المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الحديث الثاني عشر:((تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع)) - تكميل النفع بما لم يثبت به وقف ولا رفع

[محمد عمرو بن عبد اللطيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الحديث الأول:((إذا جعلت إصبعيك في أذنك، سمعت خرير الكوثر))

- ‌الحديث الثالث:((إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها من العمل، ابتلاه الله عز وجل بالحزن ليكفرها عنه))

- ‌الحديث الرابع:إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أري الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمال أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر))

- ‌الحديث الخامس:((اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى: دعوة يونس ابن متى))

- ‌الحديث السادس:((أفضل الحسنات، تكرمة الجلساء))

- ‌الحديث السابع:((اللهم إني ضعيف، فوق في رضاك ضعفي، وخذ إلى الخير بناصيتي، واجعل الإسلام منتهى رضائي، اللهم إني ضعيف فقوني، وذليل فأعزني، وفقير فارزقني))

- ‌الحديث الثامن:((اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تكلك ولا أملك))

- ‌الحديث التاسع:((اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك))

- ‌الحديث العاشر:((إنما سماهم الله الأبرار، لأنهم بروا الآباء والأبناء))

- ‌الحديث الحادي عشر:((الأنبياء قادة، والفقهاء سادة، ومجالستهم زيادة))

- ‌الحديث الثاني عشر:((تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع))

- ‌الحديث الرابع عشر:((تكفير كل لحاء ركعتين))

- ‌الحديث الخامس عشر:((جهد البلاء كثرة العيال مع قلة الشئ))

- ‌الحديث السابع عشر:((حسنات الأبرار سيئات المقربين))

- ‌الحديث السابع عشر:((الدنيا دار من لا دار له، [ومال من لا مال له] ، ولها يجمع من لا عقل له))

- ‌الحديث الثامن عشر:((صاحب الشئ أحق أن يحمله إلا أن يكون ضعيفاً يعجز عنه، فيعينه أخوه المسلم))

- ‌الحديث التاسع عشر:((القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب اغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف، فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس، فقلب المنافق، عرف ثم أنكر. وأما القلب المصفح، فقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القبح والدم، فأي المادتين غليت على الأخرى غليت عليه))

- ‌الحديث العشرون:((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله))

- ‌الحديث الحادي والعشرون:((لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه))

- ‌الحديث الثاني والعشرون:((ما اجتمع الحلال والحرام، إلا غلب الحرام الحلال))

- ‌الحديث الثالث والعشرون:((من استمع إلى آية من كتاب الله تعالى كتب له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة))

- ‌الحديث الرابع والعشرون:((لا يزال المسروق منه في تهمة من هو برئ، حتى يكون أعظم جرماً من السارق))

- ‌الحديث الخامس والعشرين:((يوشك أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامر، وهي خراب من الهدي، فقهاؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم خرجت الفتنة، وفيهم تعود))

الفصل: ‌الحديث الثاني عشر:((تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع))

‌الحديث الثاني عشر:

((تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع))

. في قوله تعالى (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) . موضوع. رواه الديلمي كما في ((فردوس الأخبار)) (8446) ، وأورده الإمام ابن عرّاق رحمه الله في ((تنزيه الشريعة)) (1/319) من رواية الدارقطني عن ابن عمر، قال: ((وقال موضوع، والحمل فيه على أبي النصر أحمد بن عبد الله الأنصاري

)) الخ.

وقال الحافظ رحمه الله في ((اللسان)) (1/202) : ((قال الدارقطني: حدثني أبو الحسن محمد بن عبد الله المزني الهروي ثنا أبو نصر أحمد بن عبد الله الأنصاري ثنا الفضل بن عبد الله بن مسعود اليشكري ثنا مالك بن سليمان ثنا ملك عن نا فع عن ابن عمر رضي الله عنهما رفعه في قوله تعالى (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. فأما الذين ابيضت وجوههم) أهل السنة والجماعة. (وأما الذين أسودت وجوههم) أهل البدع والأهواء)) . قال: ((هذا موضوع، والحمل فيه على أبي نصر الأنصاري، والفضل ضعيف)) . وأخرجه الخطيب في ((الرواة عن مالك)) من طريق أبي زرعة حدثنا أحمد بن الحسين الحافظ ثنا أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد الله القيسي بهراة ثنا الفضل به. وقال: ((منكر من حديث مالك. ولا أعلمه يروى إلا من هذا الوجه)) . قلت: ولعل أبا نصر هو الأول، نسب أولاً إلى جده ـ ويحتمل أن يكون آخر)) اهـ. قلت: ومالك ابن سليمان أيضاً ضعيف، ضعفه العقيلي والدارقطني وغيرهما وأورده ابن حبان في ((الثقات)) وقال كلاماً يتضمن إقراره بضعفه وأنه ممن يستخير الله عز وجل فيه.

