المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ معارضة وجوابها - جواب الاستفتاء عن حقيقة الربا - ضمن «آثار المعلمي» - جـ ١٨

[عبد الرحمن المعلمي اليماني]

الفصل: ‌ معارضة وجوابها

[ق 16]

‌ معارضة وجوابها

قال صاحب الاستفتاء: «ما ظُنَّ أن نفع القرض ربًا حقيقة، وداخل في نص القرآن، وهو أمر بديهي لا يحتاج إلى البيان= مدفوع بأنه لو كان أمرًا بديهيًّا لا يمكن أن يخفى على الأئمة والفقهاء دخولُ هذا النفع في نص القرآن، ولم يحتاجوا إلى الاستدلال عليه بالحديث الضعيف تارةً، وبالقياس على ربا البيع تارةً، وبالقياس على ربا الجاهلية مرةً، وبالآثار حينًا. وكذلك ما يختارون في حدّه ومسائلِه يعارض هذه الدعوى، فهذا كله دليل على أنه ليس بمندرج في نص القرآن عندهم. ويؤيده أيضًا عدمُ ورود النقل عن واحدٍ من الأئمة بأن هذا النفع هو ربًا منصوص» .

أقول: أما كون الزيادة المشروطة في القرض ربًا حقيقةً وداخلًا في نصّ القرآن فقد سبق بيانه. وأما كون ذلك أمرًا بديهيًّا فلعمري إنه عند عوام المسلمين وطلبة العلم وأكثر أهل العلم لكذلك، ومن تشكك منهم قبل صاحب الاستفتاء وأضرابه من أهل العصر فلم يتشكك في أنه ربًا حقيقة داخل في نص القرآن معنًى، وإنما تشكك في دخوله في نصّ القرآن لفظًا. وإنما حمله على هذا التشكيك ما قاله زيد بن أسلم ورُوي عن غيره في ربا الجاهلية، وقد تقدم توجيهه. فزعم الكاساني

(1)

أنه مقيسٌ على ربا البيع، كأنه لم يقرأ القرآن فيعلم أن الربا الذي فيه غير البيع. وزعم ابن رشد

(2)

أنه مقيسٌ على ربا الدين الذي فسَّره زيد بن أسلم وغيره، ولو أمعن النظر لتبيَّن

(1)

في «بدائع الصنائع» (7/ 395).

(2)

في «المقدمات الممهدات» (3/ 149).

ص: 446

له أنه لا حاجة إلى القياس مع عموم القرآن للنوعين، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع اختصاص آية الروم بالنفع المشروط في القرض، على ما تقدم بيانه.

فأما احتجاج كثير منهم بحديث «كل قرضٍ جرَّ نفعًا فهو ربًا»

(1)

مع ضعفه فلعله يراه صحيحًا أو مقطوعًا بصحته، لتلقِّي الأمة له بالقبول بالنظر إلى المنفعة المشروطة، ومخالفةُ جماعة منهم لعمومه في غير المشروطة لا تقدح في ذلك، فإن أكثر العمومات القرآنية والسنّية مخصوصة، ولم يمنع ذلك صحتها وحجيتها.

وقد سلك بعض متأخري الحنفية مسلكًا رديئًا في التفصِّي من الأدلة التي تخالفهم من الكتاب والسنة، وذلك أن أحدهم يذكر الدليل ثم يبيِّن صورةً قد خُصَّت من عمومه ويقول: هذا متروك الظاهر إجماعًا، ويرى أنه بذلك قد اسقط الاستدلال بذلك الدليل البتة. وكثيرًا ما يسلكه صاحب الاستفتاء وأستاذه في «شرح سنن الترمذي» ، ولعله يُنشَر فيقف العلماء على ما فيه من العجائب، والله المستعان.

[ق 17] وبالجملة فليس احتجاجهم بهذا الحديث بدون احتجاجهم على نسخ آية الوصية بحديث «لا وصية لوارث»

(2)

مع ضعفه، وتركوا الاحتجاج

(1)

أخرجه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» كما في «بغية الباحث» (436) من حديث علي مرفوعًا، وفي إسناده سوّار بن مصعب متروك الحديث. ورُوي موقوفًا عن فضالة بن عبيد في «السنن الكبرى» للبيهقي (5/ 350).

