الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الديانة والتعبد، عارفاً بالحديث وعلومه، وسمع منه الكثير وحدث واشتغل وأفاد، وانتفع به الناس وأخذوا عنه، ومولده بحران سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، وتوفي بدمشق آخر نهار الجمعة رابع صفر، ودفن يوم السبت بمقابر باب الفراديس رحمه الله تعالى، وكانت له جنازة حفلة مشهودة جداً.
السنة التاسعة وسبعون وستمائة
استهلت يوم الخميس وافق ذلك ثالث أيار والخليفة الامام الحاكم بأمر الله وهو بقلعة الجبل من الديار المصرية، وصاحب الديار المصرية وبعض الشام الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي، ودمشق وما والاها بيد الملك الكامل شمس الدين سنقر الأشقر، وصاحب الكرك الملك المسعود نجم الدين الخضر بن الملك الظاهر وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر، وصاحب مكة شرفها الله تعالى الشريف نجم الدين أبو نمى الحسني، وصاحب المدينة الشريفة صلوات الله وسلامه على ساكنيها الأمير عز الدين جماز بن شيحة الحسيني وصاحب حماه والمعره الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين محمود، والعراق والجزيرة والموصل وأربل وآذربيجان وديار بكر وخلاط وخراسان والعجم وما وراء ذلك بيد التتر، والروم بيدهم أيضاً قربة غياث الدين بن السلطان ركن الدين ولا حكم له.
وفي يوم الخميس مستهل السنة في الساعة السادسة منه ركب الملك
الكامل شمس الدين سنقر الأشقر نائب السلطنة من قلعة دمشق، ودخل الميدان الأخضر وبين يديه الأمراء ومقدمي الحلقة رجاله بالخلع يحملون الغاشية، والقضاة والأعيان ركاب بالخلع، وسير في الميدان لحظة يسيرة، وعاد إلى القلعة. وقد ذكرنا في أواخر حوادث السنة الخالية تجريده بعض عسكر دمشق إلى غزة، وكان بها طائفة من عسكر الديار المصرية مقيمين بها لمطابقة الكرك، وعند وصول العسكر الشامي إليها في أوائل شهر المحرم من هذه السنة اندفع عسكر الديار المصرية من بين أيديهم، ودخلوا الرمل، فنزل الشاميون غزة واطمأنوا بها ساعة من النهار، وكان فيهم قلة فكر عليهم عسكر الديار المصرية وكبسوهم ونالوا منهم منالاً كثيراً، ورجع عسكر الشام منهزماً إلى مدينة الرملة.
وفي يوم الاثنين خامسه وصل إلى خدمته في طاعة الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا ملك العرب بالبلاد الشرقية والشمالية، ودخل عليه وهو على السماط، فقام له الملك الكامل، فقبل الأرض وجلس على يمينه فوق الحاضرين.
وفي يوم السبت عاشره وصل الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي بن يزيد ملك العرب بالبلاد الحجازية إلى طاعة الملك الكامل، فأكرمه غاية الاكرام، وكان وصوله من جهة العراق، وذكر أنه كان انتهى في يقظته هذه إلى بلاد البصرة وأغار وانتهب.
وفي العشر الآخر منه تقدم الملك الكامل بإضافة الأعمال الحلبية إلى قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان، وأن يعطي تدريس المدرسة الأمينية بدمشق، وكان ذلك بيد قاضي القضاة نجم الدين محمد بن سنا الدولة، وكتب له بالمدرسة الأمينية تقليد من إنشاء كمال الدين أحمد بن العطار نسخة، مضمونة: " الحمد لله الذي اطلع في فلك ساداتنا شمس الدين بازغة الأنوار. وأقام بنا بناء الحق، مشيد الأركان على المنار. وجعل روض الفضل في أيامنا زاهراً. تصبو إليه الأبصار. وقلوب ونفوس فيما يحف منه نجم إلا نشف من بعده سناء نجوم وأقمار. وشموس ولا يذوى منه عود إلا يروى بماء الرعاية منه أصول وفروع وغروس. يبر بها لأيامنا أن يبذل فيها الحسنات. أو يتعطل فيها مدارس آيات. والصلاة على سيدنا محمد ذى الحسيب الصميم. والدين القويم. والشرع الهادي إلى الصراط المستقيم. صلاة يحلى اللسان تكرارها. ويملأ سواد القلب أنوارها. وبعد فإن أحق من عمرت به ربوع العلوم الدارسة. وطلعت شموس فضله، فتجلت بها كلمات الجهل الدايسة. من كانت آية فضله شمسية، إذا طلعت حجب النجم سناها. وإذا تناهى في إشادة عليائه أعربها بمساعيه، وحسن بناها. وإذا تسابقت جياد الأفكار في حلبة جدال عطف اعنتها إلى الصواب وثناها. طالما حل الرتب العالية بجليل مقداره ودقيق أفكاره. وجلا الرتب العالية بخفي تدبيره وجلى أنواره. وماضت على معاطف مناقبه
ذوائب فخاره. وهامت الأفكار في أودية محامده، وما بلغت وصف محله ومقداره. وافتخر قلم الفتيا براحته وتباعد السيف عن قربه خوفاً من مهابه. وسدد الحق سهام أحكامه. فأصابت الأغراض، وشيد الصدق نظام كلامه. فشفى صحيحه الأمراض، فإن شرع في علم الشرع شفى إنسان عن الجهل الارمداء. روى الحديث النبوية بإسناده، فيما يصل أحد إلى مسند أحمد، وإن صال في الأصول فإليه منتهى فخار الفخر الرازي. أو حكم في الحكمة، فابن سينا غير مساو له ولا موارى له، وإن نطق في المنطق، فهو أنير زمانه وسراجه المنير، أو يحدث في علم العربية، فهو أبو العباس تحقيقاً غير تقدير، أو تكلم في علم الخلاف، فهو الأوحد على الحقيقة، وكم له إلى الحق من طريق وطريقه، وإن قص أبناء السلف والخلف، وكل خطيب يثني عليه، وابن عساكر لا تتخذه عساكر معلوماته لو كان بين يديه ".
ولما كان المجلس العالي القضائي الأجلي الصدري الكبيري الأوحدي الرئيسي الأفضلي العالمي العاملي الكاملي الناسكي العارفي الأثري الحافظي الشيخي الامامي الحاكمي الشمسي، شرف الإسلام فخر الأنام زين العلماء أوحد الفضلاء وارث الأنبياء محبة العرب العرباء بقية السلف مفتي الفرق صدر الحفاظ شمس الشريعة قاضي القضاة سيد الحكام صفي الملوك والسلاطين ولي أمير المؤمنين أبو العباس أحمد بن الشيخ الامام أبي عبد الله محمد بن إبراهيم ابن أبي بكر بن خلكان البرمكي الشافعي ضاعف الله جلاله، وحقق في الدارين آماله، نظام هذا العقد المليح. ومعنى هذا اللفظ الفصيح.
وثمرة هذه الدوحة النضرة. ونشر هذه الروضة الخضرة. رسم الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الكاملي الشمسي لا زال يقر الحق في يد مستحقه، ويوضع لسالكه في سبيله. وطرفه أن يفوض إليه تدريس المدرسة الامينية. ويجري باسمه العلوم الشاهد به كتاب وقفها المبرور، وذلك لما تعين سرف مباشرها عند تبين إجلاله بشروط واقفها، فتقدم على خيرة الله تعالى، ويذكر بها دروس فضله التي لا تدرس للأنام آثارها. ويغرس في قلوب طلبتها حب فرائده، ليجتني ساعة غرسها ثمارها. ويحلو وجوه معارفه على خطابها، ليبلى بمحاسنها، ويتمتع، ويغذى أطفال الأذهان الرضع بلبان فضله إلى أن يتسنى بين يديه، ويترعرع، ويعمر معناها بالعلم الذي تنكرت فيها معالمه، وخفى سناه، حتى لا يدركه شاتمه، ليجني بها فضله الحسن السهل خالداً ويغذو كل ظام من جعفره المعروف، ومعروف جعفره وارداً، وتصبح هذه المدرسة كنيفاً ملئ علماً وقليباً حشي فهماً وفلكاً يبدى شمساً، ويخفى نجماً وكنانة يخرج من طلبتها في كل حين سهماً يراه متأمله شهماً. والله تعالى يحيى ببقاء علمه ما أماته الجهل، ويؤنس بأنفاسه ما استوحش من معاهد الخير والفضل ان شاء الله تعالى. كتب في ثالث عشرين المحرم سنة تسع وسبعين وست مائة، وذكر الدرس بها في هذا الوقت وكان القاضي نجم الدين مدرسها بحلب وقد استناب ولده بها ولم يكن تام الأهلية لمباشرة مثلها.
وفي أواخر شهر المحرم وردت الأخبار أن الملك المنصور أرسل جيشاً كثيفاً إلى دمشق، ومقدمه الأمير علم الدين سنجر الحلبي، ولما اتصل ذلك العسكر بعسكر الملك الكامل الذين بالرملة تأخروا قليلاً ولما تقدم المصري تأخر الشامي لقلته إلى أن وصل أوائلهم دمشق في أوائل صفر.
وفي يوم الأربعاء ثاني عشر صفر خرج الملك الكامل بنفسه وبجميع من عنده من العساكر، وضرب دهليزه بالجسورة وخيم هناك بجميع الجيش، واستخدم وأنفق هو جمع خلقاً عظيماً، وحضر عنده عرب الأميرين شرف الدين عيسى بن مهنا، وشهاب الدين أحمد بن حجي، ونجدة حلب، ونجدة حماة، مقدمها الملك الأفضل نور الدين علي أخو صاحب حماة، ورجالة كثيرة من جبال بعلبك.
