الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث: فيما ظن صدقه من الأخبار وهو خبر العدل الواحد
.
واحترز «بالعدل» عن الفاسق والمجهول.
و«بالواحد» عن المتواتر، واحدًا كان راويه، أو أكثر، أفاد
العلم بالقرائن المنفصلة أم لا.
والنظر فيه، أي في هذا الفصل منحصر في طرفين.
الأول: في وجوب العمل به.
وقد دل عليه السمع وبه قال الأكثرون.
وقال ابن سريج والقفال وأبو الحسين البصري: دل عليه العقل أيضًا مع السمع.
وأنكر قوم: وجوب العمل بخبر الواحد.
ثم اختلفوا:
فقالت طائفة: لأنه لم يثبت على الوجوب دليل، ولو ثبت لأوجبناه وقالت أخرى: إنما لم يجب؛ لأن الدليل قام على عدم الوجوب.
ثم اختلف هؤلاء في الدليل المانع له، هل هو شرعي أو عقلي؟
وإليه أشار بقوله: «لعدم الدليل أو للدليل على عدمه شرعًا أو عقلًا» .
وأحاله آخرون، فقالوا: ورود العمل بخبر الواحد مستحيل عقلًا.
واتفقوا كلهم على الوجوب، أي: وجوب العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية، كإخبار طبيب أو غيره بمضرة، شيء، ونحو ذلك من الآراء والحروب. وعبارة جمع الجوامع كالمصنف.
لكن عبارة المحصول: واتفقوا على الجواز.
وهنا مذاهب أخرى في الأصل.
لنا: على وجوب العمل بخبر الواحد وجوه ثلاثة:
الأول: أنه تعالى أوجب الحذر أي الاحتراز. عن الشيء، بإنذار طائفة من الفرقة بقوله تعالى:{فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} .
والإنذار: الخبر المخوف.
ويلزم منه وجوب العمل بخبر الواحد.
أما كونه تعالى أوجب الحذر، فلأن «لعل» للوجوب لتعذر
حملها على حقيقة الترجي في حق الله- تعالى.
فحملت على أقرب المجازات، لأن الترجي وإن لم يكن طلبًا، بل توقعًا، لكن لا يفهم منه في حق الله تعالى إلا الطلب إطلاقًا للملزوم، وإرادة اللازم.
لأن المترجي طالب (لما يرجوه.
فالطلب من لوازم المترجي، فالله تعالى طالب) للحذر.
ويعرف هذا من جواب المصنف للشبهة الآتية؛ فلذا لم يذكره هنا.
وأما أن الأمر للوجوب فظاهر مما تقدم فلذا لم يذكره.
أو يفهم ذلك من إيجاب الحذر بإنذار طائفة، والطائفة من كل فرقة لا تكون أهل التواتر.
وذلك لأن الفرقة اسم ثلاثة فصاعدًا.
فالطائفة منها: واحد أو اثنان.
وبالجملة: فلا يلزم أن يبلغ حد التواتر وهو المراد بالآحاد، فقد أوجب الحذر بقول الآحاد.
قيل: اعتراضًا على هذا الدليل: لعل للترجي لا للوجوب.
قلنا: تعذر الحمل على الترجي، فيحمل على الإيجاب لمشاركته في التوقع. وقد تقدم.
قيل أيضًا: الإنذار: هو الفتوى، لا الخبر المخوف، والفتوى يقبل فيها خبر الواحد، إذ هو اللائق بالفقه.
لأن الفقيه إنما يحتاج إليه في الفتوى.
قلنا: يلزم تخصيص الإنذار بالفتوى مع أنها عامة فيها وفي الرواية، وتخصيص القوم بغير المجتهدين من المقلدين؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهدًا في فتواه، بخلاف ما إذا حمل الإنذار على الرواية، أو على ما هو أعم فإنه ينتفي التخصيصات.
أما الأول: وهو الفتوى فواضح، ولذا لم يذكره.
وأما الثاني: فلأن الرواية ينتفع بها المجتهد وغيره من المقلدين.
فالمجتهد في الأحكام، والمقلد في الانزجار، وحصول الثواب في نقلها لغيره وغير ذلك.
قيل أيضًا: لو كان المراد بالفرقة ثلاثة، فيلزم أن يخرج من كل ثلاثة واحد لأن «لولا» للتحضيض.
تقديره هلا، وليس كذلك إجماعًا.
قلنا: خص النص فيه.
بيانه: أن النص عام في أن يخرج من كل ثلاثة واحد، وقبول خبر الواحد، ووجوب العمل به.