والحديث أخرجه أيضاً أبو نصر السجزي في ((الإبانة)) عن أبي سعيد مرفوعاً، كما في ((الدر المنثور)) (2/63) ، وما إخاله يسلم أيضاً من وضاع أو هالك، فالله أعلم.

ص: 54

(وروى) موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما بسند واه جداً، بل موضوع أيضاً عند ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (آل عمران:1139) من طريق حفص بن عمر المقرئ ثنا علي بن قدامة، عن مجاشع بن عمرو عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن جبير عنه في قوله تعالى (يوم تبيض وجوه)، قال:((تبيض وجوه أهل السنة والجماعة)) . ثم روى (1140) بنفس السند: (وتسود وجوه) . قال: (وتسود وجوه أهل البدع والضلالة)) .

ورواه أيضاً الخطيب (7/379) من طريق أبي عمر الدوري - وهو حفص ابن عمر المقرئ المذكور - واللالكائى في ((شرح السنة)) (1/72) من طريق أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي، والسهمي في ((تاريخ جرجان)) (ص132-133) من طريق إسماعيل بن صالح الحلواني ثلاثتهم قالوا:((حدثنا علي ابن قدامة عن مجاشع بن عمرو عن ميسرة بن عبد ربه عن عبد الكريم به. وألفاظهم متقاربة. ورواه أيضاً أبو نصر في ((الإبانة)) كما في ((الدر)) . وهذا إسناد تالف، بل موضوع فيه الآتي:

1-

على بن قدامة، وهو الوكيل. قال ابن محرز في ((معرفة الرجال)) (1/100 وكذلك - 232 - باختصار) وعنه الخطيب (12/50) :((وسألت يحيى بن علي بن قدامة، فقال: وكيل (زاد الخطيب: ابن) هرثمة؟ فقلت: نعم. فقال: لم يكن البائس ممن يكذب، قيل له: حدث عن مجاشع. قال: قد رأيت مجاشع (عند الخطيب: مجاشعاً) هذا كان يكذب، وكان يحدث (زاد الخطيب: عن ابن ليهعة) . وقال الذهبي في ((الميزان)) (3/151) : أشار ابن معين إلى لين فيه بقوله: لم يكن البائس ممن يكذب. قال أبو حاتم الرازي. ليس بقوي)) . وأقره الحافظ في ((اللسان)) (4/251) ولم يذكر قول أبي حاتم، ولا وجدت لعلي بن قدامة ترجمة في ((الجرح)) فلعله قال ذلك من رواية غير ابنه عنه. والله أعلم.

2-

شيخه مجاشع بن عمرو، تقدم تكذيبه عن ابن معين. وقال العقيلي: حديثه منكر غير محفوظ. ثم روى عن ابن معين: مجاشع بن عمرو قد رأيته،

ص: 55

أحد الكذابين. وقال أبو حاتم: متروك الحديث ضعيف، ليس بشئ. وأرود له الذهبي (3/436-437) أحاديث، قال في آخرها:((وهذا موضوع، ومجاشع هو راوي كتاب ((الأهوال والقيامة)) ، وهو جزآن (وفي النسخة هـ: خبران) كله خبر واحد موضوع، رواه عن ميسرة بن عبد ربه، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وعنه علي بن قدامة المؤذن شيخ لإسحاق بن سنين، وهو من الطبرز ديات)) . وأقره الحافظ في ((اللسان)) (5/15-16) وزاد: ((وقال أبو أحمد الحاكم: منكر الحديث. ومن موضوعاته:

)) فذكر له حديثاً في تعزية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معاذاً في ابنه، وقال:((أورده الحاكم في ((المستدرك)) وقال: غريب، لأن مجاشع بن عمرو ليس من شرط هذا الكتاب. وذكره ابن عدي في ((الضعفاء)) وأرورد له مناكير)) اهـ.