وفي يوم الأحد سادس عشره وقت طلوع الشمس، التقى الجيشان في المكان المذكور وتقاتلا أشد قتال، وثبت الملك الكامل، وقاتل قتالاً كثيراً، واستمر المصاف إلى الرابعة من النهار، ولم يقتل من الفريقين إلا نفر يسير جداً، وخامر أكثر عسكر دمشق، وانهزموا من أنضاف إلى العسكر المصري وعند ما وقعت العين في العين قبل أن يلتحم القتال انهزم الحمويون، وتخاذل عسكر الشام وتفرقوا، فمنهم من دخل بساتين دمشق واختفى بها، ومنها من دخل خواطر دمشق، ومنهم من ذهب إلى بعلبك، ومنهم من سلك طريق المرج والقطيفة وعذراء والدرب الكبير إلى القطيفة، واجتمع جميع العسكر على القصب من عمل حمص، ثم عاد أكثر
الأمراء إلى دمشق، وطلبوا الأمان من الأمير علم الدين الحلبي، فأمنهم ودخلوا في أيام متفرقة، ثم حضر الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي إلى دمشق بالأمان، ودخل في طاعة الملك المنصور، وأما الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا فإنه توجه صحبة سنقر الأشقر، ولازم خدمته ونزل به وبمن معه من الأمراء والعسكر في نوبة رحبة مالك بن طوق ونصب لهم بيوت شعر وأقام بهم، وبدوابهم مدة مقامهم عنده، وأما الجيش المصري، فإنه ساق من ساعته إلى المدينة وأحاط بها، ونزلوا في الخيم ولم يتعرضوا إلى زحف، وراسلوا من بالقلعة إلى العصر من ذلك النهار، ففتح من المدينة باب الفرج، ودخل منه بعض مقدمي الجيش، وفتحت القلعة فدخلوا إليها من الباب الذي داخل المدينة، وكان التسليم بالأمان وأفرج عن جماعة كان اعتقلهم سنقر الأشقر، منهم الأمير ركن الدين بيبرس العجمي المعروف بالجالق، وتقي الدين توبة التكريتي، والأمير حسام الدين لاجين المنصوري وغيرهم، وكتبت المطالعات إلى الملك المنصور بصورة ما جرى وسيرت على البريد.
وفي بكرة يوم الاثنين سابع عشرة جهز الأمير علم الدين الحلبي قطعة جيدة من الجيش المصري
تقارب ثلاثة آلاف فارس في طلب شمس الدين سنقر الأشقر ومن معه من الأمراء والجند.
وفي هذا اليوم ركب قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان للسلام على الأمير علم الدين الحلبي، فقبض عليه واعتقله بعلو الخانكاة النجيبة.
وفي يوم الخميس العشرين منه صرفه عن قضاء الشام كله، وتقدم إلى القاضي نجم الدين محمد بن سنى الدولة، وكان قدم من حلب بمباشرة الحكم بدمشق فباشره.
وفي يوم الخميس سابع عشرين منه أعادت الأجوبة من الملك المنصور فجلس الأمير علم الدين الحلبي في دهليز ضرب له بالميدان الأخضر الصغير، وحضر عنده الأمراء، والأعيان من عسكر الشام ومصر، وأعيان الناس، وقرئ عليهم كتاب الملك المنصور، ومضمونه:" التهنئة للإسلام بدفع هذا الضرر والعتب على كل طائفة بما يليق بهم ". وفي آخره: " وإنا قد عفونا عن جميع الناس الخاص والعام، أرباب السيف والقلم، ولم نؤاخذ أحداً منهم، وأمناهم على أنفسهم وأهلهم وأموالهم، ورسمنا أن لا نغير على أحد منهم وظيفته إلا إن ورد في حقه تخصيص ". فارتفعت الأصوات بالدعاء وانصراف الناس مسرورين.
وفي أوائل ربيع الاول، ترتب في نيابة السلطنة بالشام الأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصوري، ودخل دار السعادة ودخل معه الأمير علم الدين الحلبي ورتبه بها، وفي خدمته سائر أمراء مصر والشام، وهذا الأمير حسام الدين كان الملك المنصور سيره إلى دمشق أميراً ونائباً لقلعتها في أواخر السنة الخالية، فبقي بالقلعة مدة يسيرة وجرى ما جرى من سلطنة شمس الدين ينقر الأشقر واعتقله، وبقي في الاعتقال إلى أن حضر الأمير علم الدين الحلبي، واستولى على المدينة والقلعة، فأفرج عنه وبقي في خدمته
إلى أن ورد المرسوم بمباشرة نيابة السلطنة فباشرها، وهو شاب له خير كثير، الدين والكرم والشجاعة، محب للعلماء والصلحاء، مؤثر للعدل في الرعية.
وفي يوم الثلاثاء تاسع ربيع الأول أفرج عن قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان وضرب إلى منزله، ثم تقدم إليه الأمير علم الدين الحلبي بعد أيام بالانتقال من المدرسة العادلية الكبيرة، وتسليمها إلى قاضي القضاة نجم الدين، فشق عليه ذلك وتكرر عليه القول بسرعة النقلة فبينا هو في ذلك قد أحضر جمالاً لنقل قماشه إلى جبل الصالحية، وإذا بكتاب الملك المنصور قد ورد على الأمير علم الدين الحلبي، ومن مضمونه:" إن عفونا قد شمل الخاص والعام، وما يليق أن تخصص بسخطنا أحداً على انفراده، وغير خاف مما يتعين من حق المجلس السامي القضائي شمس الدين أحمد بن خلكان أعزه الله تعالى وقديم صحبته لها وحدته عليها، وأنه من بقايا الدولة الصالحية سقى الله عهدها، وقد رسمنا بإعادته إلى ما كان عليه بقضاء القضاة بالشام، وبسطنا يديه في القبض والإبرام وما هذا معناه ". فركب القاضي شمس الدين من ساعته، وطلع إلى الأمراء وسلم عليهم، ونزل وقت الظهر باشر الأحكام وأحضر له تشريفه لنسبه، وصلى به الجمعة، وكتب مطالعة إلى الملك المنصور يدعو له ويتنصل بما نسب إليه ويعتذر؛ فورد عليه الجواب بالشكر وقبول العذر.
وفي أوائل ربيع الآخر خرج من دمشق عسكر من الجيش المصري، مقدمهم الأمير عز الدين الأفرم، ولحق بالذين كانوا توجهوا قبل ذلك في طلب سنقر الأشقر، فأدركوهم على حمص، ورحلوا بأسرهم طالبين المذكور ومن معه، فلما بلغه ذلك فارق الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا وتوجه بمن معه في البرية إلى الحصون التي كانت بقيت بيد نوابه فتحصن هو ومن معه بها في أواخر الشهر المذكور وهي: صهيون، وكان بها أولاده وخزائنه ودخلها هو أيضاً، وبلاطنس وحصن برزية وحصن عكار وجبلة واللاذقية والشعر وبكاش وشيزر. وكان يوم المصاف قد انهزم الأمير عز الدين ازدمر إلى جبل الحرديين، وأقام عندهم هذه المدة كلها تحصن بهم وحموه، فلما بلغه وصول سنقر الأشقر إلى القلاع المذكورة وصل إليه بجماعة من الجبليين، وأقام شيزر يحفظها، ولما بلغ العسكر دخولهم القلاع واعتصامهم بها، نازلوا شيزر مضائقة لأبقية العسكر المنازلين لشيزر مصممين على حضرتها، وترددت الرسل بينهم وبين شمس الدين سنقر الأشقر في تسليمها، فبينا هم في ذلك، وردت الأخبار في أوائل جمادى الآخرة أن التتار خذلهم الله تعالى قد قصدوا بلاد الشام، فخرج من كان بدمشق من العسكر المصري والشامي، ومقدمهم الأمير ركن الدين أباجي، ولحق بقية العساكر التي على شيزر وكانوا قد تأخروا عنها، ونزلوا بظاهر حماة، ووصل من الديار المصرية عسكر مقدمه الأمير بدر الدين بكتاش النجمي فلحق بهم، واجتمع الجميع على حماة وأرسلوا كشافة إلى بلاد التتر في العشر الأوسط منه، ووصل
إلى دمشق وبعلبك خلق عظيم من الجفال من حلب وبلادها وحماة وحمص والبلاد الشمالية جافلين من التتر، ولم يتخلف في تلك البلاد إلا من عجز عن السفر، وأخليت حلب من العساكر التي لها والتجؤا إلى حماة، وعزمكثير من أهل دمشق والبلاد الشامية أن يتوجهوا إلى الديار المصرية، واضطرب الناس لذلك اضطراباً شديداً، وكان سبب حركة التتر لما بلغهم من اختلاف الكلمة، وظنوا أن نقر الأشقر ومن معه يتفقون معهم وأن يكونوا جميعاً على العسكر المصري، فأرسل أمراء العسكر المصري إلى سنقر الأشقر يقولون: هذا العدو قد دهمنا وما سببه إلا الخلف بيننا، وما ينبغي أن نهلك الاسلام في الوسط، والمصلحة أن نجتمع على دفعه. فنزل عسكر شمس الدين سنقر الأشقر من صهيون والحاج ازدمر من شيزر، وخيمت طائفة تحت قلعتها، ولم يجتمعوا بالمصريين، واتفقوا على اجتماع الكلمة ودفع العدو عن الشام.
وفي يوم الجمعة حادي وعشرين منه وصل طائفة عظيمة من عساكر التتار، وأحرقوا الجامع والمدارس المعتبرة ودار السلطنة ودور الأمراء الكبار، وأفسدوا فساداً كثيراً، وكان أكثر من تخلف بها قد استتر في المغائر وغيرها، وأقاموا بحلب يومين على هذه الصورة.
وفي يوم الأحد ثالث وعشرين منه رحلوا منها راجعين إلى بلادهم بعد أن تقدمهم الغنائم التي كسبوها ونقلوا من الغلال شيئاً كثيراً إلى أماكنهم، وكان سبب رجوعهم إلى بلادهم لما بلغهم من اتفاق الطائفتين
على دفعهم، وحكى أن سبب خروجهم من حلب أن بعض من استتر بها يئس من الحياة، فطلع منارة الجامع وكبر بأعلى صوته على التتر، وقال: جاء النصر من عند الله، وأشار بمنديل كانمعه إلى ظاهر البلد، وأوهم أن إشارته إلى عسكر المسلمين، وجعل يقول في خلال ذلك: اقبضوهم من بيت البيوت مثل النساء، فتوهم التتر من ذلك وخرجوا من البلد على وجوههم، وسلم الذي فعل ذلك، ولما رجعوا عن حلب ظهر من كان مستتراً بها، ورجع من كان يجفل عنها، وحصلت الطمأنينة للناس. وفي هذه الأيام هرب من عند شمس الدين سنقر الأشقر جماعة من الأمراء ودخلوا في طاعة الملك المنصور وتوجهوا إلى خدمته.
