الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئا أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) .
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً. واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيباً) .
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً. يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم. ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً) .
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإني أثناء البحث عن مادة جديدة للأقسام التالية من كتابي: ((تبييض الصحيفة)) ، والتقليب في ((حلية الأولياء)) للحافظ أبي نعيم رحمه الله، وفي كتب أخرى، كنت أجد روايات موقوفة لكثير من الأحاديث التي أعلم عدم صحتها عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأسر بذلك، وأقيد مواضعها عندي، ولكن عند مراجعة أسانيد بعضها يتبين لي عدم ثبوت وقفها أيضاً، فتفسد عليّ وأغتم! ويشاء الرحمن الرحيم تعالى أن ينجيني من الغم، ويهديني إلى التفكير في عمل آخر يكون صنواً لـ:((التبييض)) ، مع افتراقه عنه في التعريف بالأحاديث التي لا صحة لها،، لا عن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا عمن رويت عنه موقوفة عليه من الصحابة والتابعين فمن بعدهم
فشرعت في هذا الأمر ـ مستعيناً بالله ـ حتى تجمع لي قدر من الأحاديث، فيها المشهور وغيره، يمكن انتخاب خمسين منها لإخراجه في القسم الأول من الكتاب. ثم تراجعت عن هذا القدر كله خوفاً وطمعاً وإشفاقاً، خوفاً من مغبة التسرع بتضعيف آثار تتبين صحتها بعد ذلك، وفي ذلك حرج لا يخفى، فإنه:((من كثر كلامه كثر خطؤه)) كما في بعض الآثار! وذلك يوجب عليّ عمل استدراكات وتعقبات على ذلك.
وطمعاً في سرعة الإنجاز، توطئة لطباعة هذا القسم قبل أن يتسرب إلى النفس شئ من الضجر والملل ـ مما لا ينفك عنه أحد ـ، وقد يؤدي أيضاً إلى التوقف عن الفكرة أو إرجائها.
وإشفاقاً على أخي الحبيب، الصابر بالله ـ كما لقبه أحد أفاضل علمائنا المعاصرين ـ حفظه لنا الله ـ وهو القائم على نشر كتاباتي، فإنني لم أعرف في الناشرين الذين تعاملت معهم عن كثب أصدق منه ولا أحرص على إخراج العلم الصحيح النافع للمسلمين ولا يزال ـ ثبته الله ـ صابراً على تسويقي في إنجاز بعض مصالحه ومصالح المسلمين، فاللهم زده صبراً، وسخره لإخراج ما ينفع الكافة. آمين.
ومقصودي بالإشفاق عليه، ألا يعظم حجم الكتاب، بما يترتب عليه زيادة في تكاليف القيام على نشره. لذلك كله، رأيت الاقتصار على خمسة وعشرين حديثاً فحسب ـ كنظام ((البدائل المستحسنة)) ـ بحيث يبلغ حجم القسم منه ما يقارب حجم خمسين حديثاً من صنوة المتقدم ذكره. مع الرغبة في إعداد فهارس للرجال الذين تعرضت لهم بالقدح أثناء تخريج كل حديث أورده، وكذلك ما ورد في ثنايا الكتاب من أحاديث صحيحة استدللت بها، إلى جانب الفهرس الموضوعي بإذن الله. وسميته ـ بعد تردد ـ:((تكميل النفع بما لم يثبت به وقف ولا رفع)) . وكان أحب إلى نفسي أن يكون اسمه بعيداً عن الإطراء والتزكية ـ حتى لا أكون أقرب إلى السلامة ـ، فكنت اخترت له اسمين آخرين، أحدهما:
((إعلام الثقف بما لم يثبت بع رفع ولا وقف)) ، والثقف ـ بتسكين القاف وكسرها ـ:((الحاذق الفطن النابه. والآخر: ((الشفع بما لم يثبت به وقف ولا رفع)) . لكني وجدت ـ بعد استشارة أحد الأحباب ـ أن الأسمين يكتنفهما شئ من الغموض لا سيما الأول، فإن الشائع على ألسنة الناس في هذا العصر ألفاظ:((المثقف)) و ((الثقافة)) و ((التثقيف)) مع غياب المعنى اللغوي الدقيق لها عن الكثيرين، والذي استفدناه من ((لسان العرب)) لابن منظور رحمه الله. ولفظة:((الشفع)) أيضاً قد يخفى معناها على كثير من الناس، ومن فهمها قد لا يدرك مقصودي منها.
