الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني في كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى، وما يكره منها، وما يحرم، واختلاف الناس في ذلك
(1)
روى البخاري، عن قتادة قال: سألت أنسا عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: (يمدّ مدّا، إذ قرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1)} (1)، يمدّ بسم الله ويمدّ بالرحمن ويمدّ بالرحيم).
وروى الترمذي، عن أمّ سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطّع قراءته، يقول:«الحمد لله ربّ العالمين» ، ثمّ يقف الرحمن الرحيم، ثمّ يقف، وكان يقرأ مالك يوم الدين. قال: حديث غريب. وأخرجه أبو داود بنحوه.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «أحسن الناس صوتا؛ من إذا قرأ رأيته يخشى الله تعالى» .
وروي عن زياد النّميري: «أنّه جاء مع القرّاء إلى أنس بن مالك، فقيل له: اقرأ، فرفع صوته وطرّب؛ وكان رفيع الصّوت، فكشف أنس عن وجهه، وكان على وجهه خرقة سوادء، فقال:(يا هذا ما هكذا يفعلون)، وكان إذا رأى شيئا ينكره، كشف عن وجهه الخرقة.
(1) القرطبي.
وروي عن قيس بن عبّاد أنّه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند الذكر، وممّن روي عنه كراهة رفع الصوت عند قراءة القرآن: سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، والحسن، وابن سيرين، والنّخعيّ وغيرهم، وكرهه مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، كلّهم كره رفع الصوت بالقرآن، والتّطريب فيه.
وروي عن سعيد بن المسيب: أنّه سمع عمر بن عبد العزيز يؤمّ الناس، فطرّب في قراءته، فأرسل إليه سعيد يقول: أصلحك الله! إنّ الأمّة لا تقرأ هكذا، فترك عمر التّطريب بعد.
وروي عن القاسم بن محمد: أنّ رجلا قرأ في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فطرّب، فأنكر ذلك القاسم وقال: يقول الله عز وجل: {وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} الآية.
وروي عن مالك: أنّه سئل عن النّبر في قراءة القرآن في الصلاة، فأنكر ذلك، وكرهه كراهة شديدة، وأنكر رفع الصوت به.
وروى ابن القاسم عنه: أنّه سئل عن الألحان في الصلاة؟ فقال: لا يعجبني، وقال: إنّما هو غناء يتغنّون به؛ ليأخذوا عليه الدّراهم. وأجازت طائفة رفع الصوت بالقرآن والتطريب به؛ لأنّه إذا حسن الصوت به، كان أوقع في النّفوس وأسمع في القلوب، واحتجّوا بقوله صلى الله عليه وسلم:«زيّنوا القرآن بأصواتكم» رواه البراء بن عازب. أخرجه أبو داود والنسائي. وبقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منّا من لم
يتغنّ بالقرآن»، أخرجه مسلم. وبقول أبي موسى للنبي صلى الله عليه وسلم:(لو أعلم أنّك تستمع قراءتي لحبّرته لك تحبيرا). وبما رواه عبد الله بن مغفّل، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عام الفتح في مسير له، (سورة الفتح) على راحلته، فرجّع في قراءته.
وممّن ذهب إلى هذا أبو حنيفة، وأصحابه، والشافعيّ، وابن المبارك، والنضر بن شميل، وهو اختيار أبي جعفر الطبري، وأبي الحسن بن بطّال، والقاضي أبي بكر بن العربي، وغيرهم. قلت:
القول (1) الأول أصحّ لما ذكرناه ويأتي، وأمّا ما احتجّوا به من الحديث الأوّل؛ فليس على ظاهره؛ وإنّما هو من المقلوب، أي: زيّنوا أصواتكم بالقرآن. قال الخطّابي، وكذا فسّره غير واحد من أئّمة الحديث. (زيّنوا أصواتكم بالقرآن) وقالوا: هو من المقلوب، كما قالوا: عرضت الحوض على الناقة؛ وإنّما هو عرضت الناقة على الحوض. قال: ورواه معمر، عن منصور، عن طلحة، فقدّم الأصوات على القرآن، وهو الصحيح. قلت: وهذا الخلاف ما لم يمنع فهم معنى القرآن بترديد الأصوات، وكثرة التّرجيعات، فإن زاد الأمر على ذلك حتى لا يفهم معناه، فذلك حرام باتفاق، كما يفعل القرّاء بالديار المصريّة، الذين يقرؤون أمام الملوك والجبابرة، ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز، ضلّ سعيهم وخاب عملهم، فيستحلّون بذلك تغيير كتاب الله، ويهوّنون على أنفسهم الاجتراء على الله، بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه، جهلا
(1) الطبري.
بدينهم، ومروقا عن سنّة نبيّهم، ورفضا لسير الصّالحين فيه من سلفهم، ونزوعا إلى ما يزيّن لهم الشيطان من أعمالهم، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعهم، فهم في غيّهم يتردّدون، وبكتاب الله يتلاعبون، فإنا لله وإنّا إليه راجعون. لكن قد أخبر الصادق المصدوق: أنّ ذلك يكون، فكان كما أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم. ذكر الإمام الحافظ، أبو الحسن رزين، وأبو عبد الله، الترمذيّ الحكيم في «نوادر الأصول» ، من حديث حذيفة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اقرأوا القرآن بلحون العرب، وأصواتها، وإيّاكم ولحون أهل الفسق، ولحون أهل الكتابين، وسيجيء بعدي قوم يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء، والنّوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب الذين يعجبهم شأنهم» .
اللّحون: جمع لحن: وهو التّطريب، وترجيع الصوت، وتحسينه بالقراءة، والشعر، والغناء، قال علماؤنا: ويشبه أن يكون هذا الذي يفعله قرّاء زماننا بين يدي الوعّاظ، وفي المجالس من اللّحون الأعجميّة، الّتي يقرؤون بها، ما نهى عنه رسول الله صلّى الله
عليه وسلم.
والترجيع في القراءة: ترديد الحروف، كقراءة النصارى.
والترتيل في القراءة: هو التّأنيّ فيها، والتمهّل، وتبيين الحروف، والحركات؛ تشبيها بالثغر المرتّل، وهو المشبه بنور الأقحوان، وهو المطلوب في قراءة القرآن، قال تعالى:{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} . وسئلت أمّ سلمة؛ عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاته؟ فقالت: (ما لكم وصلاته)، ثمّ نعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءة
مفسّرة حرفا حرفا. أخرجه النسائي، وأبو داود، والترمذي، وقال هذا حديث صحيح غريب.
والله أعلم
* * *