف ونحن نؤمن بتخريفه "مقاطعة".
أنا والله لا أريد التشنيع، ولكني أريد أن أذكر حقيقة، أريد أن أقول لأقوام
لا يرون رأينا ويدعون أن البحث أمر واجب حر وأنه لا يجوز لنا أن نقيد حرية الناس في آرائهم - أقول لهم إننا لا نقيد حريتهم في عقائدهم، ولكننا نقيد آراء تلقن أولادنا وتشاع على أفراد الأمة ما بين متعلم وغير متعلم، ولا بد أن يكون ذلك داعية الضلال والفسوق، فإذا لم أطِل بينكم الليلة في سرد النصوص الواردة في هذا الكتاب وذكر العبارات الشنيعة التي لا تدل إلا على زندقة، فلأنني لا أريد إدخال الحزن على قلوبكم، ولأني لا أود أن أرى دموعكم تسيل جزعاً على دينكم وشرف دولتكم.
إننا لا نتكلم في هذا إلا بباعث المحافظة على الدين، وليس ذلك بالأمر
الذي يهم المسلم دون غيره، فإن كرامة الأديان على السواء يجب أن تكون
محفوظة.
إنني لا أسمح ولا أقبل أن يطعن أحد في دين المسيح عليه السلام ولا
أقبل أن يطعن في دين موسى عليه السلام، بالنسبة التي لا يرضى بها أحد أن
يطعن على دين محمد عليه السلام، فإن حرمات الأديان يجب أن تكون
موفورة.
إنني لا أخشى أن يقال إننا نتكلم متعصبين تعصباً دينياً، لأنه إذا كان
التعصب الديني هو المحافظة على كرامة الأديان جميعاً فإنني أول المتعصبين.
كنت أودّ بعد أن قرأت لكم كلمات المؤلف أن أقرأ لكم كلمات الله فيما
كذبه المؤلف، ولكني لا أظن أنكم في حاجة إلى ذلك.
نريد أن نثبت في تاريخ عملنا أننا لا نقبل أبداً أن يتهور متهور على الدين
تهوراً يحط كرامته وكرامة الدولة، فإن الطعن في دين الدولة طعن في الدولة.
هو طعن في كل فرد من أفرادها. لا نرض أن يسجل علينا التاريخ أنه قد فُتح بيننا هذا الباب، ونُشر بيننا هذا الكتاب، وقامت عليه الضجة التي قامت، ثم يمر علينا كما يمر السحاب دون أن ينال المسيءُ جزاء إساءته؛ لا أريد أن يقال: طُعن في الدين وشُهِّر به ومر الأمر علي مجلس النواب وخرج الطاعن نظيفاً بدون جزاء!
إن الرحمة واجبة، ولكن ليس في الدين؛ وقد أوجب الدين أن يرجم
بعض من يرتكب الجرم. فما بالكم فيمن يدعي أن الله كاذب، وأن النبي كاذب وأن المؤمنين جاهلون لا يفرقون بين الحق والباطل؟
ولا يجوز أن يكتفَى مطلقاً بأن المؤلف صرح في الصحف أنه مسلم.
وإنني ألفت نظركم إلى أن الدكتور المؤلف لم تسمح له نفسه - مع أن الموقف
كان شديداً والإلحاح عليه كثيراً - أن يكتب كلمة يشرح بها ما قال وأن يؤوله بمعنى يُفهم منه خلاف ما فهمناه.
إذا كان قد ارتد بكتابه ثم رجع إلى الإسلام بعد ذلك فهو مسلم، ولكن
التوبة لا تغفر الذنب ولا تعفي من العقوبة؛ وقد كنت أريد أن أقترح اقتراحاً
خاصاً ولكني اطلعت على اقتراح لحضرة عبد الحميد البنان بك ووافقته عليه.
الرئيس: تلا اقتراح حضرة عبد الحميد البنان بك ونصه:
" أقترح على المجلس الموقر تكليف الحكومة:
أولاً - مصادرة وإعدام كئاب طه حسين المسمى "في الشعر الجاهلي"
بمناسبة ما جاء فيه من تكذيب القرآن الكريم، واتخاذ ما يلزم لاسترداد المبلغ
المدفوع إليه من الجامعة ثمناً لهذا الكتاب.
