الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس عشر في ما جاء في ترتيب سور القرآن، وآياته
واعلم أنّ الله تعالى، أنزل القرآن المجيد من اللوح المحفوظ جملة واحدة، إلى سماء الدنيا في مكان يقال له: بيت العزّة، في شهر رمضان، في ليلة القدر، ثمّ كان ينزّله مفرّقا على لسان جبريل عليه السلام، إلى النبي صلى الله عليه وسلم مدّة رسالته نجوما عند الحاجة، وبحدوث ما يحدث على حسب ما شاء الله سبحانه وتعالى. وترتيب نزول القرآن، غير ترتيبه في التلاوة، والمصحف، وهو قسمان:
إمّا مكيّ: وهو خمس وثمانون سورة.
وإمّا مدنيّ: وهو: ثمان وعشرون سورة.
فترتيب السور المكيّة في النزول هكذا، يعني: أوّل ما نزل بمكة من القرآن: (1) اقرأ (2) ن (3) المزّمل (4) المدّثر (5) تبّت (6) الشمس (7) الأعلى (8) الليل (9) الفجر (10) الضحى (11) ألم نشرح (12) العصر (13) العاديات (14) الكوثر (15) التكاثر (16) الماعون (17) الكافرون (18) الفيل (19) الفلق (20) الناس (21) الإخلاص (22) النجم (23) عبس (24) القدر (25) الضحى (26) البروج (27) التين (28) قريش (29) القارعة (30)
القيامة (31) الهمزة (32) المرسلات (33) ق (34) البلد (35) الطارق (36) الساعة (37) ص (38) الأعراف (39) الجنّ (40) يس (41) الفرقان (42) الملائكة (فاطر)(43) مريم (44) طه (45) الواقعة (46) الشعراء (47) النمل (48) القصص (49) بني إسرائيل (50) يونس (51) هود (52) يوسف (53) الحجر (54) الأنعام (55) الصافات (56) لقمان (57) سبإ (58) الزمر (59) المؤمنون (60) السجدة (61) الشورى (62) الزخرف (63) الدخان (64) الجاثية (65) الأحقاف (66) الذاريات (67) الغاشية (68) الكهف (69) النحل (70) نوح (71) إبراهيم (72) الأنبياء (73) المؤمنون (74) السجدة (75) الطور (76) تبارك (77) الحاقة (78) المعارج (79) النبأ (80) النازعات (81) الانفطار (82) الانشقاق (83) الروم (84) العنكبوت (85) المطفّفين.
السور المدنية
(86)
البقرة (87) الأنفال (88) آل عمران (89) الأحزاب (90) الممتحنة (91) النساء (92) الزلزلة (93) الحديد (94) القتال (محمد صلى الله عليه وسلم (95) الرعد (96) الرحمن (97) الإنسان (98) الطلاق (99) البيّنة (100) الحشر (101) النصر (102) النور (103) الحج (104) المنافقون (105) المجادلة (106) الحجرات (107) التحريم (108) الجمعة (109) التغابن (110) الصف (111) الفتح (112) المائدة (113) براءة.
وفي «الفتوحات» : بعد ما ذكر السور التي نزلت بمكة ما
نصه: واختلفوا في آخر ما نزل بمكة فقال ابن عباس: العنكبوت، وقال الضحّاك، وعطاء:(المؤمنون)، وقال مجاهد:{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)} فهذا ترتيب ما نزل بمكة، فذلك ثلاث وثمانون سورة على ما استقرت عليه روايات الثقات. وأما ما نزل بالمدينة، فأولها:
البقرة ثم الأنفال
…
إلخ، إلى أن قال، ثم التوبة ثم المائدة.
ومنهم من يقدم المائدة على التوبة فهذا ترتيب ما نزل من القرآن بالمدينة.
وأمّا الفاتحة: فقيل نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة، واختلفوا في سور قليلة، فقيل: نزلت بمكة، وقيل نزلت بالمدينة، وسنذكر ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. اه. «خازن» .
أما ترتيب المصحف، فقال السيوطي: الإجماع، والنصوص على أنّ ترتيب الآيات توقيفيّ لا شبهة في ذلك، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يدل على مكان كل آية في سورتها، ويؤيد هذا الرأي، قول عثمان بن العاص: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ شخص ببصره، ثم صوبه، ثم قال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى
…
} إلى آخرها. وقد التزم عثمان في تدوين المصحف، ما علم أنه رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترتيب الآيات.
وأمّا ترتيب السور: فهو متروك لاجتهاد المسلمين، ولكنا نثبت رواية عن ابن عباس. روى ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما
حملكم إلى أن عدتم الأنفال وهي من المثاني إلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1)} ، ووضعتموها في السبع الطوال؟! فقال عثمان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا أنزل عليه الشيء، دعا بعض من كان يكتب، فيقول:«ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» . وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبيّن لنا أنّها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب سطر {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1)} ووضعتها في السبع الطوال. اه.