لكن خص بالنسبة إلى أن يخرج من كل ثلاثة واحد بالإجماع، لئلا تتعطل معايش الناس، وبقي على عمومه، في الإنذار ووجوب العمل به.
وهذا الدليل إنما يتم إذا رجعنا الضمير في «ليتفقهوا» و «لينذروا» للنافرين الذاهبين وهو أحد قولي المفسرين.
وأما إذا رجعناه للمقيمين الملازمين للنبي- صلى الله عليه وسلم كما هو القول الآخر.
قال العراقي: وهو الصحيح، فلا يتم وهنا تحقيقات في
الأصل.
الدليل الثاني على أنه يجب العمل بخبر الواحد: أنه لو لم يقبل خبر الواحد لما علل بالفسق، وذلك لأن خبر الواحد على هذا التقدير، يقتضي عدم القبول لذاته.
وهو كونه خبر واحد، فيمتنع تعليل عدم قبوله بغيره.
لأن ما بالذات لا يكون بالغير، إذ لو كان معللًا بالغير،
لاقتضى حصوله به، مع كونه حاصلًا قبل ذلك أيضًا لكونه معللًا بالذات وهو محال. والثاني: وهو امتناع تعليله بالفسق باطل، لقوله تعالى:{إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} إذ علل رده بالفسق، فعلل عدم قبول قول الفاسقين بالتبيين؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب بالفاء يدل على العلية.
فيكون التبيين معللًا بالفسق.
والتبيين: هو ظهور طلب صدق الخبر.
فيكون الخبر لذاته مقبولًا، وعدم قبوله موقوف على عدم ظهور صدقه، فإذا انتفى الفسق الذي هو علة التبيين، بقي كون الخبر الواحد مقبولًا لذاته وهو المطلوب.
الدليل الثالث (على أنه يجب العمل بخبر الواحد).
القياس على الفتوى، والشهادة، والجامع ظهور المصلحة أو دفع المفسدة.
قيل: الفتوى والشهادة يقتضيان شرعًا، أي حكمًا خاصًّا في حق شخص واحد، وهو المستفتي والمشهود له.
والرواية بخلافه، فإنها تقتضي حكمًا عامًّا في حق الكل، ولا يلزم من تجويز قبول خبر الواحد في حق شخص معين يخطئ أو يصيب تجويزه في حق الكل، فإن خطره وضرره أعظم من الواحد.
ورد هذا الفرق بأصل الفتوى فإن اتباع الظن، لا يختص بمسألة ولا بشخص.
وأيضًا: فإفتاء المفتي لا يختص بذلك المستفتي، بل يعم كل من وقع له مثل واقعته.
قيل: دليلًا لمنع العمل بخبر الواحد: أنه لو جاز العمل بخبر الواحد واتباع الظن، لجاز اتباع الأنبياء الذين يدعون النبوة من غير معجزة، بل بمجرد كونه عدلًا.
ولجاز الاعتقاد في معرفة الله- تعالى- وصفاته بالظن، قياسًا على الرواية، وأنه غير جائز بل لا بد من اليقين اتفاقًا.
قلنا: ما الجامع بين الإلهيات والنبوات، وبين خبر الواحد، فإن أبدوا جامعًا، مثل دفع ضرر المظنون.
فرقنا بأن الخطأ في الإلهيات والنبوات كفر وبدعة، بخلاف
الفروع.
قيل أيضًا: لو كان خبر الواحد مقبولًا، لكان العمل بالظن واجبًا في ثبوت الحكم الشرعي، واللازم باطل، فالملزوم مثله.
أما الملازمة: فلأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن.
وأما بطلان اللازم، فلأن حكم الشرع يتبع المصلحة على معنى أنه يستلزمها.
فإن الاستقراء: دل على أن أحكامه تتبع لمصالح العباد تفضلًا وإحسانًا، والظن الحاصل من خبر الواحد لا يجعل ما ليس بمصلحة مصلحة؛ لأن الظن يخطئ ويصيب. فلا يعول عليه.
قلنا: ما ذكرتم من الدليل على عدم اعتبار الظن، منقوض بالفتوى، والأمور الدنيوية، فإن من قال: هذا والطعام مسموم وجب قبوله، والاحتراز عنه مع أنه يفيد الظن، والإجماع حاصل على اعتبار الظن فيها.
الطرف الثاني في شرائط العمل به أي بخبر الواحد، وهو إما في
المخبر: باسم الفاعل وهو الراوي.