ثانياً - تكليف النيابة العمومية رفع الدعوى العمومية على طه حسين مؤلف
هذا الكتاب لطعنه على الدين الإسلامي دين الدولة.
ثالثاً - إلغاء وظيفته من الجامعة وذلك بتقرير عدم الموافقة على الاعتماد
المخصص لها".
ثم تُلي اقتراح حضرة محمود لطيف بك وهذا نصه:
"أقترح بعد البيانات التي سمعها المجلس الموقر عن كتاب
" في الشعر الجاهلي" أن يقرر المجلس رغبته إلى الوزارة في معاقبِة؛ مؤلف هذا الكتاب الذي
أهان في مؤلَّفه الشرائع السماوية والأنبياء، وأهان فيه دين الدولة الرسمي، وأن تتخذ الوزارة ما يحفظ المعاهد العلمية من أن تكون مقاماً لمثل هذا التهجم، مع اتخاذ اللازم لإعدام النسخ الموجودة من هذا الكتاب ".
الرئيس: هل يريد مقدم الاقتراح الأول أن يؤخذ الرأي على اقتراحه فقرة
فقرة.
عبد الحميد البنان أفندي: نعم.
محمود وهبة القاضي بك: أذكر أن الشيخ طه حسين كتب في الجرائد أنه
مؤمن بالله ونبيه وكتبه ورسله واليوم الآخر "ضجة".
معنى هذا أني ممتنع عن الكلام ما دمتم غير راغبين فيه.
بيان رئيس الحكومة (1)
رئيس مجلس الوزراء: أريد أن أقول كلمة في هذا الموضوع، فقد ذكر
معالي وزير المعارف العمومية أن هذا الكتاب طبع ونشر في عهد الوزارة
السابقة؛ وحين تشكلت هذه الوزارة وجدت برئاسة مجلس الوزراء خطاباً من حضرة صاحب الفضيلة شيخ الجامع الأزهر يطلب فيه من الحكومة أن تتخذ إجراءات خاصة في موضوع هذا الكتاب، وأذكر منها رفع الدعوى الجنائية على المؤلف؛ فطلبت من وزير المعارف بحث هذا الموضوع، فبحثه وكتب لي خطاباً بين فيه نتيجة بحثه باشتراك مدير الجامعة وما رأى اتخاذه من
التدابير اللازمة لمنع تكرار وتوع مثل هذا العمل في المستقبل.
وقد وافقته على ما ارتآه وكتبت لفضيلة شيخ الأزهر بما قرره وزير المعارف ووافقته عليه، من حبس الكتاب، أي منع انتشاره، وبأن المؤلف قد اعتذر بما بينه معالي وزير المعارف، وأخبرت فضيلته أيضاً بما اعتزمته الحكومة من اتخاذ التدابير لمنع تكرار وقوع مثل هذا العمل من أي أستاذ بالجامعة؛ فموافقتي على ما قرره وزير المعارف يعتبر عملاً حكومياً صدر من رئيس وزارة مسؤول عنه.
وإني أفهم أن يُظهر المجلس استياءه من الكتاب، أو أن يترك
لوزير المعارف الحرية في اتخاذ إجراءات علاوة على ما اتخذ من قبل، أما
أن يقرر المجلس قراراً يخالف ما اتخذته الوزارة من الإجراءات، أو أن
يُلزمها بالقيام بعمل معين زيادة على ما عملته وبما وعد به وزير المعارف.
(1) قلت: هو المرحرم عدلي يكن باثا.
فيكون هذا انتقاداً لإجراءاتها في هذا الموضوع ويعرضها للمسؤولية
الوزارية.
الرئيس: لم أفهم القصد من هذا القول، فهل تريد ألا يتخذ المجلس
قراراً؟
رئيس مجلس الوزراء: الاقتراح المعروض الآن يُعتبر في نظري انتقاداً
للوزارة ويعرضها لمسألة الثقة.
الرئيس: تريد إذن طرح مسألة الثقة بالوزارة.
رئيس مجلس الوزراء: نعم.
الرئيس: حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء يرى أنه إذا قرر
المجلس قراراً يخالف ما اتخذه من الإجراءات فإن ذلك يدعو إلى طرح الثقة
بالوزارة.
