الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على ذلك إلى حين وفاته. قال والده الشيخ غانم رحمه الله: من أراد أن ينظر إلى عابد من عباد بني إسرائيل فلينظر إلى أحمد. وتوفى بالقدس في شعبان سنة إحدى وثمانين وست مائة، وقد تجاوز تسعين سنة رحمه الله تعالى وصلى عليه بجامع دمشق بالتيه يوم الجمعة سابع عشر شعبان.
فصل
وفيها توفى: أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان بن ناول بن عبد الله بن شاكل بن الحسين بن مالك بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك أبو العباس البرمكي الاربلي الشافعي شمس الدين قاضي قضاة الشام، وصدر صدور الاسلام. وله ليلة الأحد حادي عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وست مائة باربل، وبها نشأ، وذكره الصاحب كمال الدين عمر بن العديم رحمه الله في تاريخ حلب، وساق نسبه رحمه الله إلى خالد بن برمك، وقال: فقيه شاعر من بيت معروف بالفقه والأدب والمناصب الدينية، قدم حلب وتفقه بها. أنشدني قصيدة يرثي بها الملك العزيز بن الملك الظاهر، وهي هذه:
طوى من نظام الملك واسطة العقد
…
ولم يك من صرف المنية من يد
فما للرماح السمر مشرعة القنا
…
وما للصفاح البيض مرهفة الحد
أمن بعد فقدان العزيز محمد
…
تدور رحى الحرب على صافن نهد
إذا عطلت من بعده حومة الوغى
…
فما تصنع الفرسان بالقصب الملد
لقد جل هذا الذرء من وصف واصف
…
كما جل عن إدراكه حد ذى حد
سقى جدثاً ضم المكارم تربه
…
ولحداً حوى تلك المناقب من لحد
مواطر دمع ما يزال تمدها
…
سحائب تحدوها بواسم من نجد
فلله ما أذكى ثراه كأنما
…
تنفس في روض المرحم عن خد
لئن أظلمت دنيا الغفلة لفقده
…
فقد أشرقت من وجهه جنة الخلد
عليك سلام الله يا خير مالك
…
ويا غير مصحوب سوى الشكر والحمد
وتفقه بالموصل على الشيخ كمال الدين موسى بن يونس، وعلى القاضي بهاء الدين أبي المحاسن يوسف بن رافع عرف بابن شداد وغيره، وقدم دمشق في عنفوان شبابه، فأقام بها مدة، ثم توجه إلى الديار المصرية، فاستوطنها واشتغل بالعلوم، وحصل من كل فن طرفاً جيداً، وكان فقيهاً إماماً بارعاً متقناً، مجموع الفضائل، معدوم النظير في علوم شتى، حجة فيما ينقله، محققاً لما يورده، منفرداً في علم الأدب والتاريخ، تولى الحكم بالقاهرة مدة زمانية خلافة عن قاضي القضاة بدر الدين يوسف السنجاري رحمه الله، ودرس وأفتى، وصنف واشتغل جماعة كثيرة؛ ثم ولى قضاء القضاة بالشام من العريش إلى سلمية. وفوض النظر في سائر أوقافها، وبسطت يده في ذلك، وفوض إليه تدريس عدة مدارس بدمشق، فكان يذكر الدروس فيها بنفسه، وتارة نوابه، وأقام على ذلك مدة عشر سنين، ثم صرف وتوجه إلى الديار المصرية، فأقام بها سبع سنين بطالاً، وباشر في
بعضها تدريس مدرسة فخر الدين عثمان رحمه الله بالقاهرة، ثم ولى الشام مرة ثانية، وقدم دمشق في أواخر سنة ست وسبعين، فباشر الحكم بدمشق إلى سنة ثمانين ثم صرف ولزم منزله متوفراً على العلم والافادة والاشتغال إلى حين وفاته، وقد أشرنا إلى بعض ذلك فيما تقدم من هذا الكتاب، وأما رياسته، وعلو همته، وشرف نفسه، وخبرته بقوانين الأحكام والحشمة فلم يكن له في ذلك نظير، وكان جواداً مفضالاً ممدحاً، مدحه شعراء عصره بغرر القصائد، وكان يجيزهم الجوائز السنية، وكان عنده صبر واحتمال وستر على العورات وعفو عن الزلات عفا الله عنه وأدخله في سعة رحمته التي وسعت كل شيء. حكى لي أنه حضر إليه وهو بالمدرسة العادلية الكبيرة بدمشق بعد عشاء الآخرة من أخبره أن ثم جماعة من أعيان العدول في مكان يشربون الخمر وعندهم نساء أجنبيات، وشنع شناعة كثيرة، فاستوقف المخبر عنده، وسير من باب السر من ثيق به إلى ذلك المكان، وعرفهم الصورة وأن والى الليل يحضر لكشف ذلك، وأمرهم برفع ما عندهم من المنكرات، والتأهب لمن يحضرهم، ثم احضر والى الليل، وعرفه ما ذكر الناقل، وأمره أن يأخذه، ويتوجه إلى المكان لكشف حقيقة ذلك، فتوجه والى الليل، وطرق الباب ففتح، ودخل فوجد جماعة يتحدثون وعندهم فقير مزمزم ومأكول لا غير، فعاد والى الليل، ومن معه وأخبروه بما شاهدوا فعزر الناقل
فانحسمت مادة السعايات بمثل ذلك. ولما كان بالقاهرة بعد صرفه من الشام حضر عنده عز الدين محمد بن شداد رحمه الله بكتب..... وانتقالها إلى الملك الظاهر وهي نابتة عليه، ورام منه أن يشهد عليه بما فيها ليثبت عند الحكام بالديار المصرية، قال له: كيف أشهد على ذلك؟ قال: يأذن لك قاضي القضاة تقي الدين بن رزين، قال: والله! لو كنت متولياً ما كنت آذن له ولا أراه بهذه الصورة فأشهد عليك بإذنه، هذا ما لا يكون أبداً؛ فعرف الملك الظاهر فعظم في صدره، وعرف شرف نفسه، فأذن له أن يحكم بالديار المصرية، ويشهد عليه، ففعل ذلك على كره منه، كان حصل له طائفة عظيمة في تلك المدة؛ وبلغ الأمير بدر الدين الخزندار رحمه الله فأمر له بنفقة فوق ألفي درهم ومائة أردب قمح، وحضر إليه من جهة الأمير بدر الدين من أخبره بذلك فامتنع من قبوله، وقال للرسول: تجوع الحرة ولا تأكل تبد بها فلاطفه الرسول، وسأله وتضرع إليه، فلم ينفذ وأصر على الامتناع مع الحاجة المفرطة. كان وجيه الدين محمد بن سويد صاحبه، ومكانته مشهورة، فكان يحضر إليه ويسومه قضاء أشغال كثيرة، فيقضيها، فحضر إليه في بعض الأيام ورام منه ما هو معتذر، فاعتذر إليه بأن ذلك لا يجوز فعله، فقال الوجيه: ما يكون الصاحب صاحباً حتى يعرق جبينه مع صاحبه في جهنم، فقال له
