الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
لقد احتفل العالم قبل سنتين بمرور نصف قرن على إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكان الاحتفال مناسبة للتأمل في هذا الإعلان والظروف التي أدت إلى إصداره، وكان هناك اتفاق عام على أن الإعلان، بالرغم من المبادئ الإنسانية التي اشتمل عليها، إلا أن التطبيق خلال خمسين سنة قد كشف عيوبا أساسية سوف نتعرض لها في ثنايا هذا البحث، غير أن هذه المراجعة الشاملة للإعلان تضع على المسلمين مسئولية خاصة لإعطاء هذا الإعلان البعد الروحي والإنساني الذي يقدمه الإسلام، ولا يستطيع غيره أن يقدمه.
لقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة في اجتماعها بباريس في 10 ديسمبر 1948 مبادئ إنسانية رفيعة، وأكد فيما أكده أن كل فرد وكل مؤسسة اجتماعية سوف تهتدي بروح الميثاق كما سيحاولون إشاعة مبادئه وتعاليمها وتعزيز احترام هذه الحقوق والحريات، بكل الوسائل الحضارية سواء كانت الحقوق وطنية أو دولية بهدف تأكيد الاعتراف بها والالتزام بمضمونها، كما أكد البيان حقوقا كثيرة للإنسان منها حق الحياة والحرية والأمن والحصانة ضد الاعتقال أو النفي الاعتباطي، وحقه في محاكمة عادلة، وكذلك حقه في التفكير والتعبير، والاعتقاد والدين، ونص على الالتزام للطبقات العاملة بحق العمل، والتأمين الاجتماعي، والعلم، والمشاركة في الحياة الثقافية في المجتمع.
وقد شجع صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على توقيع اتفاقيات دولية أخرى كالاتفاقية الدولية حول الحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كما أقرت الجمعية العامة إعلانات مماثلة تؤكد حقوق الطفل، ورفض التمييز العنصري والتمييز ضد المرأة، وهي مواثيق إنسانية لقيت وتلقى من العرب والمسلمين كل دعم وتأييد؛ لأنها تنسجم مع التقاليد العربية والتراث الإسلامي أيما انسجام.
إن هذه المبادئ، وإن كانت قد صدرت في وثيقة دولية في منتصف القرن العشرين الميلادي، إلا أنها كانت تشكل حلما جميلا وغاية نبيلة للإنسان عبر عنها المصلحون والحكماء منذ فجر التاريخ؛ فقد دعا الشاعر اليوناني هوميروس في الأوديسا قائلا:"احترم الإنسان، واحفظ حق الفقير"، وقد صدر على أثر الثورة الأمريكية "1776" والثورة الفرنسية "1879" إعلانات أكدت على أن الناس خلقوا أحرارا متساوين في الحقوق، وأن هدف الدولة -أي دولة- هو المحافظة على حقوق الإنسان في الحياة والحرية والأمن والتملك، ومنع تقييد تلك الحرية إلا بحكم القانون، وبعد ضمان المحاكمة العادلة وغير ذلك من المبادئ الإنسانية والضمانات القانونية.
إن من الواضح أن الهدف الظاهري للإعلان -على الأقل- هو تسليح الإنسان ليكون عضوا فاعلا في مجتمعه، وتأكيد حقه في الحياة الكريمة الآمنة، والافتراض بأن مجتمعا إنسانيا يتشكل من هذا النوع من الأفراد، جدير بأن يحمل مسئولياته في بناء عالم جديد يقوم على العدالة، والمساواة بين الشعوب، ويتضامن لحفظ سلام عالمي أكيد يحمي الإنسانية من مخاوف الدمار الشامل، وسوف يتضح لنا مع استمرار هذا البحث أنه ما من هدف إنساني تضمنه الإعلان العالمي إلا وله سند في العقيدة الإسلامية، مع فارق أساسي هو أن هذه الحقوق هي جزء من حقوق الله على العباد، مما يكسبها قداسة خاصة، ويجعلها فرائض يثاب فاعلها ويعاقب تاركها.
على أن إعادة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وخصوصا بعد فترة طويلة من التطبيق تثير ملاحظات جوهرية، أولها أن الإعلان جاء يعكس المناخ الذي صدر فيه، وهو مناخ الحرب العالمية الثانية، وجاء يصور العالم الجديد كما أراده المنتصرون في تلك الحرب، أما "الإنسان" فهو الإنسان الأوروبي الذي قاسى في الحرب وناضل حتى خرج منتصرا. ويمكن أن نقدم دليلا على ذلك: أن الأمم المتحدة التي أصدرت الإعلان، كانت هي نفس المنظمة التي أصدرت قرار تقسيم فلسطين، متحدية كل القيم الأخلاقية، والقوانين الدولية قبل عام واحد من إصدار الإعلان، وظل هذا الموقف يحكم
سياسات الدول الكبرى الأعضاء، حتى تَمَّ تشريد الشعب الفلسطيني عن بكرة أبيه من ديار آبائه وأجداده.
