الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبو بكر سيف الدين المعروف بابن اسباسلار. ولى مصر مدة سنين ثم ولى القاهرة في آخر عمره، وكان عنده فتوة، ومروءة، تعصب، وكرم مفرط، ومحبة للفقراء، واعتقاد في المشايخ، وبر لهذه الطائفة، وله في تكرمه غرائب تفرد بها في وقته، وكان حصل له سمن مفرط جداً، وعانى شدة، وأشار عليه الأطباء بعدم النساء متى استعرف النساء ولى عليه التلف فبقي مدة لم يقربها، وتوفى في شهر ربيع الأول بمصر، ودفن بإحدى القرافتين، وهو في عشر الستين رحمه الله تعالى.
السنة الثمانون وستمائة
استهلت يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من نيسان، والخليفة والملوك على القاعدة المستقرة في السنة الخالية، والملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله نازل على منزلة البروحا من عمل الساحل بعساكره.
وفي يوم الخميس عاشر المحرم رحل منها ونزل اللجون، وعاد رسوله من عكا صحبه من صحبه من رسل الفرنج من عكا والمرقب، فاستحضرهم يوم الجمعة حادي عشره بمنزلة اللجون بحضور الأمراء، وسمع رسالتهم، وحصل الاتفاق، وحلف الملك المنصور على الصورة التي وقع الاختيار عليها، واقتضتها المصلحة، وانبرم الصلح، وانعقدت الهدنة.
وفي يوم الأحد ثالث عشره قبض الملك المنصور على سيف الدين كوندك الظاهري وعلى جماعة من الأمراء الظاهرية لمصلحة اقتضاها بمنزلة
حمراة بيسان وقت الظهر بالدهليز، وعند قبضهم هرب الأمير سيف الدين بلبان الهاروني، ومعه جماعة، وقصدوا صهيون، وركبت الخيل في طلبهم فلم يدركوهم.
وفي ليلة الأربعاء سادس عشره هرب الأمير سيف الدين ايتمش السعدي، ومعه جماعة إلى صهيون من منزلة خربة اللصوص، وركبت في طلبهم جماعة من الأمراء، منهم الأمير ركن الدين بيبرس الناصري المعروف بطقصو، فأدركه، وجرح طقصو، ولم يقدر على رده فعاد عنه.
وفي يوم السبت تاسع عشره دخل الملك المنصور سيف الدين قلاوون دمشق ونزل بقلعتها، وخرج الناس كافة إلا من قل لتلقيه.
وفي عشية يوم الاثنين تاسع وعشرين منه صرف قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان رحمه الله عما كان يباشره من الحكم بالبلاد الشامية، وولى القضاء عز الدين محمد بن عبد القادر المعروف بابن الصائغ عوضه.
وفي العشر الأول من صفر ترتب بدمشق حاكم على مذهب الامام أحمد ابن حنبل رحمة الله عليه بعد خلوها منه مدة، والذي ولى القضاء نجم الدين أحمد بن الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر المقدسي.
وفيه خرج قطعة جيدة من العسكر، مقدمهم الأمير علاء الدين كشتغدى الشمسي، وأعقبهم مجانيق عدة جهزت على العجل لحصار شيزر.
وفي العشر المذكور من صفر أيضاً ولى بحلب وأعمالها القاضي تاج الدين يحيى بن محمد الشافعي مستقلاً من جهة الملك المنصور.
وفي هذا الشهر جاء الملك المنصور صاحب حماة إلى دمشق لخدمة السلطان الملك المنصور والسلام عليه، فخرج لتلقيه في موكبه، ونزل بداره المعروفة بابن المقدم داخل باب الفراديس، وترددت الرسائل بين الملك المنصور وشمس الدين سنقر الأشقر في تقرير قواعد الصلح، فلما كان يوم الأحد رابع ربيع الأول، وصل من جهة سنقر الأشقر الأمير علم الدين الدويداري، ومعه خزندار سنقر الأشقر في معنى إبرام الصلح والوقوف على اليمين، فحلف الملك المنصور يوم الاثنين خامسه، ونادت المنادية في دمشق بانتظام الصلح واجتماع الكلمة، فرجع الذين حضروا من جهة سنقر الأشقر، وصحبتهم الأمير فخر الدين اياز المقرى ليحضر يمين شمس الدين سنقر الأشقر، فحلفه، وعاد إلى دمشق يوم الاثنين ثاني عشره فضربت البشائر بالقلعة، وسر الناس بذلك غاية السرور، وصورة ما انتظم عليه الصلح: أن سنقر الأشقر يرفع يده عن شيزر، ويسلمها إلى نواب الملك المنصور وعوضه عنها فامية، وكفرطاب، وأنطاكية، والسويدية، ولا سفر، وبكاس، ودركوش بأعمالها كلها، وعدة ضياع معروفة، وأن يقيم على ذلك، وعلى ما كان استقر بيده عند الصلح، وهو: صهيون وبلاطنس، وحصن مرزية، وجبلة واللاذقية، وست مائة فارس، وخوطب بالمقر العالي المولوي السيدي العادلي الشمسي، ولم يصرح في مخاطباته بالملك ولا بالأمير، وكان يخاطب قبل ذلك في مكاتباته من الملك المنصور بالجناب العالي الأميري الشمسي.
وفي العشر الأوسط منه دارت الجهة المفردة بدمشق وأعمالها، وضمنت، وأقام لها ديوان، ومشد، وكانت أبطلت من الشام في الأيام الظاهرية من مدة تزيد على خمس عشرة سنة، وأعيدت هذه الحالة في الديار المصرية قبل هذا التاريخ بمدة، فلما كان يوم الأحد الخامس والعشرين منه، خرج مرسوم السلطان بإبطال الجهة المفردة من دمشق، والبلاد الشامية، وباراقة الخمور، وإقامة الحدود على مرتكب ذلك، وبتعظيم الانكار في ذلك، فركب الولاة، وطافوا على مظان ذلك بدمشق وظاهرها، وأراقوا الخمور، وأزالوا ما يناسب ذلك، وشددوا غاية التشديد في ذلك، وتضاعفت الأدعية للسلطان على ذلك.
وفي بكرة يوم الأحد تاسع وعشرين منه عادت العساكر الشامية بكمالها، ويسير من العساكر المصرية من جهة سيزر إلى دمشق للاستغناء عنهم بالصلح. وفي اليوم المذكور انبرم الصلح بين الملك المنصور سيف الدين قلاوون والملك المسعود نجم الدين خضر بن الملك الظاهر صاحب الكرك، وحلف الملك المنصور على الصلح بما استقر عليه الحال، ونادت المنادية بذلك، ففرح الناس باجتماع الكلمة، ولله الحمد.
وفي الشهر المذكور قبض بالديار المصرية على وزيرها برهان الدين السنجاري، وصرف عن الوزارة، واعتقل بقلعة الجبل، وكان قد تقدم بأيام قلائل، قبض ولده وحاشيته، وخواصه، وأتباعه، وغلمانه، وحبسوا عن آخرهم، وطولب برهان الدين بمال كثير.
وفي العشر الوسط منه عاد الملك المنصور ناصر الدين صاحب حماة إلى حماة، وخرج السلطان لوداعه إلى القابون.
وفي يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الآخر وصل إلى ظاهر دمشق زوجة الملك الظاهر ابنة بركة خان الخوارزمي من الكرك، وصحبتها تابوت ولدها الملك السعيد ناصر الدين محمد رحمه الله نقل من مشهد جعفر الطيار رضي الله عنه، فلما كان ثلث الليل من ليلة الخميس العشرين منه استبقى تابوته بالحبال من الصور الذي لباب الفرج، وحمل إلى تربة أبيه الملك الظاهر، أنزلوه من ساعته على ضريح والده بالتربة المذكورة رحمهما الله تعالى، ونزلت والدته بدار صاحب حمص تجاه المدرسة العزيزية، وأكرمت غاية الاكرام، وأجرى لها الاقامات الوافرة.
وفي بكرة الجمعة حادي وعشرين منه عقد عزاءه بالتربة المذكورة وحضر الملك المنصور سيف الدين قلاوون، وأعيان الأمراء وأرباب الدولة، والوعاظ والقراء.
وفي يوم الخميس العشرين من جمادى الأولى أحضر إلى الملك المنصور سيف الدين، وهو بالميدان الأخضر أمير منكوتمر بن هولاكو أسير تحت الحوطة، وأخبر أن التتر على عزم الحركة والركوب، فخرج أمر السلطان من ساعته بعرض الجيوش والاهتمام بأمر الجهاد، وملتقاهم، وكان المذكور أسره الكشافة الذي للسلطان من كينوك.
وفي يوم السبت ثامن عشر جمادى الآخرة وصل إلى دمشق خلق عظيم
من العربان صحبة الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي ملك العرب ببرية الشام والحجاز، وعبر معهم نجدة الملك المسعود صاحب الكرك في تجمل عظيم، وكان الملك المنصور ققد تقدم إلى جميع الأطراف بالحضور إلى دمشق بسبب قرب العدو من أطراف البلاد، وحضر في هذا الشهر أيضاً من تأخر من العساكر بالديار المصرية، ولم يتأخر أحد من العربان والتركمان وسائر الطوائف وكثرت الأراجيف بقرب العدو، وخرجت العساكر في هذا الشهر كل يوم طائفة بالعدد.
وفي العشر الوسط منه تقدم العدو إلى أطراف حلب، فخلت حلب من أهلها وجندها، ونزحوا إلى جهة حماة وحمص، وتركوا الغلال، والحواصل، والأمتعة، وخرجوا جرائد على وجوههم، وترادف لذلك خروج العساكر من دمشق.
وفي العشر الآخر منه وصل منكوتمر بن هولاكو إلى عين تاب وما جاورها من المرج، ونازلت طائفة منهم قلعة الرحبة يوم الأحد سادس وعشرين منه نحو ثلاثة آلاف فارس. وكان ابغا ملك التتر معهم مستخفياً بنواحي الرحبة على شاطئ الفرات ينتظر ما يكون من الملتقى.
وفي يوم الأحد سادس وعشرين منه خرج الملك المنصور سيف الديت قلاوون بنفسه من دمشق، وخيم بالمرج، ولم يتخلف أحد من العساكر والجموع بدمشق، ووصل العدو إلى بغراس، وقنب الخطيب بجامع دمشق، وسائر الأئمة في الصلوات.
وفي يوم الخميس سابعه رحل السلطان من المرج لاحقاً بالعساكر المتقدمة إلى ظاهر حمص.
وفي هذا الشهر وهو جمادى الآخرة خرج مرسوم الملك المنصور سيف الدين قلاوون بأن يعرض على أهل الذمة من المستوفيين والدواوين الاسلام، فان أبوا صلبوا، فجمع جماعة من ديوان الجيش والمستوفيين نصارى وسامرة، وعرض عليهم الاسلام فأبوا، فأخرجوا إلى سوق الخيل ظاهر دمشق، ونصبت لهم المشانق، وجعلت الحبال في أعناقهم فأسلموا، وأحضروا إلى الحاكم بدمشق، فجددوا إسلامهم على يده.
وفي يوم الأحد ثالث شهر رجب نزل السلطان وجميع العساكر والجموع على حمص، وراسل سنقر الأشقر بالحضور إليه بمن عنده من الأمراء والعسكر، وكذلك الأمير سيف الدين ايتمش السعدي ومن معه، فوصل سنقر الأشقر أولاً واجتمع بالسلطان، واستحلفه لسيف الدين ايتمش يميناً ثانية ليزداد طمأنينة، ثم أحضره، وتكامل حضورهم يوم الجمعة ثامن رجب، وحصل الاجتماع والاتفاق على العدو المخذول، وعومل سنقر الأشقر ومن معه بالاحترام التام، والخدمة البالغة، والاقامات العظيمة والرواتب.