قاضي القضاة: يا وجيه الدين! نحن قد صرنا معك قتليش وما ترضى. قلت: من يذكر أن قاضي القضاة إنما خرج له النسب إلى البرامكة على ما تقدم شهاب الدين المعروف بأبي شامة، وليس الأمر كذلك، فإن قاضي القضاة أخبر بالأنساب من الشهاب وغيره، ثم وقفت على مجلد من تاريخ إربل لوزيرها شرف الدين بن المستوفى رحمه الله، وقد ذكر وفاة ابن عم لقاضي القضاة، وقد نسبه إلى البرامكة من ذلك الزمان، لعل قبل خروجه من إربل، ثم ذكره الصاحب كمال الدين رحمه الله في تاريخ حلب أعني قاضي القضاة ونسبه إلى البرامكة، وكانت وفاته بالمدرسة النجيبية جوار المدرسة النورية بدمشق عصر
نهار السبت سادس عشرين شهر رجب، ودفن يوم الأحد بسفح قاسيون رحمه الله ورضي عنه. وله نظم كثير، فمنه ما كتبه في صدر كتاب إلى بعض أصحابه وهو نبهان، يقول: نهار السبت سادس عشرين شهر رجب، ودفن يوم الأحد بسفح قاسيون رحمه الله ورضي عنه. وله نظم كثير، فمنه ما كتبه في صدر كتاب إلى بعض أصحابه وهو نبهان، يقول:
سكنمتم فؤادي لا تغيبون ساعة
…
وقلبي على طول الزمان لكم مغنى
وما الدهر إلا لفظة مستعارة
…
وأنتم له روح وأنتم له معنى
لئن نزحت أرواحنا ونفوسنا
…
ففي أي أرض كنتم معكم كنا
وله أيضاً رحمه الله:
أحبابنا لو لقيتم في مقامكم
…
من الصبابة ما لاقيته في ظعني
لأصبح البحر من أنفاسكم يبساً
…
والبر من أدمعي ينسق بالسفن
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
كأنني يوم بان الحي من إضم
…
والقلب من سطوات البين مذعور
ورقاء ظلت لفقد الألف ساجعة
…
تبكي عليه اشتياقاً وهو مأسور
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا جيرة القلب هل من عودة فعسى
…
تفيق من سكرات الوجد مخمور
وإن ظفرت من الدنيا بوصلكم
…
فكل ذنب جناه الدهر مغفور
وقال في محلاح أربعة يلقب أحدهم بسيف:
ملاك بلدتنا في الحسن أربعة
…
بحسنهم في جميع الخلق قد فتكوا
تملكوا منهج العشاق وافتتحوا
…
بالسيف قلبي ولولا السيف ما ملكوا
وقال في ملاح بسيحون:
ورب ظباء في الغدير تخالهم
…
شموساً بأفق الماء تبدو وتغرب
يقول خليلي والغرام مصاحبي
…
أما لك عن هذه الصبابة مذهب
وفي دمك المطلول خاضوا كما ترى
…
فقلت لهم ذرهم يخوضوا ويلعبوا
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
كم قلت لما اصلعت وجناته
…
حول الشقيق الغصن روضة آس
لعذاره الساري العجول بوجهه
…
ما في وقوفك ساعة من باس
وقال أيضاً رحمه الله:
لما بدا في خده عارض
…
بشرت قلبي بالسلو المقيم
وقلت هذا عارض ممطر
…
فجاءني فيه عذاب اليم
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
أعديتني بالهوى يا فاتر المقل
…
فصح وجدي على ما بي من العدل
وملت عني إلى الواشي فلا عجبا
…
فالغصن ما زال مطبوعاً على الميل
يا واحد الحسن عدني زورة حلما
…
وها يدي إن نومي قد جفا مقلي
يا جيرة بأعالي الخيف من إضم
…
خبيتم بجفاكم في الهوى أملي
وملتم بجميل الصبر عن دنف
…
أجل ما يتمنى سرعة الأجل
تجري على الربع مذ بنتم مدامعه
…
وما عسى ينفع البالي على الطلل
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ولما إن تفرقنا
…
وحاولت نوب الدهر
رأيت الشهد لا يحلو
…
فما ظنك بالصبر
وقال أيضاً:
وما سر قلبي مذ شطت بك النوى
…
نعيم ولا لهو ولا متصرف
ولا ذقت طعم الماء إلا وجدته
…
سوى ذلك الماء الذي كنت أعرف
ولم أشهد اللذات إلا تكلفاً
…
وأي سرور يقتضيه التكلف
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا رب إن العبد يخفى عيبه
…
فاستر بحلمك ما بدا من عيبه
ولقد أتاك وما له من شافع
…
لذنوبه فاقبل شفاعة شيبه
وقال رحمه الله تعالى:
أي ليل على المحب أطاله
…
سائق الظعن يوم زم جماله
يزجر العيس طاوياً يقطع المهمه عفا سهوله ورماله
أيها السائر المجد ترفق
…
بالمطايا فقد سئمن الرحاله
وأنخنا هنيئة وأرحها
…
قد براها فرط السرى والكلاله
لا تطل سيرها العنيف فقد
…
برح بالصب في سراها الاطاله
قد تركتم وراءكم خلف وجد
…
نادياً في محلكم إطلاله
يسأل الربع عن ظباء المصلى
…
ما على الربع لو أجاب سؤاله
وحمال من النخيل جواب
…
غير أن الوقوف فيها علالة
هذه سنة المحبين يبكون على كل منزل لا محاله
يا دار الأحباب لا زالت الأدمع في ترب ساحتيك مداله
وتمشي النسيم وهو عليل
…
في مغانيك ساحباً أذياله
أين عيشي مضى لنا فيك ما
…
أسرع عنا ذهابه وزواله
حيث وجه الشباب طلق نضير
…
والتصابي غصونه مياله
ولنا فيك طيب أوقات أنس
…
ليتنا في المنام نلقى مثاله
وبأرجاء جوك الرحب سرب
…
كل عين تراه تهوى جماله
من فتاة بديعة الحسن ترنو
…
من جفون لحاظها مغتاله
ورخيم الدلال حلو المعاني
…
تنثني أعطافه مختاله
ذى قوام تود كل غصون البان لو أنها تحاكي اعتداله
وجهه في الظلام بدر تمام
…
وعذاره حوله كالهاله
ظبية تبهر البدور جمالاً
…
وغزال تغار منه الغزاله
فرعى الله ذلك الغصن حفظاً
…
وسقاه من الوفاء سجاله
يا خليلي إذا أتيت ربي الجزع وعاينت روضه وقلاله
قف به ناشداً فؤادي فلي
…
ثم فؤاد أخشى عليه ضلاله
وبأعلى الكثيب بيت اغض الطرف عنه مهابة وجلاله
حوله غلمه تبرمن من
…
الخوف عليه ذو بلاء عساله
كل من جئته لأسأل عنه
…
أظهر الغي غيرة وتباله
أنا أدرى به ولكن صوناً
…
أتعامى عنه وأبدي جهاله
كيف لي لو أطلت لشم ثراه
…
وهات في الهجر ظلاله
منزل حقه على قديم
…
في زمان الصبا وعصر البطاله
يا عريب الحمى اعذروني فإني
…
ما تجنبت أرضكم عن ملاله
حاش لله غير أني أخشى
…
من عدو يسيء فينا المقاله
فتأخرت عنكم قانعاً من
…
طيفكم في المنام يهدى خياله
أتمنى في النوم زور خيال
…
وللأماني أطماعها قتاله
يا أهيل النقا وحق ليالي
…
الوصل ما صبوتي عليكم ضلاله
لي مذ غبتم عن العين نار
…
ليس تخبو وأدمع هطاله
فصلونا إن شئتم أو فصدوا
…
لا عدمناكم على كل حاله
وقال رحمه الله تعالى:
أيا عاذرا خانت مواثيق عهده
…
لقد جرت في حكم الغرام على الصب
وأقصيته من بعد أنس وصحبة
…
وما هكذا فعل الأخلاء بالصحب
فلله أيام تقضت حميدة
…
بقربك واللذات في المنزل الرحب
وإذ أنت في عيني ألذ من الكرى
…
وأشهى إلى قلبي من البارد العذب
فلهفي على ذاك الزمان لقد غدت
…
عليه دموع العين دائمة السكب
ومذ صرت ترضيني بقول منمق
…
وتظهر لي سلماً أشد من الحرب
ثنيت عناني عن هواك زهادة
…
وإن كنت في أعلى المراتب من قلبي
لأني رأيت القلب عندك ضائعاً
…
تعذبه كيف اشتهيت بلا ذنب
ولم تحفظ الود الذي هو بيننا
…
ولم ترع أسباب المودة والحب
ولا أنت في فيد المحب إذا غدا
…
تقلبه الأشواق جنباً على جنب
ولا أنت ممن يرعوي لمقالتي
…
فأشفى قلبي بالشكاية والعتب
ولا رمت منك القرب إلا جفوتني
…
وأبعدتني حتى يئست من القرب
وأصغيت للواشي وصدقت قوله
…
وضيعت ما بيني وبينك بالكذب
فلم يبق لي والله فيك إرادة
…
كفاني الذي قاسيته فيك من عجب
ولا لي في حبيك ما عشت رغبة
…
أبى الله أن تسبى فؤادي أو تصبي
ومن ذا الذي يقوى على حمل بعض ما
…
تجرعته بالذل من خلقك الصعب
فلا ترجها مني بعد حسن صحبة
…
فحسبي سلو بعض ما قلته حسبي
ولا تعتبي قد قطعت مطامعي
…
وخففت حتى في الرسائل والكتب
وقال رحمه الله تعالى في المعنى:
أيا معرضاً عني بغير جناية
…
أما تستحي من فرط تيهك والعجب
سلوتك فاصنع ما تشاء فإنه
…
محا كثرة التقبيح حبك من قلبي
وقال رحمه الله لغزاً في تاريخ:
ما اسم إذا صحفته الفتيه
…
من بعد ذاك ولفظه تاريخ
في ضمنه نار إذا خففتها
…
لا جمرها وار ولا منفوخ
يا ريح بلغ من أحب تحيتي
…
إن الحبيب لما يقول مصيخ
قال ابن المستوفى: نقلت من خط أحمد بن خلكان لنفسه يقول:
وافى كتابك ساطعاً أنواره
…
ومضمناً من كل فضل بارع
فغدوت أنشر طيبه بتلطف
…
وأطيل لثم سطوره بتواضع
وجعلته مني مكان تمائم
…
نيطت على المجنون خوف التابع
وقال رحمه الله تعالى في الاستعطاف:
يا سادتي إني قنعت وحقكم
…
في حبكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجودوا بالوصال تعطفاً
…
وقصدتم هجري وفرط تجنبي
لا تحرموا عيني القريحة أن ترى
…
يوم الخميس حمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي
…
ألقاه من نكد إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالة
…
لولاك لم يك حملها من مذهبي
ومن البلية والرزية إنني
…
أقضي وما تدري الذي قد حل بي
يا من كلفت به فعذب مهجتي
…
عطفاً على كلف الفؤاد المعذب
إن فاته منك اللقاء فإنه
…
يرضى بلقيا طيفك المتأوب
إن كنت تسمح للجفون بهجعة
…
فلقد أضر بها ارتقاب الكوكب
قسماً بوجدي في الهوى وتحرقي
…
وتحيري وتلهفي وتلهبي
لو قلت لي جد لي بروحك لم أقف
…
فيما أمرت وإن شككت فجرب
مولاي هل من عطفة تصغي إلى
…
قصصي بطول شكايتي وتعتبي
من بعد ذاك القرب والاقبال قد
…
أصبحت عندك كالغريب الأجنبي
قد كنت تلقاني بثغر باسم
…
واليوم تلقاني بوجه مقطب
ما كان لي ذنب إليك سوى الهوى
…
فعلام تهجرني إذا لم أذنب
والهجر يقبح بالكرام تعنتاً
…
من غير ما سبب ولا من موجب
قل لي بأي وسيلة أدلي بها
…
إن كنت تبعدني لأجل تقربي
وإلى متى هذا الصدود وإنني
…
ليطول من هذا الصدود تعجبي
ما كنت أحسب أن عهدك حائل
…
حتى دهاني فيك ما لم أحسب
وحياة وجهك وهو بدر طالع
…
وسواد طرتك التي كالغيهب
وبياض مبسمك النقي الواضح
…
العذب الشنيب اللؤلؤي الأشنب
وبقامة لك كالقضيب ركبت من
…
أخطارها في الحب أصعب مركب
لو لم أكن في رتبة ادعى لها
…
العهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذ لي
…
خلع العذار ولج فيك مؤنبي
لكن خشيت بأن تقول عواذلي
…
قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي
فاستر فديتك حرقة قد قاربت
…
كشف القناع بحق ذياك النبي
