الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة
في يوم الاثنين لثلاث خلت من شوال قبض العزيز بالله على الوزير يعقوب بن كلس وعلى الفضل بن صالح وأخوته، وحمل ما في دورهم إلى القصر، فكان ما حمل من دار الوزير يعقوب مائة ألف دينار، واعتقل كل واحد بمفرده، فارتجت المدينة، ونهبت الأسواق، وكانت الدواوين تجلس في دار الوزير، فنقلوا إلى القصر.
وعملت أوراق ما كان للوزير من أنواع البر فبلغت ألف دينار كل شهر، فأمر العزيز باجرائها على أربابها، ثم أفرج عنهم بعد شهرين، وأعيد موجودهم، وأعيد الوزير إلى وزارته، ورد إليه المائة ألف دينار التي أخذت له، وأعيد اسمه إلى الطراز بعد ما محى.
وفيها كان غلاء عظيم عم بلاد الشام والعراق.
وفيها مات هفتكين، فاتهم الوزير يعقوب بأنه سمه، فقبض عليه.
ومات القاضي محمد بن الحسن بن أبي الربس.
ومات أبو العباس بن سبك من الإخشيدية.
وأما المغرب فإن العزيز بالله بعث في سنة ست وسبعين أبا الفهم حسن الداعي الخراساني إلى القيروان، فأكرم إكراما كثيرا، ثم توجه إلى بلاد كتامة، فدعاهم، وعظم عندهم، حتى ضرب السكة، وركب في عساكر عظيمة.
ثم بعث العزيز في سنة سبع وسبعين أبا العزم ومحمد بن ميمون الوزان، فلقيا الأمير أبا الفتح منصور بن يوسف بن زيرى، فسبهما وأهانهما لسبب ما فعله أبو الفهم، ووكل بهما، ثم خرج وهما معه في طلب أبي الفهم، حتى أخذه وقتله شر قتلة، وأخذه العبيد فشرحوا لحمه وأكلوا كله، وأمر أبا العزم ورفيقه أن يمضيا إلى مصر، ويخبرا العزيز بما شاهداه، فقدما عليه وقالا: رأينا شيئاً...............
ومن خط ابن الصيرفي: كان رجل من التجار الغرباء ينزل في قيسارية الإخشيد التي
يسكنها البزازون خلف الجامع العتيق، فقتل في منزله، وأخذ ماله، فأصبح رشيق
غلام ميمون دبة صاحب الشرطة السفلى فاعتقل جماعةً من أولاد التجار ومن كان ساكنا حول قيسارية الإخشيد، فشنع الناس عن رشيق أنه دس على الرجل من قتله وأخذ ماله، ورفع إلى العزيز ذلك، وأنه اعتقل أبرياء مستورين، فوقع على ظهر الرقعة إلى الوزير يعقوب بن يوسف في ذي الحجة سنة سبع وسبعين وثلاثمائة: سلم الله الوزير، وأبقى نعمته عليه.
هذه رقعة رفعت إلينا بالأمس، الوزير سلمه الله يطلع عليها ويتدبرها، والأمر والله فظيع، يسوء الأولياء، ويسر الأعداء، وبالأمس كنا نضحك من فناخسرو، واليوم ألجمنا بعار منى علينا في بلد نحن ساكنوه، والأخبار تسير به في البلدان، وحسبك بقتل الأنفس في مواضع الأمن والطمأنينة في وسط عمارة المسلمين وتؤخذ الأموال، وقد وكل الأمر إلى رجلين لا يخافان الله عز وجل ولا يتقيانه، والدنيا فانية، والاجال متقاربة، وإن أصبح الناس فما يدري أنه يمسي.... الله عز وجل.... هذه الجرائم.... عليه منها يحرم أجره.... في.... المتغافل عنه، فوالله لو جرى مثل هذا في بلد يبعد عنا لوجب الاحتساب لله فيه، فكيف تحت كنفنا وفي بلدنا؟! فليستقص الوزير سلمه الله عن هذه القصة، ويوتر الله ويوترنا، ويغسل هذا العار عن الدولة ولا يغمها به. فوالله الذي لا إله إلا هو، وحق جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتبت إلى الوزير سلمه الله هذه الرقعة إلا وأنا خائف من نقم الله جل اسمه، لكثرة تغافلنا وإهمالنا، إلى أن صارت المعاملة في الدماء وقتل الأنفس، فليس على هذا صبر، ولا بد لك من
الاستقصاء على هذه القصة، فأوثق الناس إلى أن تنكشف، فينتقم من فاعلها، وتبرأ إلى الله تعالى منه.
فليعمل الوزير سلمه الله في ذلك عملا يأجره الله عليها ونشكره، ولا يتوانى عنه، فليس ما نغسله عن أنفسنا بانكشاف هذه القصة قليلا عند الله جل وعلا، وعند عبيده من بعد.
وأنا أقسم على الوزير بحياتي ألا يتوانى عن هذا الأمر، وليسرع بالفراغ منه، وخلاص هؤلاء الرجال المساكين من مد يد من يطلب أموالهم وأنفسهم ظلماً وعدواناً، والشرط والولاية قد صارت إرثا، فلينظر الوزير سلمه الله أن يولى الشرطتين إنسانين يخافان الله عز وجل ويتقيانه، فلا جمع الله ما لهما، ولا ما يجيء منهما بتقلد، فقدم ما أمرناك به في الوجوه، وأظهره في الناس لتطيب أنفسهم، وليعلموا أنا لا نغفل عن شيء يبلغنا الله فيه رضى، ولهم فيه صيانة.
والله حسبي، وعليه توكلي.
والسلام على الوزير ورحمة الله.
قال ابن الصيرفي: فنسخ أهل مصر كافةً هذا التوقيع، وصار الصبيان في المكاتب يعلمونه كما يعلمون الحمد.
وصرف الوزير..... ورشيقا عن الشرطتين.