وفي بكرة الأربعاء ثالث عشره فزع الناس كافة إلى جامع دمشق بالضعفاء والصغار والشيوخ متضرعين إلى الله تعالى في نصرة الاسلام وهلاك عدوهم، وأخرج المصحف الكريم العثماني وغيره من المصاحف العظيمة على رؤوس الناس، وصحبتها الخطيب والقراء والمؤذنون إلى المصلى
بقصر حجاج يسألون الله تعالى النصر والظفر، وكذلك فعل أهل بعلبك وصعدوا إلى ضريح الشيخ عبد الله اليونيني رحمه الله.
وفي هذه الأيام ما برحت التتار تتقدم قليلاً قليلاً على خلاف عادتهم، فلما وصلوا إلى حماة فسدوا في ضواحيها، وشعثوا وأحرقوا بستان الملك المنصور صاحبها، وجوسقه، وما به من الأبنية، وعسكر المسلمين بظاهر حمص على حاله، فلما كان يوم الخميس رابع عشره التقى الجمعان عند طلوع الشمس، وكان عدد التتار على ما قيل مائة ألف فارس أو يزيدون، وعسكر المسلمين على مقدار النصف من ذلك أو أقل، وتواقعوا من ضحوة النهار إلى آخره، وكانت وقعة عظيمة لم يشهد مثلها في هذه الأزمان، ولا من سنين كثيرة، وكان الملتقى ما بين مشهد خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى الرستين والعاصي، واضطربت ميمنة المسلمين، وحمل التتار على ميسرة المسلمين، فكسروها وانهزم من بها، وكذلك جناح القلب الأيسر، وثبت الملك المنصور سيف الدين قلاوون في جمع قليل بالقلب ثباتاً عظيماً، ووصل جماعة كثيرة من التتر خلف المنكسرين من المسلمين إلى بحيرة حمص، وأحدق جماعة من التتر بحمص، وهي مغلقة الأبواب، وبذلوا نفوسهم وسيوفهم في من وجدوه من العوام، والسوقة، والغلمان، والرجالة المجاهدين ظاهرها، فقتلوا منهم جماعة كثيرة، وأشرف الاسلام على خطة صعبة، ثم أن أعيان الأمراء ومشاهيرهم وشجعانهم؛ مثل شمس الدين سنقر الأشقر، وبدر الدين بيسرى، وعلم الدين الدويداري، وعلاء الدين طيبرس الوزيري، وبدر الدين
أمير سلاح، وسيف الدين ايتمش السعدي، وحسام الدين لاجين المنصوري، والأمير حسام الدين طرنطاى وأمثالهم لما رأوا ثبات السلطان ردوا على التتار وحملوا فيهم عدة حملات فكسروهم كسرة عظيمة، وجرح منكوتمر مقدمهم، وجاءهم شرف الدين عيسى بن مهنا في عربة عرضا، فتمت هزيمتهم، وقتلوا مقتلة عظيمة تجاوز الوصف، واتفق أن ميسرة المسلمين انكسرت كما ذكرنا والميمنة ساقت على العدو، ولم يبق مع السلطان إلا النفر اليسير، والأمير حسام الدين طرنطاى قدامه بالسنجقية، فعادت الميمنة الذين كسروا الميسرة في خلق عظيم، ومروا به وهو في ذلك النفر اليسير تحت السناجق، والكوسات تضرب، ولقد مررت به في ذلك الوقت، وما حوله من المقاتلة ألف فارس إلا دون ذلك، فلما مروا به ثبت لهم ثباتاً عظيماً، فلما بعدوا قليلاً ساق عليهم، فانهزموا لا يلوون على شيء، وكان ذلك تمام النصر، واكن انهزامهم عن آخرهم قبل الغروب، وافترقوا فرقتين، ففرقة أخذت جهة سلمية والبرية، وفرقة جهة حلب والفرات. فلما انقضى الحرب في ذلك النهار عاد السلطان إلى منزلته.
وفي بكرة يوم الجمعة خامس عشره جهز السلطان وراءهم جماعة كثيرة من العسكر والعربان، مقدمهم الأمير بيليك الايدمري؛ ولما ماج الناس نهب المسلمون من الأقمشة، والأمتعة، والخزائن، والسلاح ما لا يحصى كثرة، وذهب ذلك كله، أخذه الحرافشة والغلمان وغيرهم.
وبعد صلاة الجمعة خامس عشره جاءت بطاقة إلى دمشق من القريتين
يتضمن الظفر والنصر وانهزام العدو، فضربت البشائر على قلعة دمشق وسر الناس، وزينت القلعة والمدنية، وأوقدت الشموع. فلما كان ليلة السبت سادس عشره بعد منتصف الليل وصل إلى ظاهر دمشق جماعة كثيرة من جيش المسلمين منهم جماعة من الأمراء الأعيان، وأخبروا بما شاهدوه في أول الأمر وأن الكسرة كانت عليهم، ولم يعلموا ما تجدد بعدهم بعدهم، فحصل لأهل البلد قلق عظيم وخوف شديد، وتجهز منهم خلق للهزيمة، وفتح بعض أبواب الميدنة، ولم يبق إلا الشروع في الانتزاح، فوصل في تلك الساعة بريدي من جهة السلطان يخبر بالنصر، وكان وصوله عند آذان الصبح، فقرئ كتاب السلطان المتضمن البشارة في تلك الساعة بالجامع، فطابت قلوب الناس، ثم ورد بريدى آخر موكداً لما جاء به الأول فتكامل السرور، وتم الأمن، وعاد الناس إلى ما كانوا عليه من الزينة، ومضمون بعض الكتب الواردة: نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين، صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس، نعلمه أننا صربنا مصافاً مع العدو المخذول على ظاهر حمص في يوم الخميس رابع عشر رجب الفرد سنة ثمانين وست مائة، وكان العدو المخذول على ظاهر حمص في مائة ألف فارس أو يزيدون، والتحم القتال من ضحوة النهار إلى غروب الشمس، ففتح الله ونصر، وساعدنا بمساعفة القدر، ونصرنا، والحمد لله على أن أذل الأعداء وكسرهم، وظفر المسلمون ونصرهم، وكتابنا هذا والنصر قد ضربت بشائره، وحلق طائره وامتلأت القلوب سروراً، وأولى الله الاسلام من تفضله علينا وعليهم
خيراً كثيراً، والمجلس فيأخذ حظه من هذه البشرى العظيمة، ويتقلد عقودها النظيمة، والله تعالى يخصه بنعمه العميمة إن شاء الله تعالى، وأجلت هذه الوقعة عن قتل جم غفير من التتر لا يحصون كثرة، واستشهد من عسكر المسلمين دون المائتين على ما قيل. منهم الحاج ازدمر، وسيف الدين الرومي، وشهاب الدين بويل الشهرزورى، وعز الدين بن النضر، من بيت اتابك صاحب الموصل المشهور بالسيرة المفرطة، والبأس الشديد والصرامة، وكان يسكن جبل الصالحية، وغيرهم رحمهم الله أجمعين وسنذكر أعيانهم إن شاء الله تعالى.
ثم إن السلطان انتقل من منزلته بظاهر حمص إلى البحيرة التي لها ليبعد عن الجيف ثم توجه عائداً إلى دمشق، فدخلها يوم الجمعة الثاني والعشرين منه قبل الصلاة، وخرج الناس إلى ظاهر البلد للقائه، ودخل بين يديه جماعة من أسرى التتار، وبأيديهم رماح، عليها شعف رؤوس القتلى منهم، وكان يوماً مشهوداً، ودخل في خدمته جماعة، منهم: سنقر الأشقر، والأمير سيف الدين التميش السعدي والامير علم الدين سنجر الدواداري وسيف الدبن بلبان الهاروني وغيرهم، ودخل قلعة دمشق، وكان سنقر قد ودعه من حمص، وعاد إلى صهيون. ولما استقر الملك المنصور بدمشق. جرد عسكراً عظيماً إلى الرحبة لدفع من عليها من التتر. فلما كان يوم الاثنين خامس وعشرين منه وصلت قصاد الرحبة، وأخبروا برحيلهم عنها في يوم الجمعة ثاني وعشرين منه، ووصل الأمير بدر الدين الايدمرى
دمشق بمن معه من العسكر عائداً من تتبع التتار. وقد أنكى فيها نكاية عظيمة، ووصل إلى حلب وأقام بها وسير أكثر من معه فتبعوهم إلى الفرات فهلك منهم خلق عظيم، غرقوا بها عند عبورهم، وأنكوا فيهم نكاية عظيمة، وتفرقت شملهم، وما برحت الأسرى في هذه الأيام متواصلة إلى دمشق، والأخبار مترادفة بما نالهم من الضعف والمشقة، وهلاك خيولهم، وتخطف أهل البلاد لهم، وأنهم تمزقوا في البراري والجبال وهلكوا جوعاً وعطشاً.
وفي يوم الأحد ثاني شعبان خرج الملك المنصور من دمشق متوجهاً إلى الديار المصرية، وخرج الناس لوداعه مبتهلين بالدعاء له، ودخل الديار المصرية يوم السبت ثاني وعشرين منه، وعقيب وصوله اعتقل الأمير ركن الدين اباجى الحاجب، وبهاء الدين يعقوب مقدم الشهروزورية بقلعة الجبل.
وفي سلخه باشر الأحكام بالقاهرة ومصر وأعمال الديار المصرية القاضي وجيه الدين البهنسي الفقيه الشافعي.
وفي هذا الشهر بعد سفر السلطان ترتب الأمير علم الدين سنجر الدوادارى مشدا على الدواوين بالشام منطلق في المهام، والمصالح، والأموال، والاستخدام والعزل، وله مشاركة في الجيش، وكان خرج مع السلطان، ووصل معه إلى قريب غزة، ثم عاد من خدمته على هذه الصورة، وعين له خبز سبعين فارساً.
وفي يوم الأحد سابع شهر رمضان المعظم فتحت المدرسة الجوهرية وذكر بها الدرس قاضي القضاة حسام الدين الحنفي وذلك في حياة منشئها وواقفها نجم الدين محمد بن عباس بن مكارم التميمي الجوهري وهو بقرب المدرسة الريحانية بدمشق.
وفي سحر يوم الأربعاء عاشره وقع بدمشق ثلج كثير بهواء عاصف، وبقى إلى ضحى يوم الخميس مستمراً بحيث بقى على الأرض منه في بعض الأماكن قريب نصف ذراع، وكان قارنه برد مفرط يلبس، وجليد، وطالت مدة بقائه على الأرض وضعفت الخضروات، وفسدت الفواكه من الجليد في المخازن، وأما بعبلك فجمد فيها كيزان الفقاع، وذلك غير منكر بها، وأما دمشق فقل أن يقع بها الثلج على هذه الصورة.
وفي شوال وصل إلى دمشق صاحب سنجار مقفراً من جهة التتر في طاعة الملك المنصور سيف الدين قلاوون، وكان وصوله بأهله وحريمه وأمواله، فخرج نائب السلطنة لتلقيه، واحترمه، ثم جهزه إلى الديار المصرية.
وفي شوال أيضاً استفتى أهل الكتاب الذين أسلموا على ما تقدم شرحه بأنهم أسلموا مكرهين، وعقد لهم مجلس، ورسم القاضي جمال الدين المالكي أن يسمع كلامهم، ويحكم فيهم بما يوافق مذهبه، فكتب لهم محضر، وشهد فيه جماعة من المسلمين بأنهم كانوا مكرهين، وأثبت المحضر، وعاد أكثرهم إلى دينه، وضربت على من عاد الجزية، وقيل إنهم غرموا
جملة كثيرة حتى تم مقصودهم من ذلك.
