المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: العنصرية والسلالية - حقوق الإنسان والقضايا الكبرى

[كامل الشريف]

الفصل: ‌ثانيا: العنصرية والسلالية

‌ثانيا: العنصرية والسلالية

وفي مجال المساواة بين الأجناس والألوان يحمل الإسلام -ببساطته- علاجا حاسما لمرض عضال طالما جلب حروبا طاحنة وشقاء لا يوصف لملايين البشر، ونعني به العنصرية أو السلالية التي تزعم لشعب معين حقوقا وامتيازات على سائر البشر، أو تعطي نفسها الحق في إهدار كرامة شعب آخر والنزول به إلى أدنى سلم الأجناس، كما زعمت الفلسفة النازية حين جعلت الجنس الآري في قمة السيادة والتفوق، وانحدرت بغيره إلى مهاوي التحقير والانحطاط، ولم يقف هذا التمييز العنصري عند النظريات الكلامية، ولكن أراد أن يفرض منطقه في علاقاته بالآخرين مما أدى للصدام واشتعال الحرب. ومن هذا القبيل أيضا نظرية "الشعب المختار" التي تبنتها الصهيونية مما وضعها في موقع الخصومة والعداء مع بقية الشعوب، ثم ترجمت هي الأخرى نظرياتها العدوانية في احتلال فلسطين، وطرد الشعب العربي الذي سكنها لأكثر من خمسة آلاف سنة.

ومع أن أدولف هتلر وأعوانه قد نقلوا النظرية السخيفة إلى آفاق السياسة والحرب، لكنهم لم يكونوا وحدهم، فهناك مدارس فلسفية عريقة في الغرب قامت على أساس تمجيد الجنس الأبيض واحتقار السود مثلا، وفي ذلك يقول البروفيسور أساني فاساسي في كتابه عن إفريقيا:"إن الكثيرين في أوروبا يقولون صراحة أو تلميحا: إن أوروبا نجحت لأنها متفوقة بالسلالة، وإن مسئولية الانحطاط في إفريقيا تقوم على التخلف الموروث لدى السلالة السوداء في إفريقيا". وإن هذا الرأي كان يقول به مفكرو عصر النور في أوروبا مثل: فولتير، وكانت، ورابيليه، لدرجة أن الفيلسوف "بيير كابان" قد اقترح قيام "مزارع آدمية" لتهجين الجنس الأسود، وبذلك "تصحح غلطة الطبيعة"1.

فماذا يقول الإسلام في هذه القضية؟

يعالج الإسلام قضية العنصرية من جذورها الأساسية، حين يقرر أن الناس جميعا ولدوا لأب واحد، وأم واحدة، كما يقول القرآن الكريم:{خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: 6] ، وقد أشار القرآن -كذلك- إلى أن النفس الأولى من تراب أو طين، أو حمأ مسنون، وكلها تشير إلى البداية المتواضعة لهذا الإنسان، ونسله من بعده، وأنه لا تمايز أو تفاضل لأحد من الناس على الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] . وتؤكد الأحاديث النبوية هذا المعنى في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "الناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب""الدارمي"، وتشمل التقوى مخافة الله، ومجانبة السيئات، والحرص على نفع الناس وإسعادهم، كما يقول حديث نبوي آخر:"إذا قال جيرانك: أحسنت، فقد أحسنت""ابن ماجه" وقوله صلى الله عليه وسلم أيضا: "تواضعوا حتى لا يبغي أحد، ولا يفخر أحد على أحد""مسلم".

وفرائض الإسلام كلها من صلاة وزكاة وصيام وحج تدور حول تركيز هذه المعاني في نفس المسلم، تعويده عليها حتى تصبح جزءا من طبيعته.

1 assani fassassi - sursaut de l'afrique qu'on acheve.

ص: 8

وفي ذلك يقول السيد بوسارد صاحب كتاب "إنسانية الإسلام": إن المساواة تبدأ من السجود لله الواحد ثم تصعد مع الإنسان في كل أعماله وعلاقاته، ويقول أيضا:"إن إفراد الله بالعبودية المطلقة لا يبقي مجالا لكي يعلو واحد على الآخر، أو يستعبد إنسان إنسانا".

وحين وقع أحد أصحاب الرسول فيما يقع فيه كل الناس، وعيّر أحد إخوانه بلونه الأسود، انبرى صلى الله عليه وسلم ليصده ويذكره قائلا:"إنك امرؤ فيك جاهلية" وأصبح مألوفا في مجتمع المدينة الأول أن يكون من قادة الجيوش وحكام الأمصار الطبقة التي اعتبرها الجاهليون من الموالي والعبيد؛ ولذلك لم يكن غريبا أن تئول الإمامة الكبرى لغير العرب في بعض مراحل التاريخ الإسلامي، وأن تنتقل عواصم الدولة الإسلامية خارج الإطار العربي، ولا يمكن أن نتصور أن يحدث ذلك بالنسبة للإمبراطورية البريطانية أو الفرنسية مثلا، حيث تصبح نيودلهي أو كوناكري، عاصمة بدلا من لندن أو باريس.

ص: 9