المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة البقرة (2): آية 189] - تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن - جـ ٢

[القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌[سورة البقرة (2): آية 75]

- ‌[سورة البقرة (2): الآيات 76 الى 77]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 78]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 79]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 80]

- ‌[سورة البقرة (2): الآيات 81 الى 82]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 83]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 84]

- ‌[سورة البقرة (2): الآيات 85 الى 86]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 87]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 88]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 89]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 90]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 91]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 92]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 93]

- ‌[سورة البقرة (2): الآيات 94 الى 95]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 96]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 97]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 98]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 99]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 100]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 101]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 102]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 103]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 104]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 105]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 106]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 107]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 108]

- ‌[سورة البقرة (2): الآيات 109 الى 110]

- ‌[سورة البقرة (2): الآيات 111 الى 112]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 113]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 114]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 115]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 116]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 117]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 118]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 119]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 120]

- ‌[سورة البقرة (2): الآيات 121 الى 123]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 124]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 125]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 126]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 127]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 128]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 129]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 130]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 131]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 132]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 133]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 134]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 135]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 136]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 137]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 138]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 139]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 140]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 141]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 142]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 143]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 144]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 145]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 146]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 147]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 148]

- ‌[سورة البقرة (2): الآيات 149 الى 150]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 151]

- ‌[سورة البقرة (2): الآيات 152 الى 153]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 154]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 155]

- ‌[سورة البقرة (2): الآيات 156 الى 157]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 158]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 159]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 160]

- ‌[سورة البقرة (2): الآيات 161 الى 162]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 163]

- ‌[سورة البقرة (2): آيَةً 164]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 165]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 166]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 167]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 168]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 169]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 170]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 171]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 172]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 173]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 174]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 175]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 176]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 177]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 178]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 179]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 180]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 181]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 182]

- ‌[سورة البقرة (2): الآيات 183 الى 184]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 185]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 186]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 187]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 188]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 189]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 190]

- ‌[سورة البقرة (2): الآيات 191 الى 192]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 193]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 194]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 195]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 196]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 196]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 197]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 198]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 199]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 200]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 201]

- ‌[سورة البقرة (2): آية 202]

الفصل: ‌[سورة البقرة (2): آية 189]

فَوْقَ، وَلَا يُفَسَّقُ بِمَا دُوِّنَ ذَلِكَ. وَهَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَبِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ" الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَى صحته.

[سورة البقرة (2): آية 189]

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)

فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ" هَذَا مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ الْيَهُودُ وَاعْتَرَضُوا بِهِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ تَغْشَانَا وَيُكْثِرُونَ مَسْأَلَتَنَا عَنِ الْأَهِلَّةِ، فَمَا بَالُ الْهِلَالِ يَبْدُو دَقِيقًا ثُمَّ يَزِيدُ حَتَّى يَسْتَوِيَ وَيَسْتَدِيرَ، ثُمَّ يُنْتَقَصُ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا سُؤَالُ قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْهِلَالِ وَمَا سَبَبُ مِحَاقِهِ «1» وَكَمَالِهِ وَمُخَالَفَتِهِ لِحَالِ الشَّمْسِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ وَغَيْرُهُمْ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" عَنِ الْأَهِلَّةِ" الْأَهِلَّةُ جَمْعُ الْهِلَالِ، وَجُمِعَ وَهُوَ وَاحِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ هِلَالًا وَاحِدًا فِي شَهْرٍ، غَيْرَ كَوْنِهِ هِلَالًا فِي آخَرَ، فَإِنَّمَا جُمِعَ أَحْوَالُهُ مِنَ الْأَهِلَّةِ. وَيُرِيدُ بِالْأَهِلَّةِ شُهُورَهَا، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِالْهِلَالِ عَنِ الشَّهْرِ لِحُلُولٍ فِيهِ، كَمَا قَالَ:

أَخَوَانِ مِنْ نَجْدٍ عَلَى ثِقَةٍ

وَالشَّهْرُ مِثْلُ قُلَامَةِ الظُّفْرِ

وَقِيلَ: سُمِّيَ شَهْرًا لِأَنَّ الْأَيْدِيَ تُشْهِرُ بِالْإِشَارَةِ إِلَى مَوْضِعِ الرُّؤْيَةِ وَيَدُلُّونَ عَلَيْهِ. وَيُطْلَقُ لَفْظُ الْهِلَالِ لِلَّيْلَتَيْنِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، وَلَيْلَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِهِ. وَقِيلَ: لِثَلَاثٍ مِنْ أَوَّلِهِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ هِلَالٌ حَتَّى يُحَجِّرَ وَيَسْتَدِيرَ لَهُ كَالْخَيْطِ الرَّقِيقِ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ هِلَالٌ حَتَّى يَبْهَرَ بضوئه

(1). المحاق (بتثليث الميم): أن ستسر القمر ليلتين فلا يرى غدوة ولا عشية.