لا تفضحن بحبك الصب الذي
…
جرعته في الحب أكدر مشرب
قد خانني جلدي وضاقت حيلتي
…
وتقسمت فكري وعقل قد سبي
فانظر إلى رحمة أحيى بها
…
وتريح قلبي من غرام متعب
وقال رحمه الله دوبيت:
بالأبريق منزل عفاه القدم
…
فسقت دموعي إن جفاه الديم
لم أدر زماننا الذي كان به
…
من لذة أيقظة أم حلم
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ما شمت على الخيف بروقاً لمعت
…
إلا وحسبتها لقلبي صدعت
يا من يعدو لا تبعثوا طيفكم
…
نحوي فجفوني بعدكم ما هجعت
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا من رحلوا فأودعوني الأسفا
…
من بعدكم ما راق عيشي وصفا
ما افكر في طيب زمان سلفاً
…
إلا وسألت الله عنه الخلفا
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
كم يخجل قدك القنا والبانا
…
يا من فتنت لحاظه الغزلانا
عذبت قلوبنا فنادت قلقاً
…
سبحان إله بك قد أشقانا
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
حتام وكم نسائل الركبانا
…
عمن نزل الحمى وعمن بانا
أحبابي ما على من غيركم
…
ما القصد سواكم كائناً من كانا
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ليت النسمات عرجت بالعلمين
…
واستقبلت الجزع وقرب بحنين
كي أسأل من أحب عن حالته
…
أو يسألها عن حالتي كيف وأين
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا حادي عيسهم ويا سائقها
…
أثقلت بطول سيرها عاشقها
ما ضرك لو رحمتها اليوم عسى
…
نقضى وطر المغرم فارقها
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
قوم ألفوا طول الجفا والهجر
…
في حبهم ضاع جميع العمر
أرجو بدلاً عنهم وإلا فعسى
…
أن يرزقني الباري جميل الصبر
وقال أيضاً رحمه الله:
يا مخترق البيد سهولاً وحزون
…
في منن شمله على السير أمون
إياك وأيمن الحمى إن به عرب
…
سهروا دون ظبي الهند عيون
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
العين عليك نومها ممتنع
…
والقلب لما تقوله متبع
يا من سلب الفؤاد مني
…
نادى من بعدك بالحياة ما انتفع
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا من لهم الجميل والانعام
…
بنتم فتزايدت بي الآلام
عندي وحياتكم من الشوق لكم
…
ما يعجز أن يشرحه الأقلام
هل تسمح لي بطيفك الاحلام
…
يا من حكمت ببعده الايام
ما أطمع في وصلك هيهات بلى
…
يكفني من خيالك الالمام
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
قاسوك ببدر التم قوم ظلموا
…
لا ذنب لهم لأنهم ما علموا
من أين لبدر التم يا ويحهم
…
جيد وعيون وقوام وفم
وقال أيضاً رحمه الله:
قاسوك بغصن البان لما وصفوا
…
لا ذنب لهم لأنهم ما عرفوا
هب إن له ملامحاً منك بلى
…
من أين لغصن البان هذا الهيف
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
قد أعرض عني جيرتي وانتزحوا
…
كم أصغي إلى العذال فيما نصحوا
ناشدتك ما عليك دعني وهم
…
لا تدخل بيننا عسى نصطلح
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
هذا الصلف الزائد في معناه
…
قد حيرني فلست أدري ما هو
كم يحمل قلبي من نجنيك ولا
…
يدري أحد بذاك إلا الله
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
انظر إلى عارضه فوق جفونه
…
يرسل منها الحتوف
فعاين الجنة في خده
…
بارزة تحت ظلام السيوف
ولقاضي القضاة رحمه الله تعالى أشعار كثيرة، أضربنا عن ذكر بعضها طلباً للاختصار. وقال الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم لما صرف قاضي القضاة عن دمشق سنة تسع وستين:
وليت فأوليت الورى كل نعمة
…
وزلت وما زال الثناء ولا الشكر
فإن عدت عاد الخير والفضل والندى
…
وأن تكن الأخرى وحوشيت والصبر
وقال الشيخ شهاب الدين يرثيه:
يا شمس علوم في الثرى قد غابت
…
كم بنت عن الشمس وما نابت
لم تأت بمثلك الليالي أبداً إما
…
عجزت عنه وإما هابت
وقال أيضاً فيه:
يا شمس علوم الدين والأحكام
…
يا نادرة القضاة والحكام
أنساني كل الناس منه نظري
…
إنسان سواد مقلتيه الاسلام
أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الجبار بن طلحة بن عمر أبو العباس أمين الدين الأشتري الحلبي الشافعي الامام العلامة ذو الفنون. كان إماماً عالماً فاضلاً بارعاً ورعاً زاهداً ناسكاً. كثير التلاوة، ظاهر الخشوع، كبير القدر، ممن جمع بين العلم والعمل، وأقرأ الفقه مدة، وكان أحد أصحاب الشيخ محي الدين النوراني، وانتفع به، وسلك مسلكه في العلم والعبادة والتدقيق في العلم والعمل، ووقف كتبه التي كتبها من تصانيف الشيخ محي الدين وغيره بدار الحديث الأشرفية، وكان سمع من أبي محمد بن علوان، وأبي الحسن بن روزبه، وأبي المجد القزويني، وعبد اللطيف بن يوسف، وأبي المحاسن بن شداد، وأبي الحسن بن الأثير، وابن يعيش النحوي صاحب شرح المفصل وغيرهم، وحدث بالكثير، وكان له مع الفقه وغيره اعتناء كثير بالحديث. وله بحلب سنة خمس عشرة وست مائة، وتوفى فجاءة في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وست مائة بدمشق المحروسة رحمه الله تعالى.