والحقيقة أن الإعلان -على ما فيه من مبادئ زاهية وكلمات براقة، كما أسلفنا- لم يستطع أن يغير شيئا من النظرة التقليدية للغرب إزاء الشعوب العربية والإسلامية، وهو ما ذهب إليه المفكر فيليب حتى في كتابه "تاريخ العرب" حيث قال:"من سوء الحظ فإن موقف الغرب، وخصوصا خلال العقدين الأخيرين لم يكن يتجه لخير هذه المنطقة، حيث يوجد تناقض واضح بين المبادئ الإنسانية التي عبر عنها "بعض" المستشرقين الغربيين، والأساتذة، والدعاة، وبين الإهمال للقيم الإنسانية التي وسمت تصرفات الساسة، والقادة العسكريين، الذين ركزوا اهتمامهم على الأهداف الوطنية والاقتصادية لبلادهم. إن سلوك من يسمون أنفسهم بالدول الصناعية المتقدمة، في مرحلة ما بين حربين عالميتين، انفجرتا على نطاق غير مسبوق في تاريخ الإنسان، وإن قدرة الرجل الغربي على إطلاق قوى شيطانية من عقالها، هي ثمرة لتفوقه العلمي وآلاته، وهي القدرة التي باتت تهدد العالم كله بالدمار الشامل، وإن تدخل القوى الأوروبية في الشرق الأوسط، وخصوصا سياستهم في قضية فلسطين، قد جعل إيجاد تقارب عقلي مع الغرب يفقد الأمل تماما" ومضى البرفيسور فيليب حتى للقول: "إن أعمال الغرب قد أدت لعزل المواطن العربي، وزعزعت ثقته في أخلاق الرجل الأوروبي، سواء في النطاق الخاص أو العام".
إن كل هذه العوامل قد أدت لبروز تيار دولي واسع ينادي بضرورة إعادة النظر في المواثيق الدولية السابقة، بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ لضمان حرية الفرد وكرامته فعلا لا قولا، وبناء علاقات اجتماعية متوازنة، توجه التنمية نحو إسعاد الإنسان وليس خلق مناخات جديدة للاستغلال والاحتكار، وقد عكس التقرير النهائي لمؤتمر "قمة التنمية الاجتماعية" الذي نظمته الأمم المتحدة في كوبنهاجن عام 1995م، قرارات وتوصيات بهذا المعنى، كذلك تضمن تقرير اللجنة الدولية الخاصة "بالأخلاق والجوانب
الروحية للتنمية الاجتماعية" الذي نظمته نفس الجهة في "بليد" بسلوفينيا، مبادئ مهمة عن هذه الجوانب، وكمثال لهذا الاتجاه في المادة التاسعة من التقرير الختامي ما يلي: "إن التغيرات في الأفراد والمجتمعات، هي أمور ضرورية ومطلوبة؛ لأن الفرد والمجتمع بحاجة إلى آمال وتطلعات جديدة. إن مؤتمر كوبنهاجن قد عقد في لحظة حاسمة من التاريخ، حيث خلقت التطلعات "الطوبائية" شعورا باليأس المشروع، وحيث أصبح واضحا أن التمسك بنموذج وحيد للتنمية، أو التقدم الاجتماعي، قد فقد مشروعيته وحقيقته، وأخيرا حيث إن الإنسانية بحاجة لأن توجه مسيرتها على أسس جديدة".
إن ذلك يوضح بما لا يدع مجالا للشك، أن الإنسانية تجتاز مرحلة جائرة تبحث فيها عن حلول لمشكلاتها، وتتحسس حجم الكارثة التي تنتظرها إن لم تصحح المسار على أسس أخلاقية، وقيم روحية.
وهذه الدعوة يجب أن تفتح آذان المسلمين وعيونهم، وتثير عزائمهم لأداء واجبهم لتقديم مبادئ الإسلام وقيمه العالية لعالم يحتاجها، ولا يمكن أن ينجو بدونها؛ استجابة لأمر الله القائل:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] .
وقبل أن نتعرض لبعض أهم القضايا المعاصرة ونبين رأي الإسلام فيها، لا بد أن نحدد حقيقة أساسية وهي أن نظرة الإسلام لحقوق الإنسان تختلف عن غيرها في ثلاث نقاط رئيسية:
1-
أنها جزء من حقوق الله على العباد؛ مما يكسبها المناعة والثبات والاستقرار.
2-
أنها حقوق تقابلها واجبات، فمن قصر في الواجب ضاع عليه الحق.
3-
أن الحقوق والواجبات هي فرائض دينية يثاب فاعلها، ويعاقب تاركها والمتنكر لها.
وبهذا الفهم الشامل نتعرض لبعض القضايا المعاصرة المطروحة للبحث؛ لنرى رأي الإسلام فيها: