المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

اضطرارية؟ هذا دليل على أنكم اتخذتم الاختيار في غير محلِّه؛ - تفسير الشعراوي - جـ ١٨

[الشعراوي]

الفصل: اضطرارية؟ هذا دليل على أنكم اتخذتم الاختيار في غير محلِّه؛

اضطرارية؟ هذا دليل على أنكم اتخذتم الاختيار في غير محلِّه؛ لأن الذي يختار ينبغي أنْ يأخذ الاختيار في كل شيء، لكن أنْ تختار في شيء ولا تختار في شيء آخر، فهذا لا يجوز.

ص: 11386

كثيراً ما يُحدِّثنا القرآن الكريم عن هذه المسألة ويُذكِّرنا بالبدء والإعادة، لماذا؟ يهتم القرآن بهذه المسألة ويؤكد عليها لأنها كانت الأساس في دعوته؛ لأنهم إنْ كانوا يؤمنون بأنهم يرجعون إلى الله لخافوا من عقابه؛ لذلك يؤكد لهم في مواضع كثيرة حتمية الإعادة وأنها حَقٌّ.

قوله تعالى: {وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ

} [الروم:‌

‌ 27]

استُهلَّت الآية بقوله تعالى (وَهُوَ) وفي آية أخرى {الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ

} [الروم: 11] فكأن (هُوَ) مدلولها (الله) وهو كما نعلم ضمير غيبة، والحق سبحانه غَيْب عن الأنظار، ومن عظمته سبحانه أنه غيب، فلو كان مُدْركاً مُحسَّاً ما استحق أنْ يكون إلهاً، وكيف نطمع في إدراكه سبحانه ونحن لا نستطيع أن ندرك بعض مخلوقاته؟

فالمعاني التي خلقها الله لتسوس حركة الحياة: كلمة الحق، العدل، الحق الذي يقف القضاء كله ليؤيده ويُعلنه، والعدل الذي يحكم موازين الحياة؛ ليوازن بين الشهوات وبين الحقائق، هذه المعاني لا تُدرَك بالحواس، فهل رأيتم العدل؟ هل سمعتم العدل؟ هل شممتم العدل؟

الخ.

ص: 11386

إذن: فالمعاني العالية لا يمكن أنْ تُدرك لأنها أرفع من الإدراك؛ لأن بها يكون الإدراك، أيكون المخلوق للحق أسمى من أنْ يُدرك، ويكون الحق سبحانه موضعاً للإدراك.

فإذا سمعت (هُوَ) فاعلم أنها لا تنصرف إلا إلى الإله الواحد الذي من عظمته أنه لا يُدرَك {لَاّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار

} [الأنعام: 103] .

لذلك نقرأ في سورة الإخلاص {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] فترى أن (الله) لفظ الجلالة، وهو عَلَم على واجب الوجود يأتي بعد (هُوَ) فكأن (هُوَ) أدلُّ على وجود الحق سبحانه من لفظ الجلالة (الله) ، فكأنه لا يصح حين يُطلَق ضمير الغيبة (هُوَ) على شيء إلا الله؛ لأنه لا شيء في الكون إلا الله.

وقوله تعالى هنا {وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق

} [الروم: 27] بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرارية، مع أنه سبحانه بدأ الخَلْق بالفعل {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29] فإنْ ذكرت الأولى فقد بدأ الخَلْق، وإن ذكرت الاستمرارية في الإيجاد فهو يبدأ دائماً، وفي كل وقت ترى في خَلْق الله شيئاً جديداً، فالخَلْق لم يأتِ مرة واحدة، ثم توقف، بل بدأ ثم استمر.

ونلحظ أن القرآن يذكر هذه المسألة مرة بالماضي (بَدَأ) ومرة بالمضارع (يَبْدأ) ؛ لأن الخالق سبحانه بدأ الخلق فعلاً بخَلْق آدم عليه السلام الإنسان الأول: {الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ} [السجدة: 7] ولا يزال سبحانه بقيوميته خالقاً، يبدأ كل يوم وكل لحظة خَلْقاً جديداً نشاهده في الإنسان، وفي الحيوان، وفي النبات. . الخ.

ص: 11387

وبالخَلْق المتجدِّد للإنسان، حيث يُولَد كل لحظة مولود جديد نردُّ على الذين يقولون بتناسخ الأرواح - يعني: أن الروح تخرج من جسد فتحلُّ في جسد آخر - وهذا يعني أن تكون المواليد على قدر الوَفيَات، ويعني أن يظل العالم على تعداد واحد دون زيادة، ونحن نرى الآن مدى الكثافة السكانية التي يشكو العالم منها الآن، وهذه تكفي لهدم هذه النظرية.

والحق سبحانه يُحذِّرنا أن نأخذ قصة بَدْء الخلق من غير الخالق سبحانه، فمن الناس مضلون سيضلونكم في هذه المسألة، فلا تُصغْون إليهم؛ لأن الله يقول:{مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً} [الكهف: 51] .

وقد رأينا من هؤلاء المضلين مَنْ يقول بأن الإنسان أصله قرد متطور إلى إنسان، والردُّ على هذه الضلالات يسير، فإذا كان القرد تطور إلى إنسان، فلماذا لم تتطور باقي القرود؟ ولماذا لم يتطور الإنسان منذ أنْ خُلِق آدم وحتى الآن إلى شيء آخر؟ وكيف نصدق هذه الضلالات، وربنا سبحانه يقول:{وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] .

ويقول سبحانه: {سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} [يس: 36] فإياك أنْ تقول: إن شيئاً تطور عن شيء، فكل جنس قائم بذاته منذ خلقه الله.

إذن: احذروا مثل هذه الأقوال، ولا تأخذوا قصة بَدْء الخَلْق إلا من الله وحده.

كلمة {يُعِيدُهُ

} [الروم: 27] أي: إلى الخَلْق فهي بمعنى يخلقه، فالمعنى: يبدأ الخلق ثم يميته ثم يُعيده، البعض يظن أن يعيده يعني

ص: 11388

يبعثه في الآخرة، لكن الله تعالى يقول:{الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الروم: 11] فيعيده غير تُرجعون، ترجعون أي: في القيامة.

وقوله {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ

} [الروم: 27] أي: على حَسْب فهمكم أنتم للأشياء، وإلا فالله تعالى لا يقال في حقه هذا سهل وهذا أسهل، ولا هيِّن وأهون؛ لأنه سبحانه لا يزاول الأشياء كما نزاولها نحن، ولا يعالج الأفعال، إنما يفعل سبحانه بكُنْ فيكون.

ومن ذلك قوله تعالى لزكريا عليه السلام لما تعجب أن يكون له ولد، وقد بلغ من الكِبَر عتياً وامرأته عاقر: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ

} [مريم: 9] ذلك لأن طلاقَة القدرة لا تقف عند أسبابكم. وكذلك قال لمريم: {كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ

} [مريم: 21] .

فالأمر عجيب في نظر مريم، أن تأتي بولد بدون زوج؛ لكنه ليس عجيباً في قدرة الله، فإنْ كانت العادة أنْ يأتي الولد بالأسباب فالله سبحانه هو خالق الأسباب، يفعل ما يشاء بدونها.

وسبق أن تحدثنا عن طلاقة قدرة الله في قصة إبراهيم عليه السلام حينما أراد القوم أنْ يحرقوه، فلو كانت المسألة مسألة نجاة إبراهيم من النار ما مكّنهم الله من الإمساك به، أو: حتى إنْ أمسكوه وألقَوْه في النار كان بالإمكان أنْ يُنزِل الله على النار مطراً فتنطفيء.

لكن الحق سبحانه يريد أن يسدَّ على الكافرين منافذ الحِجَاج، ويبطل كفرهم، فهاهم قد ظفروا به وألقَوْه في قَعْر النار، وهي على حال الاشتعال والإحراق، لكنهم غفلوا عن شيء هام، هو أن الله تعالى ربُّ هذه النار وخالقها وخالق قوة الإحراق فيها، وهو وحده

ص: 11389

القادر على أنْ يسلبها هذه الخاصية، فيلقى فيها نبيه إبراهيم دون أن يحترق.