إدريس بن صالح بن وهيب الفقيه زين الدين المصري القليوبي. قرأ الفقه والمقامات الحريرية على قاضي القضاة شمس الدين أحمد ابن خلكان رحمه الله المقدم ذكره بمدرسة سيف الاسلام طغتكين بن أيوب صاحب اليمن،
وكانت المدرسة المذكورة داره إذ كان بالقاهرة، ثم جعلها مدرسة وهي بخط البندقانيين بالقاهرة، وكان زين الدين المذكور إمام المدرسة إذ ذاك، وذلك في سنة سبع وثلاثين، ثم اتصل بخدمة الأمير عز الدين أيدمر الحلى، وكان الحلى يسكن جوار الجامع الأزهر بالقاهرة، فسعى في أمره حتى جعله تقام فيه الجمعة، ورتب زين الدين المذكور خطيباً به، وهو أول من خطب فيه، وغالب الظن أن ذلك كان في سنة اثنتين وستين وست مائة، ولم تزل طريقة زين الدين إدريس المذكور حسنة، وكان آدم شديد الأدمة، ومولده سنة ثمان عشرة وست مائة، وتوفى ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر هذه السنة بالقاهرة، ودفن بالقرافة الصغرى رحمه الله تعالى، وكان ينظم نظماً متوسطاً، فمن شعره من قصيدة يمدح بها قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان رحمه الله إذ كان ينوب بالحكم في القاهرة:
تراءت له بالرقمتين مخائل
…
فتمت عليه بالغرام بلابل
وأجرى دموع العين أو ملأ الملا
…
ونمق في أكتاف سلع حمائل
وأصبحت.... الفراق منغصاً
…
وحزني لا يحنو ودمعي هاطل
وجفني إذا نام الخليط مسهد
…
وخدي مخلود وجسمي ناحل
تجلى دجى حزني سنا مدح أحمد
…
ولون حياتي كاسف النور حائل
فمن نور شمس الدين فضائل
…
تضيء علينا نورها متكامل
إمام إمام المكرمات صفاته
…
وقاض عليم فاضل الحكم فاضل
له قدم في المكرمات رفيعةفرائضهاخفت بهن نوافل
له من سجاياه وسيط مهذب
…
وجيز مقال عامر الجود شامل
كريم بسيط الكف جوداً مديدة
…
سريع العطايا وافر الحلم كامل
يبقى الثناء بالجود مستخرجاً له
…
ومصروفه الموجود والفضل حاصل
إسماعيل بن إسماعيل بن جوسلين أبو الفداء عماد الدين. كان إماماً عالماً فاضلاً ورعاً عاملاً، لازم والدي رحمه الله من صغره، واشتغل عليه إلى حين وفاته، وسمع البخاري على الزبيدي، وسمع كثيراً على المشايخ، وحصل طرفاً جيداً من العربية، وكان ينظم الشعر، ويترسل ترسلاً حسناً، ويكتب خطاً منسوباً، وكان كثير العبادة والاجتهاد والاخلاص في أفعاله، يحرص على كتمان ما يفعله من ذلك وإخفائه عن الناس، حسن العشرة، كثير المروءة، كريم الأخلاق، تمرض أياماً، فلما دنت وفاته، لم يزل يتلو القرآن الكريم بحضور إلى حيث فارق بمنزله ببعلبك وهو في عشر الثمانين رحمه الله، ودفن بمقبرة جده لأمه شمس الدين محمود بن قرقين ظاهر باب سطحاء من بعلبك المحروسة. قال أخي رحمه الله: لم أر من مات وهو مستحضر كما ينبغي سواء.... دخلت عليه قبل موته
بساعتين وهو يتلو القرآن العزيز وسمعته يردد الآية في سورة الواقعة " فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ". وكان رحمه الله قد صحب والدي خمسين سنة، واستفاد منه، وروى عنه، وأخذ وانتفع به ظاهراً وباطناً، وكان عنده علوم جمة، وآداب وفضائل، ومروءة يعجز الواصف عن وصفها، يسارع إلى الخيرات، ويتصدق سراً، كثير قيام الليل، يحب الخمول، ويلازم قعر بيته، يعاشر الناس بالمعروف، ويحسن إلى جيرانه ومعارفه، روى عن الشيخ موفق الدين بن قدامة الحنبلي، وبهاء الدين إبراهيم بن المقدسي، والقزويني، وابن رواحة، وغيرهم، وكانت وفاته ليلة الثلاثاء ثالث وعشرين صفر رحمه الله تعالى.
بيجار بن بختيار الأمير حسام الدين اللاوي الرومي، قد ذكرنا قدومه إلى الشام، وتروحه عن بلاد التتار، وكان له بتلك النواحي قلاع، وبلاد، وأموال جمة، فجرى لولده بهاء الدين بهادر المقدم ذكره ما اقتضى تروحه مع رغبته في الحضور إلى بلاد الاسلام، ومكاتبة الملك الظاهر له، ولما حضر وصل مع خلق كثير من أمراء الروم، وأعيانه، وطائفة كثيرة من غلمانه، وأتباعه، وذريته، ولما استقر بالديار المصرية قصد الحج فتوجه، وأدى فريضة الحج، وتصدق في الطريق، وبالحرمين الشريفين بصدقات كثيرة، وأنفق في حجته أموالاً جمة، وعاد ولزم بيته، وترك الإمرة، وكف بصرة قبل موته بدون ثلاث سنين وكان قد عمر عمراً طويلاً وتعدى المائة سنة بسنين كثيرة، وتوفى بالقاهرة في أوائل شهر شعبان من هذه السنة رحمه الله تعالى.