أو المخبر عنه: وهو مدلول الخبر، أو الخبر نفسه وهو اللفظ.
أما الأول: فصفات تغلب على الظن أن المخبر صادق.
هذا ضابطها الإجمالي: وهي خمس عند التفصيل- على رأيه.
الأول: التكليف، فلا يقبل المجنون، لأنه لا يمكن الاحتراز عن الخلل سواء أطبق جنونه أو تقطع وأثر في زمن إفاقته.
وكذا الصبي غير المميز قطعًا، وكذا المميز عند الجمهور.
فإن غير المكلف لا يمنعه خشية الله- تعالى- أن يكذب لعلمه بأنه غير مكلف، فلا يحرم عليه الكذب، فلا إثم عليه فيه، فلا مانع من إقدامه عليه، فلا يحصل ظن صدقه، وهو الموجب للعمل.
والصحيح قبول خبر الصبي في الإذن في دخول الدار، وحمل الهدية، إن لم يجرب عليه الكذب.
وكذا إخباره بطلب صاحب الوليمة لشخص، فإنه تجب به الإجابة، كما صرح به الماوردي والروياني إلا أنه شرط أن يقع في قلب المدعو صدقه.
وفي باب الأذان من شرح المهذب للنووي عن الجمهور قبول رواية الصبي في ما طريقه المشاهدة دون ما طريقه الاجتهاد.
قيل: يقبل الصبي المميز مطلقًا إن علم منه التحرز عن الكذب، وما ذاك إلا أنه يصح الاقتداء بالصبي المميز اعتمادًا على خبره بطهره.
قلنا: صحة الاقتداء به ليست مستندة إلى قبول إخباره بطهره، لعدم توقف صحة صلاة المأموم على طهره، ؛ لأن المأموم متى لم يظن حدث الإمام صحت صلاته، وإن تبين حدث الإمام.
وأما الرواية فشرط صحتها السماع.
ومحل الخلاف: أن يكون المخبر به رواية محضة.
فلو أخبر برؤية الهلال، وجعلناه رواية، لم يقبل جزمًا.
هذا كله إذا سمع وروى قبل البلوغ.
فإن تحمل قبل البلوغ خبرًا ثم بلغ، وأدى ذلك الخبر بعد البلوغ قيل: قياسًا على الشهادة فإنها مقبولة اتفاقًا.
فروايته أولى بالقبول، والمحذور السابق منتف هنا.
وأيضًا: فإن الإجماع منعقد على إحضار الصبيان مجالس الحديث، فلو لم يعتبر نقله لما أفاد ذلك.
وفيه نظر: لجواز أن يكون للتبرك (ولذلك يحضرون من لا يضبط) أو لاعتياد ملازمة الخبر أو سهولة الحفظ.
وجواب البعض عن هذا النظر بأنه: لا منافاة بينها وبين السماع سهو.
(قال العراقي: فكان ينبغي أن يزيد، يعني المصنف- فيه مع إجماعهم على قبول روايتهم بعد البلوغ ما تحملوه زمن الصبا.
الشرط) الثاني: كونه، أي: كون الراوي من أهل القبلة، أي من أهل ملتنا، فلا تقبل رواية الكافر المخالف في القبلة، وهو المخالف لملة الإسلام إجماعًا.
وتقبل رواية الكافر الموافق الذي يصلي لقبلتنا.
كالمجسمة إن اعتقدوا حرمة الكذب، فإنه أي: هذا الاعتقاد يمنعه عنه، أي: عن الكذب، فيغلب على الظن صدقه؛ لأن المقتضى قد وجد، والأصل عدم المعارض.
والمصنف تابع في ذلك الإمام الرازي.
وقاسه القاضيان: أبو بكر الباقلاني، وعبد الجبار بالفاسق المسلم، والكافر المخالف، في أنه لا تقبل روايته مطلقًا بجامع (الفسق والكفر).
واختاره الآمدي ونقله عن الأكثرين وجزم به ابن الحاجب.
قال المصنف: ورد بالفرق بين الكافر الموافق، وبين الفاسق.
لأن الموافق لا يعلم فسق نفسه، ويجتنب الكذب لما يعتقده من التدين والخشية والفاسق يتجرأ، وبالفرق بين الموافق والمخالف، وهو أن الكافر المخالف أغلظ كفرًا فيجب إذلاله، وقبول الرواية منصب شريف لا يليق به.
واقتضى كلام المصنف أن المبتدع إذا لم يكفر ببدعته، ويحرم الكذب، تقبل روايته من باب أولى، لأنه فيه مع تأويله (في الابتداع) سواء دعى الناس إليه أم لا.