وفي أواخر هذا الشهر خرج الملك المنصور بجميع العساكر لنصرة الإسلام ودفع العدو عن البلاد. وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين منه قرئ على المنبر بجامع دمشق بعد صلاة الجمعة مثال سلطاني ورد على الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بدمشق، مضمونه: أن الملك المنصور جعل ولده علاء الدين علياً ولي عهده، ولقبه الملك الصالح، وخطب له على المنبر، وعقيب الفراغ من قراءة هذا المثال وردت البشائر برجوع التتر من حلب، وخلوا البلاد منهم، فاستبشر الناس بعزة ولي العهد. ولما وصل الخبر برجع التتر تفرقت العساكر في طلبهم، فمنهم من توجه إلى عين تاب وتلك النواحي، ومنهم من توجه إلى جهة الفرات والبيرة، وجاسوا خلال الديار في تلك الجهات، ثم رجعوا. وكان الملك المنصور
لما رجع ولده ولي العهد، كتب له تقليد بخط محي الدين عبد الله بن عبد الظاهر من انشائه، مضمونه: " الحمد لله الذي شرف سور الملك بعلية. وحاطه منه بوصية. وعضد منصوره بولاية عهد مهدية، واسمى حاتم جوده بمكارم حازها بسبق عدية. وأبهج خير الآباء من خير الأبناء عن سموا أبيه منه، ومسارعة وليه بحمده على نعمه التي جمعت إلى الزهر الثمر، وأضافت إلى نور الشمس هداية القمر، وداركت بالبحر، وباركت في النهر، وأجملت المبتدأ وأجنت الخبر، وجمعت في لذاذة الأوقات وطيها بين رونق الأصائل، ورقة البكر. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تلبس الألسنة منها كل ساعة جديداً، ويتفيأ ظلاً مديداً، ويستقرب من الآمال ما يراه سوانا بعيداً. ونصلي على سيدنا محمد الذي طهر الله به هذه الأمة من الأدناس. وجعلها بهداية زاكية الغراس. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من فهم حسن استخلافه بالأمر له بالصلاة بالناس. ومنهم من بنى الله به قواعد الدين، وجعله موطد الآساس. ومنهم من جهز جيش العسرة، وواسى بما له حين الطراء والباس. ومنهم من قاله عنه صلى الله عليه وسلم لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فحسن الالتماس بذلك الاقتباس. وزاد في شرفه بأن طهر أهل بيته، وأذهب عنهم الأرجاس. صلاة لا تزال
تتردد الأنفاس. ولا تبرح في الابناء حسنة الأنباس. وبعد، فإن خير من شرفت مراتب السلطنة بحلوله. وفوقت ملابس التحكيم لقبوله. ومن تزهى مطالع الملك باشراقه. وتبادر الممالك مذعنة لاستحقاقه. ومن يزدهى ملك منصوره، نصرة الله موطدة وولي عهده مكنه الله بأبيه. ومن يتشرف ايوان عظمة أن غاب والده في مصلحة الاسلام فهو صدره. وان حضر فهو ثانية. ومن يتحمل عاب الابالة منه بحيرسل كفيل لثناء. ويتكمل غوث الأمة بخير وابل خلف..... ومن الهم الاخلاق الملوكية وأوفى حكمها صبياً. ومن خصصته أدعية الأبوة الشريفة بصالحها. ولم يكن بدعائها شقياً. ومن رفعت به هضبة الملك حتى أمسى مكانها علياً. ومن هو أحق بأن يبحث للأمل وينجح. وأولى بأن تبلى له أخلفني في قومي وأصلح. ومن هو بكل خير ملى. ومن إذا فوضت أمور المسلمين كان أشرف من لا نورهم بلى. ومن يتحقق من والده الماضي الغزار. ومن اسمه عالي المنار. ان
لا سيف إلا ذو الفقار
…
ولا فتى إلا علي ".
ولما كان المقام العالي الولدي السلطاني الملكي الصالحي العلائي عضد الله به الدين، وجمع إذعان كل مؤمن على إيجاب طاعته لمباشرة أمور المسلمين حتى يصبح وهو صالح المؤمنين. هو المرجو لتدبير الأمور والمأمول لمصالح البلاد والثغور. والمدخر من النصر لشفاء ما في الصدور. والذي تشهد الفراسة لأبيه، وله بالتحكم أليس الحاكم أبو علي هو المنصور. فلذلك
افضيت الرحمة والشفقة على الأمة أن ينصب لهم ولي عهد يتمسكون من الفضل بعروة كرمه. ويسعون بعد الطواف بكعبة أبيه لحرمه. ويقطفون أزهار العدل وثمار الجود من علمه وقلبه. ويستشعر الأمة منه بالملك الصالح الذي يقسم الأنوار بجبينه، وتقسم المبار بكراماته وكرمه. فذلك خرج الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري السيفي أخدمه الله القدر. ولا زالت الممالك تتناهى منه، ومن ولى عهده بالشمس والقمر. أن يفوض إليه ولاية العهد وكفالة السلطنة الشريفة ولاية تامة عامة شاملة. كافلة جامعة وارعة قاطعة ساطعة شريفة منيفة. عطوفة رؤوفة لطيفة عفيفة. في سائر أقاليم الممالك الشريفة. وعساكرها، وجندها، وعربها، وتركمانها، وأكرادها، ونوابها، وولاتها، وأكابرها، وأصاغرها، ورعايتها، وحكامها، وقضاتها، وسارحها، وسائحها بالديار المصرية، وثغورها، وأقاليمها، وبلادها وما احتوت عليه؛ ومملكة الحجازية، وما احتوت عليه، ومملكة النوبة، وما احتوت عليه؛ والفتوحات الصفدية، والفتوحات الاسلامية الساحلية، وما احتوت عليه؛ والممالك الشامية، وحصونها، وقلاعها، ومدنها، وأقاليمها، وبلادها، والمملكة الحمصية، والمملكة الحصنية، والأكرادية، والجبلية وفتوحاتها، والمملكة الحلبية وثغورها، وبلادها وما احتوت عليه؛ وسائر القلاع الاسلامية براً وبحراً سهلاً ووعراً. شاماً ومصراً ويمناً وحجازاً. شرقاً وغرباً بعداً وقرباً. وأن يلقى إليه مقاليد الأمور في هذه الممالك الشريفة.
وأن يستخلفه سلطنة والده خلد الله دولته ليشاهد الأمر منه في وقت واحد سلطاناً وخليفة وولاية واستخلافاً، يسندها الرواة، ويترنم بها الحداة وتفهمها الاسماع. وتنطق بها الأفواه. وتفويضها يعلن لكافة الأمم. ولكل رب سيف وقلم. ولكل ذى علم وعمل بما قاله صلى الله عليه وسلم لسمية رضي الله عنه حين أولاه من الفخار ما أولاه. من كنت مولاه فعلي مولاه. فلا ملك اقليم إلا وهذا الخطاب يصله، ويوصله، ولا زعيم جيش إلا وهذا التفويض يسعه ويشمله. ولا اقليم إلا وكل به يقبله ويقبله. ويتمثل بين يديه ويمثله. ولا منبر إلا وخطيبه يتلو فرقان هذا التقدم ويرتله. وأما الوصايا فقد لقنا ولدنا. وولي عهدنا منها انطبع في صفاء ذهنه وسرت تعديته في سماء غصنه. ولابد من لوامع الوصايا للتبرك بها في هذا التقليد الشريف تنير. وجوامع يصير الخير بها حيث يصير. وودائع سك بها ولدنا أعزنا الله ببقائك، ولا ينبئك مثل خبير، فاتق الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وانصر الشرع فإنك إذا نصرته، نصرك الله على أعداء الدين وعداك. واقض العدل مخاطباً وكاتباً حتى تستبق إلى إلا يغازيه لسانك ويمناك. وأمر بالمعروف وانه عن المنكر عالماً أنه ليس يخاطب غداً بين يدي الله تعالى عن ذلك سوانا وسواك. وأنه عن نيل الهوى حتى لا يراك حيث نهاك، وحط الرعية ومر النواب تحملهم على القضايا المرعية، وأقم الحدود
وجند الجنود، وابعثها براً وبحراً من الغزو إلى كل مقام محمود، واحفظ الثغور ولاحظ للأمور. وازدد باسترشاد بأرائنا نوراً على نور. وأمر للإسلام للأكابر وزعماؤه فيهم بالجهاد. والذب عن العباد، وأصفياء الله وأحباؤه فضاعف لهم الحرمة والاحسان، واعلم أن الله قد اصطفانا على العالمين وإلا فالقوم إخوان. لا سيما أولى السعي الناجح والرأي الراجح ومن إذا فخروا بنبسة صالحة قيل لهم: نعم السلف الصالح. فشاورهم في الأمر وجاورهم في مهمات البلاد كل سر وجهر، وكذلك غيرهم من أكابر الأمراء الذين هم نحايا الدول وذخائر الملوك الاول، اجرهم هذه المجرى. واشرح لهم بالاحسان صدراً. وجيوش الاسلام هم البنان البنيان فوال إليهم الامتنان، واجعل محبتك في قلوبهم بإحسانك إليهم حسنة المدى وطاعتك في عقائدهم وقد شغفها حباً ليصبحوا لك بحسن نظرك إليهم طوعاً، وليحصل كل جنس منهم من التقرب إليك بالمناصحة نوعاً والبلاد وأهلها فهي وهم عندك
الوديعة فاجعل أوامرك بها بصيرة، ومنهم سميعة. وأما غير ذلك من الوصايا فستنجو لك منها ما ينشأ معك يوماً ويلقنك من آياتها محكماً فمحكماً والله تعالى ينهى هلالك حتى توصله إلى درج الابدار ويغذى غصتك حتى تراه قد انبع بأحسن الأزهار وأطيب الثمار، ويرزقك سعادة سلطاننا الذي نعت بنعته تبركاً، ويلهمك الاعتضاد بشيعته، والاستنان بسنته حتى تصبح كتمسكنا بذلك متمسكاً، ويجعل الرعية بك في أمن وأمان، وعدل وإحسان، حتى لا يخشى سوءاً ولا تخاف دركاً إن شاء الله تعالى. يعة فاجعل أوامرك بها بصيرة، ومنهم سميعة. وأما غير ذلك من الوصايا فستنجو لك منها ما ينشأ معك يوماً ويلقنك من آياتها محكماً فمحكماً والله تعالى ينهى هلالك حتى توصله إلى درج الابدار ويغذى غصتك حتى تراه قد انبع بأحسن الأزهار وأطيب الثمار، ويرزقك سعادة سلطاننا الذي نعت بنعته تبركاً، ويلهمك الاعتضاد بشيعته، والاستنان بسنته حتى تصبح كتمسكنا بذلك متمسكاً، ويجعل الرعية بك في أمن وأمان، وعدل وإحسان، حتى لا يخشى سوءاً ولا تخاف
دركاً إن شاء الله تعالى.
وفي أواخر هذا الشهر أعيد الصاحب برهان الدين السنجارى إلى الوزارة بالديار المصرية على عادته الأولى، ورجع فخر الدين إبراهيم بن لقمان إلى ديوان الانشاء على عادته.
وفي العشر الأوسط من شهر رجب وصلت العساكر المصرية والشامية من حلب، والبلاد الشمالية من تطلب التتر والسير في آثارهم، وتوجه الجيش المصري إلى خدمة الملك المنصور بغزة، وأقام عسكر الشام بدمشق. وفي حدود منتصف الشهر وصل الملك المنصور غزة، وكان بلغه رجوع العدو وهو بالرمل فأقام بها، وتوقف عن الوصول إلى دمشق لعدم الحاجة إلى ذلك وقصد تخفيف الوطأة عن بلاد الشام.