وفي يوم الاثنين خامس ذى القعدة قبض السلطان الملك المنصور على سيف الدين ايتمش السعدي بقلعة الجبل وحبسه.
وفي يوم السبت عاشره قبض نائب السلطنة بدمشق على سيف الدين بلبان الهاروني بمرسوم ورد عليه بذلك، وكان في الصيد مع نائب السلطنة بمرج دمشق فقيده، وحمله إلى قلعة دمشق.
وفي بكرة يوم الخميس ثامن وعشرين منه خرج أهل دمشق إلى المصلى، ونائب السلطنة، والأمراء، والجند، رجاله جميعهم، وصلوا صلاة الاستسقاء، وحضروا الخطبة، وابتهلوا إلى الله تعالى بالدعاء، وطلب الغيث، وذلك بعد أن صام كثير من الناس ثلاثة أيام عملاً بالسنة، وكان هذا اليوم الثاني عشر من آذار، وسبب ذلك انقطاع الغيث، وعوزان المياه واستمرار الضحو.
وفي شهر ذى القعدة أخرج السلطان الملك المنصور لبدر الدين سلامش مملوك الظاهر، وجميع العترة الظاهرية من النساء، والأتباع لهم من الخدام وغيرهم من الديار المصرية، وجهزهم إلى عند الملك المسعود نجم الدين الخضر بالكرك.
وفي يوم السبت ثاني ذى القعدة وقع الغيث بدمشق ولله الحمد.
وفي عشية عرفة أفرج عن برهان الدين السنجاري من الانتقال، ولزم بيته بعد مكابدة مشاق كثيرة.
وفي هذه السنة تربت جزيرة كبيرة ببحر النيل تجاه قرية بولاق واللوق، وانقطع بسببها مجرى البحر ما بين قلعة المقس، وساحل باب البحر، والرملة، وبين جزيرة النيل الوقف على الشافعي رحمه الله تعالى وهو المار تحت منية الشيرج، وانسد ونشف بالكلية، واتصل ما بين المقس وجزيرة النيل، ولم يعهد هذا فيما تقدم، وحصل لأهل القاهرة مشقة يسيرة من نقل الماء الحلو لبعد البحر عنهم.
وفيها توفى إبراهيم بن سعيد الشيخ الصالح المولد الشاغوري المعروف بجيفانة، وكانت وفاته يوم الأحد سابع جمادى الأولى بدمشق، ودفن من يومه بمقبرة المولهين بسفح قاسيون، وله من العمر نحو سبعين سنة، وكانت له جنازة حفلة، ولجماعة من أهل البلد فيه عقيدة حسنة، ويذكرون عنه كرامات، ومكاشفات، مع تولهه، وعدم صلاته وصيامه رحمه الله تعالى.
إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى شرف الدين بن القاضي محي الدين بن الزكى القرشي الأموي العثماني. كان شاباً فاضلاً عالماً من بيت العلم والدين والرياسة، توفى يوم الجمعة رابع عشر شعبان المبارك رحمه الله تعالى.
ابغا بن هولاكو. كان ملكاً عظيماً، جليل المقدار، عالي الهمة، شجاعاً، مقداماً، خبيراً بالحروب، لم يكن بعد والده مثله، وهو على مذهب التتار، واعتقادهم، ومملكته متسعة جداً، وعساكره جمة، وأمواله غزيرة، وكلمته
في جنده مع كثرتهم مسموعة. وله رأي وحزم وتدبير. ولما توجه أخوه منكوتمر إلى الشام بالعساكر، لم يكن ذلك عن رأيه بل أشير عليه به، فوافق ونزل في ذلك الوقت بالقرب من الرحبة في جماعة من خواصه المغل ينتظر ما يكون، فلما تحقق الكسرة رجع على عقبه إلى همذان، فمات غماً وكمداً بين العيدين، ووصل الخبر إلى دمشق بموته في أوائل سنة احدى وثمانين، وله من العمر نحو من خمسين سنة، وكان سبب موته أنه دخل الحمام، وخرج منه فسمع أصوات جملة من الغربان، وهي تنعق. فقال: هذه الغربان تقول مات ابغا، وركب من الحمام، فإذا كلاب صيد قد صادفها في طريقه، فعوت كلها في وجهه فتشاءم بذلك، وبلغه أنه خزانته وخزانة أبيه وكانتا في برج على البحر، وأنه قد خسف بالبرج، وغار في الأرض بجميع ما فيه، فلم يسلم سوى قطعة منه، فمات في نصف ذى الحجة سنة ثمانين وستمائة في قرية من قرى همذان إسمها بابل، وقيل: في بلدة إسمها كرمانشهان من بلاد همذان، ودفن في قلعة تلا عند أبيه، ومات بعده بيومين أخوه اجاى.
أحمد بن عبد الصمد بن عبد الله بن أحمد أبو العباس محيي الدين المصري الأصل الشافعي المعروف بقاضي عجلون ويعرف والده برشيد الدين قاضي قليوب. وكان فقيهاً فاضلاً. رئيساً، كثير الكرم، واسع الصدر، حسن الخلق، أقام حاكماً بعجلون وما أضيف إليها مدة طويلة، يكرم المجتازين به، ويضيفهم ويزودهم، ويتنوع في المكارم، وله شهرة بالكرم، وعلو الهمة، وكان له عند الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد
رحمه الله مكانة كبيرة، ولما ملك الشام أقطعه عدة قرى، وكذلك كانت حرمته عند أكابر أمراء الدولة، وأعيانها من أرباب السيوف والأقلام، وخدم الملك الظاهر ركن الدين بيبرس في الدولة الناصرية كثيراً عند تردده في تلك الأرض، فلما ملك ترجى محي الدين أن يجازيه على خدمته، ومعرفته له، فلم ينل في أيامه ما أمله، وقد قيل لا تتمنوا الدول فتحرموها، ولما ملك الملك الظاهر جعل محيي الدين المذكور وكيل بيت المال بالشام في أول الدولة، وأعطاه تدريس الشامية البرانية على قاعدة الشيخ تقي الدين محمد ابن رزين وكيل بيت المال في الأيام الناصرية، ثم صرف عن ذلك سريعاً، وطلبه إلى الديار المصرية، ومنعه من العود إلى الشام، وحصل له في إقامته هناك ضرر عظيم، وربما عوق في بعض تلك المدة، ثم جلس مع الشهود بين القصرين، وميز عليهم بأن فوض إليه عقد الأنكحة ثم ولى في آخر عمره قضاء دمياط، وكانت وفاته بها في شهر ذى القعدة، ودفن بها، وقد نيف على الستين رحمه الله.
أحمد بن علي بن المظفر أبو العباس نجم الدين المعروف بابن الحلى التاجر. كان ذا نعمة ضخمة وثروة ظاهرة ومتاجرة متسعة ومعاملات كثيرة وأموال جمة، وله التقدم في الدول، والوجاهة عند الملوك، ويكثر من خدمتهم، ومعاملتهم، وكانت وفاته في أواخر شهر رمضان بالقاهرة سنة ثلاث وست مائة، وخلف تركة عظيمة، حمل منها جملة كثيرة إلى بيت المال، وكان شيخاً لطيف الشمائل، حسن العشرة، كثير المواددة، وعنده تشيع،
وإليه أو إلى والده ينسب الأمير عز الدين ايدمر الحلى رحمه الله تعالى. وكان الصاحب بهاء الدين رحمه الله يتمغص منه لعدم تمكنه من الوصول إليه مع وجود الأمير عز الدين الحلى، فلما توفى الأمير عز الدين تمكن منه، فحدث الملك الظاهر في معناه، وعرفه كثرة أمواله ومتاجره وأنه لم يكن يقوم بما جرت العادة من الحقوق الديوانية والمكوس بطريق الأمير عز الدين، فأطلق يده فيه فغرمه مائة ألف دينار، فلما مرض الصاحب بهاء الدين بمرض الموت طلبه، فلما حضر قال: سيدي، وأخي، وصاحبي، واعتنقه وقبل ما بين عينيه، وقال له: يا سيدي نجم الدين، قد ترى ما أنا فيه، واشتهى أن تحاللني، فربما توهمت أن ما أخذ منك الملك الظاهر كان بإشارتي فتحاللني لطيب قلبي، فقال: أعيذك بالله يا مولانا من هذا القول، أنا رجل على تبعات كثيرة، ولي غريم ملى مولانا فإذا طولبت بما علي أحلت عليك، فلو أبريتك كنت تقول لهم أبراني، وما بقي له عندي حق فيعودون إلى مطالبتي والله! هذا لا فعلته أبداً، وخرج من عنده فعظم ذلك على الصاحب. وحصل له كمد كبير، وفكر عظيم إلى حيث فارق الدنيا والله يعفو عنا وعنهم وعن جميع المسلمين بكرمه ورحمته.
أحمد بن النعمان بن أحمد أبو العباس فخر الدين المعروف بابن المنذر الحلبي ناظر الجيوش بالشام. كان رئيساً عنده مكارم، وحسن عشرة، وهو من أعيان الحلبيين، ولى المناصب الجليلة، وله الوجاهة التامة مشكور السيرة بين الناس، لا يصدر منه في حق أحد إلا الخير، وكان عنده تشيع، ولم يسمع
منه ما يؤخذ عليه، وكان ظاهر حمص وقت المصاف. واتفق وقوفه في الميسرة، فلما كسرت على ما تقدم شرحه، كان في جملة المنهزمين، ووصل إلى بعلبك وقد خامره الرعب، والتاث مزاجه من السوق، وشدة الحركة مع الخوف، فتوفى بدمشق ليلة الثلاثاء سادس عشر شهر رمضان المعظم، ودفن يوم الثلاثاء بسفح قاسيون، وقد ناهز ستين سنة من العمر رحمه الله.
أحمد بن يحيى بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن الحسين بن محمد أبو العباس علاء الدين القرشي الأموي العثماني. كان رئيساً عالماً فاضلاً في علوم شتى، يعرف الفقه معرفة حسنة، واشتغل بالأصول، وعلم الأدب، وكتب الانشاء في الدولة الظاهرية بدمشق، وفي الدولة الناصرية، ودرس بالمدرسة العزيزية والتقوية بدمشق، ومولده بدمشق سنة اثنتين وثلاثين وست مائة، وكانت وفاته بها في ليلة الجمعة الثامن وعشرين شعبان، ودفن يوم الجمعة بسفح قاسيون بالتربة المعروفة بهم رحمه الله.
أحمد بن يوسف أبو العباس موفق الدين المعروف بالكواشي. الشيخ العالم صاحب التفسير الكبير والتفسير الصغير، وقد أجاد فيهما، وأحسن ما شاء وغير ذلك. كانت له اليد الطولى في التفسير والقرآآت، ومشاركة في غير ذلك من العلوم، وعمر مقدار تسعين سنة، وكان مقيماً بالجامع العتيق بالموصل منقطعاً عن الناس، مجتهداً في العبادة، قائماً بوظائفها، لا يقبل لأحد شيئاً، ويزوره الملك فمن دونه، فلا يقوم لهم. ولا يعبأ بهم، وله مجاهدات، وكشوف، وكرامات، ولأهل تلك البلاد فيه عقيدة عظيمة،
وعمى قبل وفاته بأكثر من عشر سنين، وهو يتلقى ذلك بالرضى والتسليم، وكانت وفاته في سابع شهر رجب بالموصل، ودفن بها رحمه الله ورضي عنه.
كواشة قلعة من عمل الموصل.
