الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإخوتك وأهلك ومَن في هذه المدرسة. فقلتُ: يا شيخ! مَن أنت؟ قال: أنا ناصحٌ لك، ودَعْني أكونُ مَن كنتُ. فوقع في نفسي أنه إبليس، فقلتُ: أعوذُ باللهِ من الشيطان الرجيم، ورفعتُ صَوْتي بالتسبيحِ، فأعْرَضَ، ومشى إلى ناحيةِ باب المدرسة، فانتبه والدي والجماعة على صوتي، فقمتُ إلى باب المدرسة، فوجدتُه، مقفلًا، وفتشتُها، فلم أجد [7] فيها أحداً غير مَن كان فيها/ فقال لي والدي: يا يحيى! ما خبرك؟ فأخبرتُه الخبر، فجعلوا يتعجَّبون، وقعَدْنا كُلُّنا نسبحُ ونذكُر" (1).
…
5 - فصل: في ذكر شيوخه في الفقه
وأذكرهم مسلسلاً مني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أما أنا؛ فقرأتُ عليه الفقهَ؛ تصحيحاً وعرضاً وشرحاً وضبطاً
خاصّاً وعامّاً، وعلومَ الحديث؛ مختصَرَه وغيرَه؛ تصحيحاً وحفظاً
وشرحاً وبحثاً وتعليقاً خاصا ًوعامّاً.
وكان رحمه الله رفيقاً بي، شفيقاً عليّ، لا يمكِّن أحداً من خدمته غيري ة على جَهدٍ مني في طلب ذلك منه، مع مراقبته لي رضي الله عنه (2) في حركاتي وسكناتي، ولطفه بي في جميع ذلك، وتواضعه معي في جميع
(1) راجع: "تاريخ الإسلام"(ورقة 575)، و "المنهاج السوي"(لوحة 5/ ب- 6/ أ)، و "الإمام النووي وأثره في الفقه الإسلامي"(ص 52 - 53)، و"الإمام النووي وجهوده في التفسير"(ص 38)، و "الإمام النووي"(135 - 136) للدقر.
(2)
إن الترضي يختص بالصحابة، وأما غيرهم فيقال في حقهم:"رحمهم الله تعالى"، ونحوه.
الحالات، وتأديبه لي في كل شيء حتى الخطرات، وأعجز عن حصر ذلك.
وقرأتُ عليه كثيراً من تصانيفه ضبطاً وإتقاناً.
وأذِنَ لي رضي الله عنه في إصلاح ما يقع لي في تصانيفِه، فأصلحْتُ بحضرتِه أشياء، فكتَبَهُ بخطِّهِ، وأقرَّني عليه، ودفَعَ إليَّ ورقةً بعدَّة الكتب التي كان يكتب منها، ويصنِّف بخطه، وقال لي:"إذا انتقلتُ إلى الله تعالى؛ فأتْمِمْ "شرح المهذَّب" من هذه الكتب". فلم يقدَّر ذلك لي.
وكانت مدة صحبتي له؛ مقتصراً عليه دون غيره، من أول سنة سبعين وست مئة وقبلها/ بيسير إلى حين وفاته. [8ٍ]
قال رحمه الله (1): أخذتُ الفقه؛ قراءةً وتصحيحاً وسماعاً وشرحاً وتعليقاً عن جماعاتٍ:
أوَّلهم: شيخي: الإمام، المتفق على علمه، وزهده، وورعه، وكثرة عباداته، وعظم فضله، وتميزه في ذلك على أشكالِه: أبو إبراهيم
(1) في "تهذيب الأسماء واللغات"(1/ 18 - 19)، و"المجموع"(2/ 379 - مختصراً)، وما بين المعقوفتين سقط من الأصل، واستدركته من "التهذيب"، ونقله عن المصنِّف: السخاوي في "ترجمة الإمام النووي"(64 - 65)، والسيوطي في "المنهاج السوي"(ص 99 - 100).
