الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(الشاهد السادس عشر)
الآية السادسة من الباب السابع من السفر الأول من أخبار الأيام هكذا: "بنو بنيامين بلع وبكر ويدبع بيل ثلاثة أشخاص" وفي الباب الثامن من السفر المذكور هكذا: [1]"ولد بنيامين ولده الأكبر بالع والثاني إشبيل والثالث أحْرَح"[2]"والرابع نوحاه والخامس رافاه" وفي الآية الحادية والعشرين من الباب السادس والأربعين من سفر التكوين هكذا: "نسخة سنة 1848 بنو بنيامين بالع وباخور وإشبل وجيرا ونعمان واحي وروش ومافيم وحوفيم وارد" ففي العبارات الثلاث اختلاف من وجيهن الأول في الأسماء، والثاني في العدد حيث يفهم من الأولى أن أبناء بنيامين ثلاثة، ويفهم من الثانية أنهم خمسة، ويفهم من الثالثة أنهم عشرة، ولما كانت العبارة الأولى والثانية من كتاب واحد يلزم التناقض في كلام مصنف واحد، وهو عزرا النبي عليه السلام، ولا شك أن إحدى العبارات عندهم تكون صادقة، والباقيتين تكونان كاذبتين، وتحير علماء أهل الكتاب فيه واضطروا ونسبوا الخطأ إلى عزرا عليه السلام، قال آدم كلارك ذيل العبارة الأولى: "كتب ههنا لأجل عدم التميز للمصنف ابن الابن موضع الابن وبالعكس، والتطبيق في مثل هذه الاختلافات غير
مفيد، وعلماء اليهود يقولون إن عزرا عليه السلام الذي كتب هذا السفر ما كان له علم بأن بعض هؤلاء بنون أن بنو الأبناء، ويقولون أيضاً إن أوراق النسب التي نقل عنها عزرا عليه السلام كان أكثرها ناقصة، ولا بد لنا أن نترك أمثال هذه المعاملات".
فانظر أيها اللبيب ههنا كيف اضطر أهل الكتاب طراً سواءٌ كانوا من اليهود أو من المسيحيين، وما وجدوا ملجأ سوى الإقرار بأن ما كتب عزرا عليه السلام غلط، وما حصل له التميز بين الأبناء وأبناء الأبناء فكتب ما كتب، والمفسر لما أيس من التطبيق قال أولاً:"التطبيق في مثل هذه الاختلافات غير مفيد" وقال ثانياً: "لا بد لنا أن ترك أمثال هذه المعاملات".
(فائدة جليلة) لا بد من التنبيه عليها. اعلم أرشدك الله تعالى أن جمهور أهل الكتاب يقولون: إن السفر الأول والثاني من أخبار الأيام صنفها عزرا عليه السلام بإعانة حجّي وزكريا الرسولين عليهما السلام، فعلى هذا، السفران المذكوران اتفق عليهما الأنبياء الثلاثة عليهم السلام، وكتب التواريخ شاهدة بأن حال كتب العهد العتيق قبل حادثة بختنصر كان أبتر، وبعد حادثته ما بقي لها غير الاسم، ولو لم يدون عزرا عليه السلام هذه الكتب مرة أخرى لم توجد في زمانه فضلاً عن الزمان الآخر، وهذا الأمر مسلم عند أهل الكتاب أيضاً في السفر الذي هو منسوب إلى عزرا، وفرقة البروتستنت لا يعترفون بأنه
سماوي، لكن مع ذلك الاعتقاد لا تنحط رتبته عن كتب المؤرخين المسيحيين.
عندهم وقع هكذا: "أُحْرِق التوراة وما كان أحد يعلمه، وقيل إن عزرا جمع ما فيه مرة أخرى بإعانة روح القدس" وقال كليمنس اسكندر يانوس: "إن الكتب السماوية ضاعت فألهم عزرا أن يكتبها مرة أخرى": وقال ترتولين: "المشهور أن عزرا كتب مجموع الكتب بعد ما أغار أهل بابل بروشالم" وقال تهيو فلكت: "إن الكتب المقدسة انعدمت رأساً فأوجدها عزرا مرة أخرى بإلهام" انتهى، وقال جان ملز كاثلك في الصفحة 115 من كتابه الذي طبع في بلدة دربي سنة 1842:"اتفق أهل العلم على أن نسخة التوراة الأصلية وكذا نسخ كتب العهد العتيق ضاعت من أيدي عسكر بختنصر، ولما ظهرت نقولها الصحيحة بواسطة عزرا ضاعت تلك النقول، أيضاً في حادثة أنتيوكس" بقدر الحاجة إذا علمت هذه الأقوال فارجع إلى كلام المفسر المذكور، وأقول يظهر
للبيب ههنا سبعة أمور: (الأمر الأول) أن هذا التوراة المتداول الآن ليس التوراة الذي ألهم به موسى عليه السلام أولاً، ثم بعد انعدامه كتبه عزرا عليه السلام بالإلهام مرة أخرى، وإلا لرجع إليه عزرا عليه السلام، وما خالفه، ونقل على حسبه وما اعتمد على الأوراق الناقصة التي لم يقدر على التمييز بين الغلط والصحيح منها، وإن قالوا إنه هو لكنه أيضاً كان منقولاً عن النسخ الناقصة التي حصلت له، ولم يقدر حين التحرير على التمييز بينها كما لم يقدر ههنا بين الأوراق الناقصة، فقلت على هذا التقدير لا يكون التوراة معتمداً وإن كان ناقله عزرا عليه السلام.
(الأمر الثاني) أنه إذا غلط عزرا في هذا السفر مع أن الرسولين الآخرين كانا معينين له في تأليف هذا السفر، فيجوز صدور الغلط منه في الكتب الأخر أيضاً، فلا بأس لو أنكر أحد شيئاً من هذه الكتب إذا كان ذلك الشيء مخالفاً للبراهين القطعية أو مصادماً للبداهة، مثل أن ينكر ما وقع في الباب التاسع عشر من سفر التكوين من أن لوطاً عليه السلام زنى بابنتيه، والعياذ بالله تعالى، وحملتا من أبيهما وتولد لهما ابنان هما أبو الموابيين والعمانيين، وما وقع
في الباب الحادي والعشرين من سفر صموئيل الأول من أن داود عليه السلام زنى بامرأة اوريا، وحملت بالزنا منه، فقتل زوجها بالحيلة وتصرف فيها، وما وقع في الباب الحادي عشر من سفر الملوك الأول أن سليمان عليه السلام ارتد في آخر عمره بترغيب أزواجه، وعبد الأصنام وبنى لها معابد وسقط من نظر الله، وأمثال هذه القصص التي تقشعر منها جلود أهل الإيمان ويكذبها البرهان.
(الأمر الثالث) أن الشيء إذا صار محرفاً فليس بضروري أن يزول ذلك التحريف بتوجه النبي الذي بعده، وأن يخبر الله تعالى عن المواضع المحرفة ألبتة ولا جرت عليه العادة الإلهية.
(الأمر الرابع) أن علماء البروتستنت ادّعوا أن الأنبياء والحواريين وإن لم يكونوا معصومين عن الذنوب والخطأ والنسيان، لكنهم معصومون في التبليغ والتحرير، فكل شيء بلغوه أو حرروه فهو مصون عن الخطأ والسهو والنسيان، أقول ما ادّعوه لا أصل له من كتبهم وإلا لِمَ صار تحرير عزرا عليه السلام مع كون الرسولين عليهما السلام معينين له غير مصون عن الخطأ؟.