الخضر بن عبد الرحمن بن الخضر أبو العباس سديد الدين الشيخ الصالح. مولده يوم الثلاثاء في إحدى الجمادين سنة أربع وثمانين وخمس مائة، وتوفى في رابع شوال سنة إحدى وثمانين وست مائة بحماة. ودفن ظاهرها في عقبة نفرين رحمه الله تعالى. قال أخي أبو الحسين علي بن محمد رحمه الله: أنشدني سديد الدين المشار إليه في الخانكاة النورية بحماة في يوم الاثنين تاسع شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين وست مائة للشيخ أبي الحسين النوري رحمه الله:
وكم رمت أمراً حزت لي في انصرافه
…
فلا زلت بي مني أبر وأرحما
عزمت على أن لا أحسن بخاطر
…
على القلب إلا كنت أنت المقدما
وأن لا تراني عند ما قد كرهته
…
لأنك في قلبي الكبير المعظما
قال وأنشدني أيضاً:
أنا من يراك وإن تباعد شخصه
…
بنواظر القلب الذي لا تهجع
ولذاك أسمع ما تقول وبيننا
…
مرمى تحث العيس فيه وتوضع
فعلام أقترح الدنو وقد أرى
…
ما شئت منك على البعاد وأسمع
قال وأنشدني أيضاً:
طبع المحبوب على الجور فلو
…
أنصف المحبوب فيه لسمح
ليس يستحسن في شرع الهوى
…
عاشق يعرف تأليف الكحح
قال وأنشدني أيضاً:
تمنيت من أهوى فلما لقيته
…
بهت فلم أملك لساناً ولا طرفا
وأطرقت إجلالاً له ومهابة
…
وحاولت أن يخفى الذي بي فلم يخفا
وقد كان في قلبي خطوب كثيرة
…
فلما التقينا ما نطقت ولا حرفا
قال وأنشدني أيضاً:
رضينا من وصالك بالكلام
…
ومن بذل المودة بالسلام
فهل شيء يكون أقل من ذا
…
لمشغوف بحبك مستهام
فيوم لا أراك بألف شهر
…
وشهر لا أراك بألف عام
قال أخي رحمه الله وأنشدني أيضاً:
تمر الليالي لا أراك وإنني
…
جليد على حكم الهوى وصبور
لقد طال عهدي باللقاء ولم أزل
…
أرجى لقاكم والمحب شكور
ولولا رجائي أن ذا البين ينقضي
…
قضيت وأن الموت فيه يسير
وقال أنشدني رحمه الله تعالى:
سعاد تسبني ذكرت بخير
…
وتزعم أنني مذق خبيث
وإن مودتي زور ومين
…
وإني للذي ألقى تبوث
ولست كذاك لا ردا عليه
…
ولكن الملول هو النكوث
ولي وجد يجادبني إليها
…
وشوق بين أحشائي حثيث
رأت ولهي بها وقم تم وجدي
…
فلمتني كذا كان الحديث
سليمان بن عبد الله بن ابرين، ويقال ابن عمران، أبو الربيع قطب الدين الزيلعي الحنفي خادم المصحف العثماني الشريف بمقصورة الخطابة. كان شيخاً صالحاً زاهداً حسن السمت؛ سمع من ابن الزبيدي، وابن اللتي،
وأبي الحسن بن المقير، وحدث. توفى رابع ذى الحجة سنة إحدى وثمانين وست مائة عن سن عالية وخلف بنتاً واحدة رحمه الله تعالى.
شيتركى صاحب جبل. كان من الفرسان المشهورين عند الفرنج، محبوباً إليهم لشجاعته وكرمه، وكان من معظم الخيالة بطرابلس، وقد مالوا إليه وتغيروا على صاحبها، فكاتبهم شيركى وكاتبوه وتقرر بينهم أنه متى حضر سلموا إليه البلد، وكان بينه وبين صاحب طرابلس عداوة شديدة، وكان شيركى قد انتهى إلى الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله بواسطة الأمير سيف الدين بلبان الصالحي، وشرط على نفسه أنه متى ملك طرابلس تكون مناصفة بينه وبين الملك المنصور، وطلب أن يتعضد بجماعة من المسلمين الجبليين لقربهم منه، فسمح لهم النواب بذلك، وتردد إليه، وأخذوا خلعه، فلما كان في أواخر شوال، أو أوائل ذى القعدة من هذه السنة، ركب شيزكى في أصحابه وجماعة من الجبليين في البحر، ودخلوا ميناء طرابلس ليلاً، وخرجوا من المراكب. ودخلوا البلد، وطرقوا أبواب من كان كاتبهم، فلم يخرج إليهم لأن صاحب طرابلس قد نمى إليه الخبر، واحترز فجاء شيزكى إلى قصر صاحب طرابلس فقيل له: قد علم صاحب طرابلس علم صاحب طرابلس بباطن الحال فارجعوا فلم يفعل شيزكى: فلم احس صاحب طرابلس بدخولهم البلد، أخرج غلمانه وأصحابه وخيالته في طلبهم، فأمسكوا من ظفروا به، وأما شيزكى فقصد دار الدواية ليحتمي بها،
فجاء صاحب طرابلس فقبضه منها بعد فصول يطول شرحها، وسيرهم لوقته إلى أنفه، وحبسهم بها، وأما شيزكى وأصحابه الخصيصون به فيقال إنه غرقهم في البحر بعد إمساكهم بثلاثة أيام، وسير غلمانه تسلموا جبيل فصارت له مع طرابلس وما معها، وأما الجبليون فبقوا في القيود إلى حيث نازل الملك المنصور المرقب، وحضر إليه رسول صاحب طرابلس فطلبهم منه، ولم يسمع له رسالة، فعاد إلى صاحبه، وأخبره ما رسم به السلطان فكساهم جميعهم وجهزهم إلى عند السلطان بظاهر المرقب فأطلقهم.