قلت: ويلاحظ أن سند الكتاب الذي ذكره له الذهبي، هو عين هذا الإسناد، فيحتمل أن يكون هذ التفسير قطعة من الخبر الموضوع الذي يتضمنه هذا الكتاب، فإنه مناسب لاسمه:((الأهوال والقيامة)) . والعلم عند الله تعالى.

3-

شيخه ميسرة بن عبد ربه - وهو أوهى الثلاثة - قال البخاري في ((الضعفاء الصغير)) (355) : يرمى بالكذب، ورواه عنه (1) العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (4/263-264)، وقال قبلها:((أحاديثه بواطيل غير محفوظة)) . وروى عن ابن مهدي قال: ((قلت لميسرة بن عبد ربه في هذا الحديث الذي حدث به في فضائل القرآن أيش هو؟ قال: هذا وضعته أرغب الناس في القرآن)) !! وقال أبو داود: أقر بوضع الحديث. وقال: أبو حاتم: كان يرمى بالكذب، وكان يفتعل الحديث، روى في فضل قزوين والثغور بالكذب (كذا في ((الجرح)) (8/254)) . وقال أبو زرعة: كان من أهل الأهواز، وكان يضع الحديث وضعاً، قد وضع في فضائل قزوين نحو أربعين حديثاً كان يقول: إني أحتسب في ذلك. وقال النسائي في ((التمييز)) ومسلمة:

$! والطريف أنه اتبع ترجمته مجاشع، كأنه تعمد ذلك للعلاقة التي بينهما!!

ص: 56

((كذاب)) زاد الآخر: روى أحاديث منكرة، وكان ينتحل الزهد والعبادة، فإذا جاء الحديث جاء شئ آخر. وقال الحاكم: يروى عن قوم من المجهولين الموضوعات، وهو ساقط. وقال أبو نعيم: يروى الأباطيل. وانظر سائر كلامهم فيه في ((الميزان)) (6/138: 140) .

فإن تعجب فعجب قول إمام المفسرين الحافظ ابن كثير رحمه الله في ((تفسيره)) (1/390) : (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة، قال ابن عباس رضي الله عنهما) . هكذا جزم - عفا الله عنه - وكثيرون غيره، بنسبة هذا التفسير إلى ترجمان القرآن رضي الله عنه وهو كذب عليه كما رأيت، فإن قيل إن عذره في ذلك أن ميسرة الوضاع قد سقط من سند ابن أبي حاتم، فالجواب: فكيف بمجاشع بن عمرو الكذاب الذي وهاه أبو حاتم؟ على أن الراجح رواية الجماعة الذين أثبتوا ميسرة في الإسناد. نعم، وأورد رحمه الله حديثاً للترمذي عن أبي غالب عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه فسر الآية بالخوارج، ومع أنه شاهد قاصر لحديث الترجمة فإنه أيضاً مختلف في رفعه ووقفه، وإيراد الآية وحذفها، وإيراد قوله تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب) الآية، تارة مع الأولى، وتارة بدونها على أضرب كثيرة جداً - ليس هذا محل بيانها. على أن قول أيي أمامة فيه:((لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً - حتى عد سبعاً - ما حدثتكموه)) ، مما لا يطمئن إليه القلب، فإنه من المستبعد عادة أن يحدث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحديث واحد سبع مرات - بل أقل من ذلك - ثم لا يحفظه عنه إلا صحابي واحد، فكأن الحديث أتى من رواية عن أبي أمامة، وهو أبو غالب واسمه: حزور،فإن فيه اختلافاً كثيراً بين النقاد وأكثرهم مال إلى القدح فيه. على أن الحديث قد رواه سيار الأموي، وهو مستور وثقه ابن حبان، وصدقه الحافظ (2720) ، وصفوان بن سليم - وهو ثقة إمام - كلاهما عن أبي أمامة رضي الله عنه، فلم يذكرا الآيات أصلاً، وإنما جاء عند الإمام أحمد (5/269) وابنه عبد الله في

ص: 57

((السنة)) (1546) من رواية صفوان هذا، قول أبي أمامة:((هؤلاء الذين تفرقوا واتخذوا دينهم شيعاً)) .

