الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يعبدون الله بالليل والنهار لا يفترون، وبذا يستنير قلبه إلى ما هو أرفق به فى دينه ودنياه، وتحصل له قوة إلهية تجعله يهتدى إلى ما يريد، ومن ثم جاء فى الأثر حكاية عن الله تعالى:«من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» .
الإيضاح
دعا إبراهيم ربه أن يؤتيه من فضله أجمل الأخلاق وأكمل الآداب، فطلب إليه أمورا هي:
(1)
(رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً) أي ائتني معرفة بك وبصفاتك، ومعرفة للحق لأعمل به.
(2)
(وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) أي ووفقني للعمل فى طاعتك، لأنتظم فى سلك المقربين إليك، المطيعين لك، وقد أجاب الله دعاءه كما قال:«وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ» .
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فى دعائه: «اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدّلين» .
(3)
(وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) أي وخلّد ذكرى الجميل فى الدنيا بتوفيقى لصالح العمل، فأكون قدوة لمن بعدي إلى يوم القيامة، وقد أجاب الله دعاءه كما قال:«وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ. كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» .
ومن ثم لا نرى أمة إلا محبة لإبراهيم وتدّعى أنها على ملته، وقد جاء من ذريته كملة الأنبياء وأولو العزم منهم.
وختم ذلك بمجدّد دينه، وداعية الناس إلى التوحيد وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
وبعد أن طلب سعادة الدنيا طلب ثواب الآخرة فقال:
(4)
(وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) أي واجعلنى ممن يدخلون الجنة ويتمتعون بنعيمها كما يتمتع المالك بما يملكه ميراثا ويئول إليه أمره من شئون الدنيا.
وبعد أن طلب السعادة الدنيوية والأخروية لنفسه طلبها لأقرب الناس إليه وهو أبوه فقال:
(5)
(وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ) أي واغفر له ذنوبه، إنه كان ضالا عن طريق الهدى، وهذه الدعوة وفاء بما وعده من قبل كما جاء فى آية أخرى:
ثم طلب من ربه عدم خزيه وهوانه يوم القيامة فقال:
(6)
(وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) أي ولا تخزنى بمعاتبتي على ما فرطت، أو بنقص مرتبتى عن بعض الوارثين.
ثم بين حال هذا اليوم وما فيه من شديد الأهوال فقال:
(يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) أي يوم لا يقى المر، من عذاب الله المال ولو افتدى بملء الأرض ذهبا، ولا البنون ولو افتدى بهم جميعا، ولكن ينفعه أن يجىء خالصا من الذنوب وأدرانها، وحب الدنيا وشهواتها، وخص الابن بالذكر لأنه أولى القرابة بالدفع والنفع، فإذا لم ينفع فغيره من القرابة أولى.
قال النسفي: وما أحسن ما رتب عليه السلام من كلامه مع المشركين، حيث سألهم أوّلا عما يعبدون سؤال مقرّر لا مستفهم، ثم أقبل على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تسمع، وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين فأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجة، ثم صور المسألة فى نفسه دونهم حتى تخلّص منها إلى ذكر الله تعالى، فعظم شأنه، وعدّد نعمه من حين إنشائه إلى وقت وفاته، مع ما يرجى فى الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعا بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأدب، ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله وعذابه وما يفعل المشركون يومئذ من الند