(تنبيه): قال النووي في "التهذيب"(1/ 17 - 18) -قبل سوقه سلسلة إسناد تفقهه لأصحاب الشافعي إلى الشافعي رحمه الله ثم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هذا من المطلوبات المهمات والنفائس الجليلات التي ينبغي للمتفقِّه والفقيه معرفتها وتقبح به جهالتها، فإنَّ شيوخه في العلم آباء في الدين، وصلة بينه وبين رب العالمين، وكيف لا تقبح جهل الإنسان والوصلة بينه وبين ربه الكريم الوهاب، مع أنه مأمور بالدعاء لهم، وبرهم، وذكر مآثرهم، والثناء عليهم وشكرهم، فأذكرهم مني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ يعرف من كان في عصرنا وبعده طريقهُ باجتماعها هي وطريقتي قريباً، وأما أنا فأخذت الفقه
…
".
إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي ثم المقدسي رضي الله عنه (1)[وأرضاه، وجمع بيني وبينه وبين سائر أحبابنا في دار كرامته مع من اصطفاه].
ثم شيخنا: الإمام، العارف، الزاهد، العابد، الورع، المتقِنُ، مفتي دمشق في وقته: أبو محمد عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم ابن موسى المقدسي ثم الدمشقي رحمه الله (2).
ثم شيخنا: أبو حفص عمر بن أسعد بن أبي غالب الرَّبَعي (3) -بفتح الراء والباء- الأربلي الإمام المتقن المفتي رضي الله عنه".
وأدركتُه أنا، وحضرتُ بين يديه، وسمعتُ عليه "جزء أبي الجهم العلاء بن موسى الباهلي "، وكان شيخُنا كثيرَ الأدب معه، حتى كنا في الحلقة يوماً بين يديه، فيقام منها، وملأ إبريقاً، وحمله بين يديه إلى الطهارة -رحمهما الله، ورضي عنهما-.
قال: "ثم شيخنا: الإمام، العالم، المجمع على إمامته،
(1) انظر ترجمته في:"طبقات الشافعية الكبرى"(5/ 50)، و"البداية والنهاية"(13/ 213)، و"شذرات الذهب"(5/ 249)، وقال السخاوي في "ترجمة الإمام النووي" (ص 7):"وكان معظم انتفاعه عليه".
وقال السيوطي في "المنهاج السوي"(لوحة 6/ ب): "وأخذ الفقه عن شيخه إسحاق المغربي، وكان يتأدَّب معه كثيراً، ويملأ له الإبريق، ويحمله معه إلى الطهارة"!
قلت: وهذه عبارة ابن العطار -وستأتي قريباً- في شيخه الرَّبَعي!
(2)
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى"(5/ 71)، و"البداية والنهاية"(13/ 195)، و "شذرات الذهب"(5/ 265).
(3)
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى"(5/ 130)، و "ترجمة الإمام النووي"(ص 7 - 8)، وجاءت العبارة المذكورة فيه مختصرة مع تصحيف، ففيه:"وسمعتُ عليه رأي الجهم"!!
وجلالته، وتقدُّمه في علم المذهب على أهل عصره بهذه النواحي أبو الحسن بن سلَاّر بن الحسن الأربلي ثم الحلبي ثم الدمشقي رضي الله عنه" (1).
وأدركتُه أنا، وحضرتُ جنازته مع شيخنا -رحمهما الله تعالى-.
قال:"وتفقَّه شيوخنا الثلاثة المذكورون/ أوَّلاً على شيخهم أبي [9] عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان المعروف بابن الصلاح، وتفقَّه هو على والده، وتفقَّه والدُه في طريقة العراقيين على أبي سعدٍ عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن أبي عصرون الموصلي، وتفقه أبو سعد على القاضي أبي علي الحسن بن إبراهيم الفارقي، وتفقه الفارقي على أبي إسحاق الشيرازي، وتفقه [الشيخ] أبو إسحاق على القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، وتفقه أبو الطيب على أبي الحسن محمد بن علي بن سهل بن مصلح الماسرجسي، وتفقه الماسرجسي على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد (2) المروزي، وتفقه أبو إسحاق على أبي العباس أحمد بن عمر بن سريج، وتفقه ابن سريج على أبي القاسم عثمان بن بشَّار الأنماطي، وتفقه الأنماطي على أبي إبراهيم إسماعيل بن يحى المزني، وتفقه المزني على أبي عبد الله
(1) نعته النووي في "طبقات الشافعية"(1/ 476) رقم (171) بقوله: "شيخنا الإمام البارع المتقن المحقق المدقق، إمام المذهب في عصره، والمرجوع إليه في حلِّ مشكلاته وتعرُّف خفياته، والمتفق على إمامته وجلالته وفضله ونزاهته"، وقال بعد كلام:"وحضرت غَسْلَه، قرأت عليه "أُنْس الأحياء ونور الأولياء"".