رئيس مجلس الوزراء: قلت إنه إذا قرر المجلس قراراً ما يخالف
الإجراءات التي اتخذت وما وعد به وزير المعارف العمومية، فإن ذلك يدل
على عدم ثقة المجلس بالوزارة.
وزير المعارف: قلت إن مؤلف هذا الكتاب غير موجود بمصر، ووعدت
أنه عند حضوره أبحث المسألة وأسأله فيها.
وبعد ذلك يتخذ ما يتراءى من الإجراءات ونعرض كل ذلك على المجلس.
الرئيس: ولكن المجلس ينظر الآن في إلغاء وظيفة.
رئيس مجلس الوزراء: لا شك أن من حق المجلس إلغاء أية وظيفة شاء
وهذا لا أعارض فيه مطلقاً.
الرئيس: أنت إذن تعارض في إحالة المؤلف على النيابة؟
رئيس مجلس الوزراء: أعتبر أن في تكليفنا بذلك عدم ارتياح لما قمنا به
من الإجراءات، وهذا يدعوني. . .
الرئيس: يعني أن الوزارة لا تود تكليف النيابة بالتحقيق؟
وزير المعارف العمومية: لا تعارض الوزارة في ذلك بعد سؤاله، وإذا
تبين لها أن هناك جريمة؟
الرئيس: يعني أن الوزارة تعد بتكليف النيابة بالتحقيق إذا اتضح لها بعد
سؤال المؤلف أن هناك جريمة؟
رئيس مجلس الوزراء: قلت إننا اتخذنا ما يجب اتخاذه من الإجراءات.
الرئيس: ولكن للمجلس الحق في إبداء رغبات.
رئيس مجلس الوزراء: إذا كان الغرض إبداء رغبة فهذا شيء آخر.
أما تكليف الحكومة أمراً فلا يعد إبداء رغبة من المجلس.
الرئيس: يجوز للمجلس أن يكلف الحكومة بأشياء بما له عليها من حق
الرقابة الداخلة في اختصاصه؛ فهل تأبى الحكومة ذلك؛ فإذا كنتم تعدوننا بقبول ذلك فهذا حسن، والا فإن ذلك يكون أساساً لمبدإ جديد يلزم بحثه.
رئيس مجلس الوزراء: هذه المسألة من اختصاص السلطة التنفيذية.
وللمجلس الحق في إبداء رغبات بخصوصها، فتبحث الحكومة هذه الرغبات
لترى إذا كان من الممكن تنفيذها أم لاً، فإذا تأكد للحكومة أن هناك جريمة
أمكن معاقبته.
الرئيس: هل حضراتكم موافقون على الركبات التي تُليت عليكم؛ أعني
المصادرة وتكليف النيابة العمومية برفع الدعوى وإلغاء الوظيفة.
محمود لطيف بك: إن الاقتراح الذي قدمتُه برغبة يوفق بين رأي المجلس
والوزارة.
الرئيس: "هناك اقتراح برغبة، فإما أن ترفضوه أو تقبلوه.
فكري أباظة بك: إن في نصوص هذه الرغبة متناقضات، مثلاً: إنه غير
ممكن مصادرة الكتاب إلا بحكم.
الرئيس: قيل إن إدارة الجامعة اشترت هذا الكتاب وحبسته لتمنع بذلك
تداوله؛ فهل يكتفي حضرة مقدم الاقتراح بذلك أم يريد إعدامه؟
عبد الحميد البنان أفندي: أريد إعدامه..
الرئيس: هل تمانع وزارة المعارف في إعدام هذا الكتاب؟
وزير المعارف: إن وزارة المعارف لا تمانع في ذلك.
الرئيس: بقيت النقطة الثانية، وهي تكليف النيابة العمومية بإقامة الدعوى
ضد المؤلف؛ فهل ترى الحكومة - إذا وافق المجلس على إبداء هذه الرغبة -
في ذلك اعتداء على اختصاصها؟
عبد الخالق عطية أفندي: أرى أن المسألة تتعلق بالصيغة أكثر منها
بالموضوع، لأنه ربما يتبادر إلى الذهن أن المقصود بلفظة "تكليف" إلزامُ النيابة
برفع الدعوى العمومية، فلذلك أقترح أن تستبدل بكلمة "تبليغاً كلمة "تكليف".