الحاج ازدمر بن عبد الله الجمدار الأمير عز الدين. وهو من أعيان الأمراء وأماثلهم، وعنده فضيلة ومعرفة وحسن تدبير، وفيه مكارم كثيرة، ومراعاة لمعارفه، وتفقد لأحوالهم، وبر لهم، ولم يزل محترماً في الدول، ولما تملك الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله زاد اقطاعه، فلما قدم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى دمشق لازمه واختص به، وكان لا يصدر إلا عن رأيه، فلما تسلطن بدمشق، جعله نائب السلطنة عنه، ولما ضرب المصاف مع المصريين وحصلت الكسرة، قصد الأمير عز الدين الجبل، وأقام به مدة، ثم اتصل بسنقر الأشقر، وأقام بقلعة شيزر وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم من هذا الكتاب، وبقى عند سنقر الأشقر وفي حضر مصاف التتار، وقاتل قتالاً شديداً، وأبلى بلاء حسناً، وقتل مقبلاً غير مدبر شهيداً يوم المصاف، وهو رابع عشر رجب من هذه السنة بظاهر حمص، ودفن في جوار مشهد خالد بن الوليد رضي الله عنه، وعمره نحو ستين سنة، وكانت نفسه تحدثه عن أمور قصر عنها أجله، وكان يزعم أنه شريف النسب والله أعلم رحمه الله.
ليبك بن عبد الله الأمير عز الدين الشجاعي الصالحي العمادي، والي الولاة بالجهات القبلية. كان ديناً خيراً أميناً صارماً عفيفاً، حسن السيرة
لين الجانب، شديداً على أهل الريب، وجيهاً عند الملوك. ولى في حال شبابه استاد دارية الملك الصالح عماد الدين اسماعيل رحمه الله وتنقلت به الأحوال، وكان الملك الظاهر ركن الدين رحمه الله يتعمد عليه ويتحقق أمانته وهو مسموع الكلمة عنده، وعزل وقطع خبره بسؤاله اختياراً منه في أول هذه السنة، فلزم بيته إلى أن أدركته منيته بدمشق في يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن من الغد بسفح قاسيون، وقد بلغ من العمر خمساً وثمانين سنة رحمه الله.
بكتون بن عبد الله الخزنداري الأمير بدر الدين. كان نائب الأمير بدر الدين الخزندار الظاهري رحمه الله بالشام، وتقدم الطلب الذي له بدمشق، واستولى على اقطاعاته، وأملاكه، وسائر تعلقاته بالشام، وأمره على قلعة الصبيبة، وبانياس، وتلك الأعمال، وكان مشكور السيرة، حسن المعاملة، لين الكلمة، كثير البر والصدقة، كريم الأخلاق، حسن الشكل، وقاتل يوم المصاف الذي ضربه المسلمون مع التتر، وأبلى بلاءً حسناً. وقاتل، وفقد، ولم يقع له أحد والظاهر: أنه استشهد والله أعلم وهو في عشر الخمسين رحمه الله.
بلبان بن عبد الله الرومي الأمير سيف الدين الدوادار. كان من أعيان الأمراء وأجلائهم، عمده معرفة، وحزم، ورياسة، ومكارم أخلاق، وإحسان لمن خدمه ويتصل به، وكان الملك الظاهر ركن الدين رحمه الله يعتمد عليه، ويثق به، ويسكن إليه، وهو المطلع على أسراره، وتدبير
أمور القصاد، والجواسيس، والمكاتبات، وغير ذلك، لا يتركه في ذلك وزير ولا نائب سلطنة بل كان هو والأمير حسام الدين لاجين الايدمرى المعروف بالدرفيل، فلما توفى حسام الدين في التاريخ المقدم ذكره انفرد الأمير سيف الدين بذلك، وأضيف إليه عز الدين ايدمر الدوادار الظاهري تبعاً له، ولم يزل على ذلك إلى أن انقضت الدولة الظاهرية. ولم يؤمر فيه بطبلخاناة، فلما أفضى الملك إلى الملك السعيد رحمه الله أمره وأعطاه خمسين أو ستين فارساً بالشام، وهو ملازم خدمته، فلما انقضت الأيام السعيدية، بقى على خبزه وحرمته إلى أن حصل المصاف بين المسلمين والتتار في هذه السنة ظاهر حمص، حضر المذكور، وقاتل فيه قتالاً كبيراً، واستشهد إلى رحمة الله تعالى يوم الخميس رابع عشر شهر رجب، ودفن ظاهر حمص جوار مشهد خالد بن الوليد رضي الله عنه، وقد نيف على خمسين سنة من العمر رحمه الله تعالى.
بهادر بن بيجار بن بختيار الأمير بهاء الدين. كان من أعيان الأمراء وأكابرهم مشهوراً بالشجاعة والنجدة، وله مواقف معروفة، وهو الذي كان سبب حضور والده الأمير حسام الدين بيجار ومن معه إلى بلاد المسلمين وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم. توفى بهادر المذكور بغزة. وهو متوجه صحبة العساكر إلى الديار المصرية في يوم الجمعة رابع عشر شعبان، ودفن من يومه بها، وهو في عشر السبعين تقريباً رحمه الله تعالى. ووالده الأمير حسام الدين بيجار في قيد الحياة يومئذ، وهو مقيم بالقاهرة، وقد كف بصره.
بويل بن الأمير بهاء الدين الشهرزورى. من أمراء دمشق، كان من الأبطال الشجعان والفرسان المعدودين، استشهد يوم المصاف ظاهر حمص، وهو يوم الخميس رابع عشر شهر رجب من هذه السنة بعد أن قاتل قتالاً شديداً، وأنكى في العدو نكايات كثيرة، وقتل منهم عدة وافرة بيده رحمه الله تعالى وقد نيف على ستين سنة من العمر.
خضر بن محاسن موفق الدين الرحبي. كان من رجال الدهر شجاعة وإقداماً وحزماً وتدبيراً، ومكراً وحيلاً، ومداراة وسياسة، وتيقظاً وفطنة وذكاء، وكان في بدايته جماساً بالرحبة لشخص من أهلها فاتفقت وفاة ذلك الشخص، فتزوج زوجته، وكفل ولده منها، فحاز موجوده، فصلح حاله يسيراً، فتوصل إلى أن صار قزل غلام بالرحبة في حياة الملك الأشرف صاحبها، فلما توفى وانتقلت إلى الملك الظاهر ركن الدين، خدم نوابه فقربوه ووجدوا عنده كفاية تامة، وخبرة بالبلاد وأهلها، فزادوا معلومه، وتوفى عندهم، ويعرف بالأمير شرف الدين عيسى بن مهنا، واعتضد به، فلما ولى النيابة بتلك الناحية الأمير عز الدين ايبك الاسكندري رحمه الله تعالى زاد في معلومه، وأكرمه ورأى أنه مفتقر إلى مثله لما هو بصدده، فلما أخذ الأمير عز الدين قرقيسيا من نواب التتر، وأخربها، وكانت كثيرة الأذية والضرر لبلاد المسلمين، فسير التتر إلى الملك الظاهر رحمه الله لأخذها وعزمه أن الموفق سعى في ذلك، وطلب خبزاً فأعطى له خبزاً جيداً..... وعظم شأنه،
وانبسطت يده، وكثر أتباعه، وزاد تمكنه، فلما توفى الأمير عز الدين رحمه الله وتولى عز الدين ايبك الموصلى من البحيرة الصالحية، وكان أصله قبجاقا تضاعف تمكنه، فلم تطل مدة المتولى، وتوفى فرتب الموفق مكانه مستقلاً، وأعطى خبزه فدبر الأمور، وجهز القصاد إلى بلاد العدو، وتضاعف اجتهاده، وظهرت ثمرت ثمرة ولايته، فلما تملك الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله، أقره على ذلك، وطيب قلبه، فلما كان المصاف بين سنقر الأشقر والأمير علم الدين الحلبي، وانكسر سنقر الأشقر لحق بالرحبة، ومعه جماعة كبيرة من أعيان الأمراء والأمير شرف الدين عيسى بن مهنا، فطلب منه تسليم القلعة، فجعل يخادعه، ويماطله، ويرسل في كل وقت الاقامات، وما يطلبه مما هو عنده، وهو في غضون ذلك يطالع الملك المنصور بأحواله، وأموره، ويرد عليه الأجوبة بما يعتمد، وأنه يسعى في افساد من عنده من الأمراء، واتصالهم ملاطفات ترد عليهم من الملك المنصور وأمانات، وهو يسعى في ذلك بتأني إلى أن حصل المقصود، وفارق سنقر الأشقر معظم من عنده من الأمراء، ووردت كتب الملك المنصور إلى الموفق يشكر سعيه، ويعده مواعيد جميلة، وأمره بطبلخاناة وغير ذلك، فلما حضر الملك المنصور إلى دمشق في هذه السنة سير الموفق يطلب الاذن في الحضور، فأذن له فحضر بتقدمه سنية وآماله تحدثه بنبيل نهاية مناه، فلما وصل أقبل عليه الملك المنصور، واتفق حضور تجار أخذوا في ذلك البر ووجدوا بعض قماشهم عنده، فشكوه، وعضدهم الأمير علم الدين الحلبي، فرسم
عليه، وكان غاية الانعام عليه خلاصه من تبعتهم، فحصل له غم شديد، وتمرض بدمشق، ومات بها كمداً، ودفن بمقابر باب الصغير، وقد قارب سبعين سنة من العمر لم يستكملها، وكانت وفاته في أحد الربيعين من هذه السنة رحمه الله تعالى.
سلامة بن سليمان بن سلامة بهاء الدين الرقى الشيخ العالم. كان فاضلاً في علم العربية والتصريف، اشتغل عليه جماعة كثيرة، وانتفعوا به، وكانت وفاته في العشر الأوسط من صفر بالمقس ظاهر القاهرة، ودفن هناك، وقد ناهز ثمانين سنة من العمر رحمه الله تعالى.
سنقر بن عبد الله الأمير شمس الدين الألفي. كان من أعيان الأمراء الظاهرية، وممن له عنده مكانة مكينة، ومحل لطيف، وهو ممن ارتجع عن الملك المظفر سيف الدين قطز رحمه الله، وكان في بداية أمره أول دخوله البلاد قد اشتراه الشمس العذار، ثم باعه فتنقل عنه إلى أن اتصل بالملك المظفر قطز رحمه الله وهو صغير السن، وكان الملك الظاهر يوليه الولايات الكبار، لكنه لم يكن يؤثر مفارقته، ولما افضت السلطنة إلى الملك السعيد رحمه الله، ومات الأمير بدر الدين الخزندار رحمه الله، وأمسك الأمير شمس الدين الفارقاني رحمه الله على ما تقدم شرحه، رتب المذكور في نيابة السلطنة بالديار المصرية وسائر الممالك، وبقى على ذلك مدة، وكان حسن السيرة في مباشرته لذلك محبوباً إلى الجند والرعية، ثم استعفى فأعفى، ورتب عوضه الأمير سيف الدين كوندك، فكان ذهاب الدولة على يده، وكان شمس الدين هذا ديناً، عنده فضيلة
ومعرفة بالأدب والكتابة، وتوفى معتقلاً بالاسكندرية، وقيل: بقلعة الجبل في هذه السنة، وله من العمر نحو من أربعين سنة رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن بن عبد الملك بن يوسف بن محمد بن قدامة أبو محمد سبط الشيخ أبي عمر الزاهد. كان شيخاً جليلاً صالحاً زاهداً عابداً ورعاً، نير الوجه، ملحوظاً بالصلاح، مشهوراً بالعبادة والديانة، حضر على ابن خليل الرصافي، وسمع من ابن طبرزد، والكندى، وابن الحرستاني، والخضر ابن كامل، وداود بن ملاعب، وجماعة كثيرة، وأجاز له جماعة من العجم والعراق، منهم أبو جعفر الصيدلاني، وحدث بالكثير. مولده سنة تسع وتسعين وخمس مائة، وتوفى يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى سنة ثمانين وست مائة، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله.