وفي «القرطبي» : وقال قوم من أهل العلم: إنّ تأليف سور القرآن على ما هو عليه الآن في مصحفنا، كان عن توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، وأمّا ما روي من اختلاف مصحف أبيّ، وعليّ، وعبد الله؛ فإنّما كان قبل العرض الأخير، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رتّب لهم تأليف السور، بعد أن لم يكن فعل ذلك. روى يونس، عن ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول: (إنّما ألّف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر أبو بكر الأنباري: في كتاب «الرد» : أن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا، ثم فرّق على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة، وكانت السورة تنزل؛ في أمر يحدث، والآية؛ جوابا لمستخبر يسأل، ويوقف جبريل النبي صلّى الله عليه وسلم
على موضع السورة، والآية، فاتساق السور، كاتساق الآيات، والحروف، فكله كان من محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، عن رب العالمين.
فمن أخّر سورة مقدّمة، أو قدّم أخرى مؤخّرة، فهو كمن أفسد نظم الآيات، وغيّر الحروف والكلمات، ولا حجة على أهل الحق في تقديم البقرة على الأنعام، والأنعام قد نزلت قبل البقرة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ عنه هذا الترتيب، وهو كان يقول:«ضعوا هذه السورة موضع كذا وكذا من القرآن» ، وكان جبريل عليه السلام يقفه على مكان الآيات.
والحقّ: أن ترتيب السور، والآيات، والحروف على ما هو في المصحف الآن، كان من ربّ العالمين، بتعليم جبريل عليه السلام، لمحمد صلى الله عليه وسلم.
حدثنا حسن بن الحباب، حدثنا أبو هشام، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء قال:(آخر ما نزل من القرآن): {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} . وقال أبو بكر بن عياش: وأخطأ أبو إسحاق؛ لأنّ محمد بن السائب، حدثنا عن أبي السائب، عن ابن عباس قال:(آخر ما نزل من القرآن: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281)}، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد! ضعها في رأس ثمانين ومائتين من البقرة. قال أبو الحسن بن بطال: ومن قال بهذا القول، لا يقول: إن تلاوة القرآن في الصلاة، والدرس، يجب أن
تكون مرتبة على حسب الترتيب الموقف عليه في الصلاة، وفي قراءة القرآن، ودرسه، وإنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة، ولا الحج قبل الكهف، ألا ترى قول عائشة رضي الله عنها للذي سألها:(لا يضرك آية قرأت قبل، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة السورة في ركعة، ثم يقرأ في ركعة أخرى بغير السورة التي تليها).
وأمّا ما روي عن ابن مسعود، وابن عمر، أنّهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسا، وقالا: ذلك منكوس القلب؛ فإنّما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة، ويبدأ من آخرها إلى أوّلها؛ لأنّ ذلك حرام محظور، ومن الناس من يتعاطى هذا في القرآن، والشعر، ليذلّل لسانه بذلك، ويقدر على الحفظ، وهذا حظره الله، ومنعه في القرآن؛ لأنّه إفساد لسوره، ومخالفة لما قصد بها من الإعجاز، ومما يدل على أنّه لا يجب إثباته في المصاحف على تاريخ نزوله؛ ما صح، وثبت: أن الآيات كانت تنزل بالمدينة، فتوضع في السورة المكية، ألا ترى قول عائشة رضي الله عنها (وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده صلى الله عليه وسلم. تعني: بالمدينة، وقد قدمتا في المصحف على ما نزل قبلها من القرآن بمكة، ولو ألّفوه على تاريخ النزول، لوجب أن ينتقض آيات السور، وقد قدمنا لك بيان جملة ما نزل بمكة، وجملة ما نزل بالمدينة.
قال أبو بكر: فمن عمل على ترك الأثر، والإعراض عن الإجماع، ونظم السور على منازلها بمكة، والمدينة، لم يدر أين
تقع الفاتحة لاختلاف الناس في موضع نزولها، ويضطر إلى تأخير الآية التي في رأس خمس وثلاثين ومائتين من البقرة، إلى رأس الأربعين، ومن أفسد نظم القرآن، فقد كفر به، ورد على محمد صلى الله عليه وسلم ما حكاه عن ربه سبحانه وتعالى.
وقد قيل: إنّ علة تقديم المدني على المكي؛ هو أنّ الله تعالى، خاطب العرب بلغتها، وما يعرف من أفانين خطابها، ومحاورتها، فلما كان فنّ من كلامهم مبنيا على تقديم المؤخر، وتأخير المقدّم، خوطبوا بهذا المعنى في كتاب الله تعالى، الذي لو فقدوا من القرآن لقالوا: ما باله عرى من هذا الباب الموجود في كلامنا المستحلى من نظامنا.
والله أعلم
* * *