الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من الجانب الآخر، ودخل فرعون وجنوده من الجانب الأول فانطبق البحر عليهم وأغرقوا أجمعون.
وهذه آية كان من حقها أن توجب الاعتبار والعظة فيؤمن به من بقي من المصريين لكنهم لم يفعلوا.
الإيضاح
(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) أي وأوحينا إليه أن سر بعبادي ليلا حتى إذا اتبعوكم مصبحين كان لكم تقدم عليهم فلا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر، بل يكونون على إثركم حين تلجونه، فيدخلون مدخلكم فأطبقه عليهم فيغرقون.
وقد جاء فى سفر الخروج من التوراة فى الإصحاح الحادي عشر: إن الرب أمر أن يطلب كل رجل من صاحبه، وكل امرأة من صاحبتها أمتعة ذهب وأمتعة فضة، وأن الله سيميت كل بكر فى أرض مصر من الإنسان والحيوان، وأمرهم أن يذبح أهل كل بيت شاة فى اليوم الرابع عشر من شهر الخروج، وأن يلطخوا القائمتين والعتبة العليا من الدار، وأن يأكلوا اللحم تلك الليلة مشويا بالنار مع فطير، وأمرهم أن يأكلوا بعجلة، ويأكلوا الرأس مع الأكارع والجوف، وهذا هو (فصح الرب) وهذا الدم علامة على بيوت بنى إسرائيل حتى يحفظ كل بكر منهم ويتخطاهم الموت إلى أبكار المصريين، ويكون أكل الفطير سبعة أيام، ويكون هذا فريضة أبدية تذكارا بالخروج من مصر من يوم 14 من شهر أبيب إلى 21 من هذا الشهر كل سنة.
وهكذا أمر موسى قومه بذلك، ففعلوا كل هذا ونجا أولادهم، وصار ذلك سنة أبدية.
ولما مات الأبكار من الإنسان والحيوان فى جميع بلاد مصر فى نصف الليل اشتغل الناس بالأموات، وأخذ بنو إسرائيل غنمهم وبقرهم وعجينهم قبل أن يختمر، ومعاجنهم
مصرورة فى ثيابهم على أكتافهم، وفعلوا ما أمرهم به الرب، فارتحلوا من رعمسيس إلى سكوت وكانوا ستمائة ألف ماش من الرجال ما عدا الأولاد، وخبزوا العجين الذي أخرجوه من مصر خبز ملّة (فطيرا) اهـ.
وكانت إقامة بنى إسرائيل فى مصر 430 سنة، وليلة الخروج هى عيد الفصح عندهم إلى الأبد.
(فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ) أي فلما أسرى بهم موسى وأخبر فرعون بما صنعوا، أرسل فى مدائن مصر رجالا من حرسه، ليجمعوا الجند فيتبعوهم ويردّوهم إلى مصر، ويعذبوهم أشد التعذيب على ما فعلوا.
ثم قوّى فرعون جنده فى اقتفاء آثارهم بأمور:
(ا)(إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) فيسهل اقتفاؤهم وإرجاعهم وكبح جماحهم فى الزمن الوجيز.
(ب)(وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ) أي وإنهم بين آونة وأخرى يصدر منهم ما يخل بالأمن، فيحدثون الشغب والاضطراب فى البلاد- إلى أنهم ذهبوا بأموالنا التي استعاروها.
(ج)(وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ) أي وإن لنا أن نحذر عاقبة أمرهم قبل أن يستفحل خطبهم ويصعب رأب صدعهم، ونحن قوم من دأبنا التيقظ والحذر، واستعمال الحزم فى الأمور.
والخلاصة- إنه أشار أولا إلى عدم الموانع التي تمنع اتباعهم من قلة وجود الشّوكة لهم، ثم إلى تحقق ما يدعو إليه من فرط عداوتهم لهم، ووجوب التيقظ فى شأنهم حثا منه عليه.
وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن، لئلا يظنّ به ما يكسر من قهره وسلطانه.