وقيل: لا يقبل مطلقًا لابتداعه المفسق له.
ونقل عن مالك وأحمد- رضي الله عنهما قبول روايته.
إلا أن يدعوا الناس إلى بدعته، لأنه لا يؤمن فيه أن يضع الحديث على وفقها.
ونقل ابن حبان عن المحدثين: الاتفاق عليه.
وعزاه ابن الصلاح للأكثرين، وقال: إنه أعدل المذاهب وأولاها.
أما من تجوز الكذب فلا يقبل، كفر ببدعته أم لا؟
قال الشافعي- رضي الله عنه: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم.
وأما ما يتوهم: أنه فسق لكونه خللًا في العمل، نحو من شرب النبيذ، ولعب بالشطرنج، من مجتهد يراهما حلالًا أو مقلد له فيه، فالقطع أنه ليس بفاسق ولا مبتدع.
الثالث من الأوصاف المشروطة في المخبر وهي العدالة:
وهي لغة: التوسط في الأمر بين الإفراط إلى طرفي الزيادة والنقصان.
واصطلاحًا: هي ملكة في النفس، أي: هيئة نفسانية راسخة فيها، تمنعها من اقتراف الكبائر والرذائل المباحة أي الجائزة.
كالبول في الطريق، الذي هو مكروه، والأكل في السوق لغير
سوقي.
واجتناب الكبائر عبارة عن التقوى، واجتناب الرذائل المباحة عبارة عن المروءة.
وضابطها: أن يسير بسيرة أمثاله في زمانه ومكانه.
واعلم أن المروءة ليست جزءًا من حقيقة العدالة.
وإن اشترط في قبول الشهادة والرواية.
فاسم العدالة صادق بدونه، وإن كان ظاهر كلام المصنف بخلافه.
وأجيب: بأن الماوردي قسم المروءة المشترطة في قبول الشهادة، إلى
ثلاثة أقسام:
وجعل منهما قسمًا شرطًا في العدالة: وهو مجانبة ما يسخف من الكلام المؤدي إلى الضحك، وترك ما قبح من الفعل.
قال: فمجانبة ذلك من المروءة المشترطة، وارتكابها مفسق.
وفي الجواب نظر.
وزاد بعضهم في حد العدالة: واجتناب الصغيرة الدالة على الخسة كسرقة لقمة، وتطفيف حبة عمدًا.
وهذا يؤخذ من تعريف المصنف؛ لأن الألف واللام في «الكبائر والرذائل» للجنس لا للاستغراق؛ لأن تعاطي الكبيرة الواحدة، والرذيلة
الواحدة قادحة.
فإذا كانت الرذيلة الواحدة المباحة قادحة، فبالأولى الصغيرة الخسيسة لأنها محرمة.
أما صغيرة غير الخسة، ككذبة لا يتعلق بها ضرر.
ونظره إلى أجنبية، فلا يشترط المنع عن اقتراف كل فرد منها، فإن اقتراف الفرد منها لا ينفي العدالة.
والإصرار على الصغيرة مسقط للعدالة، ولم يذكره المصنف؛ لأن
الإصرار يصير الصغيرة كبيرة.
والمراد بالكبائر غير الكبائر الاعتقادية التي هي البدع فتلك تقدم ما فيها.
وزاد بعضهم في الحد: أن تمنعه الملكة، هوى النفس.
وقال: لا بد (منه فإن المتقي للكبائر، وصغائر الخسة، مع الرذائل المباحة، قد يتبع هواه، عند وجوده لشيء منها، فيرتكبه، ولا عدالة لمن هو بهذه الصفة.
وهذا صحيح في نفسه غير محتاج إليه، مع ما ذكره المصنف؛ لأن من عنده ملكة تمنعه عن اقتراف ما ذكر، ينتفي عنه اتباع الهوى لشيء منه، وإلا لو وقع في المهوى فلا يكون عنده ملكة تمنع عنه.
والكبيرة:
قيل: ما توعد عليه بخصوصه، من الكتاب أو السنة.
وقيل: هي ما فيه حد، واختاره في الحاوي الصغير.
قال الرافعي: وهم إلى ترجيح هذا أميل، والأول ما يوجد لأكثرهم وهو الأوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر.
وقيل: ما نص الكتاب على تحريمه، أو وجب في جنسه حد، أو ترك فريضة تجب على الفور، أو كذب في الشهادة والروية واليمين، وحكاه: الرافعي عن أبي سعيد الهروي.
