الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
585 - النفزاوي (من رجال القرن - 8 هـ)(14 م)
محمد بن عمر النفزاوي عاش في دولة السلطان أبي فارس عبد
العزيز الحفصي (796 - 837 هـ)، واشتهر بتأليف كتاب «الروض العاطر ونزهة الخاطر» وذكر في مقدمته أنه كتبه في بادئ الأمر بشكل مختصر سمّاه «مصباح الكون» ثم وسّعه وأضاف إليه بناء على اقتراح وزير الدولة آنذاك.
ولتأليف الكتاب قصة طريفة يرويها ريتشارد بيرتون Birton Richard (مترجم الكتاب إلى الإنجليزية) فيقول إن حاكم تونس عرض على الشيخ النفزاوي منصب القضاء لما عرف من علمه بالدين والقانون والأدب والطب، ولم يرغب الشيخ في هذا المنصب، ولكي لا يرفض للحاكم أمرا فقد طلب تأجيل تولّيه مهام القضاء حتى يتمكن من الانتهاء من كتاب يعمل به، فأجيب إلى طلبه، واستطاع إنهاء كتابه وأهدى منه نسخة إلى وزير الدولة آنذاك محمد بن عوانة الزناوي، ولفت الكتاب الانتباه، ولطبيعة موضوعه أصبح من المستحيل أن يسند إلى مؤلفه منصب كمنصب القاضي.
وإن كان يصعب تصديق هذه الحكاية فكتاب كهذا لا يمكن أن يضعه مؤلفه تهربا من تولّي منصب القضاء دون أن تكون لديه نيّة حقيقية واستعداد شامل لتأليف هذه «الموسوعة للسلوك الجنسي» كما وصفه آلان والتون (Walton) فمادة الكتاب وإن لم يذكر النفزاوي مراجعه إلا أنها اعتمدت على العديد من الكتابات الكلاسيكية العربية
لشعراء وكتّاب نثر ومختارات أدبية وأطباء وفلاسفة وعلماء لغة بالإضافة إلى الكتابات الدينية.
وبعد انتهاء النفزاوي من كتابه زاره وزير الدولة في بيته وحينما تطرق الحديث إلى موضوع الكتاب يقول النفزاوي «احمرّ وجهي خجلا» فقال الوزير لا تخجل ما قلته في هذا الكتاب حقيقي لا يجب أن يصدم أحدا وإنك لست أول من عالج هذه المسائل ومن الضروري أن يعرف كل واحد ما جاء في هذا الكتاب وإنه من الجهل وقلّة الدراية أن يتجاهله المرء ويسخر منه لكني كنت أودّ أن يتناول الكتاب مسائل أخرى تتعلق بالموضوع حتى يأتي كتابك كاملا.
واقترح عليه الوزير إضافة ملحق للكتاب يصف فيه علاجا لبعض الحالات التي ذكرها، وسردا لدوافع العمل الجنسي وكل الحقائق المتعلقة به، له أو عليه دون حذف شيء ويكون الحديث بتفصيل أكثر عن العمل والعوامل المسبّبة للعقم وعلاجها وطرق إبطال مفعول السحر والرقي التي تستخدم للحدّ من القدرات الجنسية (وقد كانت منتشرة آنذاك)، بل وطريقة زيادة هذه القدرات، ثم وصف أدوية لإزالة الروائح الكريهة تحت الإبط ومناطق الأعضاء التناسلية، وما شابه ذلك.
وقد عمل الشيخ بالنصيحة، وضاعف حجم كتابه، وهذا لا ينفي أن النسّاخ أضافوا إلى الكتاب بعض ما عندهم من المعلومات عن الموضوع - كما هي العادة - خاصة وإن مادة الكتاب تلمس وترا حساسا عند معظم الناس.