ص: 341

السَّمَاءَ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ سَبْعٍ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ هِلَالٌ لِأَنَّ النَّاسَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ. وَمِنْهُ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ إِذَا ظَهَرَتْ حَيَاتُهُ بِصُرَاخِهِ. وَاسْتَهَلَّ وَجْهُهُ فَرَحًا وَتَهَلَّلَ إِذَا ظَهَرَ فِيهِ السُّرُورُ. قَالَ أَبُو كَبِيرٍ:

وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى أَسِرَّةِ وَجْهِهِ

بَرَقَتْ كَبَرْقِ الْعَارِضِ الْمُتَهَلِّلِ

وَيُقَالُ: أَهْلَلْنَا الْهِلَالَ إِذَا دَخَلْنَا فِيهِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ:" وَأَهَلَّ الْهِلَالُ وَاسْتَهَلَّ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَيُقَالُ أَيْضًا: اسْتَهَلَّ بِمَعْنَى تَبَيَّنَ، وَلَا يُقَالُ: أَهَلَّ وَيُقَالُ: أَهْلَلْنَا عَنْ لَيْلَةِ كَذَا، وَلَا يُقَالُ: أَهْلَلْنَاهُ فَهَلَّ، كَمَا يُقَالُ: أَدْخَلْنَاهُ فَدَخَلَ، وَهُوَ قِيَاسُهُ": قَالَ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَيُقَالُ: أَهَلَّ الْهِلَالُ وَاسْتَهَلَّ وَأَهْلَلْنَا الْهِلَالَ وَاسْتَهْلَلْنَا. الثَّالِثَةُ- قَالَ عُلَمَاؤُنَا: مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ غَرِيمُهُ أَوْ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا فِي الْهِلَالِ أَوْ رَأْسِ الْهِلَالِ أَوْ عِنْدَ الْهِلَالِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَمْ يَحْنَثْ. وَجَمِيعُ الشُّهُورِ تَصْلُحُ لِجَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ عَلَى مَا يَأْتِي. قَوْلُهُ تَعَالَى:" قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ" تَبْيِينٌ لِوَجْهِ الْحِكْمَةِ فِي زِيَادَةِ الْقَمَرِ وَنُقْصَانِهِ، وَهُوَ زَوَالُ الْإِشْكَالِ فِي الْآجَالِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْإِيمَانِ وَالْحَجِّ وَالْعَدَدِ وَالصَّوْمِ وَالْفِطْرِ وَمُدَّةِ الْحَمْلِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْأَكْرِيَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الْعِبَادِ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ الْحَقُّ:" وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ"[الاسراء: 12] عَلَى مَا يَأْتِي «1» . وَقَوْلُهُ:" هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ «2» "[يونس: 5]. وَإِحْصَاءُ الْأَهِلَّةِ أَيْسَرُ مِنْ إِحْصَاءِ الْأَيَّامِ. الرَّابِعَةُ- وَبِهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الظَّاهِرِ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمُسَاقَاةَ تَجُوزُ إِلَى الْأَجَلِ الْمَجْهُولِ سِنِينَ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَلَ الْيَهُودَ عَلَى شَطْرِ الزَّرْعِ وَالنَّخْلِ مَا بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غير توقيت. وهذا

(1). راجع ج 10 ص 227.

(2)

. راجع ج 8 ص 309.