وقيل: إنها كل ذنب، (ولا صغيرة في الذنوب) واختاره جماعة منهم السبكي.
وقالوا ذلك: نظرًا إلى عظمة من عصى ربه عز وجل.
وهنا أقوال أخر، وتمييز الكبائر من الصغائر وفوائد حسنة من الشرح.
ثم فرع على اشتراط العدالة عدم قبول الشهادة في مسائل بقوله: «فلا تقبل رواية من أقدم على الفسق عالمًا» بكونه فاسقًا للإجماع.
ولقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} .
وإن جهل أن ما أتى به فسق قبل، وبه قال الإمام الرازي وأتباعه ونص عليه الشافعي رضي الله عنه.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: لا يقبل؛ لأنه ضم جهل إلى فسق.
فإذا كان الفسق مع العلم مانعًا، فمع الجهل أولى، واختاره الآمدي.
قلنا: الفرق بينهما: عدم لجرأة في الفاسق الجاهل والجرأة، وقلة المبالاة في الفاسق العالم، فلا تزول غلبة ظن صدق الجاهل بخلاف العالم.
واكتفى المصنف عن الاستدلال هنا اكتفاء بما تقدم في الكافر الموافق، وهو رجحان الصدق.
وأيضًا بأن في جواب شبهة القاضي إيماء إلى الدليل، فإن قلت: اشتراط العدالة مع قبول الفاسق متنافيان.
قلت: تقدم أن اجتناب الكبائر المشترطة في العدالة هو غير الاعتقادية ولذا يقبلون رواية المبتدع مع الاتفاق على اشتراط العدالة.
ومن لا تعرف عدالته، ولا فسقه- وحذفه لتقدم ذكره- لا تقبل روايته؛ لأن الفسق مانع من القبول إجماعًا، فلا بد من تحقق عدمه، أي تحقق ظن عدمه، كالصبا والكفر، والجامع احتمال المفسدة.
تنبيه: شمل كلام المصنف من جهلت حالة باطنًا، لا ظاهرًا، وهو المستور والمشهور رد روايته، كما جزم به المصنف.
وقبله أبو حنيفة- رضي الله عنه وابن فورك وسليم الرازي.
قال ابن الصلاح: يشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من
كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم، وتعذرت الخبرة الباطنة لهم.
وتوقف فيه إمام الحرمين.
وشمل أيضًا مجهول الحال ظاهرًا وباطنًا وهو مردود أيضًا كما قال المصنف.
وشمل أيضًا: مجهول العين وهو: من لم يؤو عنه إلا واحد وهو مردود، إذا لم ينضم إلى ذلك توثيق إمام له، فإن وثق مع رواية واحد عنه اكتفى بذلك.
قاله أبو الحسن القطان.
والعدالة تعرف بالتزكية، إذ العدالة أمر خفي في النفس، لا
اطلاع عليها، إلا بالتزكية، أو الاختبار.
واقتصر على الأول، لأنه المقصود الآن.
وفيها أي التزكية مسائل:
الأولى
شرط العدد في الرواية والشهادة يعني لا يقبل في تزكية الشاهد والراوي إلا اثنان حكاه القاضي عن أكثر الفقهاء.
ومنع القاضي أبو بكر فيهما، واكتفى بواحد.
والحق: الفرق بين الرواية والشهادة: فيكتفي في الرواية بواحد.
ويشترط في الشهادة اثنان كالأصل، فإنه اكتفي في أصل الرواية بواحد، وفي الشهادة باثنين.
فيكون تعديل كل واحد كأصلهن فإن فرع الشيء لا يزيد عليه وهنا فوائد حسنة يتعين الوقوف عليها من الأصل.
الثانية
في أنه هل يجب ذكر السبب في الجرح والتعديل أم لا؟
قال الشافعي- رضي الله عنه يذكر سبب الجرح، أي: يجب على الجارح أن يذكر سبب الجرح، إذ قد يجرح بما ليس جارحًا لاختلاف المذاهب فيه.
ولأن الجرح يحصل بخصلة واحدة فيسهل ذكرها، بخلاف التعديل.
فإنه لا يجب على المعدل ذكر سبب التعديل.
والتحقيق أن العدالة بمنزلة وجود مجموع يفتقر إلى اجتماع أجزاء، وشرائط يتعذر ضبطها أو يتعسر.
والجرح بمنزلة عدم له ويكفي فيه انتفاء شيء من الأجزاء والشروط فيسهل ذكرها كما تقدم.