شاذى بن داود بن عيسى بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذى الملك الظاهر غياث الدين بن الملك الناصر صلاح الدين بن الملك المعظم شرف الدين ابن الملك العادل سيف الدين رحمه الله تعالى. مولده في الخامس والعشرين من ذى الحجة سنة خمس وعشرين وست مائة بقلعة دمشق، ووالده إذ ذاك صاحبها، وأظنه أكبر ولد أبيه وأمه ابنة الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك العادل وهو شقيق الملك الأمجد مجد الدين المقدم ذكره في سنة سبعين وست مائة، وتوفى الظاهر شاذى ليلة الخميس حادي وعشرين شهر رمضان المعظم من هذه السنة بقرية الناعمة من الغور، وحمل إلى القدس الشريف، فدفن بعد الصلاة عليه بالأقصى عقيب صلاة الجمعة ثاني وعشرين شهر رمضان المعظم رحمه الله تعالى. كان ديناً خيراً عاملاً شجاعاً صادق اللهجة، كريم الأخلاق، كثير التواضع، لين الكلمة، يعاني ملابس العرب ومراكبهم كعمه الملك القاهر رحمه الله تعالى، وكان شريف النفس،
غير مبتذل إلى أحد من أرباب الدولة، ويسكن بسفح قاسيون ظاهر دمشق، وخلف أولاداً صغاراً رحمه الله تعالى.
عبد السلام بن علي بن عمر بن سيد الناس أبو محمد زين الدين الزواري شيخ المالكية وكبيرهم ومدرسهم والمتعين منهم. كان وصل إلى الديار المصرية في سنة خمس عشرة وست مائة قبل موت العادل بقليل. وانتقل إلى دمشق في سنة ست عشرة واستقر بها، وولى القضاء بدمشق والشام على مذهبه مستقلاً مكرهاً على ذلك في سنة أربع وستين وست مائة، ثم عزل نفسه يوم وفاة قاضي القضاة شمس الدين عبد الله بن عطاء الحنفي رحمه الله، وتوفى الشيخ زين الدين إلى رحمة الله تعالى ورضوانه ليلة الثلاثاء ثامن شهر رجب من هذه السنة بمدرسة أم الملك الصالح عماد الدين بدمشق، ودفن يوم الثلاثاء بعد صلاة الظهر بمقابر باب الصغير، وكانت له جنازة حفلة عظيمة حضرها الخاص والعام، ونائب السلطنة وغيره، ومولده سنة تسع أو ثمان وثمانين وخمس مائة بظاهر بجاية من أعمال إقريقية، وكان إماماً عالماً عاملاً ورعاً متقللاً من الدنيا، قانعاً منها بالكفاف، سالكاً، أنموذج السلف، يشتري حاجته بنفسه من السوق ويحملها، وهو قاضي قضاة الشام، وكان عارفاً بالقراآت، وإليه علم ذلك بالشام في وقته، وكان رحمه الله في غاية المعرفة بأمور الدنيا وتدبير أحوالها، وله العقل المعيشي الوافر مع كثرة الديانة، وكرم الطباع، ووفور الايثار للفقراء، والبر لهم، ولين الكلمة للخاص والعام، وشدة التواضع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على القانون شرعي، ولم يكن يثبت بالخطوط، ولم يكن
يشهد عليه إلا جماعة يسيرة معدودين من الأعيان المعروفين ببروز العدالة. فكان للشهادة عليه في النفوس موقع كبير، ولما عزل نفسه على ما تقدم ذكره، استمر نائبه جمال الدين في مباشرة للطائفة المالكية، واستقل بذلك إلى حين وفاته رحمه الله تعالى.
علي بن عيسى بن أبي الحسن بن أبي الفوارس أبو الحسن الأمير عز الدين ابن الأمير ناصر الدين بن الامير سيف الدين بن الأمير أسد الدين القيمري، كان هو صاحب قلعة قيمر المشهورة انتقلت إليه عن سلفه، وكانت بيده إلى أن أخذها منه التتر وهي بالقرب من مدينة إسعرد، وانتقل إلى الديار المصرية وخدم بها ثم بطل الخدمة قبل وفاته بمدة ولزم السكن جوار البيمارستان الذي أنشأه جده الأمير سيف الدين أبو الحسن بسفح قاسيون، وكانت وفاته ليلة الأحد ثالث عشر شهر رجب من هذه السنة بالنيرب ظاهر دمشق، ودفن يوم الأحد بعد صلاة الظهر بتربة جده الأمير سيف الدين المذكور معه في الضريح والتربة تجاه المارستان المذكور، وعمره مقدار أربعين سنة رحمه الله.
لاجين بن عبد الله الأمير حسام الدين العينتابي. كان له مشاركة في نيابة السلطنة بحلب، وتقدم للعسكر بها، وكان شجاعاً بطلاً جواداً خيراً، حسن السياسة، جميل الصورة، تام الخلق، عنده رياسة وعقل ومعرفة، وكان قبل وفاته بمدة يسيرة ثبت أنه باق على الرق، فاشتراه الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله، وأعتقه وزاد في حرمته، وبسط يده وأقطاعه، وكانت وفاته بحلب ليلة السبت ثاني عشر ذى الحجة، ودفن
يوم السبت ظاهرها، وهو في عشر الخمسين سنة من العمر رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي الحسن بن محمد بن المهذب أبو عبد الله شرف الدين السلمي الشافعي. قد تقدم ذكر والده شيخ الاسلام عز الدين رحمه الله في سنة ستين وست مائة، وكان الشرف أكبر أولاده وأوجههم، يباشر إمام المدرسة الظاهرية بالقاهرة للطائفة الشافعية وغيرها من الجهات الدينية، وتوفى بالقاهرة يوم الاثنين سابع وعشرين شعبان من هذه السنة عقيب عوده من الشام إلى الديار المصرية، ودفن بالقرافة الصغرى بتربة والده، وقد نيف على تسعين سنة، وكانت له جنازة حفلة رحمه الله تعالى.
محمد بن علي بن محمود أبو عبد الله صلاح الدين الشهرزورى الشافعي مدرس المدرسة الناصرية القيمرية بدمشق، وناظرها الشرعي. كان شاباً، نبيهاً، حسن الشكل، لين الكلمة، كريم الأخلاق، حسن العشرة، ولى تدريس المذكورة بعد والده القاضي شمس الدين، واستمر بها إلى حين أدركته منيته بالمدرسة المذكورة في يوم الثلاثاء ثاني وعشرين شهر رجب من هذه السنة، ودفن من يومه إلى جاني والده بتربة الشيخ تقي الدين ابن الصلاح، ولم يبلغ من العمر أربعين سنة رحمه الله تعالى.