ص: 342

لَا دَلِيلَ فِيهِ، لِأَنَّهُ عليه السلام قَالَ لِلْيَهُودِ:(أُقِرُّكُمْ [فِيهَا] «1» مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ). وَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ وَأَوْضَحُ سَبِيلٍ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خُصُوصٌ لَهُ، فَكَانَ يَنْتَظِرُ فِي ذَلِكَ الْقَضَاءِ مِنْ رَبِّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَيْرُهُ. وَقَدْ أَحْكَمَتِ الشَّرِيعَةُ مَعَانِي الْإِجَارَاتِ وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ، فَلَا يَجُوزُ شي مِنْهَا إِلَّا عَلَى مَا أَحْكَمَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وقال به علماء الامة. الخامسة- قوله تعالى:" مَواقِيتُ" المواقيت: جميع الْمِيقَاتِ وَهُوَ الْوَقْتُ. وَقِيلَ: الْمِيقَاتُ مُنْتَهَى الْوَقْتِ. و" مَواقِيتُ" لَا تَنْصَرِفُ، لِأَنَّهُ جَمْعٌ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْآحَادِ، فَهُوَ جَمْعٌ وَنِهَايَةُ جَمْعٍ، إِذْ لَيْسَ يُجْمَعُ فَصَارَ كَأَنَّ الْجَمْعَ تَكَرَّرَ فِيهَا. وصرفت" قوارير" في قوله:" قَوارِيرَا"«2» [الإنسان: 16] لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي رَأْسِ آيَةٍ فَنُوِّنَتْ كَمَا تُنَوَّنُ الْقَوَافِي، فَلَيْسَ هُوَ تَنْوِينُ الصَّرْفِ الَّذِي يدل على تمكن الاسم. السادسة- قوله تعالى:" وَالْحَجِّ" بِفَتْحِ الْحَاءِ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ بِالْكَسْرِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَفِي قوله:" حِجُّ الْبَيْتِ في"[آل عمران: 97] فِي" آلِ عِمْرَانَ"«3» . سِيبَوَيْهِ: الْحَجُّ كَالرَّدِّ وَالشَّدِّ، وَالْحِجُّ كَالذِّكْرِ، فَهُمَا مَصْدَرَانِ بِمَعْنًى وَقِيلَ: الْفَتْحُ مَصْدَرٌ، وَالْكَسْرُ الِاسْمُ. السَّابِعَةُ- أَفْرَدَ سُبْحَانَهُ الْحَجَّ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى مَعْرِفَةِ الوقت، وأنه لا يجوز النسي فِيهِ عَنْ وَقْتِهِ، بِخِلَافِ مَا رَأَتْهُ الْعَرَبُ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَحُجُّ بِالْعَدَدِ وَتُبْدِلُ الشُّهُورُ، فَأَبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَهُمْ وَفِعْلَهُمْ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي" بَرَاءَةٌ"«4» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الثَّامِنَةُ- اسْتَدَلَّ مَالِكٌ رحمه الله وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا فِي أَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ يَصِحُّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْأَهِلَّةَ كُلَّهَا ظَرْفًا لِذَلِكَ، فَصَحَّ أَنْ يُحْرِمَ فِي جَمِيعِهَا بِالْحَجِّ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الشافعي، لقوله تعالى:" الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ"[البقرة: 197] عَلَى مَا يَأْتِي. وَأَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ بَعْضَهَا مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ، وَبَعْضَهَا مَوَاقِيتُ لِلْحَجِّ، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: الْجَارِيَةُ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَذَلِكَ يَقْضِي أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا لِزَيْدٍ وَبَعْضُهَا لِعَمْرٍو، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: جَمِيعُهَا لِزَيْدٍ وَجَمِيعُهَا لِعَمْرٍو. وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ

(1). الزيادة عن الموطأ.

(2)

. راجع ج 19 ص 138.

(3)

. راجع ج 4 ص 142.

(4)

. راجع ج 8 ص 136.

