الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالمبين -بكسر الباء -هو الموضح، وبالفتح -الموضح - بفتح الضاد -والمبين -بالكسر -في الاصطلاح: الكاشف عن المراد من الخطاب.
والمجمل لا يتصور إلا في معان متعددة.
وفيه أي في الباب فصول:
الفصل الأول: في المجمل
وفيه أي في هذا الفصل، مسائل: أي بالهمزة، ويجوز تخفيفها وجعلها بين بين -أي: بين الهمزتين وبين الباء.
وأما التصريح بالياء، كما هو الدائر على الألسنة فخطأ قاله الفارسي في الإيضاح.
الأولى من المسائل:
اللفظ إما أن يكون مجملًا بين حقائقه، أي: بين معان وضع اللفظ لكل منها، كقوله تعالى:{(والمطلقات يتربصن بأنفسهن) ثلاثة قروء} .
فإن القرء موضوع بإزاء حقيقتين هما الحيض والطهر.
أو يكون مجملًا بين أفراد حقيقة واحدة، مثل قوله تعالى:{إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} .
فإن لفظ بقرة موضوع لحقيقة واحدة معلومة ولها أفراد.
والمراد واحد معين منها، كما سيجيء إن شاء الله تعالى.
أو يكون مجملًا بين مجازاته، وذلك إذا انتفت الحقيقة أي ثبت عدم إرادتها، وتكافأت المجازات.
أي لم يترجح بعضها على بعض.
فإن لم يدل دليل على عدم إرادة الحقيقة تعين الحمل عليها ولا إجمال، إلا إذا عارضها مجاز راجح.
فإن فيها الخلاف المعروف، وتقدم للمصنف واختار التساوي.
فعلى اختياره هو أيضًا مجمل.
ولم يذكره هنا اكتفاء بما مر، وهنا نفائس في الشرح ينبغي
الوقوف عليها.
فإن ترجح واحد من المجازات؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة من المجاز الآخر، كنفي الصحة من قوله صلى الله عليه وسلم:«لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» متفق عليه.
«ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» رواه الأربعة بلفظ: «من
لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له».
قال النسائي: الصواب عندنا موقوف، وهو واضح في الشرح فحقيقة هذا إنما هو الإخبار عن نفي ذات الصلاة والصوم، عند انتفاء الفاتحة والتبييت.
وهذه الحقيقة غير مراد الشارع قطعًا؛ لأنا نشاهد الذات قد تقع بدون ذلك فتعين الحمل على المجاز، وهو إضمار الصحة أو الكمال.
وإضمار الصحة أرجح، لكونه أقرب إلى الحقيقة، لأنها نفي الذات كما مر، ونفي الذات يستلزم انتفاء جميع الصفات، فنفي الصحة أقرب إليه بهذا المعنى من نفي الكمال؛ لأنه لا يبقى مع نفي الصحة وصف بخلاف نفي الكمال، فإن الصحة تبقى معه.
واعترض على المصنف باعتراض مبين في الأصل.
قال العراقي: (في مثل هذا) إذا ورد من الشارع ممنوع، لإمكان انتفاء الحقيقة الشرعية بانتفاء جزئها أو شرطها، فالحق أنه لنفي الحقيقة وهو المحكي عن الأكثرين واختاره الآمدي، وابن الحاجب.
وقول المصنف وهم مردود.
قال: وما ذكره من تقدير الحرج دون الحكم في: «رفع عن أمتي» يقتضي إيجاب الكفارة في حنث الناس.
والأصح من قولي الشافعي - رضي الله عنه -خلافه.
أو يرجح من المجازات لأنه أظهر عرفًا، أو أعظم مقصودًا، كرفع الحرج، وتحريم الأكل من:«رفع عن أمتي الخطأ» و {حرمت عليكم الميتة} .
وقوله: «حمل عليه» جواب الشرط الأول، وهو قوله:«فإن ترجح واحد» يعني إذا كان أحد المجازات أظهر عرفًا، مثاله ما روى عنه صلى الله عليه وسلم -أنه قال:«رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .
هو حديث غريب أخرجه ابن عدي في الكامل عن أبي بكرة مرفوعًا بلفظ: «رفع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان والأمر
يكرهون عليه».
وللحديث طرق أخرى أخرجها ابن أبي حاتم في التفسير فيها مقال.
وله طريق أخرى جيدة، عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا:«وضع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وهو حديث حسن، كما قاله النووي في الروضة وغيره أخرجه ابن ماجة.
وأخرجه أبو القاسم الفضل بن جعفر التميمي في فوائده بلفظ
(رفع بدل)«وضع» .
قال شيخ الإسلام: ورجاله ثقات لكن فيه تسوية الوليد، فقد رواه بشر بن بكر عن الأوزاعي، فأدخل بين عطاء، وابن عباس، عبيد بن عمير.
وأخرجه الطبراني والدارقطني من طريقه، بلفظ:«تجاوز» بدل «وضع» .
وبمجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث أصلًا.