ومن الملاحظ أنني قد تطرقت في هذا الكتاب ـ خاصة ـ إلى أمور ليس لها صلة مباشرة بالتخريج، كالحط على أدعياء التحقيق ـ ممن هم عنه بمنأى عدالة وضبطاً! ـ وإبداء الحرف والتخويف من الاغترار بالألقاب والتحصيل العلمي، ومن استمراء التردي في آفات القلوب كالعجب والرياء والسمعة والدعوى في العلم، وحب الرياسة والمشيخة نجانا الله بفضله ومنه وكرمه منها، وأعاننا على أنفسنا بالصد عنها، ولعل هذا الاتجاه مني ـ بما يتضمن التذكير لنفسي قبل الآخرين ـ، ناتج عما يراه المرء ويسمعه ويقرؤه ويبلغه لدى احتكاكه بساحة الواقع العلمي للمسلمين من مصر وغيرها، من باب القول المشهور المنسوب لأبي الدرداء رضي الله عنه:((وجدت الناس: اخبر تقله)) . فهذا يقطع عنق أخيه ـ الناشئ في طلب العلم ـ بقوله عنه: ((ما رأيت مثله، وما رأى مثل نفسه)) كأنه ابن تيمية آخر! وآخر يجاهر، أو يفاخر، والله أعلم ـ وهو يطالبني برؤية إجازة شيخي رحمه الله إلى الإمام النووي رحمه الله بأن ستة ـ فقط ـ من شيوخه بالإجازة مبتدعون، ويذكر كلاماً فيه أن الشيخ الفلاني قد أجازه رواية جمسع مصنفات ابن أبي الدنيا، يقولها ضاحكاً متعجباً. وثالث فتان، بدلاً من أن يقول للآباء الذين يلاحقون بناتهم، بل منهم من جرى وراءهن بالسكاكين كما حدثني الثقة المأمون! ـ:((ارفعوا أيديكم عنهن، أعينوهن على الصون والعفاف)) ، يجلس لى الملأ قائلاً: ((خروجاً من الخلاف
في مسألة الحجاب والنقاب، نأذن للمرأة أن تستر جميع جسدها إلا الوجه والكفين)) ، كما أخبرني أخو الشدة والرخاء عفا الله عنه. ما هذا الفقه المتين، والقريحة الفاذة التي خرجت على الناس بهذا الهذيان؟ ! أفلا يعلم هذا الكائن أن معنى القاعدة الشرعية التي قررها الفقهاء:((الخروج من الخلاف مستحب ما لم يوقع في خلاف آخر)) أن معنى ذلك الأخذ بأحوط الأقوال التي يتفق الجميع على مشروعيتها.
أم هو يقصد أن الأنقياء والنقيات من أهل الصيانة والديانة سوف يرضخون لما قال، وبذلك يذوب الخلاف بين المسلمين في المسألة؟ ! احتمالان، أحلاهما مر، وقديماً قال أحدهم:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدري فالمصيبة أعظم
ورابع يقول ـ عقب خطبته في الناس ـ: ((من كان عنده سؤال في كذا وكذا أو استفسار عن صحة حديث، فليذكره)) . مع أن هذا الخطيب نفسه ـ سامحه الله ـ قد حشا خطبته بأحاديث لا يحل ذكرها البتة. بل هو شاهد على نفسه أن أصاب في جميع العلوم خطأ، سوى ((علم الجرح والتعديل)) ، هكذا بالضم والله.
فيا عباد الله، رحم الله امرأ عرف قدر نفسه (1) ، فلم يبخسها حقها، ولم يتعد حدوده أيضاً فيرفعها فوق قدرها. فهل آن لهؤلاء أن يكفوا عن الدعاوى العريضة، والمديح المردي، والألقاب الضارة. هل آن لنا أن نراقب القلوب، ونصلح من الألسن، ونتقي الله فنقول قولاً سديداً؟ هل آن لغير المختص في علم من العلوم أن يكف عن تلفيق قواعد وأصول لا سلف له فيها، ولم يحسن فهمها، حتى لا يأتي بالمضحكات المبكيات، قبل العرض على جبار الأرضين والسموات؟ وأن يتوب من دعوى استعداده الإجابة في كل ما يسأل عنه من تفسير أو حكم أو حديث بغير مسوغ؟ وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه
(1) جعله الشيخ محمد الغزالي عفا الله عنه حديثاً نبوياً في جريدة ((الشعب)) ليوم الثلاثاء 30 جمادى الآخر 1409هـ، 7 فبراير 1989م، ولا أعلم له أصلاً عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل هو أثر عن عمر بن عبد العزيز لم أتحقق من صحته.
فيما راوه الدارمي وغيره بإسناد صحيح عنه ـ: ((إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتى لمجنون)) : هذا ـ عباد الله ـ فيمن هو أهل، فكيف بمن ليس بأهل؟ ! .
إذ لا يستطيع مسلم أن يرد القول بأن: ((النية هي المطية)) ، كما يردد أحد الأحبة دائماً، ولا أن ينفي أن رأس مال كل مسلم من عالم وطالب علم وعابد هو إخلاص العمل لله عز وجل، ومعالجة النية وتصحيحيها على الدوام. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((
…
ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن
دعوتهم تحوط من وراءهم (1)) .