وفي يوم الخميس عاشر شعبان رحل الملك المنصور عن غزة راجعاً إلى الديار المصرية.
وفي أواخر شهر رمضان المعظم أعيد القاضي تقي الدين محمد بن رزين الشافعي إلى القضاء بالديار المصرية وصرف القاضي صدر الدين عمر بن بنت الأعز عن ذلك وكان قبل ذلك قد أعيد القاضي نفيس الدين بن شكر المالكي، ومعز الدين الحنفي، ورتب معهما حاكم حنبلي وهو عز الدين المقدسي فاستمر البلد مع القاضي تقي الدين كل منهم يباشر الحكم استقلالاً على مذهبه. وفي شهر ذى القعدة كان طائفة من عسكر الشام نازلين بمرج المرقب
الحصن المعروف مضائقين لمن فيه، وداخلهم طمع فيه، فركبوا من الليل وصبحوا المرقب صباحاً للغارة إليه فأحس الفرنج المقيمون به بهم، وكان قد وصلهم نجدة في البحر المالح فخرجوا بأجمعهم، وكروا على عسكر المسلمين فانهزموا بين أيديهم في أودية وعرة لا خبرة لهم بها، فنالوا منهم منالاً عظيماً، وأسروا خلقاً كثيراً، وغنموا غنائم عظيمة، وعندما انبرم الصلح بين الملك المنصور وبين الفرنج في شهر المحرم سنة ثمانين وست مائة، استنقذ أكثر من حصل بالمرقب من أسرى المسلمين في هذه الواقعة، وأخفوا من أمكنهم إخفاءه، وسفروهم إلى الجزائر.
وفي يوم الأحد مستهل ذى الحجة خرج الملك المنصور من الديار المصرية بالعساكر كلها قاصدا الشام، وترك ولده الملك الصالح يباشر الأمور عنه بالديار المصرية.
وفي يوم الأحد ثامنه أضيف إلى قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان رحمه الله الحكم بمدينة حلب وأعمالها معها بنده، وأذن له أن يستنيب عنه في ذلك.
وفي يوم عرفة منه وقع بالديار المصرية برد من كبار الحجم فأهلك من الغلال والزراعات ما لا يحصى، وكان معظم ذلك بالوجه البحري، ووقع بظاهر القاهرة تحت الجبل الأحمر صاعقة على حجر فأحرقته فأخذ من ذلك الحجر قطعة وسبكت فاستخرج منها قطعة حديد بلغت زنتها أربع أواقي من المصري، ووقع في ذلك اليوم بعينه صاعقة بثغر الاسكندرية.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشره نزل الملك المنصور بجميع عساكره على منزلة الروحاء من عمل الساحل، قبالة عكا في معنى تجديد الهدنة، فراسله الفرنج من عكا في معنى تجديد الهدنة، فإنها كانت قد انقضت مدتها، وأقام بهذه المنزلة حتى استهلت سنة ثمانين وست مائة.
وفي هذا الشهر قدم من جهة العراق الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا ملك العرب بالبلاد الشمالية وبرية العراق، داخلاً في الطاعة ووصل إلى خدمة الملك بمنزلة الروحاء. فركب السلطان في موكبه وتلقاه على بعد، وبالغ في إكرامه وإحترامه، وعامله بالصفح والاحسان.
وفيها توفي أحمد بن عبد الواحد بن السابق أبو العباس محيي الدين الحلبي العدل. من أكابر بيوت حلب. كان رجلاً كثير التحري في شهاداته، وعنده ديانة وعقل وسداد، وكتب لحكام حلب مدة، ولحكام دمشق أيضاً مدة أخرى. ومولده بدمشق سنة ثمان وتسعين وخمس مائة، وتوفي بها يوم الأربعاء بعد العصر ثامن ذى الحجة، ودفن من الغد بجبل قاسيون، وكان صلى العصر من يوم الأربعاء، ولحقه قولنج فمات من ساعته رحمه الله.
ازبك بن عبد الله صارم الدين الحلبي كان من أعيان أمراء دمشق وهو منسوب إلى الامير عز الدين الحلبي الكبير، وقد ذكرناه في سنة ست وخمسين وخمس مائة، وكان جرد هذا صارم الدين إلى بعلبك، فتمرض بها، وحمل منها في محفة على بغال إلى دمشق، فوصلها، وأقام بها أياماً، وتوفي في تاريخ ليلة الأحد الرابع والعشرين من شوال، ودفن يوم الأحد بسفح قاسيون، وقد نيف على خمسين سنة من العمر رحمه الله تعالى.
اقوش بن عبد الله الأمير جمال الدين الشمسي. كان من أعيان الأمراء وأماثلهم وشجعانهم، وهو الذي أمسك الأمير عز الدين ايدمر الظاهري وهو الذي باشر قتل كتبغانوين مقدم عساكر التتر بعين جالوت، وقد تقدم ذكر ذلك كله، وولى نيابة السلطنة بحلب في السنة الخالية، فأدركته وفاته يوم الاثنين خامس شهر المحرم من هذه السنة، ودفن هناك، وهو في عشر الخمسين رحمه الله تعالى. والشمسي نسبة إلى الأمير بدر الدين بيسرى وغيره من الشمسية رحمهم الله.
داوود بن حاتم بن عمر بن الحبال. كان شيخاً صالحاً، وله كرامات وأحوال وأخبار صادقة. قال أخي رحمه الله أخبرني مراراً عديدة بأشياء تأتي، فكان الأمر كما أخبر. ولما توفي عمه بكر بن الحبال، طلب إلى دمشق، فنزل واجتمع بالصاحب بهاء الدين، فأقبل عليه إقبالاً كثيراً، وأحسن به الظن، ولم يزل بعد ذلك يكاتبه، ويقضي حوائجه، ويقبل إشاراته إلى أن توفى الصاحب بهاء الدين رحمه الله وهو على ذلك. وكان الحاج داود حنبلي المذهب، وأصل أجداده من حران. وتوفي ليلة الأربعاء بين المغرب والعشاء في شهر ذى الحجة من هذه السنة، وعمره يومئذ خمس أو ست وتسعون سنة، ودفن في قبر حفره لنفسه في عقبة عمشكا شرقي بعلبك. قال أخي رحمه الله تعالى: ذكر لي أنه أمر أن يحفره هناك رحمه الله تعالى. حدثني ابن عمه الحاج أبو بكر، قال: كنت معه في بستانه باللجوج، وجرى ذكر التتر وما الناس فيه من أمرهم، فقال لي: متى نثرت هذه الفستقة إنكسروا قال: ونحن تحت شجرة فستق. قال:
فطلعت إلى ذلك البستان، وتذكرت قوله، وجئت إلى تحت تلك الشجرة، فوجدت ثمرها قد قاربت أن تنثر فلم يبق بعد ذلك إلا دون أسبوع، وكسروا بعين جالوت، وصح قوله رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن بن محمد بن عطاء أبو محمد كمال الدين الحنفي. كان من أعيان العدول، كثير الديانة والخير والتعبد، وعنده مكارمه، وحسن عشرة، صحبته في طريق الحجاز الشريف، فوجدته نعم الرجل، وهو أخو قاضي القضاة شمس الدين الحنفي رحمه الله تعالى.
علي بن عمر أبو الحسن الأمير نور الدين الطوري. كان من أبطال المسلمين وشجعانهم المشهورين وفرسانهم المعدودين، وله صيت عظيم عند الفرنج، وله فيهم بالبلاد الساحلية نكايات كثيرة، وآثار جميلة، ومواقف محمودة، جمع الله له بين قوة البدن والقلب، كان.... من حديد، ثقيل الوزن، عظيم القدر، يعجز كثير من الشبان عن حمله، وكان يقاتل به بلا كلنه، وما برح هو وعشيرته مرابطين ببلاد الساحل في وجه العدو سنين كثيرة، وكان من كرماء الناس، ونقل في الولايات الجبلية في عدة جهات من بلاد الشام، ونيف على تسعين سنة، ولم يزل محترماً في الدول، مكرماً عند الملوك يعرفون مقداره، وحضر المصاف الذي بين سنقر الأشقر وعسكر مصر، فجرح في المصاف المذكور ووقع بين حوافر
الخليل، وبقي إلى أواخر صفر أو أوائل شهر ربيع الأول، فتوفى بجبل الصالحية، ظاهر دمشق، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
عمر بن موسى بن عمر بن محمد بن جعفر أبو حفص محي الدين قاضي غزة وما جمع إليها. مولده سنة ثمان وست مائة، توفي بغزة ليلة الثلاثاء ثالث ذى الحجة، ونقل إلى القدس، ودفن به يوم الخميس خامسه بالمقبرة المعروفة بساهرة، الشمالي القدس رحمه الله تعالى. كان والده حاكماً بغزة مدة سنين، وتولاها محي الدين، واضيف إليه عدة أماكن يستنيب فيها من جهته، وهي: لد، والرملة، وفاقون، وبيت جبرين وغيرها. سمع وحدث ودرس بالمدرسة الصلاحية بالقدس، وكان وافر الديانة، كثير الكرم، لا يكاد يمر بغزة أحد يعرفه إلا ويكارمه، ويضيفه حسبما يمكن، وهو مشهور بالشجاعة والاقدام، وقوة النفس، وله حرمة وافرة في الدولة وكلمة مسموعة، وكان نزهاً عفيفاً حسن السيرة، وعنده تورع كثير. فمن ذلك أني سافرت مع أخي رحمه الله إلى الديار المصرية وأجزنا بالقدس في شهر رمضان المعظم سنة تسع وخمسين وست مائة وهو بالقدس الشريف إذ ذاك. فنزلنا عنده؛ فلما كان وقت الفطر أحضر شيئاً كثيراً من أنواع المأكول، ولم يكن فيه لحم، واعتذر عن ذلك بما معناه أن الشهرزورية لما مر في هذه البلاد في السنة الخالية نهبوا أغنام الناس ومواشيهم، ثم باعوا لأهل البلاد فاختلطت، وتعذر تمييز الحلال من الحرام
في ذلك، فتركت اللحم لهذا السبب، وهذا غاية الورع، فقلت له: المولى قد قارب بفعله ما يروى عن أمير المؤمنين، لم نعهد لي بخيلاً. فقال: ما أفعل هذا بخلاً، لكنني منذ قتل عثمان رضي الله عنه ونهبت داره وما فيها لا آكل شيئاً إلا أتحقق حله، وأعلم أصله أو ما هذا معناه. وكان القاضي محي الدين المشار إليه من أصحاب والدي رحمه الله. سمع عليه الكثير ولازمه لما نزل دمشق في أواخر سنة خمس وخمسين، وكان والدي يكرمه ويحبه ويثني عليه. وكان أهلاً لذلك، وحضر عدة مصافات مع الفرنج وحصارات لبلادهم، وله المواقف المشهورة والآثار المذكورة في ذلك رحمه الله تعالى. حكى لي أخي رحمه الله عنه ما معناه، قال: لما قصد الفرنج غزة، جهز إليهم الملك الصالح نجم الدين عسكراً، مقدمه ركن الدين بيبرس الصالحي، وهو من أكابر الأمراء وأعيانهم، ثم بلغه أنهم في كثرة لا يقاومهم العسكر المسير إليهم، فكتب بطاقة إلى ركن الدين مقدم العسكر يأمره بالتأخر، وأنه لا يلقاهم بمن معه إلى حين يصله مدد يقوى به عليهم، وحضر الفرنج، وركب الأمير ركن الدين ومن معه لملتقاهم، ووقف العين في العين، وبقي بين العسكرين مقدار شوط فرس، فحضرت البطاقة إلى ركن الدين في ذلك الوقت، وأنا إلى جانبه فقال لي: تقف على هذه البطاقة وتعرفني مضمونها، فلما وقعت عليها، قلت في نفسي: متى عرفته اندفع، وطمعوا فيه وفيمن معه، والكذب في مثل هذا الموطن
فيه مصالح، فقلت له: مضمونها، أنك تجتهد وتفعل ما تصل قدرتك إليه، ولا يهولك كثرتهم. وقلة من معك. وأنتم بين الظفر والجنة، وقلت ما أمكنني في هذا المعنى، فقوى قلبه والتقاهم، وكسرهم الكسرة المشهورة، بحيث أتى على معظمهم قتلاً وأسراً، فقتلوا عن آخرهم، وكانوا الوفا كثيرة فلما انقضى المصاف، هنأته بالنصر، وقلت: لو كان في البطاقة أنك تتأخر عنهم بعد وقوع العين، قال: كنت أتأخر، فأخرجت البطاقة، وقرأتها عليه، فوجم وقال: ما كان يؤمنك والعياذ بالله إن هم كسرونا أين كنت تروح من السلطان؟ قلت: والله والعياذ بالله إن هم كسرونا ما كان يراني السلطان ولا غيره يعني أنني كنت أقتل. وهذا ركن الدين هو أستاذ الأمير عز الدين سم الموت، وعلاء الدين ايدغدى الأعمى، وبيدغان، وقلاجا، وعدة أمراء أكابر رحمهم الله تعالى.
