المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

القصص - تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - جـ ٧

[أبو السعود]

الفصل: القصص

القصص

ص: 26

‌79

- 81 {فَخَرَجَ على قَوْمِهِ} عطفٌ على قال وما بينهما اعتراضٌ وقولُه تعالى {فِى زِينَتِهِ} إمَّا متعلقٌ بخرجَ أو بمحذوفٍ هو حالٌ من فاعلِه أي فخرجَ عليهم كائناً في زينتِه قيل خرجَ على بغلةٍ شهباء عليه الأرُجوانُ وعليها سرجٌ من ذهبٍ ومعه أربعةُ آلافٍ على زيِّه وقيلَ عليهم وعلى خيولِهم الدِّيباجُ الاحمر وعن يمينه ثلثمائة غلام وعن يساره ثلثمائة جاريةٍ بيضٍ عليهنَّ الحليُّ والدِّيباجُ وقيل في تسعينَ الفا عليهم المُعصفراتُ وهو أولُ يومٍ رُئيَ فيه المُعصفرُ {قَالَ الذين يُرِيدُونَ الحياة الدنيا} من المؤمنين جرياً على سَنَنِ الجبلَّةِ البشريةِ من الرغبةِ في السَّعةِ واليسارِ {يا ليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قارون} وعن قَتَادةَ أنَّهم تمنَّوه ليتقربُوا بهِ إلى الله تعالَى وينفقُوه في سُبُلِ الخيرِ وقيل كان المتمنَّون قوماً كفَّاراً {إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ} تعليلٌ لتمنيَّهم وتأكيدٌ له

ص: 26

{وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم} أي بأحوالِ الدُّنيا والآخرةِ كَما ينبغي وإنَّما لم يُوصفوا بإرادةِ ثوابِ الآخرةِ تنبيهاً على أنَّ العلَمِ بأحوال النَّشأتينِ يقتضِي الإعراضَ عنِ الأُولى والإقبالَ على الثَّانيةِ حتماً وأنَّ تمنِّي المتمنين ليس إلا لعدمِ علمِهم بهما كما ينبغِي {وَيْلَكُمْ} دعاءٌ بالهلاكِ شاعَ استعماله في الزجر عمالا لا يُرتضَى {ثَوَابُ الله} في الآخرةِ {خَيْرٌ} ممَّا تتمنونه {لمن آمن وَعَمِلَ صالحا} فلا يليقُ بكم أنْ تتمنَّوه غيرَ مكتفين بثوابِه تعالى {وَلَا يُلَقَّاهَا} أي هذه الكلمةَ التي تكلَّم بها العلماءُ أو الثَّوابَ فإنَّه بمعنى المثْوبةِ أو الجنَّةِ أو الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ فإنَّهما في معنى السِّيرةِ والطَّريقةِ {إِلَاّ الصابرون} أي على الطَّاعاتِ وعن الشَّهواتِ

ص: 26

{فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الارض} رُوي أنَّه كان يُؤذي مُوسى عليه السلام كلَّ وقتٍ وهو يداريهِ لقرابتِه حتَّى نزلتِ الزَّكاةُ فصالحَه عن كلِّ ألفٍ على واحد فحسبه فاستكثره فعَمدَ إلى أنْ يفضحَ موسى عليه السلام بين بني إسرائيلَ فجعل لبغيَ من بَغَايا بني إسرائيلَ ألفَ دينارٍ وقيل طَشتاً من ذهبٍ مملوءةٍ ذهباً فلما كان يومُ عيدٍ قام مُوسى عليه السلام حطيبا فقال من سرق قطعناهُ ومن زنَى غيرَ محصنٍ جلدناهُ ومن زنَى محصناً رجمناهُ فقال قارونُ ولو كنتَ قال ولو كنتُ قال إنَّ بني إسرائيلَ يزعمُون أنَّك فجرت بفلانةٍ فأحضرت فناشدها عليه السلام أنُ تصدقَ فقالت جعل لي قارونُ جُعْلاً على أنْ أرميك بنفسي فخرَّ مُوسى ساجداً لربِّه يبكي ويقول يا ربُّ إنْ كنتُ رسولَك فاغضبْ لي فأُوحي إليه أنْ مرِ الأرضَ بما شئت فإنَّها مطيعةٌ لك فقال يا بني إسرائيلَ إنَّ الله بعثني إلى قارونَ كما بعثني إلى فرعونَ فمن كان معه فليلزم مكانَه ومن كان معي فليعتزلْ