وثبت أيضاً أن صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((بشر هذه الأمة بالسناء، والدين، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب (2)) . وقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يحترزون من أقوال وأفعال، نعدها نحن في هذه الأيام من التوافه والمحقرات. قيل لأحدهم: أدع الله لنا. قال: لا تحضرني لذلك نية. وكان شيخ الإسلام الأوزاعي رحمه الله على إمامته وجلالته ـ يكره أن يرى معتماً يوم الجمعة وحده مخافة الشهرة، فكان يرسل إلى تلاميذه: الهقل وابن أبي العشرين وعقبة بن علقمة أن اعتموا اليوم فإني أكره أن أعتم. فيا سبحان الله، هلك الذين كانوا يحبون الخمول ويمقتون الشهرة، وكثرت عمائم العجب والخيلاء حتى ظن بعض من أرخى أربع أصابع أنه قد صار بذلك إمام المسلمين ـ وفيهم ـ يا أسفى ـ شباب في مقتبل العمر. وبعد كل ذلك، فلا يظنن ظان أنني أدعى لنفسي الإخلاص أو التجرد أو الرسوخ في العلم أو طهارة القلب من الآفات.
(1) قطعة من حديث صحيح، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن زيد بن ثابت، وأحمد وابن ماجة والحاكم عن
جبير بن مطعم، وأحمد بن أنس. وبقيت له طرق لا مجال لذكرها هنا.
(2)
حديث جيد الإسناد، رواه أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم عن أبي، وصححه غير واحد.
حاشا وكلا، على أنني أسألها الله عز وجل على الدوام، عسى أو يرزقنيها يوماً من الأيام، ويهديني فيمن هدى، فلا يطردني عن بابه، ولا يحرمني من جنابه.
(أما) بشأن هذا الكتاب، فينبغي التنبيه على أنني قد أسسته على تضعيف الألفاظ لا المعاني، فما هو كتاب تصحيح مفاهيم، ولا تثبيت معاني، ولا خوض في أصول أو فروع، ولا ذكر بدائل، ولا تقرير معنى صحيح لآية. بل هو لدفع صحة صدور الألفاظ الواردة فيه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو أحد من السلف. نعم، قد أطرق إلى بعض هذه الأمور إن اقتضى المقام ذلك في بعض الأحيان. فمثلاً، إذا أثبت وضع حديث:((أفضل الحسنات تكرمة الجلساء)) ، ووهاءه موقوفاً، فلا يلزمني إيراد ما ثبت مرفوعاً في ((أفضل الحسنات)) أو ((الأعمال)) ، أو أحبها إلى الله عز وجل، ولا إيراد ما صح في فضل إكرام الكرء جليسه. وهذا باب لو فتح لم ينغلق أبداً. وإذا ثبت ضعف حديث ما في تعيين:((اسم الله الأعظم)) ، فلا يلزمني إيراد ما صح في هذا الباب من الأحاديث والآثار، على ألا يفهم مما قررته إهدار أهمية الإلحاح على الله عز وجل بدعوة ذي النون علي السلام:(لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين) ، بدليل أنني قد أوردت بعض ما صح في فضلها.
وإذا حكيت تضعيف حديث: ((من استمع إلى آية من كتاب الله تعالى، كتب له حسنة مضاعفة
…
)) ، فليس مقصدي البتة أن الاستماع إلى القرآن العظيم لا ثواب له، ولا فضل فيه. كيف، وقد جعل الله تعالى جزاءه رحمته التي وسعت كل شئ، (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)(1) ، وجعله تعالى مشهوداً تشهده ملائكة الرحمة المتعاقبة في العباد، (وقرآن الفجر. إن قرآن الفجر كان مشهوداً)(2) .
(1) على أن الآية نزلت في القراءة خلف الإمام كما حكى الإمام أحمد رحمه الله الإجماع على ذلك. والأدلة متوافرة على ذلك كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا
…
) الحديث.
(2)
وأحزنني أنني قد سمعت أحد الأحباب الطيبين يستدل بهذه الآية ـ حسب فهمه، على مشروعية التحلق بعد صلاة الفجر لقراءة القرآن في جماعة. وهذا فهم غير صحيح، بل ذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أن التحلق المذكور من الأمور المحدثة. نعم، ثبت ذلك عن بعض تابعي أهل العراق، ولكن الحق أحق أن يتبع، ومجموع الوارد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأبى ذلك في هذا الوقت خاصة، فانظر رسالة ((أخذ الجنة)) (ص52: 57) .
فالمقصد أن القضية قضية تصحيح وتضعيف ألفاظ لا معاني، و ((رحم الله امرءا قال خيراً، أو سكت فسلم)) .
هذا، وقد حرصت في هذا الكتاب على الترضي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والترحم على تابعيهم بإحسان ـ في أغلب المواضع ـ، والدعاء لأئمة المسلمين، وتوقيرهم بما يستحقون من الألفاظ الدالة على إمامتهم ومنزلتهم العلمية، مع ترك الإغماض عما يقع في كلام بعضهم على الأحاديث من السهو والخطأ اللذين لا ينفك عنهما بشر، بما يتبين لي أنه الحق والصواب إن شاء الله تعالى، سائلاً إياه أن يصلح النية ويجعله نصحاً لوجهه، مجرداً من شهوة النفس وحظ الشيطان.
إنه على كل شئ قدير، وبالإجابة جدير.
وكتبه: محمد عمرو بن عبد اللطيف بن محمد. ثم الفراغ منها صبيحة يوم الجمعة الموافق الحادي عشر من رجب 1409هـ.، والسابع عشر من فبراير 1989م.