عبد العزيز بن الحسين بن الحسن أبو محمد مجد الدين الرازي عرف بابن الخليلي من ولد تميم الدارى الصحابي رضي الله عنه. كان رجلاً مباركاً كثير الدين والتعبد، وقصد المزارات، حسن الظن بالفقراء والصالحين، فيبرهم ويحسن إليهم ويخدمهم بنفسه، وله وجاهة في الدول وثروة، وعنده مكارم وحسن محاضرة بالكتابات والحكايات والنوادر، وعلى ذهنه من التواريخ وأيام الناس قطعة صالحة، ومولده سنة تسع وتسعين وخمس مائة بمصر، وتوفى ليلة الخميس ثالث عشر ربيع الآخر بدمشق، ودفن يوم الخميس بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عثمان بن القاسم بن جعفر
أبو محمد اليونيني السيخ الصالح شيخ الاسلام وأسد الشام. أما مناقب أبيه وجده رحمهما الله فأشهر من أن تذكر، وأما هو فكان رجلاً كثير التعبد، سليم الصدر، لين الكلمة، متواضعاً خير حسن الملتقى، كريم الأخلاق، واسع الصدر، عنده احتمال كثير وصبر ومروءة غزيرة وشجاعة وإقدام، وحضر مصاف حمص بين المسلمين والتتر، وقاتل قتالاً شديداً، واستشهد فيه رحمه الله تعالى، ودفن بقرب مشهد خالد بن الوليد رضي الله عنه. مولده ظاهر بعلبك سنة أربع وست مائة.
علي بن أحمد بن بدر أبو الحسن بن أبي القاسم ولي الدين الدين الشيخ الصالح الزاهد العابد الرباني العارف. أصله من بلد الجزيرة العمرية، اشتغل بالفقه في الموصل، ثم بحلب وبدمشق وبالديار المصرية، ثم أقبل على العبادة والتبتل لها، وبنى له معبد في جامع بيت لهيا من غوطة دمشق، وانقطع فيه سنين كثيرة وهو على قدم التوكل والتجرد من الدنيا، وللناس فيه عقيدة عظيمة، وتوفى إلى رحمة الله تعالى ورضوانه ليلة الخميس ثالث شوال بالمدرسة القيمرية الناصرية بدمشق، وقد نيف على خمسين سنة، ودفن يوم الخميس بعد الصلاة بجامع دمشق بسفح قاسيون بالقرب من مغارة الجوع، وهو كردي الأصل، قيل: أنه عباسي النسب لكنه لم يدع ذلك رحمه الله تعالى.
علي بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذى الأمير مجير الدين ولد الملك الظاهر بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى. كان شاباً جميل الصوورة والأوصاف، تام الخلقة بارع الحسن،
عنده عقل وسكون، ورياسة وكرم، وأخلاق ملوكية، ووالدته يومئذ زوجة الأمير بدر الدين بيسرى الشمسي، وكانت وفاته بالقاهرة فيشهر شوال، وله جنازة مشهودة لم يتخلف عنها من يعتبر حضوره، وحزن الناس كافة لفقده، وعمره يوم مات يقارب ستاً وعشرين سنة رحمه الله تعالى.
علي بن محمود بن الحسن بن نبهان بن سيد بشير أبو الحسن علاء الدين اليشكري ثم الربعي. مولده في مستهل ذى القعدة سنة خمس وتسعين وخمس مائة، وتوفى يوم السبت سابع وعشرين شهر رمضان المعظم من هذه السنة بدمشق. وصلى عليه بجامعهما، ودفن بسفح قاسيون، وكانت له اليد الطولى في علم الفلك وتفرد بحل الأزياج، وعمل التقاويم، وغلب ذلك عليه مع فضيلته التامة في علم الأدب وجودة النظم وحسن الخط رحمه الله تعالى.
قال المولى شهاب الدين محمود أنشدني علاء الدين المذكور لنفسه في مفتصد:
لا تضع بالفصاد من دمك الطيب واستبقه فما ذاك رشد
فهو إن حال ريقه كان خمرا
…
وإذا جال في الخدود فورد
قال وأنشدني لنفسه:
إني أغار من النسيم إذا سرى
…
بأريج عرفك خيفة من ناشق
وأود لو سهدت جفوني في الكرى
…
حذراً عليك من الخيال الطارق
وله أيضاً يمدح الأمير مظفر الدين عثمان صاحب صهيون:
ما لليلي ما له سحرا
…
أتراهم فقدهم مقلتي سحروا
غدروا ولا ذقت فقدهم
…
فدموعي بعدهم عذروا
همو أحبابي فديتهم
…
وصلوا المشتاق أو هجروا
لا أبالي مذ كلفت بهم
…
عذل العذال أم غدروا
وحفاظي والوفاء فما
…
غيرته فيهم الغير
طاعتي فرض لحكمهم
…
إن نهوا في الحب أو أمروا
حكموا في مهجتي فجنوا
…
غير أني بت اعتذروا
هكذا حكم الهوى فما
…
لك في العشاق معتبر
من عذيري من هوى قمر
…
بات يحكي حسنه القمر
ماس في برد الشباب كما
…
ماس خوط البانة النضر
ريقه ماء الحياة لمن
…
ذاقه والشارب الخضر
حربي إذ راح مبتسماً
…
من عقيق حشوه درر
وكحيل بات يفتك بي
…
حين يرنو وهو منكسر
ظالمي هجرانه فمتى
…
بوصال منه انتصر
أترى يحنو على دنف
…
موارده السقم والسهر
فإذا ما الشوق أقلقني
…
واعتراني الوجد والفكر
ليس لي غير الصبا رسل
…
وهو لي من نحوه خبر
فإذا أجذبت منتجعاً
…
فندى عثمان والمطر
فهو إن ضن الغمام على
…
كل عاف بات ينهمر
من يد تولى ندى وردى
…
فلذ بها الأرى والصبر
لأمير لا يساجله
…
في الفخار البدو والحضر
إن روى عن غيره خبر
…
صح منه العين والأثر
فالندى والعدل ما رويا
…
عنه لا عمرو ولا عمر
ليث غاب والفتى اجم
…
بدر تم جوده بدر
كسيا من نور وجنته
…
النيران الشمس والقمر
حار فكري فيه هل ملك
…
ما أرى في الدست أم بشر
صدق المداح فاتفق
…
السائران الخبر والخبر
فتحلت من فضائله
…
بالصفات الكتب والسير
جللا أعداء نعمته
…
المزعجان الخوف والحذر
أنفذا طوعاً أوامره
…
الماضيان السيف والقدر
وإذا ما هم أنجده
…
السعدان النصر والظفر
فهم شمس الجود لا أفلت
…
وبنوه الأنجم الزهر
كل فياض اليدين له
…
في العلى التحجيل والغرر
تحسد الأرض السماء بهم
…
فتكاد السمت تنتثر
فلديهم منك شنشنة
…
ظهرت بالجود إذ ظهروا
دوحة للمجد مورقة
…
طاب منها الفرع والثمر
ليس إلا بابكم وطن
…
للندى وجودكم وطر
أعين الحساد دونكم
…
بضياء السعد تنحسر
دمتم للدين فهو له
…
بكم دون الورى وزر
ما شدت ورقاء في فنن
…
أو سرى برق له شرر
وقال يمدح أيضاً:
يا برق عج بالحمى واستخبر السبانا
…
هل خيم الحي بالجرعاء أم بانا
ويا نسيم الصبا عرج بحيهم
…
واجرر على الربع أذيالاً وأردانا
ثم ائتني بشذى من طينهم عبق
…
يكون رياه لي روحاً وريحانا
فبي تباريح وجد لو نقص على الواشي لرق لما ألقاه أولانا
قلب تقسمه أيدي الجوى فرقاً
…
ومدمع الأسى ينهل ألوانا
وذات شجو عدت بالبان باكية
…
مثلي واردفنا للدمع أجفانا
وذات شجو دعوى الحب ما لبست
…
طوقاً ولا رجعت في الدوح ألحانا
أشكو إلى الله من بانوا بودهم
…
عنى وإن أصبحوا بالسفح جيرانا
كأنما كان طيفاً حسن عهدهم
…
أو هاتفاً قولهم لا كان من خانا
يا نافرين ولا والله ما ألفت
…
روحي سواهم ولا أنست إنسانا
خذوا بقية ما أفناه حبكم
…
أو فارددوه علينا مثل ما كانا
لا تحسبوا أن ما ظهرت من جلدي
…
صبراً وأن الذي أظهرت سلوانا
سلوا عن الدمع إذ يهمى ووجدي
…
إذ ينمى وحبكم بالسقم عنوانا
لا خير في العيش ما لم تسمحون به
…
أو ترفقون بنا منا وإحسانا
كم أكتم الناس أشجاني ويظهرها
…
دمع يغادر سر الحب إعلانا
وربما رمت أن أطفي بساجمة
…
جمر الصبابة زاد القلب نيرانا
ردوا علينا ليالينا بكاظمة
…
يا حبذا هي أوطاراً وأوطانا
إذ نجتني ثمرات العيش يانعة
…
ندنو ونعطف غصن الوصل ريانا
فغيرتنا الليالي في تلونها
…
بنا وما زال هذا الدهر خوانا
أخشى الزمان وأرجو في تقلبه
…
مظفر الدين رب الجود عثمانا
من بأسه يطرد اللاواء إن نزلت
…
بنا ويصرف صرف الدهر إن آنا
فذاك معتصم اللاجي ومفترح
…
الراجي وحسبي بما يوليه برهانا
يمنه نحو الأماني في ذرى ملك
…
ومالك تلق من نعمان رضوانا
محجب لم يحجب عنك نائله
…
يوليك منا ولا يوليك منانا
أجرى الندى بعد أن ملت مطامعنا
…
من الكرام فأحياها وأحيانا
المبتدى بالعطايا قبل مسألة
…
ما أن يشوب بها مطلاً وليانا
غيث إذا أخلف العيث الشحوح همت
…
يمناه جوداً على العارفين هنانا
ما إن يخف له حلم يزينه
…
ولو وزنت به رضوى وثهلانا
مهابة تذر الأكباد راجفة
…
رعباً وتذهل ألباناً وأذهانا
خلائق كالصبا هبت معطرة
…
فأرجت بشذاها الرند والبانا
ورأفة تمنح الجاني وإن عظمت
…
منه جنايته عفواً وغفرانا
قد رام من رتب العلياء منزلة
…
غدت تريك حضيضاً أوج كيوانا
هيهات يدرك من رام اللحاق به
…
شأواً وقد جعل العلياء ميدانا
راموا مداه وما نالوا لأنهم
…
ناموا عن المجد لما بات يقظانا
مطعام جدب ومطعان بيوم وغى
…
حبذا هو مطعاماً ومطعانا
كالسيل مدفقاً والسيف منصلتاً
…
والغيث منسجماً والليث غضبانا
ورب يوم وغى كالليل عنترة
…
تريك أنجمه في النقع خرصانا
أضحت كؤوس المنايا فينه دائرة
…
فكم بها من كمى راح نشوانا
ترى النفوس رخاصاً في تلاحمها
…
وربما قد علت في السلم إثمانا
وافى به أسد للحرب متخذ
…
من الذوابل لا للخوف خفانا
أبدى البديع ولا بدع كسلوته
…
فيهم ففارقت الأرواح أبدانا
راح ينثرهم بالضرب آونة
…
بأساً وينظمهم بالطعن أحيانا
في فتية قد غذوا محصن الندى وسقوا
…
من المكارم والعلياء البانا
وهذبته على فضل خلائقه
…
حتى اغتدوا في اكتساب المجد أعوانا
قوم إذا سمعوا صوت الصريخ بهم
…
طاروا إليه زرافات ووحدانا
مظفر الدين كم ظفرت ذا أمل
…
فرداً فعاد عزيزاً بعد ما هانا
تكفي العفاة لدى ناديك إذ نزلوا
…
سعداً ونزعوا قلاص الركب سعدانا
أرى مديح سوى عليك مختلفاً
…
ميناً ومدحك لي أمناً وإيمانا
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
أحن شوقاً والنياق رزم
…
لها من الوجد لسان أعجم
حنينها ترجم عن غرامها
…
وعبرتي عن لوعتي تترجم
دعها تبيد البيدا عناقاً فقد
…
لاح لها من الغوير علم
وقد عداها طربي فأصبحت
…
بنجد إن عن البريق المتهم
ريح الصبا إذا تحياني إلى
…
حمى على ما التقيت خيموا
من كل بيضاء إذا ما نظرت
…
كانت لها البيض الرقاق خدم
واسمر إذا بدا قوامه
…
يحار منه الأسمر المقوم
كم من بها في تلك الخيام غارم
…
وكم بذياك الغزال مغرم
وبي هوى من لو بدا جماله
…
قال الأنام ملك لا صنم
يميل عطفيه الدلال مثل ما
…
يميل غصن البانة المقوم
لا تعجبوا إني سليم حبه
…
وقد بدا في الخد منه أرقم
يا عاذلي في حبه جهالة
…
في أذني عما تقول صمم
دعه على ضعفي به تعمدا
…
فإنه في مهجتي محكم
إن كان قتلي في الهوى مراده
…
فإنني لأمره مستسلم
أو كان دهر قد طغا فرعونه
…
فإن موسى الملك المعظم
وقال أيضاً:
ولما أتاني العاذلون عدمتهم
…
وما منهم إلا للحمى قارض
وقد بهتوا لما رأوني شاحباً
…
وقالوا به عين فقلت وعارض
عمر بن عبد الوهاب بن خلف بن أبي القاسم أبو حفص صدر الدين عرف والده قاضي القضاة تاج الدين بابن بنت الأعز العلامي المصري الشافعي.