الرئيس: إذا استبدلت كلمة "تكليفاً المذكورة بالاقتراح بكلمة "تبليغ "
فهل لدى الحكومة ما يمنعها من تنفيذ هذه الرغبة إذا وافق المجلس على
إبدائها؟
رئيس مجلس الوزراء: لقد تصرفت الحكومة في هذا الموضوع بما رأته
مناسباً؛ فتكليف المجلس إياها بأن تقوم باكثر مما فعلت يفيد أن ما اتخذته من
الإجراءات لم يكن كافياً؛ وأرى لهذا أنه يجب عليَّ أن أعارض في ذلك!
الرئيس: لا يمكننا أن نقبل هذا مطلقاً، لأن للمجلس اختصاصات
وحقوقاً؛ فله أن يبدي رغبات، ويطلب طلبات، فإذا لم تستطع الحكومة تنفيذها وجب عليها أن تبين له أسباب ذلك، أما إذا رأت الحكومة أنه ليس للمجلس مبدئياً أن يكلفها أو يدعوها إلى العمل، فإننا لا نقبل ذلك ولا يمكنني أن أرأس هذا المجلس إذا لم يكن ذلك من اختصاصه " تصفيق حاد".
لقد أبدى المجلس فيما مضى رغبات أهم من هذه بكثير، فلم تعترض
على تنفيذها؛ وبصفتي رئيس مجلس النواب لا يمكنني أن أقبل ما تقوله
الحكومة، من أنه ليس من اختصاص المجلس أن يبدي رغبة كهذه، خصوصاً
وأنها ترمي إلى إعطاء القضاء ما هو من حقوق القضاء!
رئيس مجلس الوزراء: لا تقول الحكومة إنه ليس من اختصاص المجلس
إبداء رغبات، ولكنها تقول إنها تصرفت في الموضوع، فإذا وافق المجلس على هذه الرغبة فكأنه يقول إن ما قامت به الحكومة لم يكن كافياً.
الرئيس: إذا كانت موافقة المجلس على إبداء هذه الرغبة تفيد أن تصرف
الحكومة في هذه المسألة لم يكن كافياً فإن له هذا الحق.
رئيس مجلس الوزراء: للمجلس الحق إلا أن هذا يعتبر اعتراضاً على
تصرف الحكومة.
الرئيس: إنه اعتراض بلا شك، ولكن إذا رأى المجلس أن هذا الاعتراض
في محله فما رأي الحكومة في ذلك؟
فكري أباظة بك:
حضرات الزملاء المحترمين! أشار حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس
الوزراء إلى تصرفات الحكومة في هذا الموضوع إجمالاً.
ولكننا لم نطلع على تفاصيل هذه الإجراءات، ومع تمسكنا بما لنا من حق إبداء رغبات، يهمنا أن
نطلع على تفاصيل ما قامت به من التصرفات حتى يمكننا أن نحكم عليها.
ولكن بما أن الفرصة لا تسمح لنا ولا تمكننا من أن نحكم فيما إذا كانت هذه
التصرفات كافية أم لا، فلذلك أقترح تأجيل النظر في هذا الموضوع حتى نطلع على التفاصيل التي أشرت إليها.
الرئيس: إن الحكومة لم تُبين لنا هذه التفاصيل، ولكنها تقول إن مطالبة
المجلس إياها بالقيام بغير ما قامت به يعتبر اعتراضاً على تصرفاتها، حقيقة إن
طلب المجلس يعتبر اعتراضاً ولكنه في محله!
فكري أباظة بك: يمكنك استيفاء الموضوع في فترة التأجيل.
الرئيس: إن الموضوع مستوفى.
وزير الحقانية: يظهر لي أن المسألة تكاد تكون من اختصاص وزير الحقانية.
يريد المجلس الموقر أن يبدي رغبة بتقديم مؤلف كتاب (الشعر الجاهلي)
إلى المحاكمة.