وانظر ترجمته في: "البداية والنهاية"(13/ 262)،"العبر"(5/ 293)، "مرآة الجنان"(4/ 171)، "ذيل مرآة الزمان"(2/ 479)، "طبقات الشافعية الكبرى"(8/ 149 - 150)، "شذرات الذهب"(5/ 331)، "هدية العارفين"(1/ 380).
(2)
في مطبوع "تهذيب الأسماء واللغات"(1/ 18): "أحمد".
محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه، وتفقه الشافعي على جماعات؛ منهم.
أبو عبد الله مالك بن أنس؛ إمام المدينة.
ومالك على ربيعة عن أنس، وعلى نافع عن ابن عمرة كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والشيخ الثاني للشافعي: سفيانُ بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنه.
والشيخ الثالث للشافعي: أبو خالد مسلم بن خالد مفتي مكة، [10] وإمام أهلها/.
وتفقه مسلم على أبي الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وتفقه ابن جريج على أبي محمد عطاء بن أسلم أبي رباح، وتفقه عطاء على أبي العباس عبد الله بن عباس، وأخذ ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن عمر بن الخطاب، وعلي، وزيد بن ثابت، وجماعات من الصحابة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه طريقة أصحابنا العراقيين.
وأما طريقة أصحابنا الخراسانيين؛ فأخَذْتُها عن شيوخنا المذكورين، وأخذها شيوخنا الثلاثة المذكورون عن أبى عمرو عن والده عن أبي القاسم البزري -بتقديم الزاي على الراء-[الجزري]، عن أبي الحسن علي بن محمد بن علي إلكِيَا الهَرَّاسيّ (1) عن أبي المعالي
(1) إلكِيَا -بكسر الكاف وفتح الياء وبعدها ألف- معناه في اللغة العجمية: الكبير القدر، المقدَّم بين الناس، والهَرَّاسي؛ فارسية، بمعنى الذعر، وهو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري، الفقيه، الشافعي، من أهل طَبرِستان، خرج إلى نَيْسابور، =
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف [بن عبد الله بن يوسف] إمام الحرمين، عن والده أبي محمد، عن أبي بكر عبد الله بن أحمد القفال المروزي الصَّغير -وهو إمام طريقة خراسان-، عن أبي زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد المروزي، عن أبي إسحاق المروزي، عن ابن سريج؛ كما سبق.
وتفقَّه شيخُنا الإمام أبو الحسن سَلاّر على جماعات؛ منهم الإمام أبو بكر الماهاني، وتفقه الماهاني على ابن البزري بطريقه السابق، والله أعلم".
فمعرفة هذه السلسلة من النفائس، والمهم الذي يتعين على الفقيه/ [11] والمتفقه علمه، ويقبُح به جهله، فالشيوخ في العلم آباء له في الدين، ووصلة بين العبد وبين رب العالمين (1).
قال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله:"العلماء أرأفُ بأمَّةِ محمد صلى الله عليه وسلم من آبائهم وأمهاتهم؛ لأنهم يحفظونهم [من نار الآخرة وأهوالها، وآباؤهم وأمَّهاتهم يحفظونهم] (2) من الدنيا وآفاتها".
يعني: الآباء العلماء، وأما الآباء الجهال؛ فلا يحفظونهم لا في الدُّنيا، ولا في الآخرة، والله أعلم.
…
= وتفقه على إمام الحرمين الجُوَيْني حتى برع، وكان فصيحَ العبارة، حلو الكلام، توفي سنة (504 هـ).
انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان"(1/ 327)، و"مرآة الزمان"(8/ 37)، و "إعجام الأعلام"(174)، و"الأعلام"(4/ 329).
(1)
انظر ما قدمناه قريباً عن النووي قبل سوق الإسناد.
(2)
ما بين المعقوفتين من هامش الأصل.