(2)

أخرجه أحمد في «مسنده» (22294) وأبو داود (2870، 3565) والترمذي (2120) وابن ماجه (2713) من حديث أبي أمامة الباهلي. قال الترمذي: «وفي الباب عن عمرو بن خارجة وأنس، وهو حديث حسن صحيح» .

ص: 447

بآية المواريث مع وضوح دلالتها على نسخ آية الوصية بقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} ، فأشعرَ بأن هذه وصية من الله تحلُّ محلَّ ما كنتم أُمِرتم به من الوصية. ثم قال:{آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 11]، فبيَّن أن ما كانوا أُمِروا به من الوصية لا يتم به العدل لجهلهم، فأقام مقامَ ذلك وصيةً منه بعلمه وحكمته، وقال بعد ذلك:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: 12]، فشرط في وصيتهم أن لا يضارّ وصية منه، وقد بيَّن وصيته قبل ذلك بالمواريث. وفي الآيات دلائل أخرى على هذا المعنى.

فغفل أكثرهم عنها، واقتصروا في الاحتجاج على نسخ الآية بحديث «لا وصية لوارث» ، مؤيدين له بالإجماع، مع أن في الإجماع هنا نظرًا، فإن الهدوية من أئمة أهل البيت الزيدية باليمن يجيزون الوصية للوارث. بخلاف القرض المشروط فيه الزيادة، فلا مخالف في حرمته أصلًا، والعوام يعلمون حرمته، بخلاف منع الوصية لوارث فلا يعلمونها. وحديث الوصية لوارث مخصوص بما إذا لم يُجِزْ بقيةُ الورثة.

وأما احتجاجهم بالآثار فإنما هو من باب الاحتجاج بالإجماع، كأنهم يقولون: قد قال هؤلاء كذا ولا مخالفَ لهم.

وقوله: «ويؤيده أيضًا عدم ورود النقل عن واحدٍ من الأئمة بأن هذا النفع هو ربًا منصوص» .

ص: 448

أقول: قد ثبت عن جماعة من الصحابة والتابعين وتابعيهم وبعض الأئمة الأربعة وغيرهم أنه ربًا، ولم يُنقَل خلافُ ذلك عن أحد. ونُقِل عن جماعة من الصحابة والتابعين وتابعيهم وبقية الأئمة الأربعة وغيرهم أنه حرام، ولم ينقل عن أحد منهم أنه قال: ليس بربًا. وصحَّ عن جماعة من كبار العلماء بعدهم أنه ربًا منصوص، وزعم بعضهم أنه مقيسٌ، فلما تدبَّرنا الكتاب والسنة علمنا أنه منصوص، وليس في ذلك ردٌّ على من أطلق أنه ربًا أو أنه حرام، لأنهم لم يقولوا: منصوص، ولا قالوا: غير منصوص. وإنما فيه ردٌّ على من زعم أنه مقيس، ولا ضيرَ في ذلك.

على أنه الأمة لو اجتمعت على أنه حرام ولكن لم يجدوا له دليلًا من الكتاب والسنة، فقام عالم متأخر فاهتدى إلى دليل بيِّنٍ من الكتاب والسنة= لما كان ذلك مِن خرق الإجماع؛ لِما نُصَّ عليه في الأصول أنه لا مانع من إحداثِ دليل أو تعليل. وإنما الخرق المحظور هو مخالفة الأمةِ أجمعَ في حكم من الأحكام، [ق 18] كما اتفقت الأمة علماؤها وعامتها على أن الزيادة المشروطة في القرض حرام، وقال جماعة من الصحابة وغيرهم ــ والعامة معهم إلى اليوم ــ: هو ربا، وقال جماعة ــ والعامةُ معهم إلى اليوم ــ: هو من الربا المنصوص في كتاب الله عز وجل؛ فقام صاحب الاستفتاء يقول: كلّا، بل هو مكروه ويجوز للحاجة إليه= فهذا هو خرق الإجماع، بل إنكارُ ما عُلِم من الدين بالضرورة، والله المستعان.

ص: 449