وتقول الحكومة إنها تصرفت في هذه المسألة بطريقة مخصوصة قبل أن تثار
في المجلس، ويقول معالي وزير المعارف إن هذه المسألة محل نظر الوزارة وإنها
ستتخذ فيها ما تراه من الإجراءات؛ فهل هناك فارق بين رغبة المجلس وما وعد به معالي وزير المعارف؟
لا أظن أن هناك فارقاً للمجلس أن يبدي رغبة بتبليغ النيابة
العمومية لإقامة الدعوى ضد الكتاب، ولمعالي وزير المعارف أن ينظر في هذه
الرغبة ويتصرف فيها بما رآه، وأظن أن هذا أليق بكرامة المجلس، لأنه وهو الهيئة التشريعية إذا أمر برفع الدعوى العمومية وجاء الحكم فيها مخالفاً لرأيه فيكون معنى هذا أن رأي المجلس لم يكن في محله، أما إذا تركت المسألة للحكومة ورأت أن تقيم الدعوى العمومية ثم صدر الحكم ببراءة المؤلف فلا يؤأخذ المجلس بشيء
وتتحمل الوزارة وحدها مسؤولية تصرفها.
الرئيس: يجوز أن يكون تبليغ النيابة من ضمن الإجراءات التي تتخذها
الوزارة في هذه المسألة، وتبليغ النيابة هذا لا علاقة له بالحكم في الدعوى.
وزير الحقانية: الذي فهمته أن الاقتراح يومئ إلى تكليف النيابة برفع
الدعوى العمومية.
الرئيس: سنستبدل كلمة " تبليغ" بكلمة "تكليف"، وأظن أن تبليغ النيابة
عن جريمة ارتكبت حق واجب على كل فرد.
وزير الحقانية: لا نزاع في ذلك.
عبد الحميد البنان أفندي: أوافق على أن تستبدل بكلمة "تبليغ " كلمة
"تكليفاً.
وزير الحقانية: يمكنني أن أقول إن سبب عدم تبليغ النيابة ربما كان مبنياً
على أن كتاب " الشعر الجاهلي " مكروه من الأصل، وكان من الواجب احتقاره وعدم إذاعته بين الجمهور؛ ولما كان التبليغ يقتضي نشر الكتاب في الجرائد وإذاعته بين أفراد الأمة، رأت الوزارة أن لا تبلغ النيابة؛ استهانة بما احتواه الكتاب وتحقيراً لشأنه!
فإذا رأى المجلس مع ذلك ضرورة لتبليغ النيابة فلا مانع من أن يبدي هذه
الرغبة، على أن تكون من ضمن الإجراءات التي تتخذها الحكومة.
الرئيس: تقدم اقتراح برغبة؟
عبد الحميد البنان أفندي: لا مانع عندي من أن تكون هذه الرغبة ضمن
ما تتخذه الوزارة من الإجراءات.
الرئيس: هل يعد معالي وزير المعارف بذلك؛ لأن هناك جريمة ارتكبت
ويريد المجلس التبليغ عنها؟
وزير الحقانية: إننا نقدر رغبات المجلس حق قدرها، ولم يبد المجلس أي
رغبة إلا نفذتها الحكومة؛ فلماذا يطلب من معالي وزير المعارف أن يعد من الآن؟
الرئيس: ما الداعي لهذه المعارضة الشديدة؛ المسألة في غاية البساطة.
وهي: هل توافق الحكومة على تنفيذ هذه الرغبة أم لا؟
عبد الحميد البنان أفندي: أعدِّل اقتراحي بأن يضع معالي وزير المعارف
هذه المسألة موضع البحث حتى إذا رأى..
وزير المعارف: أوافق على هذا التعديل.
الرئيس: لقد تقدم الاقتراح ومن حق المجلس أن يصدر قراراً بخصوصه.
فهل يوافق معالي وزير المعارف على تبليغه النيابة.
وزير المعارف: إني موافق على تعديل حضرة عبد الحميد البنان أفندي.
الرئيس: التعديل هو أن يقوم معالي وزير المعارف بتبليغ النيابة؛ فهل تعد
بذلك؟
الدكتور أحمد ماهر: أرجو أن ترفع الجلسة للاستراحة.
الرئيس: ترفع الجلسة للاستراحة عشر دقائق.