محمد بن أيوب بن أبي رحلة أبو عبد الله شمس الدين الحمصي مولداً ومسكناً، البعلبكي وفاة. كان يحضر بالأشياء اللطيفة، والأشعار الحسنة. قال أخي رحمه الله: أنشدني المشار إليه يوم الجمعة ثالث وعشرين شهر شوال سنة تسع وسبعين وست مائة ببعلبك:
والدهر كالطيف بؤساه وأنعمه
…
عن غير قصد فلا تحمد ولا تلم
لا تسأل الدهر في البأساء يكشفها
…
فلو سألت دوام البؤس لم يدم
توفى بكرة السبت تاسع وعشرين ذى القعدة من هذه السنة، ودفن من يومه خارج باب القفاعة في مقبرة برتيا رحمه الله.
محمد بن داود بن الياس أبو عبد الله البعلبكي المنعوت بالشمس. سمع
الكثير من الشيخ موفق الدين وطبقته، والشيخ تاج الدين الكردي وابن الزبيدي، وحنبل وغيرهم، وخدم وادي رحمه الله تعالى ولازمه واشتغل عليه، وسمع على المشايخ الكبار ما لا يحصى كثرة واسمع، وكان عنده ديانة وافرة وتحر في الشهادات والأقوال، كثير الأمانة والعدالة والعبادة وقيام الليل بالقرآن العزيز. خدم والدي رحمه الله فوق أربعين سنة، وانتفع به دنيا واخرى، وحفظ المقنع، وعرف الفرائض، ورحل في طلب الحديث، وحدث بكثير من مسموعاته. ومولده في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وخمس مائة، وتوفى ببعلبك يوم السبت حادي عشر شهر رمضان المعظم، ودفن بالجبل قريباً من قبر سيدنا عبد الله اليونيني رحمه الله تعالى.
محمد بن سالم أبو عبد الله نجم الدين المعروف بقاضي نابلس. كان صدراً رئيساً كاملاً حسن المثاني كريم الأخلاق، مبسوط اليد، له وجاهة عند الملوك، وتقدم في الدول، ترسل عن الملوك وعن الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى دار الخلافة، وكانت منزلته كبيرة عنده، وحرمته وافرة لديه. وقد أشرنا إلى ذلك في ترجمة الشيخ نجم الدين عبد الله البادرائي رحمه الله. سمع نجم الدين هذا الحديث واسمعه، وأقعد في آخر عمره، وانقطع عن ولده جمال الدين أحمد قاضي نابلس بها إلى أن توفي في ثالث وعشرين ربيع الآخر، ودفن بنابلس؛ ومولده سنة تسعين وخمس مائة. ووالده القاضي شمس الدين، كان كبير القدر، له مكانة عند الملك الكامل، ولما سلم القدس إلى الأنبرتور
سيره معه ليسلم إليه ما وقع الاتفاق عليه بينهم، وبيتهم بيت كبير مشهور بالحشمة والمكارم، ولما ترك قاضي نابلس بأيديهم من سنين متطاولة وإلى الآن، وكان هذا القاضي نجم الدين قد اشتغل، وعنده فضيلة حسنة رحمه الله تعالى.
يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علي أبو الحسين جمال الدين المصري المعروف بابن الجزار. ذكر أن مولده سنة إحدى وست مائة والله أعلم، وتوفى يوم الثلاثاء ثاني عشر شوال بمصر، ودفن بإحدى القرافتين رحمه الله تعالى. سمع أبا الفضل أحمد بن محمد بن الحباب، وروى عنه، وسمع من غيره أيضاً، كان إماماً أديباً فاضلاً، جيد البديهة، حلو المجون، دمث الأخلاق، حسن المحاضرة، وله أشعار كثيرة مدح الملوك والأمراء والوزراء والأعيان وغيرهم، وكان من محاسن الديار المصرية، وله نوادر مستطرفة، ووقائع مستملحة، ومداعبات ظريفة، ومكاتبات إلى الأدباء وغيرهم. كتب إلى قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان في عيد النحر:
مولاي شمس الدين يا من سمت
…
با خمصيه الرتب العاليه
يا منعماً راجيه بالندى
…
لم يبق في أمواله باقيه
قد أصبع الملوك لا تشتهي
…
شيئاً سوى لقياك والعافيه
والعيد عيد النحر قد جاءه
…
وهو من الأمرين في ناحيه
لم يلف جزاراً ولا شاعراً
…
ولا الحرفة الأولى ولا الثانيه
قال أبو الحسن الجزار المذكور: لما قدم الصاحب كمال الدين عمر بن العديم رحمه الله تعالى إلى الديار المصرية، نخبت شيئاً من أشعار أجداده ومضيت به إليه، فصادفت الأمير ناصر الدين حسن بن شاور الكناني، فأخذني وأدخلني الدار، فوجدت عنده السراج عمر الوراق، فتذاكرنا ما كتب من ذلك فقلت:
للصاحب ان في جرادة معشر
…
فضلوا الورى في السلم والهيجاء
ببراعة ويراعة ودراسة
…
ودراية وخطابة وقضاء
فقال السراج الوراق:
لم يهجو بالشعر إلا حيلة
…
منهم على الاحسان للشعراء
يتواضعون لكي يفدى منهم
…
حتى كأنهم من الأكفاء
فقلت:
حاكت فزوعهم الكرام أصولهم
…
ما أشبه الأبناء والآباء
لهم الفتوة والفتوى إذ هم
…
خير الكرام وجلة الأدباء
فقال ناصر الدين حسن بن شاور الكناني:
فاصغ بسمعك حين تتلى أنهم
…
ان كنت ذا فهم وذا إصغاء
واسمع لما يوحى هناك من العلى
…
وثناء أفعال وطيب ثناء
فقال السراج الوراق:
يصلون بالأدب إحساناً لهم
…
كالفجر متصلاً بنور ذكاء
هم دوحة مخضرة الأفنان إن
…
حف النداء مخضل الأفناء
فقال ناصر الدين حسن بن شاور:
بيت تسامى قدره ومحله
…
عن أن يسامى في ندى وغلاء
فيه المواطن والزواهر منهم
…
وسل الحيا وكواكب الجوزاء
وللجزار أيضاً من أبيات:
أدركوني فبي من البرد هم
…
ليس ينسى وفي حشائي التهاب
ألبستني الأطماع وهماً فها
…
جسمي عار ولى قرى وثياب
كلما ازرق لون جسمي من البرد تخيلت أنه سنجاب
وقال أيضاً:
من منصفي من معشر
…
كثروا علي وكشروا
صادقتهم وارى الخروج من الصداقة يعسر
كالخط يسهل في الطروس ومحوه يعتذر
ومتى أردت كشطته
…
لكن ذاك يؤثر
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ألا أيها السائل عن قومي وعن أهلي
لقد سائلت عن قوم
…
كرام الفرع والأصل
يريقون دماء الأنعام في الحزن والسهل
يرجيهم بنو كلب
…
ويخشاهم بنو عجل
وقال من أبيات:
تزداد بالذم إسرافاً عراضهم
…
وكل أيامهم تشريق
وكتب إلى شرف الدين صاحب ديوان البيوت:
لا تلمني يا سيدي شرف الدين إذا ما رأيتني قصابا
كيف لا أشكر الجزارة ما عشت زماناً وأهجر الآدابا
فيها كانت الكلاب ترجيني
…
وبالشعر صرت أرجو الكلابا
وقال أيضاً رحمه الله:
أكلف نفسي كل يوم وليلة
…
سروراً على من لا أفوز بخيره
كما سود القصار بالشمس وجهه
…
ليجهد في تبييض أثواب غيره
وقال أيضاً وقد ذكر الشواء الشاعر:
إن النجوم وإن تكامل ضوءها
…
ليست كشمس الأفق في الأضواء
ومحاسن الجزار في أقواله
…
نسيت بذكر محاسن الشواء
وقال أيضاً:
تزوج الشيخ إلى شيخة
…
ليس لها عقل ولا ذهن
كأنها في فرشها ورمة
…
وشعرها من حولها قطن
وقائل قال لي كم سنها
…
فقلت ما في فمها سن
لو سفرت غرتها في الدجى
…
ما حسرت تبصرها الجن
وقال: وقد توجه إلى عند الأمير شهاب الدين أحمد بن يغمور رحمه الله تعالى يتقاضاه برسم له عليه، وأخذ معه هدية سمك:
لي تهيأت أمور قط ما اتفقت
…
قبلي لسوقة مثلي ولا ملك
بالخير يصطاد أسماك البحار وقد
…
أصبحت وحدي أصيد الخير بالسمك
وقال: وكتب بها إلى ضياء الدين القرطبي، وأهدى له ابلوجين سكر في قدر نحاس:
وأبيات تسامح حين تلقى القدر نهدين
ففي العربة والعربة
…
ما يهدى كهاذين
وبات ليلة في شهر رمضان عند الصاحب بهاء الدين أحمد بن حناء رحمه الله، فصلى عنده التراويح، وقرأ الامام في تلك الليلة سورة الأنعام في ركعة واحدة؛ فقال:
ما لي على الأنعام قدرة
…
لا سيما في ركعة واحده
فلا تسوموني حضورا سوى
…
في ليلة الأنفال والمائده
وجلس السراج الوراق في باذهنج ينظم فقال الجزار:
إن السراج نسيم الريح يوقظه
…
إلى فوائد كالابريز ينتقد
يزيده الريح ايقادا لخاطره
…
وما رأينا سراجاً في الهوى يقد
وقال يمدح جمال الدين يحيى بن مطروح رحمه الله بقصيدة أولها:
هو ذا الربع ولى نفس مشوقه
…
فاحبس الركب عسى أقضي حقوقه
فقبيح بي في شرع الهوى
…
بعد ذاك البر أن أرضى عقوقه
لست أنسى فيه ليلات مضت
…