فحقيقة اللفظ ارتفاع نفس الخطأ والنسيان، وهو باطل لاستحالة رفع الشيء بعد صدوره، فتعين حمله على المجاز، وهو الحكم أو الإثم.
والثاني أولى لظهوره عرفًا، فإن السيد إذا قال لعبده: رفعت عنك
الخطأ، فهم منه نفي المؤاخذة والعقاب.
لا يقال فيسقط عنه الضمان إذا أتلف مال الغير؛ لأنه داخل في عموم العقاب وقد رفع.
ولا يسقط بالاتفاق؛ لأنه إنما لم يسقط الضمان.
أما أنه ليس بعقاب؛ إذ يفهم من العقاب ما يقصد به الإيذاء والزجر، وهذا يقصد به جبر حال المتلف عليه، ولذلك وجب الضمان على الصبي وأنه لا يعاقب.
وإما لتخصيص الخبر بدليل يدل عليه، والتخصيص لا يوجب إجمالًا.
أو كان أعظم مقصودًا مثل قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} .
فإن حقيقته تحريم العين وهو باطل قطعًا.
فإن الأحكام الشرعية لا تتعلق إلا بالأفعال المقدورة للمكلفين، والعين ليست من أفعالهم، فتعين الصرف للمجاز، بإضمار الأكل والبيع واللمس أو غيرها.
والأولى الأكل لكونه أعظم مقصودًا عرفًا، فحمل اللفظ عليه.
والمثالان الأخيران ذكرهما المصنف بطريق اللف والنشر.
تنبيه:
قال العراقي: مقتضى كلام المصنف أن الإجمال لا يكون في الفعل، لأنه قال: اللفظ إما أن يكون مجملًا، إلى آخره.
قال: وليس كذلك، فقد ذكر ابن الحاجب وغيره، أن قيامه - عليه الصلاة والسلام -من الركعة الثانية يحتمل كونه عن عمد، فيدل على جواز ترك التشهد الأول وكونه سهوًا، فلا يدل عليه.
وفيه نظر؛ لأن عدم العود إليه، يدل على أنه غير واجب، سواء ترك عمدًا أو سهوًا.
قلت: وفي أصل الاعتراض نظر، والله أعلم.
واعترض ثانيًا: بأنه مخالف لكلامه في تقسيم الألفاظ حيث حصر هناك المجمل في المشترك، وصرح بأنه متحد اللفظ والمعنى ومتكثرهما، ومتكثر اللفظ دون المعنى نصوص، مع أن منها المتواطئ.
وقد ذكر هنا قسمين آخرين للمجمل: أحدهما: المتردد بين مجازات. ثانيهما: قسم من المتواطئ فتأمله.
الثانية
قالت الحنفية، أي بعضهم، {وامسحوا برءوسكم}:
مجمل؛ لأنه يحتمل مسح جميع الرأس، ومسح البعض على السواء، وقد بينه صلى الله عليه وسلم -بمسح ناصيته، ومقدارها الربع، فكان الربع واجبًا.
وقال المالكية: يقتضي مسح الكل؛ لأن الرأس حقيقة في الكل، فلا إجمال لا تضاحه.
والحق: أنه أي مسح الرأس حقيقة، فيما ينطلق عليه الاسم، أي اسم المسح، وهو القدر المشترك بين الكل والبعض؛ لأن هذا التركيب يأتي تارة بمسح الكل، وتارة بمسح البعض، كما يقال: مسحت يدي برأس اليتيم، ولم يمسح منه إلا البعض».
وقلنا: ذلك دفعًا للاشتراك والمجاز، إذ لو لم نجعله للقدر.
المشترك، لكان لهما حقيقة، وهو الاشتراك أو لأحدهما حقيقة وهو المجاز، فحملناه على القدر المشترك، دفعًا لهما؛ لأنه أولى منهما كما مر».
قال العراقي: وهو مخالف لما جزم به في معاني الحروف من أن الباء في الآية للتبعيض، كما هو رأي بعض أصحابنا، والمذكور هنا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه.
الثالثة
قيل: آية السرقة مجملة؛ لأن اليد تحتمل الكل أي من
رءوس الأصابع إلى المنكب.
وتحتمل البعض أيضًا؛ لأنها تطلق على كل واحد منهما.
والقطع يحتمل الشق، أي: الجرح، ويحتمل الإبانة: وهو فصل العضو، لأنه يقال لمن جرح يده بالسكين: قطع يده، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فجاء الإجمال.
والحق أن اليد للكل حقيقة، وتذكر للبعض مجازًا، بدليل قولنا في البعض: إنه ليس كل اليد، فكان ظاهرًا فيه، فلا إجمال.
والقطع للإبانة حقيقة، والشق إبانة أيضًا؛ إذ هو فيه إبانة بعض أجزاء اللحم عن بعض، فيكون متواطئًا وفيه نظر، فإن المطلوب في اليد هو المجاز.
وأحد أفراد المتواطئ من غير بيان من القرآن، فجاء الإجمال.