وهنا تكِمن العظمة وتظهر الحجة {قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] .

ونلحظ فصاحة الأداء في {وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق

} [الروم: 27] فهو أسلوب قَصْر، حيث قدّم المتعلق الذي حقُّه أن يكون مؤخراً، كما في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ

} [الفاتحة: 5] فقدّم المفعول، ومن حق المفعول أن يُؤخّر عن الفعل والفاعل، وقدَّمه هنا، لنقصر العبادة على الله وحده دون سواه، وحتى لا نعطف على الله تعالى شيئاً، فلو قلت نعبدك لجاز أن تقول: ونعبد غيرك، كذلك هنا {وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق

} [الروم: 27] أفادت تخصيص الخلق لله وحده دون أن نعطف عليه أحداً.

وقوله تعالى {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ

} [الروم: 27] الحقيقة ليس في الأمور بالنسبة لله تعالى هَيِّن وأهون، إنما في عُرْفنا نحن، وليُقرِّب لنا الحق سبحانه فَهْم المسائل، وإلا فالحق سبحانه لا يعالج الأمور ولا يزاولها كما نعالجها نحن، وإنما يفعل سبحانه بكُنْ فيكون.

لذلك لما نتأمل قَوْل مريم عليها السلام لما بشَّرتها الملائكة بالمسيح قالت: {رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ

} [آل عمران: 47] فكيف فهمتْ مريم هذه المسألة، ومَنْ أخبرها بأن الولد سيكون دون أن يمسَّها بشر؟

لقد فهمت مريم هذا من قول الملائكة {إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ

} [آل عمران: 45] . فلو كان له أبٌ لذكرته الملائكة، وما داموا قد نسبوه إلى أمه فلا أب له.

ص: 11390

ثم يقول سبحانه: {وَلَهُ المثل الأعلى فِي السماوات والأرض

} [الروم: 27] له المثل الأعلى يعني: أن الله تعالى لا مثيل له، فإنْ شابهه سبحانه شيء من خَلْقه في صفة من الصفات فخُذْها في إطار التقريب للمعنى، وفي إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

} [الشورى: 11] فلك وجود لله تعالى وجود، لكن وجودك ليس كوجود الله، أنت حَيٌّ والله حَيٌّ، لكن حياتك ليست كحياته عز وجل. . وهكذا.

وقوله {المثل الأعلى

} [الروم: 27] نقول: عالٍ وأعلى، فهي أفعل تفضيل بمعنى: الذي لا يُشابه ولا يُضاهي؛ لذلك يقول سبحانه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

} [الشورى: 1] فينفي أن يوجد شبيه لمثل الله لا شبيه لله؛ لأن الكاف هنا بمعنى: مثل. فكأنك قلت: ليس مِثْل مِثْله شيء.

وطريقة العرب في الأداء في مسألة المشابهة يقولون: زيد مثل الأسد في الشجاعة، فأنت تريد أن تعطيني صورة لشجاعة زيد، فذكرت أوضح شيء لهذه الصفة وهو الأسد، فهو مُشبَّه به.

إذن: فالأسد أقوى من زيد في هذه الصفة، وإلا لما جعلتَ المشبّه به توضيحاً لما لا تعلم.

فحين تقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

.} [الشورى: 1] تعني: إنْ وُجد مِثْل لله لا يوجد مثل لهذا المثْل، فنفيتَ المثل من باب أَوْلَى؛ لأن الأضعف وهو المثل المشبه أضعف من المشبه به، فإذا كان المثل أضعف من الممثَّل ولا يوجد مثل للأضعف، فكيف يوجد مثل للأقوى؟

وانظر إلى جمال الحق سبحانه حين يُجلِّي للخَلْق مثَلاً في دنياهم، ويجعل من ذاته سبحانه وتعالى المماثلة، يقول تعالى ليُقرِّب لأفهامنا كيفية نوره: {الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ

ص: 11391

كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَاّ شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ

} [النور: 35] .

فالله سبحانه وتعالى يضرب المثَل لنوره بالمشكاة، السطحيون يظنون أن المشكاة هي المصباح، لكن الله يقول {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ

} [النور: 35] والمشكاة تجويف في الحائط، مثل الطاقة غير نافذة، فإنْ كانت نافذة نسميها شباكاً، وكانوا في الماضي يضعون المصباح في هذه الفجوة ليضيء الحجرة، والفجوة هذه أو المشكاة تجمع الضوء وتُقوِّيه؛ لذلك يكون الضوء فيها أقوى من ضوء الحجرة، أو: أن المصباح يستوعب المشكاة أكثر من استيعابه للحجرة كلها.

وبتأمل هذا المعنى نرى أن الحق سبحانه لا يضرب لنا مثَلاً لنوره إنما لتنويره، فتنوير الله تعالى مِثْل المشكاة التي فيها المصباح، والمصباح يدلُّ على الرقي في وسائل الإضاءة، فدونه مثلاً الشعلة، وهو فتيل يُوقَد في الهواء ويكون له دخان أسود، أما المصباح فله زجاجة تحجز عنه الهواء إلا بقدر ما يكفي لاحتراق الفتيل، فيأتي الضوء منه صافياً.

ثم هو فضلاً عن ذلك في زجاجة ليست عادية، إنما {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ

} [النور: 35] أي: مثل الدرة التي تضيء بذاتها، هذا المصباح يُوقَد من شجرة زيتونة معتدلة المزاج {لَاّ شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ

} [النور: 35] فتصوُّر هذا المصباح في مكان ضيق لا في الحجرة كلها، إنما في المشكاة كيف يكون ضوؤه؟

كذلك تنوير الله سبحانه وتعالى للسماوات والأرض على سعتهما، فنوره تعالى يستوعبهما، لا يترك منهما مكاناً مظلماً كالطاقة بالنسبة لهذا المصباح الذي وصفنا.

ص: 11392

ولهذا المثل قصة شهيرة في الأدب العربي، فقد فطن إليها أبو تمام في مدحه أحد الخلفاء، وحين أراد أنْ يجمع له مَلَكات العرب ومواهبهم من الجود والشجاعة والحِلْم والذكاء، قال مادحاً:

إقْدَامُ عَمْروٍ في سَمَاحَةِ حَاتمٍ

وفي حِلْم أحْنفَ في ذَكاءِ إيَاسِ

وقد اشتهر عمرو بن معدي كرب بالشجاعة والإقدام، واشتهر حاتم الطائي بالكرم، وأحنف بن قيس بالحلم حتى قيل «أحلم العرب» فلا يُغضِبه شيء أبداً، ولا يُخرجه عن حِلْمه، حتى أن جماعة قصدوا أنْ يخرجوه عن حِلْمه، فتكون سابقة لهم فتبعوه في الطريق، وأخذوا يهزءُون به وهو يضحك، حتى قارب من الحي، فنظر إلى هؤلاء الفتية وقال: أيها الفتية، لقد قربنا من الحيِّ، فإنْ كان في جوفكم استهزاء بي فافرغوا منه؛ لأنهم لو ظفروا بكم لقتلوكم.