مع من أهوى وساعات أنيقه
ولئن أضحى مجازاً بعدهم
…
فغرامي فيه ما زال حقيقه
يا صديقي والكريم الحر في
…
مثل هذا الوقت لا ينسى صديقه
صبح بدا منك على قلبي عسى
…
أن يهدى بين جنبي خفوقه
فاض دمعي مذ رأى ربع الهوى
…
ولم فاض وقد شام بروقه
يقد اللؤلؤ من أدمعه
…
فغدا ينثر في الترب عقيقه
قف معي واستوقف الركب فإن
…
لم يقف فاتركه يمضي طريقه
فهي أرض قلما يلحقها
…
آمل والركب لم أعدم لحوقه
طالما استجريت في أرجائها
…
من بيته البدر إذ يدعى شقيقه
يفضح الورد احمراراً خده
…
ويود الخمر لو يسبقه ريقه
فيه الحسن خليق لم يزل
…
والمعالي بابن مطروح خليقه
ولما ورد فخر القضاة ابن بصاقة رسولاً إلى مصر من الملك الناصر داود رحمه الله، دخل عليه وأنشده في قصة جرت له مع صاحب كان يألفه:
لمثلها كان رجائي انصرك
…
فأدرك فتى من الخطوب في درك
لم أخش خذلاناً وأنت ناصري
…
وإنما يخذل من لا استنصرك
عليك يا فخر القضاة عمدتي
…
فانظر إلي لا عدمت نظرك
واسأل كما عودتني عن خبري
…
بلطفك المعهود حتى أخبرك
هيهات أن أشرح ما قد حل بي
…
أن لم يقل حلك لا تخش درك
مثلك من قام بنصر عاشق
…
مثلي أن العشق أمر مشترك
فقل من قام بنصر عاشق
…
مثلي أن العشق أمر مشترك
فقل لطرف بات مثلي هاجعاً
…
يا طرف لا تنس قديماً سهرك
ونار قلبي قد تناسى وجده
…
يا قلب خف ذاك الجوى أن يذكرك
ولا يغرنك امهال الهوى
…
فالحب قد يأخذ بعد ما ترك
إياك أن تهزأ بالعشق فقد
…
أعذرك الآن به من أنذرك
جار على الدهر في أحكامه
…
فليته في العذل يقفو إثرك
تم على العبد وأنت هاهنا
…
ما لا يتم لو تكون في الكرك
وقال في بعض مشايخ الأدب، وقد أدهن بالكبريت لجرب ظهر به:
أيها السيد الأديب دعاء
…
من محب خال من التسكيت
أنت شيخ قد قربت من النار فكيف إذا دهنت بالكبريت
وقال أيضاً:
سر الجفون بديعة الأجفان
…
هيهات ينفع مغرماً كتمان
طرف المحب فم يذاع به الجوى
…
والدمع إن صمت اللسان لسان
تبكي الجفون على الكرى فأعجب لمن
…
يبكي عليه إذا نأى الأوطان
أتلفت روحي في رضاك وأنني
…
راض بذلك أيها الغضبان
يا مسقمي مهلاً على جسد الذي
…
لم يبق فيه للسقام مكان
حاشى معاليك التي أنا عبدها
…
أن لا يكون لحسنها إحسان
وقال أيضاً:
أقاموا بأرحاء الحشا عندما ساروا
…
فكيف يضام القلب وهو لهم جار
بروحي من ودعتم وبمقلتي
…
لتوديعهم ماء وفي كبدي نار
ولست بناسيهم وللقلب نحوهم
…
حنين على بعد المزار وتذكار
أيا عاذلي إني وإن بعد المدى
…
على عهدكم باق فدعهم وما اختاروا
إذا وصولوا حبلى فبالفضل منهم
…
وإن أعرضوا عني فللناس أعذار
ترى ترجع الأيام تجمع بيننا
…
وللنفس حاجات إليهم وأوطار
بذكر منهم كل غصن مهفهف
…
وكل هلال أشرقت منه أنوار
ولولا تثنيهم وحسن وجوههم
…
لما خدعت عيني غصون وأقمار
وقال أيضاً:
بهذا الفتور وهذا الصلف
…
يهون على عاشقيك التلف
أطرف قلبي بهذا الجمال
…
وأوقعتها في الأسى والأسف
يكلف بدر الدجى إن حكى
…
محياك لو لم يشنه الكلف
وقام بعذري فيك العدى
…
وأجرى دموعي لما وقف
وقالوا به صلف زائد
…
فقلت رضيت بذاك الصلف
بجوهر ثغرك ماء الحياة
…
فماذا يضرك لو يرتشف
أكاتم وجدي حتى أراك
…
فيعرف بالحال من لا عرف
وقال أيضاً:
عاقبتني بالصد من غير جرم
…
ومهاجرها بقية رسمي
وشكوت الظمأ من ريقها العذب فجادت ظلماً بمنع الظلم
ورأتني أصبو إلى ذلك الخصر فاهدت منه السقام لجسمي
أنا حكمتها فجارت وشرع الحب يقتضي أن أحكم خصمي
ذات ثغر نحميه من طرفها الفتاك سحر يصبى الفؤاد ويصمي
حدت عنها لما انتضت صارم اللحظ حذاراً من تبوء باثمي
يا زماني أراك من بخلك المفرط وفرت من خطوبك سهم قسمي
لست ممن يرى بذم بني الدهر لمعى والدهر أولى بذمي
قصدتني أيامه ولياليه
…
بشهب تعدو على ودهم
وقال منها في المدح:
يا أميراً يرجى ويخشى لبأس
…
ونوال في يوم حرب وسلم
أنت موسى وقد تفر عن ذا الخطب فغرقه من نداك بسيم
وقال أيضاً:
يا مالك القلب رفقاً ان ثاركفي
…
أضالع الصب لا تبقى ولا تذر
فضحت غصن النقا لينا فراح إذا
…
ما ماس قدك الأغصان تستر
ما أنكر الطرف أن الشعر منك دجى
…
وإنما عزه من وجهك القمر
إني لأعجب من جفن يدير به
…
على ندامك خمر وهو منكسر
سمح إذا خل معناه أخا أدب
…
فالمدح ينظم والأموال تنتثر
يثنى على فعله أخلاقه وكذا
…
يثنى على حسن أفعال الندى الزهر
وقال أيضاً:
وأهيف يحكي الغصن لين قوامه
…
ويفعل أفعال الشمول شمائله
يلين إلى أن يخرج الوهم جسمه
…
ويعرف في ماء النسيم غلائله
إذا ما بدا من شعره ذوائب
…
رأيت غزالاً لا ترعه حبائله
وقال منها أيضاً:
وإن علياً إن أردت مديحه
…
لاأعظم قدراً أن تعد فضائله
أقول لشعري مرحباً ليبقيني
…
بأن علياً بالمكارم قاتله
وقال يهجو كحالاً رجع صيرفيا:
عهدت أبا البشر الحكيم بطبه
…
مدى الدهر ما بين الورى طالب الرزق
فأصبح ذا شغل جديد لأنه
…
غدا صيرفياً يصرف العين بالورق
وقال أيضاً:
قفا نبك من ذكرى قميص وسروال
…
ودراعة قد عفا رسمهما البالي
وما أنا من يبكي لأسماء أن نأت
…
ولكنني أبكي على فقر أسمالي
لو أن امرء القيس بن حجر رأى الذي
…
أكابده من فرط هم وبلبال
لما مال نحو الخدر خدر عنيزة
…
ولا يأت إلا وهو عن حبها سالي
ولي من هوى سكنى القياس عن الهوى
…
بتوضح فالمقراة أعظم أشغالي
ولا سيما بالبرد وافى يزيده
…
وحالي على ما اعتدت من عسرة خالي
ترى هل تراني الناس في فرجية
…
أجربها تيهاً على الأرض أذيالي
ويمشي عدوي غير خال عن الاسى
…
إذا بات من أمثالها بيته خالي
وإني قد أسعى لتفصيل جبة
…
كفاني ولو أطلب قليل من المال
ولكنني أسعى لمجد يحوجه
…
وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وقال منها أيضاً:
وكم ليلة أستغفر الله منها
…
بحد وريق بين ورد وجريال
تبطنت فيها بدر تم مسنف
…
ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
وقال يمدح الصاحب تاج الدين محمد بن حناء رحمه الله من أبيات:
ذو همة يفتخر النجم إذا
…
ما لاح من تحت حضيض تربها
وعزمه حين حكته في الوغى
…
بيض الصباء تباعدت عن قربها
وقال في المداعبات:
حسبي حرافاً يحرفني حسبي
…
أصبحت منها معذب القلب
موسخ الثوب والصحيفة من
…
طول القسابى ذنباً على ذنب
أعمل في اللحم العشاء ولا
…
أنال منه العشاء فما ذنبي
ذاب فؤادي وجسمي قد وسخ
…
كأنني في حراري كلبي
وقال في محتجب عنه:
ماذا يفيدك أن تكون محجباً
…
ولعبد بات للكريم يلوذ
إن أنت إلا في الحصار معي فلا
…
تعب فكل ما حاصره مأخوذ
وأراد الدخول على الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ فضربه البرددار وأخرجه لعدم معرفته به فعمل أبياتاً مزحاً بها:
أمولاي ما من طباعي الخروج
…
ولكن تعلمته الخمول
وجئت لبابك أبغي الغنى
…
فأخرجني الضرب قبل الدخول
وقال القاضي جمال الدين محمد بن واصل: اجتمعت بالجمال بن عبيد وكنت سمعت أنه دخل دار بعض الأكابر فأخرجه البرددار فقال:
معن ويخرج بعد الدخول
…
وأقبح شيء خروج المعنى
ذلك فأنشدته بيت الجزار فأعجبه وقال إلا أنا
أخرجت وما ضربت. وللجزار:
إن كنت ممن راعه هجركم
…
أو ضقت ذرعاً بتجنيكم
فلا أدام الله لي سلوة
…
ورد قلبي عاشقاً فيكم
وأنشدني أيضاً:
لقد رضى الرحمن عن كل منفق
…
فما بالنا نلقى رضا الله بالسخط
قبيح على الانسان يعطيه ربه
…
بغير حساب وهو يحسب ما يعطي
وقال يمدح الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ رحمه الله:
بذل وجهي إلا لمثلك بذله
…
واغتراري إلا بجاهك ذله