تولى الحكم بالديار المصرية في سنة ثمان وسبعين وست مائة، وعزل
في أواخر شهر رمضان سنة تسع وسبعين، وبقى بطالاً إلى حين وفاته، وكان فاضلاً عارفاً بالمذهب، يسلك طريقة والده في الصلابة في الأحكام، وتحرى الحق وأتباعه، ودرس بالمدرسة الصالحية بين القصرين بالقاهرة للطائفة الشافعية، وأفتى وسمع الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، وأبا الحسين محمد بن علي المقرئ، وأبا الكرم لاحق الاتارحي، وغيرهم، وحدث. ومولده في سنة خمس وعشرين وست مائة بالقاهرة، وكانت وفاته بها يوم الخميس عاشر المحرم، ودفن بالقرافة الصغرى رحمه الله تعالى.
عمر بن مظفر جمال الدين الهكارى الحاجب. كان من أعيان مفاردة الحلقة بدمشق وأكابرهم كثير الديانة، والمروءة، والشجاعة، ومكارم الأخلاق، والترصد لقضاء حوائج الناس، والمثابرة على راحتهم، والبر بالفقراء والضعفاء، وحسن الظن بالصلحاء، مشكور السيرة، محمود الطريقة، سديد الأفعال والأقوال، ختم الله أفعاله بالشهادة، فقتل في المصاف بسيوف التتار في يوم الخميس رابع عشر شهر رجب ظاهر حمص، وقد نيف على الخمسين سنة رحمه الله تعالى.
القاسم بن محمد بن عثمان بن محمد التميمي الدارمى البصراوي الحنفي أبو محمد صفي الدين. كان من أعيان فقهاء الحنفية، ودرس بالمدرسة الأمينية ببصرى سنين متطاولة إلى حين وفاته، وكان فاضلاً، فيه مكارم ورياسة، ومولده ليلة السبت منتصف شعبان سنة ثمان وست مائة ببصرى، ودفن بها.
القاسم بن أبي بكر بن القاسم الاربلي التاجر المنعوت بأمين الدين المعروف بالمقرئ. مولده سنة أربع وتسعين وخمس مائة باربل، وكان من أعيان التجار، وتردد إلى الديار المصرية وبلاد العجم مراراً، وانتهى إلى خوارزم، وسمع صحيح مسلم على المؤيد بن محمد بن علي الطوسي بنيسابور، وتوفى بالمدرسة العادلية الكبيرة بدمشق يوم الثلاثاء ثاني جمادى الأولى، ودفن بمقابر الصوفية ظاهر دمشق، وكان قد رق حاله، وقل ما بيده رحمه الله تعالى.
محمد بن أحمد بن مكتوم أبو عبد الله شمس الدين البعلبكي المعروف بابن أبي الحسين رحمه الله تعالى. كان فاضلاً مشاركاً في علوم كثيرة، مستقلاً بعلم الأدب والنظم، وحفظ القرآن العزيز، وأتقنه واشتغل بالفقه على مذهب الامام الشافعي رحمة الله عليه، وكان أولاً حنبلي المذهب ثم صار شافعياً وحفظ التنبيه، وكان معيداً بمدرسة أمين الدولة على بن العقيب رحمه الله بجامع بعلبك، وحفظ المقامات الحريرية، وأتقنها دراية، وكان يحفظ من الأشعار شيئاً كثيراً، وعلى ذهنه قطعة صالحة من التاريخ وأيام الناس، وأما حسن محاضرته، ودماثة أخلاقه، وشرف نفسه، وكثرة قنعه، فقل من يضاهيه فيه، وكان رحمه الله كثير الملازمة لي، لا يكاد يفارقني ليلاً ولا نهاراً إلا في النادر، وإذا عرض لي سفر صحبني فيه، فلما كان المصاف ظاهر حمص بين الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله وبين التتار في شهر رجب هذه السنة، توجهت لحضوره، وهو صحبتي فاستشهد إلى رحمة الله تعالى في ذلك اليوم، وهو يوم الخميس
رابع عشر رجب، ولم يستكمل أربعين سنة من العمر. وله أشعار كثيرة فمن ذلك قصيدة كتبها في صدر كتاب وأنا بدمشق، أولها:
رام أن يترك الهوى فبدا له
…
فرأى حسن وجهه فبدا له
كلما لمته على الجهل يزداد ضلالاً فخله والجهالة
كيف يرجى الشفاء وما لصب
…
لم يخلى السقام إلا خياله
ناقص صبره كثير بكاءه
…
لو رآه عدوه لرثى له
دنف ظل مستهاماً ببدر
…
عمه الوجد حين عاين خاله
فاتر الطرف فاتن الوصف ألمى
…
يفضح البدر حسنه والغزاله
يخجل الأسمر المثقف إن رأى
…
حسن قده واعتداله
ويغير الغصن المهفهف ليناً
…
كلما راح ينثني في الغلاله
يتجنى تدللاً صانه الله
…
فما أحلاه وأحلى دلاله
قلت لما عاينته يا منى النفس إلى كم هذا الجفا والملاله
أي يوم أنال منك به الوصل فولى وقال لي لن تناله
أنا صب به وإن حال عني
…
وعبيد له على كل حاله
فاق كل الورى جمالاً وحسناً
…
ضاعف الله حسنه وجماله
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
فديتك لا تعجب لطرفك إن كبا
…
وخامره ضعف وليس له ذنب
ومن فوقه طود وبحر سماحة
…
ويعقل عن شامخ كيف لا يكبو
محمد بن أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسن بن يحيى بن محمد بن علي أبو بكر نجم الدين الثعلبي الشافعي ابن قاضي القضاة صدر الدين ابن قاضي القضاة شمس الدين بن أبي البركات المعروف بابن سنى الدولة. كان فقيهاً عارفاً بمذهب الشافعي رحمة الله عليه عالماً بأصوله وفروعه، متبحراً فيه، ناب عن والده بدمشق سنين كثيرة، وكان شديداً في أحكامه، يتحرى الحق ويقوم به، وشكرت سيرته في ذلك، ثم ولى في أول الدولة المظفرية، وهو بالديار المصرية، وقدم دمشق بعد سفر الملك المظفر قطز رحمه الله منها، وباشر الأحكام بها قريب سنة واحدة، ثم صرف، ورسم له بالتوجه إلى الديار المصرية، فتوجه إليها، وأقام بها سنين عديدة، وتولى بها تدريس الزاوية التي كان الشافعي رحمة الله عليه يذكر بها الدرس بجامع عمرو بن العاص رضي الله عنه بمصر، وحصل له نكد كثير، ومصادرات استوعبت معظم ما يملكه، ثم قدم الشام وباشر به تدريس المدرسة الأمينية بدمشق مدة، ثم ولى قضاء القضاة بحلب وأعمالها يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وست مائة، فتوجه إليها، وأقام بها مدة يسيرة، ثم عاد إلى دمشق، وقارن ذلك كسرة سنقر الأشقر. وصرف الأمير علم الدين الحلبي قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان رحمه الله فرسم له بمباشرة الحكم، فباشر مدة أيام دون شهر، ثم أعيد قاضي القضاة شمس الدين، ونفى القاضي نجم الدين مقتصراً على تدريس الأمينية بدمشق، وكان معه تدريس الركنية أيضاً إلى أن توفى
إلى رحمة الله بجبل الصالحية في يوم الثلاثاء ثامن المحرم. ودفن يوم الأربعاء بسفح قاسيون بعد الصلاة عليه بالجامع المظفري بالجبل في التربة المعروفة بجده جوار المدرسة الصاحبية، ومولده سنة ست عشرة وست مائة رحمه الله تعالى.
محمد بن الحسين أبو عبد الله تقي الدين الحموي الشافعي. كان فقيهاً إماماً عالماً عارفاً بمذهب الشافعي رحمة الله عليه، اشتغل على الشيخ تقي الدين عثمان ابن الصلاح، وتميز في حياته، وأفتى ودرس وتولى وكالة بيت المال بالشام في الأيام الناصرية، وتدريس الشامية البرانية ظاهر دمشق وغير ذلك، ثم سافر إلى الديار المصرية في حفل التتار سنة ثمان وخمسين وست مائة، واستوطنها، وتولى بها جهات جليلة دينية من تدريس، وكا جرى مجراه، ثم ولى الحكم بالقاهرة وأعمالها، ثم أضيف إليه مع ذلك في شهور سنة ست وسبعين مصر وأعمالها، فكمل له ولاية الاقليم، وولى تدريس الشافعي رحمة الله عليه مدة، وتدريس المدرسة الصالحية للطائفة الشافعية مدة أخرى، وتولى تدريس الظاهرية التي بين القصرين أيضاً، وتوفى بالقاهرة يوم الأحد ثالث شهر رجب من هذه السنة، ودفن بالقرافة الصغرى، ومولده سادس شعبان سنة ثلاث وست مائة رحمه الله تعالى. روى عن السخاوي، وكريمة، وابن الصلاح، والصريفيني وغيرهم، وحدث رحمه الله.