وقيل: يذكر سبب التعديل، دون سبب الجرح، لكثرة التصنع في أسباب العدالة.
ونقله إمام الحرمين والغزالي في المنخول، عن القاضي أبي بكر، والموجود في مختصر التقريب له القول الأول.
ورواه الخطيب البغدادي في الكفاية: بسنده إليه.
ونقله الغزالي في المستصفى عنه.
وقيل: يجب أن يذكر سببهما.
وقال القاضي أبو بكر: لا يجب ذكر السبب فيهما، بل يكفي
الإطلاق.
واختاره الآمدي مع نقله له عن القاضي. وكذا نقله الإمام عن القاضي، وقد عرفت ما فيه. ويحتمل أن يكون له أقوال.
وقال الإمام الرازي تبعًا لإمام الحرمين: يكفي إطلاق الجرح والتعديل من العالم بأسبابهما دون غيره.
وقال في جمع الجوامع ما حاصله: أن هذا ليس مذهبًا آخر؛ لأن الجرح والتعديل إنما يعتبران من العالم بأسبابهما فالجاهل بذلك لا يعتد بقوله.
الثالثة
إذا تعارض الجرح والتعديل فإن الجرح مقدم على التعديل.
سواء كان عدد المجرح أكثر، أو أقل، أو تساويا؛ لأن فيه أي في الجرح زيادة لم يطلع عليها المعدول ولا نفاها.
إيضاحه: أن في تقديم الجرح جمعًا للجرح والتعديل، فإن غاية قول المعدل: أنه لم يعلم فسقًا، ولم يظنه، فظن عدالته، إذ العلم بالعدم لا يتصور، والجارح يقول: أنا علمت فسقه.
فلو حكمنا بعدم فسقه كان الجارح كاذبًا.
وإذا حكمنا بفسقه كانا صادقين فيما أخبرا به، والجمع أولى، ما أمكن؛ لأن تكذيب العدل خلاف الظاهر.
واعلم أنا إنما نقدم الجرح إذا أطلقا.
وأما إذا عين الجارح السبب ونفاه المعدل بطريق يقيني، مثل أن يقول الجارح: هو قتل فلانًا يوم كذا، وقال المعدل: أنا رأيته بعد ذاك اليوم، فيقع بينهما التعارض، لعدم إمكان الترجيح المذكور.
وحينئذ يصار إلى الترجيح.
وكذا إذا عين الجارح سببًا، فقال المعدل: تاب عنه وحسنت توبته، فيقدم التعديل، لأن معه هنا زيادة علم.
ويخرج هاتين المسألتين من تعليل المصنف.
الرابعة
في بيان الطرق التي يحصل بها التزكية
التزكية تحصل بأحد أمور:
منها أن: يحكم الحاكم- المشترط للعدالة في قبول الشهادة-
بشهادته، وهذا القيد لم يذكره المصنف، وذكره الآمدي وغيره، ولا بد منه.
أو يثنى عليه عارف بأسباب العدالة، أي العدالة بأن تقول: هو عدل، أو مقبول الشهادة أو الرواية.
فلو أثنى عليه بغيرها، كالعلم والعقل ونحوهما، لم يكن تزكية أو يروى عنه من لا يروي عن غير العدل، فإن ذلك تعديل للمروي عنه، بخلاف من يروى عن كل من سمع، ولو كلف الثناء سكت، فإن تلك الرواية ليست بتعديل.
ويعرف كونه لا يروى عن غير العدل: إما بتصريحه بذلك وإما بالاستقراء من حاله، كشعبة ومالك ويحيى القطان.
وأما روايته له في كتاب التزم فيه أنه لا يروي فيه إلا للعدل، وذلك كصحيح البخاري، ومسلم.
ويلحق بهما المستخرجات عليهما، وصحيح ابن خزيمة وابن حبان.
أو يعمل عالم، يرى العدالة شرطًا في قبول الرواية بخبره فإن عمل المعدل بخبره، تعديل للمروي عنه.
إذ لو لم يكن عدلًا لم يكن العامل بخبره عدلًا بل فاسقًا.
والكلام في العامل العدل، وأسقط المصنف اشتراطه في التزكية لوضوحه.
فإن أمكن حمله على الاحتياط، أو على العمل بدليل آخر وافق الخبر فليس بتعديل.
وأفهم كلام المصنف: أن ترك العمل بشهادته أو بروايته ليس جرحًا له، وهو كذلك لجواز أن تدلا ويقبلا، ولا يرتب عليهما أثرهما
لمعارض، كرواية أو شهادة أخرى، أو فقد شرط آخر غير العدالة، وهنا نفائس في الشرح.