والكتاب مقسم إلى 21 فصلا، يتناول كل فصل موضوعا مستقلا، وتشمل مختلف الموضوعات التي تتعلق بحياة الإنسان الجنسية من عملية الجماع بأنواعها المتعددة، وطرقها الصحيحة، وما
هو ضارّ بها، والمؤثرات الخاصة لبعض الأطعمة عليها وعلى الأعضاء التناسلية والعجز الجنسي عند الرجل وأسبابه وعلاجه، والعقم عند النساء وأسبابه وعلاجه، والحمل وإمكانية معرفة نوع الجنين هل هو ذكر أم أنثى، والحقوق الجنسية لكلّ من الزوج والزوجة، وحدود حرية الرجل، والاستمتاع الجنسي، وعن مستحضرات التجميل والعطور، وما يزيل الروائح الكريهة من الجسم، ويتحدث أيضا عن الجنس الشاذ أسبابه وأنواعه من السحاق إلى اللواط إلى القوادين والنساء الشهوانيات، وعن أنواع النساء، وصفات كلّ منهنّ، وعن الجمال والجاذبية، وعن الغيرة ما لها وما عليها، وعن الطرق المختلفة لخيانة المرأة، وحيل الرجال للإيقاع بالنساء، بالإضافة إلى ذلك يسرد المؤلف حالات تاريخية، ونوادر توضّح ما يريد قوله مما يضفي على الكتاب نوعا من المرح كعادة الكتب العربية آنذاك.
والكتاب ترجم إلى الفرنسية والإنجليزية، ويقول المترجم الإنجليزي بيرتون أنه قام بحذف بعض الفقرات التي بدت له أنها تصطدم مع العلوم الحديثة، وإن احتفظ ببعض المواد التي تبدو مضحكة في نظر القارئ الأوربي، ووجهة نظره في ذلك أنها تعطي فكرة عن عقلية الإنسان العربي ليس فقط في العصر الذي كتب فيه الكتاب، ولكن في العصر الحاضر أيضا، فلا يزال - على حدّ رأيه - كثير من العرب يؤمنون بالوصفات الطبية القديمة والعرافة والتنبؤ، ويحترمون الأشياء التي يلعب فيها السحر والأحجبة دورا كبيرا، ولا تنسى أن بيرتون هذا كان في أواخر القرن الماضي، كذلك احتفظ المترجم بالملح والنوادر التي تظهر أن العربي محبّ للظرافة مغرما بالتورية التي تلعب دورا كبيرا في حديثه عن الجنس، وإن انتقد بيرتون الشيخ النفزاوي أنه يضحّي أحيانا بالواقع في سبيل الخيال، ويقول إن هذه الصفات من العلامات المميزة للأدب العربي في تلك
العصور، والروض العاطر مطعّم بالحكايات الشعبية الفكاهية المتعلقة بالجنس مما يضفي على الكتاب متعة، وهي تشبه في كتب علم النفس الجنسي الحديث الحالات التي تسرد لتوضيح حالة ما، كما يقدم معرفة نادرة لدراسة المجتمعات البشرية وعلم الأجناس وعلم النفس.
وهو يقدّم واقعا جنسيا وليس أدبا فاحشا، ومعرفة هذا الواقع الجنسي تعتبر أساسا صحيّا للحياة السليمة، وتأثير هذه المعرفة على الشخص العادي لا تنكر فائدته، وإن لاحت نوادر للإثارة الجنسية هنا وهناك فهي ليست مقصودة لذاتها وتختلف درجة تأثيرها من قارئ إلى آخر تبعا للمزاج وللبيئة.
وإذا كانت المادة أحيانا فظّة أو منافية للذوق السليم، إلا أنها في أماكن أخرى كثيرة تكشف عن فهم حسّاس للعواطف البشرية، ووعي حقيقي لأهمية التوافق الروحي والجسمي بين الأزواج المبني على التعاطف المتبادل والمحبة والولاء، ويعتبر البعض أن الشيخ النفزاوي كان سابقا لفان دي فيلد Van de Veld عالم أمراض النساء الشهير مؤلف كتاب «الزواج المثالي» الذي صدر عام 1929، وقد ترجم الكتاب إلى العربية بل إن كتاب النفزاوي أشمل وأوسع في موضوعاته، وقد استفاد دي فيلد من كتاب النفزاوي.
ومما لا شك فيه أن كثيرا من الكتّاب ممّن كتبوا مؤلفات عامة في الجنس وإرشاداته - يدينون إلى الكتب الشرقية عامة ولكتاب النفزاوي خاصة، فها هو فلك إليس يرجع إليه ويستشهد بالنفزاوي في كتابه الأساسي «دراسات في علم النفس الجنسي» Studies in the psychology of sex
وكذلك كينزي (Kinesey) فعل مثل ذلك في دراسته «السلوك الجنسي عند الأنثى» Sexuel behaviour in the human female