ص: 343

" هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ" يَقْتَضِي كَوْنَ جَمِيعِهَا مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ وَجَمِيعِهَا مَوَاقِيتَ لِلْحَجِّ، وَلَوْ أَرَادَ التَّبْعِيضَ لَقَالَ: بَعْضُهَا مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَبَعْضُهَا مَوَاقِيتُ لِلْحَجِّ. وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مِيقَاتٌ لِصَوْمِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَهُ مِيقَاتٌ لِصَوْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْجَارِيَةِ فَصَحِيحٌ، لِأَنَّ كَوْنَهَا جَمْعَاءَ لِزَيْدٍ مَعَ كَوْنِهَا جَمْعَاءَ لِعَمْرٍو مُسْتَحِيلٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الزَّمَانَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِيقَاتًا لِزَيْدٍ وَمِيقَاتًا لِعَمْرٍو، فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ. التَّاسِعَةُ- لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ بَاعَ مَعْلُومًا مِنَ السِّلَعِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ مِنْ شُهُورِ الْعَرَبِ أَوْ إِلَى أَيَّامٍ مَعْرُوفَةِ الْعَدَدِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ. وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي السَّلَمِ إِلَى الْأَجَلِ الْمَعْلُومِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَنْ بَاعَ إِلَى الْحَصَادِ أَوْ إِلَى الدِّيَاسِ أَوْ إِلَى الْعَطَاءِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ: أَرْجُو أَلَّا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَكَذَلِكَ إِلَى قُدُومِ الْغُزَاةِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَبْتَاعُ إِلَى الْعَطَاءِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ. ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ وَجَعَلَهَا عَلَمًا لِآجَالِهِمْ فِي بِيَاعَاتِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ. كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالنُّعْمَانُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ. العاشرة- إذا رؤي الْهِلَالُ كَبِيرًا فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَا يُعَوَّلُ عَلَى كِبَرِهِ وَلَا عَلَى صِغَرِهِ وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ لَيْلَتِهِ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ قَالَ: تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ. قَالَ: فَلَقِيَنَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْنَا: إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ. فَقَالَ: أَيَّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ؟ قَالَ فَقُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ) فَهُوَ لِلَّيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها" اتَّصَلَ هَذَا بِذِكْرِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ لِاتِّفَاقِ وُقُوعِ الْقَضِيَّتَيْنِ فِي وَقْتِ السُّؤَالِ عَنِ الْأَهِلَّةِ وَعَنْ دُخُولِ الْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا. وَكَانَ الْأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا وَعَادُوا لَا يَدْخُلُونَ مِنْ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ يَلْتَزِمُونَ شَرْعًا أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ

ص: 344

السَّمَاءِ حَائِلٌ، فَإِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، أَيْ مِنْ بَعْدِ إِحْرَامِهِ مِنْ بَيْتِهِ، فَرَجَعَ لِحَاجَةٍ لَا يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْحُجْرَةِ مِنْ أَجْلِ سَقْفِ الْبَيْتِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ، فَكَانَ يَتَسَنَّمُ ظَهْرَ بَيْتِهِ عَلَى الْجُدْرَانِ ثُمَّ يَقُومُ فِي حُجْرَتِهِ فَيَأْمُرُ بِحَاجَتِهِ فَتَخْرُجُ إِلَيْهِ مِنْ بَيْتِهِ. فَكَانُوا يَرَوْنَ هَذَا مِنَ النُّسُكِ وَالْبِرِّ، كَمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَشْيَاءَ نُسُكًا، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ فِيهَا، وَبَيَّنَ الرَّبُّ تَعَالَى أَنَّ الْبِرَّ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ: كَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَحْرَمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِالْحَجِّ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدَرِ- يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتِ- نَقَّبَ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ فَمِنْهُ يَدْخُلُ وَمِنْهُ يَخْرُجُ، أَوْ يَضَعُ سُلَّمًا فَيَصْعَدُ مِنْهُ وَيَنْحَدِرُ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ- يَعْنِي أَهْلَ الْخِيَامِ- يَدْخُلُ مِنْ خَلْفِ الْخِيَامِ الْخَيْمَةَ، إِلَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْحُمْسِ. وَرَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَهَلَّ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ بِالْعُمْرَةِ فَدَخَلَ حُجْرَتَهُ وَدَخَلَ خَلْفَهُ رَجُلٌ أَنْصَارِيٌّ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَدَخَلَ وَخَرَقَ عَادَةَ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:(لِمَ دَخَلْتَ وَأَنْتَ قَدْ أَحْرَمْتَ). فَقَالَ: دَخَلْتَ أَنْتَ فَدَخَلْتُ بِدُخُولِكَ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (إِنِّي أَحْمَسُ" أَيْ مِنْ قَوْمٍ لَا يَدِينُونَ بِذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وأنا ديني دينك، فنزلت الآية، وقاله ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَالْحُمْسُ: قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ وَثَقِيفٌ وَجُشَمٌ «1» وَبَنُو عَامِرِ بن صعصعة وبنو نصر ابن مُعَاوِيَةَ. وَسُمُّوا حُمْسًا لِتَشْدِيدِهِمْ فِي دِينِهِمْ. وَالْحَمَاسَةُ الشِّدَّةُ. قَالَ الْعَجَّاجُ:

وَكَمْ قَطَعْنَا مِنْ قِفَافِ «2» حُمْسِ

أَيْ شِدَادٍ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا، فَقِيلَ مَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ النسي وَتَأْخِيرُ الْحَجِّ بِهِ، حَتَّى كَانُوا يَجْعَلُونَ الشَّهْرَ الْحَلَالَ حَرَامًا بِتَأْخِيرِ الْحَجِّ إِلَيْهِ، وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ حَلَالًا بِتَأْخِيرِ الْحَجِّ عَنْهُ، فَيَكُونُ ذِكْرُ الْبُيُوتِ عَلَى هَذَا مَثَلًا لِمُخَالَفَةِ الْوَاجِبِ فِي الْحَجِّ وشهوره.

(1). كذا في ج. وفى سائر الأصول والفخر الرازي:" خيثم". وفى البحر لابن حيان:" خثعم".

(2)

. في نسخ الأصل:" قفار" بالراء، والتصويب عن اللسان. والقفاف: الأماكن الغلاظ الصلبة. [ ..... ]

ص: 345

وسيأتي بيان النسي فِي سُورَةِ [بَرَاءَةٌ «1»] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْآيَةُ ضَرْبُ مَثَلٍ، الْمَعْنَى لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تَسْأَلُوا الْجُهَّالَ وَلَكِنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَاسْأَلُوا الْعُلَمَاءَ، فَهَذَا كَمَا تَقُولُ: أَتَيْتُ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَابِهِ. وَحَكَى الْمَهْدَوِيُّ وَمَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، وَالْمَاوَرْدِيِّ عَنْ ابْنِ زَيْدٍ أَنَّ الْآيَةَ مَثَلٌ فِي جِمَاعِ النِّسَاءِ، أَمْرٌ بِإِتْيَانِهِنَّ فِي الْقُبُلِ لَا مِنَ الدُّبُرِ. وَسُمِّيَ النِّسَاءُ بُيُوتًا لِلْإِيوَاءِ إِلَيْهِنَّ كَالْإِيوَاءِ إِلَى الْبُيُوتِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا بَعِيدٌ مُغَيِّرٌ نَمَطَ الْكَلَامِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ، فَمَنْ سَافَرَ وَلَمْ تَحْصُلْ حَاجَتُهُ كَانَ يَأْتِي بَيْتَهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ تَطَيُّرًا مِنَ الْخَيْبَةِ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ فِي التَّطَيُّرِ بِرٌّ، بَلِ الْبِرَّ أَنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وَتَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ. قُلْتُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، لِمَا رَوَاهُ الْبَرَاءُ قَالَ: كَانَ الْأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَرَجَعُوا لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَدَخَلَ مِنْ بَابِهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:" وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها" وَهَذَا نَصٌّ فِي الْبُيُوتِ حَقِيقَةً. خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَأَمَّا تِلْكَ الْأَقْوَالُ فَتُؤْخَذُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ لَا مِنَ الْآيَةِ، فَتَأَمَّلْهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ خَرَجَتْ مَخْرَجَ التَّنْبِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنْ يَأْتُوا الْبِرَّ مِنْ وَجْهِهِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَذَكَرَ إِتْيَانَ الْبُيُوتِ مِنْ أَبْوَابِهَا مَثَلًا لِيُشِيرَ بِهِ إِلَى أَنْ نَأْتِيَ الْأُمُورَ مِنْ مَأْتَاهَا الَّذِي نَدَبَنَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ مَا ذكر من الأقوال. والبيوت جمع بيت، وقرى بِضَمِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا. وَتَقَدَّمَ مَعْنَى التَّقْوَى وَالْفَلَّاحِ ولعل، فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ «2». الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانٌ أَنَّ مَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ قُرْبَةً وَلَا نَدَبَ إِلَيْهِ لَا يَصِيرُ قُرْبَةً بِأَنْ يَتَقَرَّبَ بِهِ مُتَقَرِّبٌ. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ: إِذَا أَشْكَلَ مَا هُوَ بِرٌّ وَقُرْبَةٌ بِمَا لَيْسَ هُوَ بِرٌّ وَقُرْبَةٌ أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَ بِبِرٍّ وَلَا قُرْبَةٍ. قَالَ: وَبِذَلِكَ جَاءَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ إذا هو برجل قائم

(1). راجع ج 8 ص 136.

(2)

. راجع ج 1 ص 161، 182، 27 2 طبعه ثانية.

ص: 346