ص: 26

القصص 82 84 عنه فاعتزلُوا جميعاً غيرَ رجلينِ ثم قال يا أرضُ خُذيهم فأخذتهُم إلى الرُّكبِ ثم قال خُذيهم فأخذتُهم إلى الأوساطِ ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى الأعناقِ وهم يُناشدونَهُ عليه الصلاة والسلام بالله تعالى وبالرَّحِم وهو لا يلتفتُ إليهم لشدَّةِ غيظِه ثم قال خُذيهم فانطبقتْ عليهم فأصبحتْ بنُو إسرائيلَ يتناجَون بينهم إنَّما دعا عليه موسى عليه الصلاة والسلام ليستبدَّ بدارِه وكنوزِه فدعا الله تعالى حتى خُسفَ بدارِه وأموالِه {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ} جماعةٍ مشفقةٍ {يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله} بدفع العذابَ عنه {وَمَا كَانَ مِنَ المنتصرين} أي الممتنعين منه بوجهٍ من الوجوهِ يقال نصره من عدِّوه فانتصَر أي منعه فامتنع

ص: 27

{وَأَصْبَحَ الذين تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ} منزلتَه {بالأمس} منذ زمانٍ قريبٍ {يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} أي يفعلُ كلَّ واحدٍ من البسطِ والقدرِ بمحضِ مشيئتهِ لا لكرامةٍ تُوجب البسطَ ولا لهوانٍ يقتضِي القبضَ وويكأن عند البصريينَ مركبٌ من وى للتعجيب وكأنَّ للتشبيهِ والمعنى ما أشبَه الأمرَ أنَّ الله يبسط الخ وعند الكوفيينَ من وَيْكَ بمعنى ويلك وأنَّ وتقديرُه وَيكَ أعلَم أنَّ الله وإنَّما يستعملُ عند التنبهِ على الخطأِ والتندُّم والمعنى أنَّهم قد تنبهوا على خطئهم في تمنِّيهم وتندَّموا على ذلك {لَوْلا أَن مَّنَّ الله عَلَيْنَا} بعدم إعطائِه إيانَّا ما تمنيناهُ وإعطائنا مثلَ ما أعطاه إيَّاه وقُرىء لولا مَنَّ الله علينا {لَخَسَفَ بِنَا} كما خسفَ بهِ وقُرىء لخُسِف بنا على البناء للمفعولِ وبنا هُو القائمُ مقامَ الفاعلِ وقُرىء لا تْخسفَ بنا كقولِك أنقطعَ بهِ وقرُىء لتُخْسف بنا {وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الكافرون} لنعمةِ الله تعالى أو المكذَّبون برسلِه وبما وعدُوا من ثوابِ الآخرةِ

ص: 27

{تِلْكَ الدار الاخرة} إشارةُ تعظيمٍ وتفخيمٍ كأنَّه قيل تلك التي سمعتَ خبَرها وبلغَك وصفُها {نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى الارض} أي غلبةً وتسلطاً {وَلَا فَسَاداً} أي ظُلماً وعدُواناً على العبادِ كدأبِ فرعونَ وقارونَ وفي تعليق الموعد بترك إرادتهما لا بتركِ أنفسهما مزيدُ تحذير منهما وعَنْ عليَ رضي الله عنه أنَّ الرَّجلَ ليعجبه أنْ يكونَ شِراكُ نعلِه أجودَ من شراكَ نعلِ صاحبِه فيدخلُ تحتَها {والعاقبة} الحميدة {لّلْمُتَّقِينَ} أي الذين يتَّقون مالا يرضاه الله تعالى من الأفعالِ والأقوالِ

ص: 27

{مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ} بمقابلتِها {خَيْرٌ مّنْهَا} ذاتاً ووصفاً وقدراً {وَمَن جَاء بالسيئة فَلَا يُجْزَى الذين عملوا السيئات} وُضع فيه الموصولُ والظَّاهرُ موضعَ الضَّميرِ لتهجينِ حالِهم بتكريرِ إسنادِ السَّيئةِ إليهم {إِلَاّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي إلا مثل ما كانُوا يعملون فحُذفَ المثلُ وأُقيم مقامَه ما كانُوا يعملون مبالغةً في المماثلة

ص: 27