محمد بن علي بن علون المنعوت بالشمس المزى مفسر الرؤيا. حفظ الكتاب العزيز وأتقنه، واشتغل بشيء من الفقه، وسمع الحديث، وتفرد بعلم تعبير الرؤيا، وبهر فيه، وفاق أهل عصره في ذلك، صحبته في طريق الحجاز الشريف، ورأيت منه في ذلك ما يحكى عن ابن سيرين واضرابه، وكان ضرير البصر، وتوفى بدمشق ليلة الأحد سابع عشر ذى الحجة، ودفن يوم الأحد بمقابر باب الصغير، وقد ناهز خمسين سنة رحمه الله تعالى.
محمد بن علي بن محمود أبو عبد الله جمال الدين المحمودي الصابوني الدمشقي المحدث. سمع الكثير وأسمع، وأفاد، وانتفع الناس به، وكان فاضلاً في فنه، نبيهاً عارفاً بالشيوخ، وتولى دار الحديث النورية بدمشق، وبها مات في ليلة الخميس خامس عشر ذى القعدة، ودفن يوم الخميس بسفح قاسيون، ومولده منتصف رمضان المعظم سنة أربع وست مائة رحمه الله تعالى.
المسلم بن محمد بن المسلم بن مكي بن خلف بن المسلم بن أحمد بن محمد بن علان أبو محمد شمس الدين القيسي الدمشقي. أحد أعيان دمشق، وكبرائها وأرباب البيوت المشهورة بها، كان من كرماء الناس، رئيساً، أصيلاً، وجيهاً في الدول وما أضيف إلى ذلك مدة، ونظر الجهات القبلية مدة أخرى، ونظر بعلبك وأعمالها غير مرة، وانفصل في آخر ذلك عنها، وترك الخدمة، وأقام بدمشق، ورتب بدار الأشرفية سمعاً للحديث، ولازمه الطلبة
يسمعون عليه في منزله، وفي دار الحديث وغيرها؛ وكان له مسموعات كثيرة بسند عليه، وروى تاريخ بغداد عن الشيخ تاج الدين الكندي، وروى مسند الامام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وسمعه منه جماعة كثيرة. مولده بدمشق ليلة الأحد حادي عشر جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وخمس مائة، وتوفى بدمشق في يوم الاثنين خامس عشرين ذى الحجة من هذه السنة، وصلى عليه بعد العصر بجامع دمشق، ودفن من يومه بسفح قاسيون رحمه الله تعالى. حكى لي الشمس محمد بن خالد رحمه الله قال: كنت بدمشق في عيد النحر، ومعي جماعة من بعلبك فوق العشرة، فصلينا في صحن جامع دمشق، فلما قضينا الصلاة صادفنا شمس الدين المذكور، فدعانا إلى منزله، فلما حضرنا منزله، وجدنا من الأطعمة الفاخرة والحلوى ما لا مزيد عليه، فلما فرغنا من الأكل أمر بإحضار غنم على عددنا فأحضرت وقال: تضحوا على هذه، فامتنعنا فحلف أنه لابد من أخذها، فسقناها إلى المكان الذي كنا به وتصرفنا فيها. وحكى لي ناصر الدين بن قرقين رحمه الله ما معناه أنه اشترى تبن بعض القرى الكبار، وأظنها عذراء بمبلغ عشرين ألف درهم، وكان في مشتراه غبطة ظاهرة قال: ولم يكن معي من الثمن إلا مقدار يسير جداً، فصادفته في الطريق، فتسالمنا وسألني عن قصدي، فحكيت له الصورة، وأنني أسعى إلى من أستدين منه ذلك، فأخذني إلى داره، وأعطاني المبلغ بكماله، وتوقف بيعه، وهو يلقاني ولا يذكر الدراهم، فشرعت له مرة في الاعتذار من التأخير فقال: والله!
ما لي عزم أن آخذها بالكلية، واتفق بيع التبن، وكسبت فيه أكثر من مقدار ثمنه، وأحضرت له الدراهم فامتنع من أخذها فحلفت بمغالظات الأيمان أنه لا بد من أخذها فأخذها، وهو كاره رحمه الله. وسافرت مع أخي رحمه الله إلى الديار المصرية في سنة تسع وخمسين وست مائة، فاجتزنا بغزة في شهر رمضان المعظم، وهو ناظر تلك الأعمال، وكنت أنا مفطر لرخصة السفر، ونزلنا عنده أياماً فكان في كل نهار يتقدم إلى طباخه أن يطبخ في النهار طعاماً لأجلي، فكان يطبخ من الألوان الفاخرة ما يكفي جماعة كثيرة، وكنت أسأله اختصار ذلك فيأبى إلا كرماً وتفضلاً رحمه الله. ونسخ في آخر عمره من كتب الأحاديث الشريفة النبوية صلوات الله وسلامه على قائلها وغير ذلك شيئاً كثيراً، وكان يكتب في يومه الكراستين والثلاثة، وكان ينظم الشعر. وليس بذاك. فمن شعره ما نقلته من خط سبطه قاضي القضاة نجم الدين أحمد بن محمد بن سالم ابن صصرى الثعلبي أيده الله تعالى. قال: أنشدني جدي يشير إليه رحمه الله لنفسه:
يا شامتاً بمصاب من هو ضده
…
كأس الردى من بعده هو عنده
لا تشمتن فقد مضى لسبيله
…
وبقيت أنت تخافه وتعده
قال وأنشدني لنفسه، وقد سافر في شهر رمضان وكان زمن الخريف:
قالوا أتى شهر الصيام فصمه تنج من العقاب
فأجبتهم قد صمته
…
فوقعت في وسط العذاب
هذا وهو في زمن الخريف فكيف لو في شهر آب
قال وأنشدني لنفسه أيضاً:
خان دهري عند احتياجي إليه
…
وجفاني من كنت أحنو عليه
ناظري ثم عقلي وفؤادي
…
وكذا خلى الذي اعتمادي عليه
أذكر الشيء ثم أنسى لوقتي
…
ما تذكرته وما أرتجيه
قد تجاوزت تسعة ثم سبعين ولم أرعوى لما أنا فيه
فالاله الكريم يعفو عني
…
من ذنوب أسلفت بين يديه
لا تضره الذنوب مني ولا
…
ينقصه العفو إذا تبت إليه
قال وأنشدني أيضاً لنفسه:
يا مليح القد والوجه الحسن
…
بان لما بنت عن جفني الوسن
صل محباً مستهاماً مغرماً
…
حائراً يسأل سكان الدمن
هل أهيل الحي أنا ارتحلوا
…
ففؤادي بهواهم مرتهن
ليت دهراً جار في فرقتهم
…
عادلاً بالوصل يوماً في الزمن
يا أصحابي أعينوني على
…
صرف الأيام تقضت في المحن
مازجت روحي غادة فاغتدى
…
حبه يا صاح روحاً للبدن
ليس لي عنهم خروج أبداً
…
لا ولا أدرجت في طي الكفن
موسى بن داود بن شيركوه بن شاذى أبو الفتح الملك الأشرف
مظفر الدين بن الملك الزاهر محي الدين بن الملك المجاهد أسد الدين. كان شاباً حسناً بهياً، جميل الصورة، واسع الصدر، كريم الأخلاق، حسن العشرة، لين الجانب، شديد الحب للفقراء، كثير الاحسان إليهم بنفسه وماله، وكان عنده رياسة وحشمة، وأخلاق ملوكية، وأمه بنت الملك العظيم شرف الدين عيسى بن الملك العادل، واقتبس هذه الصفات الجميلة منها، ولما توفى حزن عليه والده حزناً مفرطاً، وكانت وفاته يوم السبت العشرين من ذى القعدة، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون رحمه الله وخلف ولداً ذكراً، وكان يعاشره المولى علاء الدين بن غانم حرسه الله تعالى فرثاه، يقول:
لو أستطيع قضيت حقك منصفاً
…
وقضيت لما أن قضيت تأسفاً
ولو أن في إتلاف روحي فدية
…
نفديك كنت لها بودي متلفا
بالرغم من أن أراك محجباً
…
في الترب والفى جنابك قد عفا
من للعفاة وقد تقلص عنهم
…
ظل النوال وطالما بك قد صفا
من للملوك ولم يزل بك مجدهم
…
في العالمين مؤثلاً ومشرفا
من للعدى يوم الجلاد ولم تزل
…
تروى المثقف منهم والمرهفا
كم من عدو من سطاك قد اغتدى
…
في ليله ونهاره متخوفا
يخشاك في اليقظات منه وفي الكرى
…
فإذا انتبه رعته وإذا غفا
ما عم رزؤ مثل رزءك قادح
…
أضحى به كل الأنام على شفا
لا الدمع غار والتصبر منصف
…
أسفاً عليك ولا التجلد لي وفا
يا دهر كف فقد كفى ما قد جرى
…
ما أدمعي ولقد جرى ما قد كفى
لم يبق في قوس الرزايا منزعا
…
من ذا تركت وقد أصبت الأشرفا
ملكاً كان على الأنام فضائلا
…
وفواضلا وتورعاً وتعففا
من سادة ورثوا المكارم كابرا
…
عن كابر لم يخف منها ما خفا
ما زال ربعهم مآل مؤمل
…
ومآل من وفاهم مستسعفا
كل تفرد بالمعالي منهم
…
كلفا يرى بالمجد لا متكلفا
فالحلم منهم يهتدي والفضل منهم يقتدي والهدى منهم يعتفى
أبني المجاهد لا رأيتم بعدها
…
خطبا تجوز ولا زماناً محجفا
لا تجزعوا وتثبتوا وتصبروا
…
فلكم تأس بالنبي المصطفى
رحم الإله فقيدهم واحله
…
الفردوس منه تحية وتعطفا
وكان يصحبه المولى شهاب الدين أحمد بن غانم أعزه الله تعالى فرثاه بقوله:
قد بنت بيناً لا لقاء بعده
…
يا نائنا لو أن دنا مزاره
يا وارداً بالرغم مني مورداً
…
عز على كل الورى اصداره
فالأرض قد أوحشها وأهلها
…
كأنها جميعها دياره
فكل قلب بعده من جزع
…
لفقده خفوقه شعاره
وكل طرف قد غدا من دمعه
…
أنهاره وليله ونهاره
يا غصن لما تثنى ما يشا
…
ء أتاه عند زهوره انكساره
بكلى الحيا عليك والبرق غدت
…
مشقوقة من الأسى أطماره
ومزقت ريح الصبا جيوبها
…
والجو من دموعه أمطاره
وانشق قلب الأرض يوم دفنه
…
وانصدعت من حزنه أعشاره
أعزز على أن أراك ثاوياً
…
ببطن لحد نصبت أحجاره
لو كنت تفدى لفداك ناظري
…
بكل ما يروقه ادخاره
أو كان يعني المدمع عنك لارتوى
…
من كل مذروب الظبا غراره
أما وقد فارقت دار محنة
…
وزمناً لم تصفه أكداره
وصرت جار الله والجار له
…
رعاية أوجبها جواره
فلا عدا قبرك صوب رحمة
…
وجاده من الرضى مدراره
هبة الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن جرير لأيو محمد نفيس الدين الحارثي الشافعي قاضي الزبداني. كان صدراً، رئيساً، عالماً، فاضلاً، كثير الكرم، واسع الصدر، دمث الأخلاق، له وجاهة عند الخاص والعام، وحرمة وافرة عند أرباب الدول، وكان يختار الزبداني لكونها وطنه، وله بها ملك يعود نفعه إليه. ولما توفى القاضي صدر الدين عبد الرحيم قاضي بعلبك رحمه الله عرضت عليه بعلبك ويترك الزبداني فأبى وامتنع، وبالجملة فكان من حسنات الزمان مع وفور الديانة والتقوى، وتوفى ليلة الخميس تاسع صفر بدمشق فجاءة، ودفن يوم الخميس بسفح قاسيون، وقد نيف على سبعين سنة رحمه الله تعالى. حكى عنه ما معناه أنه احتاج إلى ثمان مائة درهم في أوائل فصل الشتاء، وكان له بالزبداني بستان، عادته أن
يبيع ثمره في السنة بمبلغ ألف درهم أو ما يقاربها، فطلب بعض أهل الزبداني، وقال له: قد احتجت إلى ثمان مائة درهم تعطيني إياها، وهذا البستان ثمرته في هذه السنة لك، فأعطاه المبلغ؛ واتفق أن بساتين الزبداني ضعفت في تلك السنة سوى أماكن يسيرة من جملتها ذلك البستان، فلما أدرك مغله، حرص من دفع ثمرته ثلاثة آلاف درهم، فقال القاضي: ثمرته لفلان، وأما الشخص فإنه يئس منه لعلمه بفساد البيع، وأن ما قاله القاضي له لا يلزمه الوفاء به، وقنع بعود الدراهم إليه فحضر إلى القاضي وخاطبه في ذلك، فقال: البستان ثمرته لك كما وعدتك، بل لو صقع أعدت إليه دراهيمك فحرض به كل الحرض على أن يعطيه الدراهم ويتصرف في البستان، فأبى ذلك، فأباع ذلك البستان بما ينيف عن ثلاثة آلاف درهم وأخذها. فانظر إلى هذه النفس الشريفة واحتقارها للدنيا فرحمه الله ورضى عنه. ولقد أذكر في ذلك شيئاً وقع وهو أن بعض من ولى القضاء ببعلبك طلب خبازاً في فرن المدرسة النورية بها، وقال له: قد أستحق لي جراية شهر تشتريها وتقبضها من القلعة وفاصلها عليها بمبلغ ثلاثين درهماً، وقبضها منه، وطلع الخباز إلى القلعة وتسلمها، فوجدها رديئة لا توافقها فباعها في العرضة بثلاثة وثلاثين درهماً، وبلغ القاضي فطلبه وقال له: البيع لم يصح، فإني ما رأيت القمح؛ وأخذ منه الثلاثة الدراهم، فانظر إلى ما بين الرجلين رحمهما الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين.