لذلك، فإن أحسن أحوال التفسير المتقدم أن يكون من قول أبي أمامة نفسه، وبذلك جزم الإمام البغوي رحمه الله في ((تفسيره)) (1/340) والله تعالى أعلم بالصواب. والذي يعيننا في هذا المقام تحذير إخواننا الكرام بارك الله فيهم مما شاع بينهم من الجزم بنسبة هذا الأثر إلى أن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو منه برئ لا سيما في معرض كلامهم وكتاباتهم عن البدع والمبتدعين، ففيما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيهم مقنع لمن أراد أن يسلم غداً في القيامة إن شاء الله تعالى.

استدراك:

والحديث قال العلامة الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) (ص317) : ((قال في (الذيل) : هو موضوع)) .

ص: 58

الحديث الثالث عشر:

((تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة وأئمة، تقتص آثارهم، ويقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم. يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة. التفكر فيه بعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وب يعرف الحلال من الحرام، هو إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الإشقياء)) .

موضوع. رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (1/54-55) من طريق عبيد الله بن محمد بن خنيس الكلاعي (في الأصل - خطأ -: عبيد ابن محمد) . حدثنا موسى بن محمد بن عطاء القرشي قال: حدثنا عبد الرحيم ابن زيد العمى عن أبيه عن الحسن عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً به (وصوبنا بعض ألفاظه من المنذري) وقال - عقبة -: ((هكذا حدثنيه أبو عبد الله بن عبيد بن محمد رحمه الله مرفوعاً بالإسناد المذكور، وهو حديث حسن جداً ولكن ليس له إسناد قوي. ورويناه من طرق شتى موقوفاً، منها

)) الخ. فتعقبه الحافظ المنذري رحمه الله في ((الترغيب)) (1/96) بقوله ((كذا قال رحمه الله. ورفعه غريب جداً. والله أعلم)) .

وقال شارحه - روّح الله روحه - تعليقاً على قول ابن عبد البر: ((ولكن

ص: 59

ليس له إسناد قوي)) : ((ولا ضعيف، ولا يعقل أن يكون هذا من كلام النبوة أصلاً)) اهـ.

قلت: بل هو كذب موضوع لا ريب فيه، وفي هذا الإسناد:

1-

عبيد الله بن محمد بن خنيس، تقدم ذكره في الحديث الثاني.

2-

وشيخه موسى بن محمد بن عطاء وضاع. تقدم أيضاً في نفس الحديث.

3-

وشيخه عبد الرحيم بن زيد العمى كذاب معروف. قال البخاري: تركوه. وقال أبو حاتم: يترك حديثه، منكر الحديث، كان يفسد أباه يحدث عنه بالطامات. وقال ابن معين: كذاب خبيث. وفي رواية: ليس بشئ.

4-

وأبوه زيد العمى هو ابن الحواري البصري أبو الحواري، ضعيف كما في ((التقريب)) (2131) .

5-

والحسن البصري ثقة حافظ وإمام جليل، لكن روايته عن معاذ منقطعة كما يأتي. ولا شك أنه رحمه الله برئ من هذا الإفك.

وللحديث طرق أخرى مرفوعة عن أبي هريرة وأنس وعلي. أما حديث أبي هريرة، فقد قال الخطيب في ((الفقيه)) (1/15) : ((أنا أبو القاسم على بن محمد ابن عبد الله بن الهيثم الأصبهاني نا سليمان أحمد بن أيوب الطبراني نا يحيى بن عثمان بن صالح المصري نا نعيم بن حماد نا عبد العزيز الدراوردي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً بنحوه. وهذا الإسناد لا يثبت، وفيه:

1-

أبو القاسم علي بن محمد الأصبهاني - شيخ الخطيب - لم أقف له على ترجمة ولا ذكر، وما هو في ((تاريخ بغداد)) ولا ((أخبار أصبهان)) .

2-

يحيى بن عثملن بن صالح - وهو السهمي - صدوق له ما ينكر. قاله الذهبي.

3-

نعيم بن حماد، وهو ضعيف صاحب مناكير كما قدمت في ((تبييض الصحيفة)) (10) .

وأزيد هنا قول محمد بن علي المروزي: ((سألت يحيى بن معين عنه - يعني

ص: 60

حديثاً لنعيم في ذم القياس بالرأي - فقال ك ليس له أصل. قلت: فنعيم؟ قال (1) : ثقة قلت: كيف يحدث ثقة بباطل؟ قال: شبه له)) كما في ((التهذيب)) (10/460) . فلعل هذا أيضاً مما شبه له، فإن هذا المتن بهذا الإسناد طامة لا تحتمل، والبلاء منحصر في نعيم وشيخ الخطيب، والعلم عند الله تعالى.