الوصف الرابع المعتبر في الراوى: الضبط.
وهو أن يكون قوي الحفظ قليل السهو.
والمراد بقوة الحفظ: أن لا يزول ما سمعه عن خاطره بسرعة.
فمن اختل حفظه مطلقًا، أو بالنسبة إلى الأحاديث الطوال لا تقبل روايته، وإن كان عدلًا؛ لأنه لا يؤمن الزيادة والنقصان في حديثه.
وعدم مساهلته في الحديث: بأن كان يروي وهو غير واثق بما يروي، فيزيد وينقص فيه، فلا نأمن الغلط في خبره.
وأما كونه محتاطًا في حديث النبي- صلى الله عليه وسلم ومتساهلًا في حديث غيره، فلا يضره، وتقبل روايته.
وقيل: ترد روايته مطلقًا، ونص عليه الإمام أحمد- رضي الله عنه والفرق بين عدم الحفظ والسهو: أن من لا يحفظ لا يحصل الحديث حال سماعه، ومن يعرض له السهو يحصل الحديث حال سماعه ويزول عن خاطره بسرعة أو بغير سرعة.
وشرط أبو علي الجبائي: العدد، فلم يقبل في خبر الزنا إلا أربعة، وفي خبر غيره إلا اثنين كما تقدم.
ورد قول أبي علي: بقبول الصحابة خبر الواحد، بدليل ما نقل عنهم من الاستدلال بخبر الواحد، وعملهم به في الوقائع المختلفة التي لا تكاد تحصى، وتكون ذلك مرة بعد أخرى وشاع وذاع بينهم، ولم ينكر عليهم أحد إلا لنقل، وذلك يوجب العلم العادي باتفاقهم كالقول الصريح، وإن كان احتمال غيره قائمًا في واحد واحد.
قال أبو علي في بيان اشتراط العدد: الصحابة طلبوا العدد في وقائع كثيرة.
فمن ذلك أن أبا بكر لم يعمل بخبر المغيرة بن شعبة: في توريث الجدة إلى أن أخبره بذلك محمد بن مسلمة (رضي الله عنهم
أجمعين) رواه الأربعة، ومالك في الموطأ وقال الترمذى: حسن صحيح.
ومنها: إنكار عمر خبر أبي موسى في الاستئذان حتى رواه
أبو سعيد رضي الله عنهم. رواه البخاري.
وطلب العدد منهم في الروايات الكثيرة دليل اشتراطه.
قلنا: إنما طلبوا العدد عند التهمة، وقصوره عن إفادة الظن لا مطلقًا، ونحن إنما ندعي أن خبر الواحد العدل مقبول حيث لا تهمة في روايته فلا يرد ما ذكر من الصور نقضًا؛ لأن ذلك مما لا نزاع فيه. وبهذا يجمع بين قبولهم تارة وردهم أخرى.
الخامسة
شرط أبو حنيفة- رضي الله عنه فقه الراوي إن خالف خبره
القياس، لأن العمل بخبر الواحد على خلاف الدليل الدال على عدم اعتبار رواية الواحد خالفناه فيما إذا كان الراوي فقيهًا لحصول الوثوق بقوله، فبقي ما عداه على أصله من أنه لا يعمل به.
ورد بأن العدالة في الراوي تغلب ظن الصدق، فإن العدل لا يروي إلا ما يعلم أنه كما يروى فتكفي العدالة ولا حاجة إلى الفقه.
ولم يحك الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عن الحنفية اشتراط فقه الراوي إلا فيما خالف قياس الأصول، لا مطلق القياس.
ولم يحكه صاحب البديع منهم إلا عن فخر الإسلام منهم خاصة لكن على تفصيل آخر مبين في الأصل مع فوائد حسنة.
وعلم من كلام المصنف: أنه لا يتوقف الأخذ بالحديث على انتفاء القرابة المقتضية لرد الشهادة،
ولا على معرفة نسب الراوي، أو كونه عربيًا أو ذكرًا أو بصيرًا وهو كذلك.
أما إذا أكثر الروايات مع قلة مخالطته لأهل الحديث، فإن أمكن
تحصيل ذلك القدر في ذلك الزمان قبلت وإلا فلا.
وأما الشرط الثاني: وهو المخبر عنه، أي مدلول الخبر فأن لا يخالفه قاطع لا يقبل التأويل، سواء كان القاطع عقليًا، أو نقليًا، كتابًا أو سنة متواترة، أو قياسًا قطعي المقدمات من ثبوت الحكم في الأصل.