يا جواد سحاب كفيه بالجود على كل قاصد مستهله
والذي لو حكاه في دسته
…
الفضل بن يحيى سخا يطلب فضله
لي نصفيه تعد من العمر شيئاً غسلتها ألف غسله
لا تسألني عن مشتراها ففيها
…
منذ فصلتها نشا يحمله
كل يوم يحوطها العصر والدف
…
مراراً وتقر بعمله
نسف الريح صدرها والمرازب
…
فباتت تشكو هزاء نزله
أين عيشي بها القديم وذاك التيه فيها وخضرتي والشمله
قال لي الناس حين أطنبت فيها
…
بس أكثرت حلها فهي تقله
وأطلق بعض الرؤساء قمحاً مترباً مسوساً فقال:
أتاني برك المقبول براً
…
وقصداً للثناء وللثواب
فكدر صفوه الكتال حتى
…
عذرنا منه في أمر عجاب
رضيناه وقد وافى عتيقاً
…
إلينا فاستحال أبا تراب
وأهدى إلى سراج الدين عمر الوراق تفاحاً وكمثرى ونرجساً، وكان أرمد
وبينهما مداعبة وكتب إليه:
أكافيك عن بعض الذي قد فعلته
…
لأن لمولانا على حقوقا
بعثت خدوداً مع نهود وأعينا
…
ولا غرو أن يحرى الصديق صديقا
وإن حال عنك البعض عما عهدته
…
فما حال يوماً عن ولاك وثوقا
بنفسج تلك العين صار شقائقا
…
ولؤلؤ ذاك الدمع عاد عقيقا
وكم عاشقاً يشكو انقطاعك عندما
…
قطعت على المزار منه طريقا
فلا عدمتك العاشقون فطال ما
…
أقمت لأوقات المسرة سوقا
يقبل الأرض، ويسأل بسط عذره في التهجم على مولانا بما هو من وظائفه. والبحث في العلم الذي هو من معارفه. وأنه قد فاق الأصاغر والأكابر، وأنسى الأوائل والأواخر. وعجيب كون مولانا يبدي عند من يباسطه ويداعبه. ويماجنه ويلاعبه. ويصبح متعجباً من هذا السبب المقيل. وهو المتقن لعلم الجليل. وما أظنه عافاه الله بذهيل. عن أن الشباب قد قوضت خيامه. وانقضت أيامه. ومضى ذلك الزمان. ونقص ذلك الادمان. والذي يشكوه مولانا في العين، يشكوه المملوك في الأثر. وما برح المملوك يتكرم به، والله آخذ بيد الكريم إذا عثر. ومولانا يحرض أن لا يتكلف الجواب عن هذه الخدمة خال. ورودها عليه، ولا يجيب المملوك عليها سفاهاً عند مثوله بين يديه، بل إذا صلح مزاجه وتم سروره وابتهاجه. حمى على العباد فيها لعادته، وألقى على المملوك أشعة
سعادته. فأجابه سراج الدين المذكور:
أعيني يا بشراكما هجعتما
…
وزاد كما طيف الخيال طروقا
وجاء بأمثال الخدود تصرحت
…
تذوب نفوس العاشقين خلوقا
يعار بها مثل النهود تحققت
…
وكان باهداء النهود حقوقا
ونرجس روض كاللحاظ نواعسا
…
وكان جديراً بالنعاس خليقا
وقد جاءنا من جامع الشمل والذي
…
بداكم من وجدنا للوصال طريقا
فكم راض من صعب وذلك جامحا
…
ولين قاس ورد مروقا
يقبل الأرض وينهي ورود الملجئين من فاكهة، والمتحيين من هديته وهدايته وقد سقاهما در بنابه، وأبدى فيهما عزائم إحسانه. من يده ولسانه. فلثمت تلك الخدود. وضممت تلك النهود. وهممت بالأعين لو أنهن سود. وقد كانت النفوس صدفت عن هذه اللذات. ووقعت بمعزل عن الشهوات، وأنشد:
فانتهى طبه.... عارفه
…
يخلط الجد مراراً باللعب
يغلظ القول إذا لانت....
…
ويراجي عند سورات الغضب
رسالة تقود السمع بغير خطام. ويدعوك بالسحر الحلال إلى الأمر، ذلك سهمه. وأعلى في درجات المؤلهين اسمه. ومحا أهل هذه الصناعة، وأثبت رسمه، والعجب أن يتفرس في سبب الرمد. ويعتقد أني وجدت ما وجد. كلا أن الأسباب لتخلف. وإنما لكل أمر ما ألف. والناس تعرف. من أين توكل الكتف. ولا ينجو أحد مع الأوراق مثل هذه الأنحاء
ولا يقول له ما أريد إلا من الالجاء أرشد. وفق الله الشيخ للصواب وسدد رأيه تسديد هذا الجواب:
أعانتنا لهذا يا فلان
…
تأمل ليس كالخبر العيان
أماني بالنفوس لها خداع
…
وليس من الحتوف لها أمان
ومن بعد الحراك لها سكون
…
وصمت بعد ما مرج اللسان
أيا من حبذ الآمال ركضا
…
بأمن قفي به الأجل العنان
تزوفد زاهر الدنيا ومنها
…
جنى ثمر الردى إنس وجان
ويخدع لامس منها بلين
…
أيؤمن إذ تميس الاقحوان
محاذر مكرهاً حلا تحاذر
…
فما يبقى الشجاع ولا الجبان
لو وضع الزمان لو اتعظنا
…
وبالغ في نصائحه الزمان
ونحن على اغترار من هوانا
…
وليس مع الهوى إلا هوان
بلغت أبا الحسين مدى إليه
…
لمستبق ومستبق رهان
وكنت وطالما قد كنت أيضاً
…
تقول
…
سيقول كانوا
الأعز القوا في اليوم عمن
…
بكته البكر منها والعوان
وسقت بما منعناه حبيباً
…
عليه والبيان لها بنان
لها أيضاً لحزن بعد حزن
…
وألفنا لدمع لا يصان
واقذاء برفع فوق نعش
…
وخفض في اللحود له مكان
وناح النحو بعده والمعاني
…
لها مع كل نائحة حنان
ولا بذل بحل عنك يرجى
…
ولا عطف لمن غدروا وخانوا
فلا تحتج إلى تمييز حال
…
لنا حفظت فقد سخن الزمان
ولو رقت بحور الشعر دمعاً
…
وكان على الخليل لها الضمان
لما أدت ولا وأبيه حقاً
…
ولو بسلوكها نظم الجمان
كفاها ذوقة التقطيع فيما
…
يجوزه ويأباه الوزان
ولجج سالكاً في كل بحر
…
تعين به الرفاق ولا تعان
فنالت منه فاصلة الرزايا
…
ودائرة الحمام ولا اعتنان
ويا أسف البديع على بديع
…
وكل فنونه منه افتنان
إذا التفت استطال على جرير
…
وأخرس من فرزدقه اللسان
ويستعر استعارته بنار
…
وغيلان اسعار به دخان
فلا تنسى به سحبان يوماً
…
ولا قسا إذا ذكر البيان
ولو هرم رآه سلا زهيراً
…
وكان له عليه ثم شان
وكم عادت محافلنا عكاظاً
…
به وله بها ذاك الجنان
فأذنته الملوك فكان منها
…
بحيث السمع ينصت والعيان
واسنت من جوائزه فلولا
…
غناه غدا نداه يستعان
له بالله حالفه وفوق
…
يعز به ودرهمه يهان
وفي خير الورى أبيات مدح
…
جوائزه عليهن الجنان
وكل بديعة الالفاظ تعزى
…
لحسان بدائعها الحسان
جمال الدين أنت جميل ظن
…
بربك جل ديا يدان
وعفو الله أكثر من ذنوب
…
لنا وعلى الشفيع لنا الضمان
يوسف بن نجاح بن موهوب أبو الحجاج الزبيري المعروف بالفقاعي. هو من أهل عقربا قرية من أعمال نابلس، وله بها زاوية، وكان يتردد إليها في كثير من الاوقات، وله زاوية ورباط بسفح قاسيون. بناه له الامير جمال الدين موسى بن يغمور رحمه الله. كان كثير العبادة والزهد، وحسن التربية، كريم الأخلاق، لطيف الحركات. كثير التواضع، لين الكلمة من المشايخ المشهورين بالعرفان، ولكثير من الناس فيه عقيدة صالحة. وتوفى ليلة الأربعاء بجامع الجبل، واعيد إلى زاويته، فدفن بتربته التي أنشأها جوار زاويته، وقد نيف على ثمانين سنة رحمه الله تعالى. قال الشيخ تاج الدين عبد الرحمن الفزاري رحمه الله تعالى: اجتمعت به فسمعته يقول: الطالب المشيخة جاهل بحقيقة. الأمر مستور عليه، إن أهل الله تعالى يكرمون بها، فيسألون الله تعالى الاقالة. قال: وسمعته يقول: ليس أبناء المشايخ كغيرهم فإن الحاصل للطالب المريد من غيرهم أكثر وأجل فإن أولاد المشايخ عندهم اذلال بآبائهم، فلا تزال نفوسهم مرتفعة، وغيرهم يطلب بالذل
والانكسار، وإنما حصل الناس على الخير بهما. قال: وسمعته يقول: لقد جرى لهؤلاء الذين عندي وقت اجتهدت على ادخال أولادي فيه بكل طريق فلم أقدر. قال: وسمعته يقول: إنما نهى الشيخ الشخص من صحبة غيره إذا كان مريداً مشتغلاً قد سلكه. وعرف مزاجه، لأنه ربما لاذ بجاهل لحاله ففسد عليه امره، ومثال هذا كالمريض الذي له طبيب قد خبر عليه، وعرف دواءها، وعالجها مدة، ولو شاركه في تعليله طبيب آخر، ربما أدى إلى هلاك المريض. وقال: وسمعته يقول: كان ابن محمد يرى الغنم مدة طويلة لم يأخذ الذئب له شيئاً قط، فلما كان بعد تلك المدة أخذ الذئب منه سخلة، فقلت له: قد أخذت شيئاً فأنكر، فكشفت عن حاله فإذا به قد أكل طعاماً من وقائع بعض الصبيان الرعيان، فقلت بهذا أخذ الذئب منك ما أخذ.