وأما حديث أنس، فوقفت على طريقين:

الأولى: عند المرهبي في ((العلم)) من رواية يزيد الرقاشي عنه، كما في ((تخريج الإحياء)) (68) نقلاً عن التخريج الكبير للحافظ العراقي رحمه الله. ويزيد ضعيف، ضعفه الجمهور وقال النسائي وأبو أحمد الحاكم: متروك الحديث، (انظر:((أخذ الجنة)) ص53) لكنه - على ضعفه - لا يحتمل هذا المتن، بل لا ذنب له فيه، فقد قال الشيخ بن عرّاق رحمه الله في ((تنزيه الشريعة المرفوعة)) (1/282) :((فيه محمد بن تميم السعدي وهو آفته)) . قلت: وهو وضاع مشهور، فالبلاء منه

الثانية: عند الطوسي (501) من طريق أبي المفضل الشيباني قال: وحدثنا محمد بن علي بن شاذان بالكوفة قال: حدثني أبو أنس كثير بن محمد الحزامي قال: حدثنا حسن بن حسين العرني قال: حدثني يحيى بن يعلى عن أسباط بن نصر عن شيخ من أهل البصرة عن أنس به. وهذا إسناد قد هلهل بالمرة، لم يسلم منه سوى أنس، وفيه الآتي:

1-

أبو المفضل الشيباني، تقدم أنه متهم بسرقة الحديث والوضع للرافضة.

2-

شيخه محمد بن علي بن شاذان لم أهتد به.

3-

أبو أنس كثير بن محمد الحزامي ترجمة الخطيب (12/484) من رواية

$! ووثقه غيره أيضاً، ورماه غير واحد بالوضع. وكرهما إفراط وتفريط. والصواب ما قرره الحافظ بن الكبير ابن رجب الحنبلي رحمه الله عند حديث:((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به من كتابة النافع: ((جامع العلوم والحكم)) حيث رجح ضعف نعيم، وأعل الحديث بعلتين أخريين في مبحث نفيس لا تجده عند غيره. وبه تعلم ما في تصحيح الإمام النووي رحمه الله للحديث.

ص: 61

جماعة عنه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.

4-

حسن بن حسين العرني رافضي واه. قال أبو حاتم: لم يكن بصدوق عندهم. وانظر في ((اللسان)) (2/199-200) .

5-

يحيى بن يعلى - وهو الأسلمي القطواني أبو زكرياء - كوفي شيعي ضعيف، وهاه ابن معين. وهناك كوفيان بهذا الاسم، لكنهما ثقتان: أبو زكرياء المحارني، وأبو المحياة التيمي.

6-

أسباط بن نصر وهو الهمداني - مختلف فيه، وقال الحافظ (321) :((صدوق كثير الخطأ، يغرب)) .

7-

شيخه البصري مبهم لم يسم. ولا يدرى من هو.

وأما حديث علي، فرواه الطوسي (ص500) وكذلك (579-580) من طريق أبي المفضل بسنده المسلسل بآل البيت عنه مرفوعاً، وفي أوله:((طلب العلم فريضة على كل مسلم، فاطلبوا العلم في مظانها (كذا) واقتبسوه من أهله، في تعلمه لله خشية (في الأصل: حسنة) ، وطلبه عبادة

الحديث بطوله. وأبو المفضل تكرر الكلام عنه. والسند الذي ذكره فيه جماعة لم أهتد إليهم، وحسبه به!

(وروى) الحديث مرفوعاً على كل من معاذ وعلى أيضاً.

أما أثر معاذ، فرواه ابن عبد البر وأبو نعيم في ((الحلية)) (1/238-239) من طريق هاشم بن مخلد (وفي ((الحلية)) - خطأ هشام) قال: سمعت أبا عصمة يحدث عن رجاء بن حيوة (وعند أبي نعيم سمعته من أبي عصمة عن رجل سماه عن رجاء بن حيوة عن معاذ بن جبل به. وقال أبو طالب المكي في الفصل الحادي والثلاثين من ((القوت)) : ((وروينا في فضل العلم بالله تعالىمن رواية رجاء بن حيوة عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قل:..)) فذكره، كان في ((تخريج الإحياء)) ، وفيه:((قال العراقي: قوله (يعني ابن عبد البر في الحديث المرفوع) : حسن، أراد به الحسن اللغوي لا الحسن المصطلح عليه بين أهل الحديث، فإن موسى بن محمد البلقاوي كذبه أبو زرعة وأبو حاتم ونسبه

ص: 62

العقيلي وابن حبان إلى وضع الحديث، وعبد الرحمن (كذا) بن زيد متروك وأبوه مختلف فيه، والحسن لم يدرك معاذاً. وأبوه عصمة المذكور في الموقوف ضعيف أيضاً، كان يقال له: نوح الجامع. قال ابن حبان: جمع كل شئ إلا الصدق. ورجاء بن حيوة أيضاً لم يسمع من معاذ. وروى الموقوف: سليم الرازي في ((الترغيب والترهيب)) من طريق آخر، وفيه كتابة بن حبلة ضعيف جداً. قلت (القائل: الزبيدي) : ولكن صرح أبو طالب أن رجاء بن حيوة سمعه من عبد الرحمن بن غنم عن معاذ. هذا أشبه (كذا) والله أعلم

)) الخ.

قلت: ومن طرق كنانة بن جبلة أيضاً رواه الطوسي عن أبي المفضل بسنده إليه عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ.

أما أبو عصمة - في الطريق الأول - فليس ضعيفاً فحسب، بل هو كذاب متهم بالوضع. قال البخاري:((قال ابن المبارك لوكيع: عندنا شيخ يقال له: أبو عصمة، كان يضع، كما يضع المعلى بن هلال)) . وقال أبو حاتم ومسلم والدارقطني والدولابي والساجي: متروك الحديث. زاد الآخير: عنده أحاديث بواطيل. وذكر الحاكم أنه أقر بوضع حديث في فضائل القرآن من أوله إلى آخره. وكنانو بن جبلة كذبه ابن معين، فقال:((كذاب خبيث)) . قال تليمذه عثمان ابن سعيد الدارمي: ((هو قريب مما قال يحيى، خبيث الحديث)) . وقال الجوزجاني السعدي: ((ضعيف جداً)) . أما أبو حاتم الرازي رحمه الله فكأنه لم يخبر أمره فقال: ((محله الصدق، يكتب حديثه، حسن الحديث)) .

(وأما) أثر علي، فرواه أبو طالب الحسنى في ((أمالية)) كما في ((تيسير المطالب)) (ص141) قال:((أخبرنا أبو أحمد محمد بن علي العبدكي (في الأصل: العبدي، والصواب الأول كما تكرر كثيراً في الكتاب)

فذكره بسنده المسلسل بآل البيت، وفيه: قال أمير المؤمنين لأصابه، وهو بحضرته: تعلموا العلم

)) الخ. والعبدكي، واسمه:((محمد بن علي بن عبدك - واسمه: عبد الكريم)) ، قال الإمام برهان الدين الحلبي في ((الكشف الحثيث))

ص: 63

(712)

: ((

وكان إمام أهل التشيع في ومانه، ذكر له ابن الجوزي في ((موضوعاته حديثاً في فضل علي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن جبريل: يا محمد علي خير البشر، من أبى فقد كفر. قال ابن الجوزي: والمتهم به الجرجاني الشيعي)) وهو في ((الموضوعات)) (1/347-348) من طريقه عن علي بن موسى الفقيه القمى عن محمد بن شجاع الثلجي قال: حدثنا حفص بن عمر الكوفي عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي وائل ابن مسعود به)) وقال (1/329) : ((وأما حديث ابن مسعود، ففيه حفص بن عمر، وليس بشئ، ومحمد بن شجاع الثلجي، وقد سبق في أول الكتاب أنه كذاب، والمتهم به الجرجاني الشيعي)) .

وأورده السيوطي في ((اللآلئ)) (1/327-328) وأقره، فلم يتعقبه.

وفي اتهام الجوزي له - بهذا الحديث خاصة - نظر، لوجود الثلجي وغيره في الإسناد، وإن كان اتهام بن عبدك به أليق لمكانه من الإمامة في الرفض. لكن اتهامه - عامة - في محله، فإن أبا طالب المذكور روى له بلايا في (أمالية)) وباله التوفيق. وهو أعلى وأعلم.

ص: 64