وخلاصة مقاله- إن هؤلاء عدد لا يعبأ به، وإن فى مقدورنا أن نبيدهم بأهون الوسائل، ولا خوف منهم إذا نحن اتبعنا آثارهم ورددناهم على أعقابهم
خاسئين، حتى لا يعودوا كرة أخرى إلى الإخلال بالأمن والهرج والمرج والاضطراب فى البلاد، وهذا ما يقتضيه الحزم واليقظة فى الأمور.
والذي نجزم به أن بنى إسرائيل كانوا أقل من جند فرعون، لكنا لا نجزم بعدد معين، وما فى كتب التاريخ والتوراة مبالغات يصعب تصديقها ولا ينبغى التعويل عليها، فخير لنا ألا نشغل أنفسنا باستقصاء تفاصيلها، وقد فنّد ابن خلدون فى مقدمة تاريخه هذه الروايات وأبان ما فيها من مغالاة لا يقبلها العقل ولا تثبت أمام البحث العلمي الصحيح.
وقد جازى الله فرعون وجنوده بما أرادوا أن يجازوا به بنى إسرائيل فأهلكوا جميعا كما قال:
(فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ. كَذلِكَ) أي فأخرجناهم من النعيم إلى الجحيم، وتركوا المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والملك والجاه العظيم الذي لم يسمع بمثله، وقد كان الأمر حقا كما قلنا.
ثم بين ما آل إليه أمر بنى إسرائيل بعد خروجهم من مصر:
(وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ) أي وملّكنا بنى إسرائيل جنات وعيونا مماثلة لها فى أرض الميعاد التي ساروا إليها، وفى هذا بيان لأن حالهم تحوّل من الاستعباد والرقّ إلى الترف والنعيم فى الجنات والعيون والمقام الكريم.
ونحو الآية قوله: «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها» .
(فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) أي فخرجوا من مصر فى حفل عظيم وجمع كثير من أولى الحل والعقد من الأمراء والوزراء والرؤساء والجند، فوصلوا إليهم حين شروق الشمس.
ثم ذكر ما عرا بنى إسرائيل من الخوف حين رؤيتهم فرعون وقومه.
(فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) أي فلما رأى كل من
الفريقين صاحبه قال بنو إسرائيل: إن فرعون وجنوده سيلحقوننا ويقتلوننا، وكانوا قد قالوا لموسى من قبل: إنا قد أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، فقد كانوا يذبحون أبناءنا من قبل أن تأتينا، ومن بعد ما جئتنا يدركوننا ويقتلوننا.
والخلاصة- إنا لمتابعون وسنهلك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد لأناقد انتهى بنا السير إلى سيف البحر (ساحله) وقد أدركنا فرعون وجنوده.
فأجابهم موسى وطمأنهم وقوّى نفوسهم.
(قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ) أي قال لهم موسى: إنه لن يصلكم شىء مما تحذرون، فإن الله هو الذي أمرنى أن أسير بكم إلى هنا، وهو سبحانه لا يخلف وعده، فهو:
(1)
سيهدينى إلى طريق النجاح والخلاص.
(2)
سينصرنى عليهم ويتكفّل بمعونتي.
ثم ذكر سبحانه كيف هداه ونجّاه وأهلك أعداءه فقال:
(فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) أي وأوحينا إليه أن اضرب بعصاك البحر فضرب فانفلق فكان كل قطعة من الماء كالجبل العالي وصار فيه اثنا عشر طريقا، لكل سبط منهم طريق وصار فيه طاقات ينظر منها بعضهم إلى بعض، وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته فصار يبسا كوجه الأرض كما قال فى آية أخرى:«فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى» .
(وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ) أي وقربنا فرعون وجنوده من البحر وأدنيناهم منه.
(وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) أي وأنجينا موسى وبنى إسرائيل ومن اتبعهم على دينهم، فلم يهلك منهم أحد، وأغرقنا: فرعون وجنوده ولم نبق منهم أحدا.