أبو بكر بن محمد بن إبراهيم عرش الدين الاربلي. كاد ديناً خيراً صالحاً، حسن العقيدة، كثير الذكر والتلاوة، عنده فضيلة تامة، ومعرفة بالنحو والعربية. وحل المترجم، مقتدر على نظم الشعر، وعمل الألغاز. ومن نظمه الألفية في الألغاز المخفية. وهي ألف لغز في ألف اسم. توفى بدمشق ليلة الجمعة ثالث عشر ذى القعدة سنة تسع وسبعين وست مائة، وصلى عليه بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة، ودفن بمقابر الصوفية رحمه الله تعالى.
وله أشعار كثيرة، فمنها:
قلت لما بدا بيته كبدر
…
فوق غصن على كثيب مهيل
عجباً من سقام حصر نحيل
…
كيف يقوى لحمل ردف ثقيل
ومريض الأجفان بلبل عقلي
…
بعذار من فوق خد أسيل
جؤذري اللحاظ حلو الثنايا
…
طاب سقمي في حبه ونحولي
مقلة الروم من بني الروم رام
…
بسهام تصمى قلوب الفحول
ما عليه لو جاد لي برضاب
…
من لماه عساه يشفى غليلي
أو عساه يرد قلباً رهيناً
…
في يديه من وقت يوم الرحيل
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ولى رشأ أحوى حوى الحسن كله
…
بمشرف صدغيه بمائل قده
تبدى فخلنا البدر تحت لثامه
…
وماس فخلنا الغصن في طي برده
وقفت له أشكو إليه توجهي
…
وما نال قلبي من مرارة صده
وسعرت الأنفاس نار صبابتي
…
فمن حرها أثر الحريق بخده
ولولا ارتشافي من برود رضابه
…
لأحرقت نبت الآس من حول ورده
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ما زال يرميني بكل بلية
…
ويتحفني من هجره بالعظائم
إلى أن رماه الله بالحب بغتة
…
وأصغر ممشاه إلى غير راحم
وقفت له كالمشفى في طريقه
…
وأنشدته بيتاً كضرب الصوارم
وقد كنت أرجو ان أراك معذباً
…
بنار الهوى يشجيك نوح الحمائم
وقلبك ملآن من الهم والأسى
…
وطرفك مسلوب الكرى غير نائم
بليت بما قد كنت لي مبتلى به
…
ولا ظالماً إلا سيبلى بظالم
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
لا تائسي يا نفس إن عتبت بنا
…
أيدي الخطوب وخانت الأيام
وتضايقت أوقاتنا فلربما انفرجت شدائدنا ونحن نيام
كم قد رأينا من مريض فصلوا
…
أكفانه حر عليه همام
يشفى وقام ومات من قد فصلوا
…
أثوابه للعيد وهو مهام
والدهر يرفع الفتى ويحطه
…
والعمر فيه صحة وسقام
والبدر يكمل بعد نقصان به
…
ويحل فيه النقص وهو تمام
والموت يأتي بعد ذاك وتخرب الدنيا ويذهب بعدها الأقوام
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
شبت وجزت السبعين وارتحل
…
الصبى فصبحي من بعده غلس
لا معدتي تقطع الطعام ولا
…
الوسيط فيه روح ولا نفس
فكيف يرجو طيب الحياة أخو
…
شيب بيوت السقام يلتمس
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
أقول إذا عزى جزع لقلبي
…
لبعدكم وضاق بي الفضاء
ولم أملك لوقع البين صبراً
…
أعيش به إذا غلب الهواء
تصبر أيها القلب المعنى
…
وكن راض بما حكم القضاء
وقال أيضاً في السلو:
ها أنت قد سلوت ولد طرفي بالكرى
…
وسمعت من قول العواذل ما جرى
وأجابني قلبي إلى سلوانكم
…
وأبت جفوني بعدكم ان تسهرا
بناكم بنتم وخنا مثلما
…
خنتم وها حبل الوداد انبرا
كذب الذي قال البعاد مرارة
…
ما ذقت طعم البعد إلا سكرا
إني لأبغض من يمر بذكركم
…
متعرضاً وأراه شيئاً منكرا
ما في فؤادي موضع لعتابكم
…
كلا ولا بحديثكم أن يذكرا
أنا قد سلوتكم وكنتم أضلعي
…
فيعلم العادي ويدري من درا
وقال أيضاً في هذا المعنى:
سطا جيش السلو على غرامي
…
وكنتم بعد فترتها عظامي
أناس كنت اعشقهم قديماً
…
وأهجر فيهم سمع الملام
تناسوا بعد وصل واتفاق
…
وبانوا بعد قرب والتيام
وطنوا بعد حسن الظن فيهم
…
على الصب المتيم بالسلام
ولما أن نأوا عني عنادا
…
بلا جرم ولم يرعوا ذمامي
رفضت هواهم وسلوت عنهم
…
بلا جزع كذا فعل الكرام
وها أنا قد هجرت النوم كيلا
…
أرى منهم خيالاً في المنام
ولو أن الليالي ساعدتني
…
جعلت بغير أرضهم مقامي
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ومورد الوجنات معسول اللمى
…
يزهو كغصن الثاية المياس
ريان من ماء الشباب معقرب
…
الصدغين قد جعل السقام لباسي
ساجي اللحاظ مريضة أجفانه
…
عذب المراشف طيب الأنفاس
لما رأى ورد الملاحة تجتني
…
باللحظ سبح خده بالآس
عجباً له حمل الثياب وجسمه
…
كالماء كيف يضمر قلباً قاسي
ما زال يعذلني عليه عاذلي
…
ويزيد في عذلي وينقب رأسي
حتى رآه فصار من عشاقه
…
فأقام عذري فيه بين الناس
فإذا انثنى خلناه غصن اراكة
…
وإذا دنا خلناه ظبي كناس
أنا من هواه من الصبابة في غنى
…
ومن التصبر عنه في إفلاس
يبدو فتحسبه هلالاً مشرفاً
…
من تحت طرة شعره الدعاس
وقال أيضاً في الشيب:
قل للذي لبس السواد والبس الشعر السوادا
ضيعت عمرك في المحال ولم تنل أبداً مرادا
لو مت في رجع الشباب ولو فرشت له الرمادا
وزمان لهوك والصبا
…
ولى وارائك الكسادا
أفسدت صنعتها وما
…
حب الفساد فنى فسادا
فافعل بنفسك ما تشا
…
واجعل لك الاحزان زادا
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
بنفسي حبيب كامل الحسن وافر
…
الجمال سريع السخط عند عقوقه
إذا ماس حار الغصن من شرف به
…
وإن لاح غار البدر عند شروقه
فما السحر إلا من نفاثة طرفه
…
وما الخمر إلا من سلافة ريقه
لقد عمه بالحسن خال بخده
…
تحامى عن الازهاء فوق شقيقه
على مثله يرض أخو الشكر هتكه
…
ويجفو الصديق المرتضى لصديقه
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا كامل الحسن الذي
…
حزني طويل فيه وافر
أمرضتني بجفونك المرضى الصحيحات الفواتر
وقبلتني بالحال وهو سواد عيني فيه حائر
وأسلت بالخد الأسيل الدمع من أنف النواظر
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
الحمد لله إني في مجاهدة
…
مما أقاسي وحسبي ذاك يكفاني
إني لأعجب من حال ولا عجب
…
من أمروي فليت الله عافاني
أموت في الليل من داء يكابده
…
قلبي واحيى إذا ما الصبح وافاني
والعمر ينقص والآمال زائدة
…
والحرص يأمرني والشيب ينهاني
ولست أبغي سوى عفو ومغفرة
…
من الاله إذا ما الموت فاجأني
فإن بلغت الذي أرجو وآمله
…
زالت همومي وأوجاعي وأحزاني
وقال وذكر أسماء جماعة من الخدام:
قد مضى عنبر وولى
…
وتولى من بعده كافور
وغدا جوهر الصبا ورشيق القد مني انحنى وعيش مرير
فصديقي بكى لذاك عفيف
…
لما رأى ومسرور
كدر العيش بعد ما كان صافي مذ أتاني من المشيب نذير
فانحرافي عن الملاهي صواب
…
وانصرافي عن الغرور سرور
واكترافي بخالص العمل المرضي فمثقال ذرة مسطور
والهدايا تهدى لم شكر
…
الله ومسعاة صالح مسرور
ويجازي في الحشر روح وريحان فذو العرش منصف وغفور
يا صبيح الوجه اتعظ بمقالي إن اقبالاً فضله مشهور
ما يفي ما أقول إلا رشيد
…
فهو هاد ومرشد ونذير
وقال رحمه الله تعالى:
رنا نافراً عنا كخشف غزال
…
وماس فخلنا الغصن تحت هلال
وأسبل ليلاً من غدائر شعره
…
وأبدى بذاك الشعر نور كمال
رب الجمال قد حاز في الحسن خده
…
ورب جمال فاق كل جمال
يزيد سواد العين في صحن خده
…
فتحسبه خالاً فليس يخال
واعجب من ذا أن من رقة به
…
يؤثر فيه وهو طيف خيال
أبو بكر بن هلال بن عباد عماد الدين الحنبلي الحنفي، معيد المدرسة الشبلية. كان عالماً صالحاً منقطعاً عن الناس، مشتغلاً بنفسه وأشغاله، ونفع لمن يقرأ عليه، ومولده في العشرين من شهر رجب سنة خمس وسبعين وخمس مائة، وتوفى في تاسع عشر رجب من هذه السنة أعني سنة تسع وسبعين وست مائة، وكمل له مائة سنة وأربع سنين. روى عن ابن الزبيدي وروى بالاجازة العامة عن السفلي، وحدث رحمه الله تعالى.
أبو القاسم بن محمد صفي الدين الحنفي والد قاضي القضاة صدر الدين علي قاضي دمشق، كان كبير السن خيراً صالحاً، منقطعاً ببصرى، وكانت وفاته بها ليلة نصف شعبان رحمه الله تعالى.