وكون الوصف المعين علته ووجوده في الفرع.
فإن عارض الخبر دليل قطعي.
فإن قبل التأويل: بأن يكون نصًا يمكن تخصيصه بالخبر، أو قياسًا يمكن تخصيص الخبر به، أو عكسه جمعنا بينهما بحسب الإمكان، جمعًا بين الدليلين، وإلا رددناه؛ لأن المعارض قطعي، وخبر الواحد ظني،
والقطعي راجح على الظني قطعًا.
وقوله: "لا يقبل التأويل" يحتمل أن يكون صفة لقاطع، وهو الظاهر بحسب اللفظ.
ويحتمل أن يكون متعلقًا بالخبر بأن يكون حالًا عن مفعول يخالفه.
ويحتمل: أنه يتعلق بهما جميعًا بحسب المعنى.
قال العبري: وهو الحق، فيكون حالًا عن الفاعل والمفعول، أ: حال كون القاطع والخبر لا يقبل التأويل لا يعمل بالخبر، وإن قبل أحدهما أول القابل له، ولا يضره، أي: ولا يضر الخبر مخالفة القياس له، ما لم يكون قطعي المقدمات سواء كان جميعها ظنية، أو بعضها ظنية والأخرى قطعية، فلا يضر الخبر مخالفة القياس
ومعارضته، فلا يقدح في قبول الخبر الواحد، بل يقدم الخبر عليه على الأصح.
ونص عليه الشافعي- رضي الله تعالى عنه- لقلة مقدماته بالنسبة إلى مقدمات القياس؛ لأن الخبر مجتهد فيه (في أمرين: عدالة الراوي، ودلالة الخبر.
والقياس مجتهد فيه). في أمور ستة: حكم الأصل، وتعليله في الجملة، وتعيين الوصف الذي به التعليل، ووجود ذلك الوصف في الفرع، ونفي المعارض في الأصل، ونفيه في الفرع، هذا إذا لم يكن الأصل خبرًا، فإن كان خبرًا، وجب الاجتهاد في الستة مع الأمرين المذكورين، وهما العدالة والدلالة.
وظاهر أن ما يجتهد فيه في مواضع أكثر فاحتمال الخطأ فيه أكثر
والظن الحاصل به أضعف، فما كان أقل كان أقل خطأ فهو أرجح فقدم.
أما إذا أمكن الجمع بينهما فيجمع كما مر.
ولا يضر الخبر مخالفة عمل الأكثر لأنهم ليسوا بحجة، لكونهم بعض الأمة، ولا يضر الخبر مخالفة الراوي بأن يكون عمله بخلاف مقتضى الخبر؛ لأن فعل الراوي ليس بحجة؛ لأنه ربما تمسك بما ظنه دليلاً ولا يراه.
وشمل كلام المصنف: ما إذا حمل الراوي مرويه على غير ظاهره.
وما لو كان نصًا وعمل بخلافه (وهو كذلك) فيهما- أعني أنه لا يعمل إلا بما روى لا بما رأى.
أما إذا روى الصحابي حديثًا فيه لفظ مشترك، وحمله على أحد معنييه، فإن كانا متنافيين كالقرء، فالظاهر إتباعه فيه.
وإن لم يتنافا المحملان، فهو كسائر المشتركات يحمل على جميع معانيه عند من يراه، ولا يختص بما حمله عليه الصحابي، إلا أن يجمعوا على أن المراد أحدهما فيحمل عليه.
وإن قلنا: لا يحمل على جميعها.
ففي البديع أن المعروف حمله على (ما عينه)؛ لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا بقرينة.
قال: ولا يبعد أن يقال: لا يكون تأويله حجة على غيره.
ونقل عن الصفي الهندي أن الخلاف فيما إذا قال ذلك بغير طريق التفسير للفظه، وإلا فتفسيره أولى بلا خلاف.
وقول المصنف: الراوي يشمل الصحابي والتابعي، وهو كذلك عند بعضهم.
ولا بد من التقييد بكونه من الأئمة.
وفرض الجمهور المسألة في الصحابي فقط.
وقد يفرق بأن ظهور القرينة للصحابي أقرب.
فائدة:
الصحابة (رضي الله تعالى عنهم) كلهم عدول.
وحد الصحابي تقدم في شرح الخطبة.
والتابعي: من لقي الصحابي، كما لقي الصحابي النبي- صلى الله عليه وسلم وفهم من كلام المصنف: أنه لا يجب عرض خبر الواحد