محمد بن سليمان أبو عبد الله المعروف بابن العلم الحموي. كان شيخاً صالحاً زاهداً عابداً ورعاً فاضلاً أديباً، حسن العشرة والفضيلة، تجاوز التسعين سنة، وكانت وفاته بدمشق بالمدرسة الرواحية ثامن عشر ذى القعدة هذه
السنة، وصلى عليه بجامع دمشق، ودفن بمقابر باب الصغير رحمه الله تعالى. وقال أخي رحمه الله: أنشدني أبو عبد الله محمد المذكور يوم السبت رابع عشر شعبان سنة سبع وسبعين وست مائة ببعلبك لنفسه:
يمشي ويعثر بالعيون وراءه
…
وإذا استدار تعثرت من خلفه
وحلى مكان نطاقه فكأنه
…
شعبان كل حلاوة في نصفه
محمود بن سلطان بن محمود أبو الثناء البعلبكي الشيخ الصالح العارف الزاهد العابد. كان من الأولياء الأفراد وأرباب الأحوال والمعاملات، أقم أربعين سنة يجمع المباح ووالده من قبله ستين سنة، وكان كثير الذكر ليلاً ونهاراً، صحب والده الشيخ سلطان رحمة الله عليه كثيراً، وخدمه ولازمه وأخذ عنه كثيراً، وانتفع به، ويقال: إنه جمع بينه وبين رجال جبل لبنان رضي الله عنهم، فكانوا يجتمعون به في كل وقت إلى آخر عمره، وصحب والدي كثيراً، ولازمه إلى حين وفاة والدي، وصحب الشيخ إبراهيم بن جوهر البطائحي، ولبس منه خرقة تبركاً، وقصد الاتصال بخرقة سيدنا الشيخ محي الدين. وتوفى الشيخ محمود المذكور يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان المعظم عند صلاة العصر، ودفن من الغد بتربة سيدنا الشيخ عبد الله الزمن إلى جانب قبر والده الشيخ سلطان نفع الله به، وقد ناهز المائة سنة من العمر رحمه الله تعالى ورضي عنه. قال: إن والده أخبره لما عاد من وقعة حطين، كان عمر الشيخ محمود أحد عشر شهراً، ووقعة حطين كانت في ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، ومات والده رحمه الله
سنة أربعين وخمس مائة عن مائة وخمس عشرة سنة رحمه الله تعالى.
محمود بن عبد الله بن عبد الرحمن أبو الثناء برهان الدين المراغي الشافعي. كان إماماً عالماً عاملاً، كثير العبادة والتقوى، عليه آثار الصلاح ظاهرة، ولى تدريس المدرسة الفلكية بدمشق إلى حين وفاته، وعرض عليه أن يكون قاضي القضاة بالشام، فامتنع قنعاً وورعاً، وعرض عليه أن يكون قاضي القضاة بالشام، فامتنع قنعاً وورعاً، وعرض عليه أن يكون شيخ الشيوخ بالشام فامتنع أيضاً، وكان كريم الأخلاق، لطيف الشمائل، حسن العشرة، عارفاً بالمذهب والأصول، مكمل الأدوات من أعيان العلماء، له قلم راسخ في الفتيا، وتحقيق النقل، ومولده سنة خمس وست مائة، توفى بدمشق ليلة الجمعة ثالث وعشرين ربيع الآخر، ودفن يوم الجمعة بعد الصلاة بمقابر الصوفية رحمه الله تعالى.
المقداد بن أبي القاسم بن هبة الله بن المقداد بن عبد الله بن المقداد بن علي أبو المرهف نجيب الدين القيسي. كان من أهل الخير والعدالة والأمانة، سمع الكثير وتفرد بأشياء، وأسمع وانتفع بالسماع عليه جماعة من الطلبة، وتوفى بدمشق يوم الأربعاء ثامن شعبان، ودفن من الغد بسفح قاسيون، وهو في عشر الثمانين رحمه الله تعالى.
منكوتمر بن هولاكو بن قازان بن جنكز خان ملك التتار. وهو من بيت الملك، وهو مقدم الجيش الذي ضرب المصاف مع المسلمين في السنة الخالية ظاهر حمص، فكان عنده شجاعة وإقدام، وبطش وسفك للدماء،
وهو نصراني الدين، وكان جرح يوم المصاف، والذي جرحه الأمير علم الدين الدويدار رحمه الله، وحصل له غم شديد على ما جرى عليه، وعلى عساكره، وكمد زائد، وحدثته نفسه بجمع العساكر من سائر مماليك بيت هولاكو، وقصد الشام، وأخذ بثأره، فقدر الله تعالى موت أخيه ابغا، فعبء ذلك في عضده، وتملك بعد أخيه أخوه الملك أحمد، وهو مسلم لا يرى محاربه المسلمين، فانكسرت همته، واعترته صرع متدارك، فتوفى في العشر الأول من المحرم ببلد الجزيرة العمرية يقال لها: تل خنزير، وقيل: كانت وفاته في آواخر سنة ثمانين والله أعلم وقيل: انه لم يمت حتى أكل لسانه بأسنانه، وأتى على أكثر من نصفه، وكفن في أربعة أثواب نسيج، وجعل في تابوت، وسير إلى تلا، فدفن بها، وقد نيف على ثلاثين سنة من العمر والله أعلم.
هبة الله الملقب بالسديد النصراني القبطي المنيوز بالماعز. مستوفى الديار المصرية وقوانينها وأحوال المملكية، لا يشاركه في ذلك مشارك، وكان مدار الوزارة عليه، والوزير يستضئ به في سائر الأحوال، وكان رجلاً جيداً، كبير المروءة، والخدمة للمسلمين، والتودد إليهم، والترصد لقضاء حوائجهم، وعنده رياسة وبراهة وعفة، وستر على عورات الكتاب، وعدم مؤاخذة لمن يقصده بضرر، متمسكاً بدينه وشريعته، كثير الصدقة على فقراء النصارى، ويتصدق على فقراء المسلمين أيضاً،