المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أحد عشر: قوانين الحرب - حقوق الإنسان والقضايا الكبرى

[كامل الشريف]

الفصل: ‌أحد عشر: قوانين الحرب

‌أحد عشر: قوانين الحرب

وإذا أصبحت الحرب أمرا محتوما بسبب عدوان دولة أجنبية، فقد راعى المسلمون دائما قوانين الحرب الإنسانية، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:"إن الله كتب الإحسان على كل شيء""الدارمي". ويتضح ذلك من وصية الخليفة الأول إلى الجيش الإسلامي قائلا: "أيها الناس، أوصيكم بعشرة فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغالوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة، ولا بعيرا إلا لمأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم، وما فرغوا أنفسهم له"، وذلك يتفق مع دعوة القرآن الكريم:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان: 7] .

فأين هذا السلوك الإنساني الملتزم مع ما نشاهده في عالم اليوم من انفلات كامل في القيم والمبادئ، وتعريض للمدنيين نساء وأطفالا لأسلحة الدمار الشامل، على النحو الذي شاهدناه في فلسطين وكوسوفا والشيشان، أو مقابر القتل الجماعي التي لا يزال أهل البوسنة يعثرون عليها بعد الحرب؟!

وقد تقيد المسلمون بهذه المبادئ في معاملة الأسرى، ولم تمنعهم غلظة قريش وتاريخ التعذيب الطويل من أن يكونوا منصفين، وأن يلتمسوا أي سبب للإفراج عن أسرى الأعداء، فقد قبل الرسول تحرير أسرى بدر مقابل تعليمهم لأبناء المسلمين، كما أن أعدادا كبيرة من قبيلة هوازن سقطوا أسرى المسلمين في معركة حنين، ثم أخلى سبيلهم بعد توقف القتال "البخاري". وفي غزوة بني المصطلق وقع في أسر المسلمين مئات الأسرى، وقد أفرج عنهم جميعا بدون فدية1، وحين أسر الهرمزان أحد قادة الفرس بعد القادسية، ونقل إلى المدينة أفرج عنه الخليفة عمر فاعتنق الإسلام بإرادته، وعاش حرا في أرجاء المدينة على منحة مالية من بيت مال المسلمين.

وللإنصاف التاريخي، فإن معاملة أسرى بدر قد وقعت بين رأيين: واحد: يميل للعفو عنهم أو قبول الفدية ويتزعمه أبو بكر، والآخر: يميل بقتلهم قصاصا منهم لما اجترحوه ضد المسلمين، والرأي الثاني العنيف كان اجتهادا لا يسانده القرآن الكريم كما يذكر الشيباني في كتاب "السير الكبير"، ويعلق الأستاذ مارسيل بواسارد في كتابه "إنسانية الإسلام" على هذه الواقعة التاريخية فيقول: "إن القرآن الكريم لا يسمح إلا بأحد أسلوبين: العفو والتحرير، أو الفدية، والتاريخ الإسلامي يؤكد أنه لا الرسول، ولا الخلفاء

1 اقتباس عز الدين بليق: منهاج الصالحين.

ص: 22

الراشدون قد سمحوا بقتل الأسرى"1. ويقول السيد أمير علي في كتابه القيم "روح الإسلام": "إن كتب السيرة النبوية قد أوضحت أن المسلمين قد عاملوا أسرى بدر معاملة رقيقة، حتى إنهم كانوا يتركون لهم الركائب ويمشون سيرا على الأقدام، ويعطونهم الخبز بينما يكتفون هم بشيء من التمر"2.

وكان الميل دائما لتفادي إراقة الدماء مهما كلف الأمر؛ ولذلك رأينا الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقبل دعوة صفروينوس بطرك القدس، لكي يأتي بنفسه لاستلام مفاتيح القدس سلما، وكان بوسعه أن يأمر جيوشه المنتصرة باقتحام القدس، ولكنه آثر تحمل مشاق الرحلة تعبيرا عن احترامه للقدس مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم وأول قبلة للإسلام، وكذلك لمنع القتال وما يجره من بلاء على السكان. وقد أسفر هذا اللقاء التاريخي عن توقيع ما عرف بالعهدة العمرية، التي أرست قاعدة التفاهم الإسلامي المسيحي في الديار المقدسة، وأمّنت المسيحيين على كنائسهم وصلبانهم، ونفذت لهم ما يريدون من إبعاد اليهود عن القدس، ولا تزال العهدة العمرية حتى يومنا هذا تمثل ركيزة التعامل بين المسلمين والمسيحيين في فلسطين؛ ولذلك رأينا المسيحيين العرب يقفون إلى جوار مواطنيهم المسلمين ضد الحروب الصليبية، ويشاركون مشاركة فعالة في الثورات الفلسطينية ضد الصهيونية وحليفها الاستعمار البريطاني.

1 l.htm'humanism del'islam: marcel a. boisard.

2 amer ali "the spirit of islam.

ص: 23