أما إياس بن معاوية فكان مَضْرب المثَل في الذكاء، وهكذا جمع أبو تمام لممدوحه خلاصة ما تعرفه العرب من مواهب. وهنا قام له واحد من خصومه وقال: أتُشبِّه الخليفة بأجلاف العرب، فمَنْ يكون هؤلاء إذا ما قُورِنوا بأمير المؤمنين؟

وهذا الاعتراض مأخوذ من قول الشاعر:

وشَبَّهه المدَّاحُ في البَأْسِ والنَّدَى

بمَنْ لوْ رآهُ كانَ أصْغر خَادمِ

فَفِي جيشه خَمسُونَ ألفاً كَعنترٍ

وأَمْضَى وفي خُدَّامهِ ألفُ حاتمِ

فلما قيل لأبي تمام: كيف تشبه الخليفة بأجلاف العرب أحجم هنيهة ثم رفع رأسه، وقال:

ص: 11393

لَا تُنكِروا ضَرْبي لَهُ مَنْ دُونَهُ

مثَلاً شَرُوداً في النَّدَى والبَاس

فالله قد ضَربَ الأقلَّ لِنُورِه

مَثَلاً من المشْكَاةِ والنِّبراسِ

ومع دقَّة الاستشهاد وطرافته إلا أن خصومه اتهموه بأن ذلك ليس ارتجالاً لوقته، إنما هو مُعدٌّ لهذا الموقف سلفاً، وبعض الدارسين للأدب يقول بذلك وقاله لنا مدرس الأدب، لكن يُروَى أنهم لما أخذوا الورقة التي مع أبي تمام لم يجدوا فيها هذه الأبيات، ثم على فرض أن الرجل أعدَّها قبل هذا الموقف فإنها تُحسَب له لا عليه، وتضيف إليه ذكاءً آخر؛ لأنه استدرك على ما يمكن أنْ يُقال فاستعد له.

وكما أن الحق سبحانه وتعالى له المثَل الأعلى في الأرض، فلا مثيلَ له، كذلك له المثل الأعلى في السماء فلا مثيلَ له، مع أن ما في السماء غيب، وهم الملائكة من صفاتهم كذا وكذا، فلله المثَل الأعلى في السماوات.

ثم يقول سبحانه: {وَهُوَ العزيز الحكيم} [الروم: 27] أي: أنه سبحانه وتعالى بذاته عزيز لا يُغلب، ومع عزته سبحانه حكيم لا يظلم.

ثم يقول الحق سبحانه:

ص: 11394

{ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ

} .

ص: 11395

ضَرْب المثل أسلوب من أساليب القرآن للبيان والتوضيح وتقريب المسائل إلى الأفهام، ففي موضع آخر يقول سبحانه:{إِنَّ الله لَا يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا. .} [البقرة: 26] .

وقال سبحانه: {ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ

} [الحج: 73] فهذا كثير من كتاب الله، والمثَل يُضرب ليُجلِّي حقيقة. والضَّرْب هنا لا يعني إحداث أثر ضار بالمضروب، إنما إحداث أثر نافع إيجابي كما في قوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض

} [المزمل: 20] .

وقولنا في مسألة سكِّ العملة: ضُرِبَ في كذا، فكأن الضرب يُحدث في المضروب أثراً باقياً، ففي الأرض بإثارة دفائنها واستخراج كنوزها، وفي العملة بتَرْكِ أثر بارز لا تمحوه الأيدي في حركة التداول، وكأن ضَرْب المثَلَ يوضح الشيء الغامض توضيحاً بيِّناً كما تُسَكّ العملة، ويجعل الفكرة في الذهن قائمة واضحة المعالم. وللضرب عناصر ثلاثة: الضارب، والمضروب، والمضروب به.

ويُروى في مجال الأمثال أن رجلاً خرج للصيد معه آلاته: الكنانة وهي جُعْبة السهام، والسهام، والقوس، فلما رأى ظبياً أخذ يُعدّ كنانته وقَوْسه للرمي لكن لم يمهله الظبي وفَرَّ هارباً، فقال له آخر

ص: 11395

وقد رأى ما كان منه: قبل الرِّماء تُملأ الكنائن، فصارت مثلاً وإن قيل في مناسبة بعينها إلا أنه يُضرَب في كل مناسبة مشابهة، ويقال في أيِّ موضع كما هو وبنفس ألفاظه دون أن نُغيِّر فيه شيئاً.

فمثلاً، حين ترى التلميذ المهمل يذاكر قبيل الامتحان، وحين ترى مَنْ يُقدِم على أمر دون أنْ يُعدّ له عُدَّته لك أنْ تقول: قبل الرِّماء تُملأ الكنائن. إذن: هذه العبارة صار لها مدلولها الواضح، وترسَّخَتْ في الذِّهْن حتى صارتْ مثَلاً يُضرب.

وتقول لمن تسلَّط عليك وادَّعى أنه أقْوى منك: إنْ كنتَ ريحاً فقد لاقيتَ إعصاراً.

والحق سبحانه يضرب لنا المثل للتوضيح ولتقريب المعاني للأفهام؛ لذلك يقول سبحانه: {إِنَّ الله لَا يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا

} [البقرة: 26] يقف هنا بعض المتمحكين الذين يحبون أنْ يستدركوا على كلام الله، يقولون: ما دام الله تعالى لا يستحي أنْ يضرب مثلاً بالبعوضة فما فوقها من باب أَوْلى، فلماذا يقول {فَمَا فَوْقَهَا

} [البقرة: 26] .

وهذا يدل على عدم فهمهم للمعنى المراد لله عز وجل، فالمعنى: فما فوقها أي: في الغرابة وفي القلة والصِّغر، لا ما فوقها في الكِبَر.

ص: 11396

ومن الأمثلة التي ضربها الله لنا ليوضح لنا قضية التوحيد قوله تعالى: {ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحمد للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29]

فالذي يتخذ مع الله إلهاً آخر كالذي يخدم سيدين وليتهما متفقان، إنما متشاكسان مختلفا، فإنْ أرضى أحدهما أسخط الآخر، فهو متعب بينهما، فهل يستوي هذا العبد وعبد آخر يخدم سيداً واحداً؟ كذلك في عبادة الله وحده لا شريك له.

فبالمثال اتضحت القضية، ورسختْ في الأذها؛ لذلك يقول سبحانه: أنا لا أستحي أنْ أضرب الأمثال؛ لأنني أريد أن أوضح لعبادي الحقائق، وأُبيِّن لهم المعاني.

{ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ

} [الروم: 28] .

في هذه الآية وبهذا المثَل يؤكد الحق سبحانه وتعالى في قمة تربية العقيدة الإيمانية، يؤكد على واحدية الله وعلى أحديته، فالواحدية شيء والأحدية شيء آخر: الواحدية أنه سبحانه واحد لا فرد آخر معه، لكن هذا الفرد الواحد قد يكون في ذاته مُركّباً من أجزاء، فوصف نفسه سبحانه بأنه أحدٌ أي: ليس مُركَّباً من أجزاء. أكَّد الله هذه الحقيقة في قرآنه بالحجج وبالبراهين، وضرب لها المثل. وهنا يضرب لنا مثلاً من أنفسنا ليؤكد على هذه الوحدانية.

وقوله تعالى: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ

} [الروم: 28] يعني: ليس بعيداً عنكم، وأقرب شيء للإنسان نفسه، إذن: فأوضح مثَل لما غاب عنك أنْ يكون من نفسك، ومن ذلك قوله تعالى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ

} [التوبة: 128] أي: من جنسكم تعرفون نشأته، وتعرفون خُلُقه وسيرته.

ص: 11397

لكن، ما المثَل المراد؟

المثل: {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ

} [الروم: 28] .

يقول سبحانه: أريد أنْ أضرب لكم مثلاً على أن الإله الواحد يجب عقلاً ألَاّ تشركوا به أشياء أخرى، والمثل أنِّي أرزقكم، ومن رزقي لكم مَوَال وعبيد، فهل جئتم للرزق الذي رزقكم الله وللعبيد وقلتم لهم: أنتم شركاء لنا في أموالنا تتصرفون فيها كما نتصرف نحن، ثم جعلتم لهم مطلق الحرية والتصرف، ليكونوا أحراراً أمثالكم تخافونهم في أنْ تتصرفوا دونهم في شيء كخيفتكم أنفسكم؟ هل فعلتم ذلك؟ بل هل تقبلونه على أنفسكم؟ إذن: لماذا تقبلونه في حق الله تعالى وترضَوْن أنْ يشاركه عبيده في مكله؟

إنكم لم تقبلوا ذلك مع مواليكم وهم بشر أمثالكم ملكتموهم بشرع الله فائتمروا بأمركم. هذا معنى {مِّنْ أَنفُسِكُمْ

} [الروم: 28] أي: من البشر، فهم مثلكم في الآدمية، وملكيتكم لهم ليست مُطْلقة، فأنتم تملكون رقابهم، وتملكون حركة حياتهم، لكن لا تملكون مثلاً قتلهم، ولا تملكون منعهم من فضاء الحاجة، لا تملكون قلوبهم وإرادتهم، ثم هو مُلْك قد يفوتك، كأن تبيعه أو تعتقه أو حتى بالموت. ومع ذلك ما اتخذتموهم شركاء، فعَيْب أنْ تجعلوا لله ما تستنكفون منه لأنفسكم.

ونلحظ هنا أن الله تعالى لم يناقشهم في مسألة الشركاء بأسلوب الخبر منه سبحانه، إنما اختار أسلوب الاستفهام وهو أبلغ في تقرير الحقيقة: {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ

} [الروم: 28] .

ص: 11398

وأنت لا تعدل عن الخبر إلى الاستفهام عنه إلا وأنت تعلم وتثق بأن الإجابة ستكون في صالحك، فمثلاً حين ينكر شخصٌ جميلَك فتقول مُخبراً: فعلتُ معك كذا وكذا، والخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب، وقد ينكر فيقول: لا لم تفعل معي شيئاً.

أما حين تقول مستفهماً: ألم أفعل فعل كذا وكذا؟ فإنك تُلجئه إلى واقع لا يملك إنكاره، ولا يستطيع أنْ يفرّ منه، ولا يملك إلا أنْ يعترف لك بجميلك ولا أقلَّ من أنْ يسكت، والسكوت يعني أن الواقع كما قلت.

لذلك يستفهم الحق سبحانه وهو أعلم بخَلْقه {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ

} [الروم: 28] لا بدّ أنْ يقولوا: لا ليس لنا شركاء في أموالنا، إذن: لماذا جعلتم لله شركاء؟

وقوله تعالى: {فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ

} [الروم: 28] سبق أنْ تحدثنا في مسألة الرزق وقلنا: إن الله تعالى هو الرازق، ومع ذلك احترم ملكية خَلْقه، واحترم سعيهم: لأنه سبحانه واهب هذا الملك، ولا يعود سبحانه في هبته لخَلْقه؛ لذلك لما أراد أنْ يُحنن قلوب خَلْقه على خَلْقه قال: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً

} [البقرة: 245] فاعتبر صدقتك على أخيك الفقير قرضاً يردّه إليك مُضَاعفاً.

والرزق لا يقتصر على المال - كما يظن البعض - إنما رزقك كلّ ما انتفعتَ به فهو رزق ينبغي عليك أن تفيض منه على مَنْ يحتاجه، وأن تُعدِّيه إلى مَنْ يفتقده، فالقويُّ رزقه القوة يُعدِّيها للضعيف، والعالم رزقه العلم يُعدِّيه للجاهل، والحليم رزقه حلْم يُعدِّيه للغضوب وهكذا، وإلا فالمال أهون ألوان الرزق؛ لأن الفقير الذي لا يملك مالاً ولم يتصدق أحد عليه قصارى ما يحدث له أن يجوع ويُباح له في

ص: 11399

هذه الحالة أنْ يسأل الناس، وما رأينا أحداً مات جوعاً.

لكن ينبغي على الفقير إنْ ألجأتْه الحاجة للسؤال أنْ يسأل بتلطُّف ولين، فإنْ كان جائعاً لا يسأل الناس مالاً إنما لقمة عيش وقطعة جبن أو ما تيسَّر من الطعام ليسُدّ جَوْعته، وسائل الطعام لا يكذبه أحد لأنه لا سأل إلا عن جوع، حتى لو سألك وهو شبعان فأعطيتَه ما استطاع أنْ يأكل، أما سائل المال فقد نظن فيه الطمع وقصد الادخار. إذن: أفضح سؤال سؤال القوت.

لذلك في قصة الخضر وموسى عليهما السلام: {فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا. .} [الكهف: 77] فلما منعوهم حتى لقمة العيش استحقُّوا أنْ يوصفوا بألأَم الناسِ، وقد أباح الشرع للجائع أن يسأل الطعام من اللئيم فإن منعه فللجائع أن يأخذه ولو بالقوة، وإذا رفع أمره إلى القاضي أيَّده القاضي، لذلك يقولون فيه: طالب قُوتٍ ما تعدَّى.

والحق سبحانه تكفَّل لك برزقك، إنما جعل للرزق أسباباً وكل ما عليك أنْ تأخذ بهذه الأسباب ثم لا تشغل بالك هماً في موضوعه، وإيالك أن تظن أن السَّعْي هو مصدر الرزق، فالسعي سبب، والرزق من الله، وما عليك إلا أنْ تتحرى الأسباب، فإنْ أبطأ رزقك فأرحْ نفسك؛ لأنك لا تعرف عنوانه، أمّا هو فيعرف عنوانك وسوف يَأتيك يطرق عليك الباب.

والذي يُتعب الناس أنْ يظل الواحد منهم مهموماً لأمر الرزق مُفكِّراً فيه، ولو علم أن الذي خلقه واستدعاه للوجود قد تكفَّل برزقه لاستراح، فإنْ أخطأت أسباب الرزق في ناحية اطمئن فسوف يأتيك من ناحية أخرى.

ص: 11400

ونذكر هنا قصة عروة بن أذينة وكان صديقاً لهشام بن عبد الملك بالمدينة قبل أنْ يتولى هشامٌ الخلافة، فلما أصبح هشام أميراً للمؤمنين انتقل إلى دمشق بالشام، أما عروة فقد أصابته فاقة، فلما ضاق به الحال تذكّر صداقته القديمة لهشام، وما كان بينهما من وُدٍّ، فقصده في دمشق علَّه يُفرِّج ضائقته.

جاء عروة إلى دمشق واستأذن على الخليفة فأذن له، فدخل وعرض على صاحبه حاجته وكله أمل في أنْ ينصفه ويجبر خاطره، لكن هشاماً لم يكن مُوفّقاً في الردِّ على صديقه حيث قال: أتيتَ من المدينة تسألني حاجتك وأنت القائل:

لَقد عَلمْتِ ومَا الإِسْرافُ مِنْ خُلُقي

أنَّ الذي هُو رِزْقي سوفَ يَأْتِيني

فقال عروة بعد أن كسر صديقه بخاطره: جزاك الله عني خيراً يا أمير المؤمنين، لقد نبَّهتَ مني غافلاً، وذكَّرتَ مني ناسياً، ثم استدار وخرج.

وعندها أدار هشام الأمر في نفسه وتذكّر ما كان لعروة من وُدٍّ وصداقة، وشعر بأنه أساء إليه فأنَّبه ضميره، فاستدعى صاحب الخزانة، وأمر لعروة بعطية كبيرة، وأرسل بها مَنْ يلحق به.

لكن كلما وصل الرسول إلى (محطة) وجد عروة قد فارقها حتى وصل إلى المدينة، ودقَّ على عروة بابه، وكان الرسول لَبِقاً، فلما فتح عروة الباب قال: ما بكم؟ قال: رسل هشام، وتلك صِلَة

ص: 11401

هشام لك لم يَرْضَ أنْ تحملها أنت خوفاً عليك من قُطاع الطريق، أو تحمل مؤونة حَمْلها، فأرسلنا بها إليك.

فقال عروة: جزى الله أمير المؤمنين خيراً، قولوا له لقد ذكرت البيت الأول، ولو ذكرت الثاني لأرحتَ واسترحتَ، لقد قلت:

لَقد عَلمْتِ ومَا الإِسْرافُ مِنْ خُلُقي

أنَّ الذي هُو رِزْقي سوفَ يَأْتِيني

أَسْعى إِليْهِ فَيْعْييني تطلبّه

ولَوْ قَعَدْتُ أتَاني لا يُعنِّينَي

ثم يقول سبحانه بعد هذا المثل: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] أي: نُبيِّنها إلا إليها، ومعنى {يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] من العقل، وسُمِّي عقلاً؛ لأنه يعقل صاحبه ويقيده عما لا يليق.

والبعض يظن أن العقل إنما جُعل لترتع به في خواطرك، إنما هو جاء ليقيد هذه الخواطر، ويضبط السلوك، يقول لك: اعقل خواطرك وادرسها لا تنطلق فيها على هواك تفعل ما تحب، بل تفعل ما يصح وتقول ما ينبغي. إذن: ما قصَّرنا في البيان ولا في التوضيح.

ويتجلَّى دور العقل المجرد وموافقته حتى للوحي في سيرة الفاروق عمر رضي الله عنه، وفي وجود رسول الله، وهو ينزل عليه الوحي يأتي عمر ويشير على رسول الله بأمور، فينزل الوحي موافقاً لرأي عمر، وكأن الحق تبارك وتعالى يلفت أنظارنا إلى أن العقل الفطري إذا فكَّر في أمر بعيداً عن الهوى لا بُدَّ أنْ يصل إلى الصواب

ص: 11402

وأنْ يوافق حقائق الدين، أمّا إنْ تدخَّل الهوى فسد الفكر.

وقوله تعالى {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] العقل وسيلة من وسائل الإدراك في الإنسان؛ لأن الله تعالى قال: {والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .

لكن، كيف تُربَّى الأمور العقلية في الناس؟ تُربَّى عن طريق الحواس والإدراك، فالعين ترى، والأذن تسمع، واللسان يتذوق، واليد تلمس، والأنف يشمُّ، إلى آخر الحواس التي توصلنا إليها كحاسة البين، وحاسة العضل وغيرها.

لذلك احتاط العلماء في تسمية الحواس فقالوا «الحواس الخمس الظاهرة» ليدعوا المجال مفتوحاً لحواس أخرى، فهذه الوسائل تدرك المعلومات وتنقلها إلى العقل ليراجعها وينتهي فيها إلى قضايا يجعلها دستوراً لحياته، فأنت تأكل مثلاً العسل فتدرك حلاوته، وتأكل الجبن فتدرك ملوحته، فتتكون لديك قضية عقلية أن هذا حلو، وهذا مالح. . إلخ.

وحين تستقر هذه القضايا في القلب تصير عقيدة لا تخرج للتفكير مرة أخرى، ولا تمر على العقل بعد ذلك، فقد انعقد عليها الفؤاد، وترسختْ في الذهن.

ودَوْر العقل أن يعقل هذه القضايا، وأنْ يختار بين البدائل، والأمر الذي لا بديلَ له لا عملَ للعقل فيه، فلو أنك مثلاً ستذهب إلى مكان ليس له إلا طريق واحد فلا مجال للتكفير فيه، لكن إنْ كان لهذا المكان أكثر من طريق فللعقل أنْ يفاضل بينها ويختار الأنسب منها فيسلكه.

ص: 11403

وما دام العقل هو الذي يختار فهو الميزان الذي تَزِن به الأشياء، وتحكم به القضايا؛ لذلك لا بُدَّ له أنْ يكون سليماً لتأتي نتائجه كذلك سليمة وموضوعية، ومعلوم أن الميزان يختلف باختلاف الموزون وأهميته.

والحق سبحانه يعطينا مثالاً لدقة الميزان في الشمس والقمر، فيقول {الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] أي: بحساب دقيق، ولولا الدقة فيهما ما أخذناهما ميزاناً للوقت، فبالشمس نعرف الليل والنهار، وبالقمر نعرف الشهور.

فحين يقول سبحانه {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] يعني: أننا عملنا ما علينا من التفصيل والبيان، وتوضيح الحجج والبراهين، ولكن أنتم الذين لا تعقلون.

ولما كان العقل هو آلة الاختيار بين البدائل وآلة التمييز أعفى الحق سبحانه مَنْ لا عقل له من التكاليف، أعفى الطفل الصغير الذي لم يبلغ؛ لأن عقله لم ينضج بعد، ولأن حواسّه لم تكتمل.

وتتجلى حكمة الشارع في قول النبي صلى الله عليه وسلم َ «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر» فجعل من ضمن تكليف الآباء أنْ يُكلِّفوا هم الأبناء في هذه السنِّ، لتكون لهم دُرْبة على طاعة الأمر والنهي في وقت ليس عليهم تكليف مباشر من الله تعالى.

فإذا كبر الصغير يستقبل تكليفي كما استقبل تكليفك أولاً، وربُّك ما افتات عليك في هذه المسألة، فأعطاك حق التكليف بالصلاة، وأعطاك حق أنْ تعاقبه إنْ قصَّر، فأنت الذي تُكلِّف، وأنت الذي تعاقب.

ص: 11404

وأعفى المجنون لأن آلة الاختيار عنده غير سليمة وغير صالحة، وقلنا: إن علامة النضج في الإنسان أن يصير قادراً على إنجاب مثله، ومثَّلْنا لذلك بالثمرة التي لا تحلو إلا بعد نضجها، بحيث إذا أكلت زرعتَ بذرتها، فأنبتت ثمرة جديدة، وهكذا يحدث بقاء النوع وتستمر الدورة.

فربك لا يريد أن تأكل أكلة واحدة، ثم تُحرم أو يُحرم مَنْ يأتي بعدك، إنما يريد أنْ تأكل ويأكل كل مَنْ يأتي بعدك، فلا تأخذ الثمرةُ حلاوتها إلا بعد نُضْج بذرتها، وصلاحيتها للإنبات.

وقوله تعالى: {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] يدل على أن الذين يتخذون مع الله شركاء غير عاقلين، وإلا فما معنى عبادة الأصنام أو الأشجار أو الشمس أو القمر؟ وقد قالوا بألسنتهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى

} [الزمر: 3] .

فما هي العبادة؟ العبادة طاعة العابد لأمر المعبود ونَهْيه، إذن: بماذا أمرَتْكُم هذه الآلهة؟ وعَمَّ نهتْكُم؟ ما المنهج الذي وضعتْه لكم؟ ماذا أعدتْ لمن أطاعها من النعيم؟ وماذا أعدتْ لمن عصاها من العذاب؟ لا شيء إلا أنها آلهة بدون تكاليف، وما أيسرَ أنْ يعبد الإنسانُ إلهاً لا تكاليف له، لا يُقيدك فيما تحب من شهوات، ولا يُحمِّلك مشقة العبادة، وهنا يتضح عدم العقل.

وأيضاً عدم العقل في ماذا؟ الله خلقك في كون فيه أجناس، والأجناس تحكمها سلسلة الارتقاء، فجنس أعلى من جنس، والجنس الأعلى في خدمة الجنس الأقل.

ولو استقرأتَ أجناس الوجود تجد أن معك أيها الإنسان جنساً

ص: 11405

آخر يشاركك الحسَّ والحركة، لكن ليس له عقل واختيار بين البدائل؛ لأنه محكوم بالغريزة منضبط بها، وهذا هو الحيوان الذي لا ينفكُّ عن الغريزة أبداً.

وسبق أنْ ضربنا مثلاً لذلك بالغريزة الجنسية عند الإنسان وعند الحيوان، وأن الله تعالى إنما جعلها لتكاثر وحِفْظ النوع، فالحيوان المحكوم بالغريزة يؤدي هذه المهمة للتكاثر ويقف بها عند حدِّها، فإذا لقَّح الذكر الأنثى يستحيل أنْ تمكِّنه من نفسها بعد ذلك، وهو أيضاً يشمُّ رائحة الأنثى، فإنْ كانت حاملاً ينصرف عنها.

أما الإنسان فغير ذلك؛ لأن له شهوة تتحكم فيه، فالمرأة تتحمل مشقة الحمل وألم الولادة، ثم تربية المولود إلى أنْ يكبر، ولولا أن الله تعالى ربط حِفْظ النوع في الإنسان بشهوة هي أعنف شهوات النفس ما أقدمتْ المرأة على الحمل مرة أخرى.

وما قُلْناه في غريزة الجنس نقوله في الطعام والشراب، الحيوان محكوم فيها بالغريزة المطلقة التي لا دَخْلَ للهوى فيها، فإذا شبع لا يأكل مهما حاولتَ معه، بل ونرى الحمار الذي نقول عنه إنه حمار لا يأكل عوداً واحداً بعد شِبَعه، ويمر على النعناع الأخضر مثلاً أو على الملوخية فلا يأكلها، ويذهب إلى الحشائش اليابسة، فهو يعرف طعامه بالغريزة التي جعلها الله فيه.

أما الإنسان فيأكل حتى التُّخْمة، ثم لا ينسى بعد ذلك الحلو والبارد والمهضم. . الخ ذلك؛ لأنه أسير لشهوة بطنه، حتى إن من الناس مَنْ يغضب؛ لأنه شبع فهو يريد ألَاّ يفارق المائدة.

وقد حدثنا رجال حديقة الحيوان بعد زلزال 1992 أنهم شاهدوا هياجاً في الحيوانات المحبوسة في الأقفاص قبل حدوث الزلزال، كان

ص: 11406

أولها الوطواط، ثم الزرافة، ثم التمساح، ثم القرود، ثم الحمير، وكأنهم يريدون تحطيم الأقفاص والخروج منها، بعدها حدث الزلزال.

وكذلك ما شاهده أهل أغادير بالدار البيضاء قبل الزلزال الذي وقع بها، حيث شاهدوا الحمير تفك قيودها، وتفرّ هاربة إلى الخلاء، وبعدها وقع الزلزال. إذن: لدى هذه الحيوانات استشعار بالزلزال قبل أن يقع.

وقد أعطانا الحق سبحانه وتعالى مثالاً لهذه الغريزة في قصة الغراب الذي علَّم الإنسان كيف يُواري الميت، فقال تعالى في قصة وَلَدَيْ آدم: {فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ

} [المائدة: 31] .

نعود إلى حديثنا عن أجناس الكون لبيان عدم عَقْل هؤلاء الذين جعلوا لله شركاء، فأجناس الوجود: الإنسان، ثم الحيوان، ثم النبات، ففيه حياة ونمو، ثم الجماد أقل الموجودات درجة، وهو خادم للنبات وللحيوان وللإنسان، فكل جنس من هذه يخدم الجنس الأعلى منه.

فماذا فعل الكفار حينما عبدوا الأصنام؟ جعلوا الجماد الذي هو أدنى المخلوقات أرقاها وأعظمها، جعلوه إلهاً يُعْبد، وهل هناك أقلّ عقلاً من هؤلاء؟

لذلك يقول الحق سبحانه: {بَلِ اتبع الذين

} .

ص: 11407

اتبعوا اهواءهم: لأنهم اختاروا عبادة مَنْ لا منهجَ له ولا تكليف، عبدا إلهاً لا أمر له ولا نهي، لا يرتب على التقصير عقوبة، ولا على العمل ثواباً، وهذا كله من وحي الهوى الذي اتبعوه.

إياك أن تُقدِّم الهوى على العقل؛ لأنك حين تُقدِّم الهوى يصير العقل عقلاً تبريرياً، يحاول أنْ يعطيك ما تريد بصرف النظر عن عاقبته، لكن بالعقل أولاً حدِّد الهوى، ثم اجعل حركة حياتك تبعاً له.

والبعض يظن أن الهوى شيء مذموم على إطلاقه، لكن الهوى الواحد غير مذموم، أما المذموم فهي الأهواء المتعددة المتضاربة؛ لأن الهوى الواحد في القلب يُجنِّد القالب كله لخدمة هذا الهوى، فحين يكون هواى أنْ أذهب إلى مكان كذا، فإن القالب يسعى ويخطط لهذه الغاية، فيحدد الطريق، ويُعد الزاد، ويأخذ بأسباب الوصول.

وهذا الهوى هو المعنىّ في الحديث الشريف: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» فالنبي صلى الله عليه وسلم َ لم يمنع أن يكون للإنسان هوى تميل إليه نفسه وتحبه؛ لأن ذلك الهوى يُعينه على الجهاد والكفاح في حركة الحياة.

أما حين تتعدد الأهواء فَلَك محبوب، ولي محبوب آخر، فإنها لا شكَّ تتعارض وتتعاند، والله تعالى يريد من المجتمع الإيماني أن تتساند كل أهوائه، وأن تتعاضد لا تتعارض، وأن تتضافر لا تتضارب؛ لأن تضارب الأهواء يُبدِّد حركة الحياة ويضيع ثمرتها.

أمّا إنْ كان هواي هو هواك، وهو هوى ليس بشرياً، إنما هوى رسمه لنا الخالق عز وجل فسوف نتفق فيه، وتثمر حركة حياتنا

ص: 11408

من خلاله {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير} [الملك: 14] .

وسبق أنْ قُلْنا: إن صاحب الصَّنْعة في الدنيا يجعل معها كتالوجاً يُبيِّن طريقة صيانتها، والحق سبحانه وتعالى هو الذي خلقك، وهو الذي يُحدِّد لك هواك، وأول فشل في الكون أن الناس المخلوقين لله يريدون أنْ يضعوا للبشر قانون صيانتهم من عند أنفسهم.

ونقول: هذا لا يصح؛ لأن الذي يُقنِّن ويضع للناس ما يصونهم ينبغي أن تتوفر فيه شروط: أولها: أن يكون على علم محيط لا يستدرك عليه، وأنت أيها الإنسان عِلْمك محدود كثيراً ما تستدرك أنت عليه بعد حين، ويتبين لك عدم مناسبته وعدم صلاحيته.

بل وتبين أنت بنفسك فساد رأيك فترجع عنه إلى غيره، كما يجب على مَنْ يشرِّع للناس الهوى الوحد أن يكونوا جميعاً بالنسبة له سواء، وألا ينتفع هو بما يشرِّع، وإلا لو كانت له منفعة فإنه سوف يميل إلى ما ينفعه، فلا يكون موضوعياً كما رأينا في الشيوعية وفي الرأسمالية وغيرها من المذاهب البشرية.

والحق سبحانه وتعالى هو وحده الذي لا يُستْدرك عليه؛ لأن علمه محيط بكل شيء لا تخْفى عليه خافية، والخَلْق جميعاً الذين يشرع لهم أمامه سواء، وكلهم عباده، لا يحابي منهم أحداً، ولا يميز أحداً على أحد، وليس له سبحانه من خَلْقه صاحبة ولا ولد.

لذلك يطمئننا سبحانه بقوله: {وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً} [الجن: 3] .

وكأن الله تعالى يقول: اطمئنوا، فربّكم ليس له صاحبة تُؤثِّر عليه، ولا ولد يُحابيه، فالصاحبة والولد نقطة الضعف، وسبب الميْل في مسألة التشريع.

ص: 11409

وكذلك هو سبحانه لا ينتفع بما يُشرِّعه لنا، لأنه سبحانه خلقنا بقدرته، وهو الغني عنَّا لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصي، إذن: فهو سبحانه وحده المستكمل لشروط التشريع، والمستحق لها سبحانه، وبيان الهوى الواحد الذي يجتمع عليه كل الخَلْق.

وسبق أن ذكرنا في مسألة التشريع أنه لا ينبغي أن تنظر إلى ما أُخِذ منك، بل قارن بين ما أخذتَ وما أعطيتَ، فالذي منعك أنْ تعتدي على الآخرين وأنت فرد واحد منع الخَلْق جميعاً أنْ يعتدوا عليك، فالتشريع إذن في صالحك أنت.

إذن: لو عقلنا لأخذنا هوانا الواحد من إله واحد هو الله عز وجل لكن الخيبة أنهم ما استمعوا هذا الكلام وما عقلوه.

{بَلِ اتبع الذين ظلموا أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ

} [الروم: 29] ظلموا لأنهم عزلوا الهوى الواحد، ونَحَّوه جانباً، وأخذوا أهواءً شتى تعارضتْ وتضاربت، فلم يصلوا منها إلى نتيجة.

وما ظلموا بالشرك إلا أنفسهم، والله تعالى يقول:{إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ظلموا أنفسهم حينما أعطوها شهوة عاجلة ولذة فانية، وغفلوا عن عاقبة ذلك، فهم إما كارهون لأنفسهم، أو يحبونها حباً أحمق، وهذه آفة الهوى حينما يسبق العقل ويتحكم فيه.

وقوله تعالى: {بِغَيْرِ عِلْمٍ

} [الروم: 29] أولاً: ما هو العلم؟ في الكون قضايا نجزم بها، فإنْ كان ما نجزم به مطابقاً للواقع ونستطيع أن ندلل عليه - كما نُعلِّم مثلاً الولد الصغير: الله أحد، فإن استطاع أن يدلل عليها فهي عِلْم، وإنْ لم يستطع فهي تقليد.

ص: 11410

وكمن يقول مثلاً: الأرض كروية وهي فعلاً كذلك، أما مَنْ يكابر حتى الآن ويقول ليست كروية، والواقع أنها كروية، فهذا جهل.

إذن: نقول ليس الجهل ألَاّ تعلم، إنما الجهل أنْ تععلم قضية على خلاف الواقع؛ لذلك نُفرِّق بين الجاهل والأمي: الأمي خالي الذِّهْن ليست لديه قضية من أساسه، فإنْ أخبرته بقضية أخذها منك دون عناد، ودون مكابرة أمّا الجاهل فعنده قضية خاطئة معاندة، فيحتاج منك أولاً لأنْ تُخرِج القضية الفاسدة لتُلِقي إليه بالقضية الصحيحة.

فإنْ كانت القضية لا تصل إلى مرتبة أنْ نجزم بها، فتنظر: إنْ تساوي الإثبات فيها مع النفي فهي الشك، إذن: فالشكُّ قضية غير مجزوم بها يستوي فيها الإثبات والنفي، فإنْ غلَّبْتَ جانب الإثبات ورجَّحته فهو ظن، أما إنْ غلَّبت جانب النفي فهو وهم.

فعندنا - إذن - من أنواع القضايا: علم، وجهل وتقليد، وظن، ووَهْم.

فالحق سبحانه يريد الهوى الذي تخدمه حركة حياتنا هوى عن علم وعن قضية مجزوم بها، مطابقة للواقع، وعليها دليل، لكن ما دام هؤلاء قد اتبعوا أهواءهم المتفرقة، وأخذوها بدون أصولها من العلم، فسوف أكمل لهم ما أرادوا وأعينهم على ما أحبُّوا {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله

} [الروم: 29] فقد ألغواْ عقولهم وعطَّلوها وعشقوا الكفر بعد ما سُقْنا لهم الأدلة والبراهين.

إذن: لم يَبْقَ إلا أنْ أعينكم على ما تعتقدون، وأنْ أساعدكم عليه، فأختم على قلوبكم، فلا يدخلها إيمان ولا يفارقها كفر، لأنني رب أعين عبدي على ما يريد. وهكذا يُضل الله هؤلاء، بمعنى: يعينهم على ما هم عليه من الضلال بعد أنْ عَشِقَوه، كما قال سبحانه:

ص: 11411

{خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} [البقرة: 7] .

لذلك نحذر الذين يصابون بمصيبة، ثم لا يَسْلُون، ولا ينسون، ويلازمون الحزن، نحذرهم ونقول لهم: لا تدعوا باب الحزن مفتوحاً، وأغلقوه بمسامير الرضا، وإلا تتابعتْ عليكم الأحزان؛ لأن الله تعالى رب يُعين عبده على ما يحب، حتى الساخط على قدره تعالى.

فالمعنى {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله

} [الروم: 29] يعني: مَنْ ينقذه؟ ومَنْ يضع له قانون صيانته إنْ تخلَّى عنه ربه وتركه يفعل ما بدا له؟ لا أحد. وأنت إذا نصحتَ صاحبك وكررتَ له النصْح فلم يُطعْك تتخلى عنه، بل إن أحد الحكماء يقول: انصح صاحبك من الصبح إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، فإنْ لم يطاوعك ضلّله - أو أكمل له بقية النهار غِشّاً.

وسبق أن تحدثنا عن الطريقة الصحيحة في بحث القضايا لتصل إلى الحكم الصائب فيها، فلا تدخل إلى العلم بهوى سابق، بل أخرج كل ما في قلبك يؤيد هذه القضية أو يعارضها، ثم ابحث القضية بموضوعية، فما تقتنع به الموازين العقلية وتُرجِّحه أدخله إلى قلبك.

والذي يُتعب الناس الآن أن نناقش قضية الإسلام مثلاً وفي القلب مَيْل للشيوعية مثلاً، فننتهي إلى نتيجة غير سليمة.

ثم يقول سبحانه: {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [الروم: 29] يعني: يا ليت لهم مَنْ ينقذهم إنْ أضلَّهم الله فختم على قلوبهم، فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها كفر، فليس لهم من الله نصير ينصرهم، ولا مجير يجيرهم من الله، وهو سبحانه يجير ولا يُجَار عليه.

ص: 11412

ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ

} .

ص: 11413

الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم َ: يا محمد، ما دام الأمر كذلك، وما داموا قد اتبعوا أهواءهم وضلوا، وأصروا على ضلالهم، فدَعْك منهم ولا تتأثر بإعراضهم.

كما قال له ربه: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَاّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3] وقال له: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً} [الكهف: 6] .

فما عليك يا محمد إلا البلاغ، واتركهم لي، وإياك أن يؤثر فيك عنادهم، أو يحزنك أن يأتمروا بك، أو يكيدوا لك، فقد سبق القول مني أنهم لن ينتصروا عليك، بل ستنتصر عليهم.

وهذه قضية قرآنية أقولها، وتُسجَّل عليّ:{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 171 - 173] .

{وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ

} [الحج: 40] .

{إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ

} [محمد: 7] .

هذه قضية قرآنية مُسلَّم بها ومفروغ منها، وهي على ألسنتنا وفي قلوبنا، فإنْ جاء واقعنا مخالفاً لهذه القضية، فقد سبق أنْ

ص: 11413

أكدها واقع الأمم السابقة، وسيحدث معك مثل ذلك؛ لذلك يُطمئن الحق نبيه صلى الله عليه وسلم َ:{فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77] .

فهنا {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً

} [الروم: 30] أي: دعْكَ من هؤلاء الضالين، وتفرَّغ لمهمتك في الدعوة إلى الله، وإياك أنْ يشغلوك عن دعوتك.

ومعنى إقامة الوجه للدين يعني: اجعل وجهْتك لربك وحده، ولا تلتفت عنه يميناً ولا شمالاً، وذكر الوجه خاصة وهو يعني الذات كلها؛ لأن الوجه سِمة الإقبال.

ومنه قوله سبحانه: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ

} [القصص: 88] يعني: ذاته تعالى.

ومعنى {حَنِيفاً

} [الروم: 30] هذه الكلمة من الكلمات التي أثارت تذبذباً عند الذين يحاولون أنْ يستدركوا على كلام الله؛ لأن معنى الحنيف: مائل الساقين فترى في رِجلْه انحناء للداخل، يقال: في قدمه حنف أي ميل، فالمعنى: فأقم وجهك للدين مائلاً، نعم هكذا المعنى، لكن مائلاً عن أيِّ شيء؟

لا بُدَّ أن تفهم المعنى هنا، حتى لا تتهم أسلوب القرآن، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم َ جاء ليصلح مجتمعاً فاسداً منحرفاً يدين بالشرك والوثنية، فالمعنى: مائلاً عن هذا الفساد، ومائلاً عن هذا الشرك، وهذه الوثنية التي جئت لهدمها والقضاء عليها، ومعنى: مال عن الباطل. يعني: ذهب إلى الحق.

و (أَقِمْ) هنا بمعنى: أقيموا، لأن خطاب الرسول خطاب

ص: 11414

لأمته، بدليل أنه سبحانه سيقول في الآية بعدها: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ

} [الروم: 31] ولو كان الأمر له وحده لَقالَ منيباً إليه، ومثال ذلك أيضاً قوله تعالى: {ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ

} [الطلاق: 1] .

