الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أطوارها، فقد كانت ترابا ثم نطفة ثم وضعت في الأرحام إلى أن صارت بشرا سويا، ومنها ما يمد في عمرها، ومنها ما يخترم قبل ذلك، كما تدل عليه المشاهدة، وكل ذلك يسير على الله.
الإيضاح
(وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ) أي أفلا تتدبرون وتعقلون فتعلموا أن من أوجد الرياح بعد أن لم تكن، ثم جعلها تسيّر السحاب الثقال، فتنزل منها الغيث إلى الأرض الجرز التي لا نبات بها، فتحيا بعد أن كانت ميتة وتهتز وتربو وتنبت كل زوج بهيج- أفليس ذلك القادر الحكيم الذي أحيا ميت الأرض بقادر على أن يحيى الموتى بعد بلاها، وبعد أن كانت عظاما نخرة؟ إنه على كل شىء قدير.
(مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) أي من كان يود أن يكون عزيزا فى الدنيا والآخرة فليلزم طاعة الله تعالى، فإن بها تنال العزة إذ لله العزة فيهما جميعا.
(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) أي إنه سبحانه يقبل طيب الكلام كالتوحيد والذكر وقراءة القرآن، ومن الذكر: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
(وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) صلاح العمل بالإخلاص فيه، وما كان كذلك قبله الله وأثاب عليه، وما لا إخلاص فيه، وما كان كذلك قبله الله وأثاب عليه، وما لا إخلاص فيه فلا ثواب عليه بل عليه العقاب، فالصلاة والزكاة وأعمال البر إذا فعلت مراءاة للناس لا يتقبلها الله كما قال سبحانه «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ» .
وروى عن ابن عباس أنه قال: الكلام الطيب ذكر الله، والعمل الصالح: أداء
فرائضه. وعن الحسن وقتادة: لا يقبل الله قولا إلا بعمل، من قال وأحسن قبل الله منه.
والخلاصة- إن القول إذا لم يصحبه عمل لا يقبل، وأنشدوا:
لا ترض من رجل حلاوة قوله
…
حتى يزيّن ما يقول فعال
وإذا وزنت فعاله بمقاله
…
فتوازنا فإخاء ذاك جمال
وقال ابن المقفّع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.
وبعد أن ذكر أن العمل الصالح يصعد إلى الله، ذكر أن المرائين لا يتقبل منهم عمل، ولهم عذاب شديد عند ربهم قال:
(وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ) أي والذين يمكرون المكر السيّء بالمسلمين، بأن يعملوا كل ما يكون سببا في ضعف الإسلام والحطّ من قدره حتى يمّحى أثره من الوجود، كما فعلت قريش في دار الندوة، إذ تدارست الرأى في شأن النبي صلى الله عليه وسلم يحبسه أو قتله أو إجلائه من مكة- لهم العذاب الشديد يوم القيامة.
(وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ) أي ومكر هؤلاء المفسدين يظهر زيفه عن قريب لأولى البصائر، فإنه ما أسرّ أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله رداءها إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فالمرائى لا يروج أمره ولا يتفق إلا على غبىّ، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم، بل ينكشف عن قريب، ويجازون عليه أشد الخزي والهوان.
ثم ذكر دليلا على صحة البعث بما يرى في الأنفس فقال:
(وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً) أي والله خلق الناس من النطفة، والنطفة من الغذاء، والغذاء ينتهى آخرا إلى الماء والتراب، فهم من تراب صار نطفة، ثم جعلهم أصنافا ذكرانا وإناثا بقدر معلوم بحيث يكاد الفريقان يستويان عددا، ولو لم يكن كذلك لفنى الإنسان والحيوان، إذ حفظ النوع لا يتم