فالخطاب للأمة كلها في شخص رسول الله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم َ هو المبلِّغ، والمبلِّغ هو الذي يتلقى الأمر، ويقتنع به أولاً ليستطيع أنْ يُبلِّغه؛ لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

}

[الأحزاب: 21] .

وقال {حَنِيفاً

} [الروم: 30] لأن الرسل لا تأتي إلا على فساد شمل الناس جميعاً؛ لأن الحق سبحانه كما خلق في الجسم مناعة مادية خلق فيه مناعة قيمية، فالإنسان تُحدِّثه نفسه بشهوة وتغلبه عليها، فيقع فيها، لكن ساعة ينتهي منها يندم عليها ويُؤنِّبه ضميره، فيبكي على ما كان منه، وربما يكره من أعانه على المعصية.

وهذه هي النفس اللوامة، وهي علامة وجود الخير في الإنسان، وهذه هي المناعة الذاتية التي تصدر من الذات.

وفَرْق بين مَنْ تنزل عليه المعصية وتعترض طريقه، ومَنْ يُرتِّب لها ويسعى إليها، وهذا بيِّن في قوله تعالى: {إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ

} [النساء: 17] .

فَرْق بين مَنْ يذهب إلى باريس لطلب العلم، فتعترض طريقه إحدى الفتيات، ومَنْ يذهب إلى باريس لأنه سمع عما فيها من إغراء، فهذا وقع في المعصية رغماً عنه، ودون ترتيب لها، وهذا قصدها وسعى إليها، الأول غالباً ما يُؤنِّب نفسه وتتحرك بداخله النفس اللوامة والمناعة الذاتية، أما الآخر فقد ألِفَتْ نفسه المعصية

ص: 11415

واستشرتْ فيها، فلا بُدَّ أن تكون له مناعة، ليست من ذاته، بل من المجتمع المحيط به، على المجتمع أن يمنعه، وأن يضرب على يديه.

والمناعة في المجتمع لا تعني أن يكون مجتمعاً مثالياً لا يعرف المعصية، بل تحدث منه المعاصي، لكنها مُفرّقة على أهواء الناس، فهذا يميل إلى السرقة، وهذا يميل إلى النظر إلى المحرمات، وهذا يحب كذا. . إلخ.

إذن: ففي الناس مواطن القوة، ومواطن ضعف، وعلى القوي في شيء أن يمنع الضعيف فيه، وأنْ يزجره ويُقومِّه؛ لذلك يقول تعالى:{والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلَاّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} [العصر: 1 - 3] .

فإذا عَمَّ الفساد وطَمَّ كما قال تعالى عن اليهود: {كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ

} [المائدة: 79] وفقد المجتمع أيضاً مناعته. فلا بُدَّ أنْ تتدخل السماء برسول جديد ومعجزة جديدة، لينقذ هؤلاء.

ثم يقول تعالى: {فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا

} [الروم: 30] فنحن نرى البشر يتخذون الطعوم والأمصال للتحصين من الأمراض، كذلك الحق سبحانه - وله المثل الأعلى - جعل هذا المصل التطعيمي في كل نفس بشرية، حتى في التكوين المادي.

ألا ترى قوله تعالى في تكوين الإنسان: {ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ

} [الحج: 5] .

فالمخلَّقة هي التي تكوّن الأعضاء، وغير المُخلَّقة هي الرصيد

ص: 11416

المختزن في الجسم، وبه يعوَّض أيّ خلل في الأعضاء المخلَّقة، فهي التي تمده بما يصلحه، كذلك في القيم جاء دين الله فطرت الله التي فطر الناس عليها، فإذا تدخلتْ الأهواء وحدثتْ الغفلة جاءتْ المناعة، إما من ذات النفس، وإما من المجتمع، وإما برسول ومنهج جديد.

وقد كرَّم الله أمة محمد بأن يكون رسولُها خاتَم الرسل، فهذه بُشْرى لنا بأن الخير باقٍ فينا، ولا يزال في يوم القيامة، ولن يفسد مجتمع المسلمين أبداً بحيث يفقد كله هذه المناعة، فإذا فسدتْ فيه طائفة وجدت أخرى تُقوِّمها، وهذا واضح في قول النبي صلى الله عليه وسلم َ.

«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» .

وقال صلى الله عليه وسلم َ: «الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة» .

وإلا لو عَمَّ الفساد هذه الأمة لاقتضى الأمر شيئاً آخر.

وحين نقرأ الآية نجد أن كلمة {فِطْرَتَ

} [الروم: 30] منصوبة، ولم يتقدم عليها ما ينصبها، فلماذا نُصِِبَتْ؟ الأسلوب هنا يريد أن يلفتك لسبب النصب، وللفعل المحذوف هنا، لتبحث عنه بنفسك، فكأنه قال: فأقم وجهك للدين حنيفاً والزم فطرت الله التي فطر الناس عليها.

ص: 11417

لذلك يسمي علماء النحو هذا الأسلوب أسلوب الإغراء، وهو أن أغريك بأمر محبوب وأحثَّك على فِعْله، كذلك الحق سبحانه يغري رسوله صلى الله عليه وسلم َ بأنْ يُقيم وجهه نحو الدين الخالص، وأنْ يلزم فطرت الله، وألا يلتفت إلى هؤلاء المفسدين، أو المعوِّقين له.

والفطرة: يعني الخلقة كما قال سبحانه: {فَاطِرَ السماوات والأرض

} [يوسف: 101] يعني: خالقهما، والفطرة المرادة هنا قوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .

فالزم هذه الفطرة، واعلم أنك مخلوق للعبادة.

أو: أن فطرت الله تعني: الطبيعة التي أودعها الله في تكوينك منذ خلق اللهُ آدم، وخلق منه ذريته، وأشهدهم على أنفسهم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى

} [الأعراف: 172] .

وسبق أنْ بيَّنا كيف أن في كل منا ذرة حية من أبينا آدم باقية في كل واحد منا، فالإنسان لا ينشأ إلا من الميكروب الذكري الحي الذي يُخصِّب البويضة، وحين تسلسل هذه العملية لا بُدَّ أن تصل بها إلى آدم عليه السلام.

وهذه الذرة الباقية في كل منا هي التي شهدتْ العهد الأول الذي أخذه الله علينا، وإلا فالكفار في الجاهلية الذين جاء رسول الله لهدايتهم، كيف اعترفوا لله تعالى بالخلق: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله

} [الزمر: 38] .

من أين عرفوا هذه الحقيقة؟ نُقِلت إليهم من هذا العهد الأول،

ص: 11418

فمنذ هذا العهد لم يجرؤ أحد من خَلْق الله أنْ يدَّعي هذا الخَلْق لنفسه، فظلت هذه القضية سليمة في الأذهان مع ما حدث من فساد في معتقدات البشر.

وتظل هذه القضية قائمة بالبقية الباقية من هذا العهد الأول، حتى عند الكفار والملاحدة، فحين تكتنفهم الأحداث وتضيق بهم أسبابهم، تراهم يقولون وبلا شعور: يا رب، لا يدْعون صنماً ولا شجراً، ولا يذهبون إلى آلهتهم التي اصطنعوها، فهم يعلمون أنها كذب في كذب، ونصب في نصب.

والآن لا يخدعون أنفسهم ولا يكذبون عليها، الآن وفي وقت الشدة وحلول الكرب ليس إلا الله يلجئون إليه، ليس إلا الحق والفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.

وما دام الله قد فطرنا على هذه الفطرة، فلا تبديل لما أراده سبحانه: {ذَلِكَ الدين القيم

} [الروم: 30] أي: الدين الحق {ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] أي: لا يعلمون العلم على حقيقته والتي بيَّناها أنها الجزم بقضية مطابقة للواقع، ويمكن إقامة الدليل عليها.

ثم يقول الحق سبحانه: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ واتقوه

} .

ص: 11419