يحيى بن عبد المنعم أبو زكريا جمال الدين الفقيه الشافعي المصري المعروف بقاضي الغربية. ناب في الحكم بمصر سنين عديدة، وتولى التدريس بمشهد الحسن رضي الله عنه بالقاهرة سنين كثيرة، وكان من أعيان القدماء الفقهاء المكثرين من النقل، المحققين في المذهب، ولم يزل محمود السيرة، وتوفى بمصر يوم الأحد عاشر شهر رجب، ودفن بإحدى القرافتين، وقد ناهز ثمانين سنة رحمه الله تعالى.
يحيى بن محمد بن إسماعيل أبو زكريا تاج الدين الكردي الاربلي الشافعي. كان فقيهاً فاضلاً ديناً، باشر الحكم ببلاطنس وحمص وبعلبك وغيرها من البلاد، وناب في الحكم بدمشق مدة عن القاضي عز الدين محمد بن الصائغ رحمه الله، ثم ولى القضاء بحلب وأعمالها بتقليد سلطاني في أوائل هذه السنة، وتوجه إليها وباشر أحكامها مدة شهرين فلما جفل الناس من حلب، انتزح إلى حمص، وخرج يوم الخميس بكرة النهار من البلد للاجتماع بالقاضي عز الدين محمد بن الصائغ بمشهد خالد بن الوليد رضي الله عنه، والتحم القتال وهو هناك، فقتل يوم الخميس رابع عشر شهر رجب، وقد نيف على الستين من العمر، ودفن بمقابر حمص جوار مشهد خالد بن الوليد رضي الله عنه ورحمة الله تعالى.
يوسف بن إبراهيم بن قريش أبو المحاسن شمس الدين المصري. أحد كتاب الدرج بالديار المصرية وهو من قدمائهم، كتب للملك الصالح نجم الدين فمن بعده من الملوك، وكان وافر الرحمة كثير النعمة، وله صلة
بذرية القاضي الفاضل رحمه الله، وحضر شمس الدين المذكور المصاف وفقد، ثم أخبرني من شاهده مقتولاً بتل فروحية، وهذا التل قبلي حمص بفوق فرسخين، وقتل، وقد نيف على سبعين سنة رحمه الله.
يوسف بن لؤلؤ بن عبد الله بدر الدين الذهبي الأديب الفاضل والشاعر المحسن. كان أبوه عتيق الأمير بدر الدين دلدرم الياروقي صاحب تل باشر، ومولد البدر يوسف سنة سبع وست مائة، وتوفى يوم السبت ثاني عشرين شهر شعبان من هذه السنة بدمشق، ودفن يوم السبت ثاني عشرين شهر شعبان من هذه السنة بدمشق، ودفن من يومه بمقابر باب الصغير رحمه الله. كان فاضلاً نبيهاً شاعراً مجيداً يغوص على المعاني المبتكرة فيجيد فيها. كتب إلى نجم الدين محمد بن إسرائيل، وللنجم صاحب يميل إليه يقال له الجارح بقوله:
قلبك اليوم طائر
…
عنك في الجوانح
كيف يرجى خلاصه
…
وهو في كف جارح
ثم بلغه أنه تركه، فكتب إليه:
خلصت طائر قلبي العاني يرى
…
من جارح يغدو به ويروح
ولقد يسر خلاصه إن كنت قد
…
خلصته منه وفيه روح
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
وروضة دولابها
…
إلى الغصون قد شكا
من حين ضاع زهرها
…
دار عليه وبكى
وقال أيضاً:
وجنان ألفتها حين غنت
…
حولها الورق بكرة وأصيلا
نهرها مشرعاً جرى وتمشت
…
في رباها الصبا قليلاً قليلا
وقال في قصة جرت:
يا شادناً أخطى السبيل بقصده
…
وعصى النصيح فيمن عصى
قد كنت بلا خصى في نعمة
…
فتركته غلطاً وجئت إلى خصى
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
إن الذين ترحلوا نزلوا بعين ساهرة
…
أنزلتهم في مقلتي فإذا هم بالساهرة
وقال أيضاً:
ضممته في ساعدي ضمة
…
في ليلة قد غاب واشيها
وفي يدي من شعره حية
…
لم أخشها مذ صرت حاويها
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا عاذلي فيه قل لي
…
عن حبه كيف أسلو
يمر بي كل حين
…
وكلما مر يحلو
وقال أيضاً:
ومعذر قد بايتوه جماعة
…
ولووا بما وعدوه كل الميل
واكتاله كل هناك وما رأى
…
منهم سوى حشف وسوء الكيل
وأنشدني المولى تقي الدين عبد الله بن تمام حرسه الله تعالى للبدر يوسف
المذكور يقول:
هلم يا صاح إلى روضة
…
يحلو بها العاني صدى همه
نسيمها يعثر في ذيله
…
وزهرها يضحك في كمه
وهذا مأخوذ من قول ابن عمار:
يا ليلة بها في ظل أكتاف النعيم
…
من فوق أكمام الرياض أذيال النسيم
وقال في الزين البغدادي وقد لبس ثوب صوف أسود:
لبس السواد فخلته متعبدا
…
ومشى قليلاً في الطريق قليلا
في هيئة الرهبان إلا أنه
…
لا يعرف التحريم والتحليلا
وقال وقد احتيل على الحشر:
أمولاي شمس الدين طال ترددي
…
بحائرة قد عيل من دونها صبري
وقد كنت قبل الحشر أرجو نجازها
…
فكيف بها قد صيروها إلى الحشر
وقال يتذكر أيام شبابه:
هل ذاق برق بالغوير أنارا
…
أم أضرموا بلوى المحصب نارا
وكلاهما إن لاح من هضب الحمى
…
لي شائق ويهيج تذكارا
فيما التعلل والشباب منكث
…
عنى وقد شط الحبيب مزارا
وقد استرد الدهر ثوب الصبا
…
وكذلك يؤخذ ما يكون معارا
فارفق بدمعك في الفراق فما الذي
…
يبقى لتشفى أربعاً وديارا
ودع النسيم يراوح القلب الذي
…
أروى زناداً للتشوق نارا
مع أنني أصبو إلى بان الغضا
…
إن شمت برقاً أو شممت عرارا
فاليوم لا وار بمنعرج اللوى
…
يدنو بمحبوب لنا فيزارا
كلا ولا قلبي المشوق بصابر
…
عنهم فأندب دمنة أو دارا
فسقى اللوى لا بل سقى عهد اللوى
…
صوب الغمائم هامياً مدرارا
ولقد ذكرت على الصراط مرامياً
…
ينسى بحسن وجوهها الأقمارا
وعلى الحمى يوماً ونحن بلهونا
…
نصل النهار ونقطع الأنهارا
في فتية مثل النجوم تطلعاً
…
وتخيروا صدق المقال شعارا
من كل نجم في الدياجي قد لوى
…
في كفه مثل الهلال فدارا
متعطفاً من حرم داود الذي
…
فاق الأنام صناعة وفخارا
فالآن قد حن المشوق إلى الحمى
…
وتذكر الأوطان والأوطارا
وصبا إلى البرزات قلب كلما
…
طارت به حرز اللغالغ طارا
فلأى مرمى ارتميه وليس لي
…
قوس رشيق مدمج خطارا
حيل على ضعفي إذا استعطفته
…
الوى على العنف والدستارا
ثلاث له من كل صنف قد حوى
…
أعنى الرماة تحسناً إكثارا
وبوجهه المنقوش أول ما بدا
…
وبه أقام وأقعد الشطارا
وبدا بتحريمي بلا سبب بدا
…
مني وأودعه الرماة مرارا
يا حسنه من مخلف ولكنه
…
في الجو عال لا يسف مطارا
ويطير خطفاً عن مقامي عاضداً
…
ولشقوتي لا يدخل المقدارا
لا بندقى مهما خطرت نباله
…
أنى ينال مراوغاً طيارا
وسنان من حرز اللغالغ لم يزل
…
يرعى الرياض وليس يرعى الجارا
لا راحل بل قائم عني إلى
…
ماء الفرات يخوض منه غمارا
وأما تراني فاقداً ومنعماً
…
في الجو ليلاً خلفه ونهارا
دعني فقد برد الهواء وقد أتى
…
أيلول يطفى للهجير جمارا
ووراء تشرين جاور عدة
…
عجلان يحدو للسحاب وطارا
والبارق الهامي على قلل الحمى
…
سرى هناك خيوطه كالتارا
والفيض طام ماؤه متدفق
…
والطير فيه يلاعب التيارا
والنهر حن به فراح مسلسلاً
…
صبا تحيراً لا يصيب قرارا
بهر النواظر حين أنبت شطه
…
للناظرين شقائقاً وبهارا
والصبح في آفاقه يا سعد قد
…
أخفى النجوم وأطلع العرارا
فانهض إلى المرنى الأنيق بنا وقد
…
هب الصباح ونبه الأطيارا
وتباعث جناتها في أفقها
…
مثل النعام قوادماً يتسارى
من جو زور للعراق قوادماً
…
يا مرحباً بقدومها زوارا
فاصح إلى رشق القسى إذا ارتمت
…
مثل الحريق أطار عنه شرارا
وأطرب على نغمات أطيار بدت
…
في الجو وهى تجاوب الأوتارا
من كل طيار كأن له دما
…
عند الرماة فثار يبغي الثارا
هل جاء في طلب العش لحتفه
…
أم جاء يطلب عندها الآثارا
فاكتم يطرب بالجناح كأنه
…
أيدي القيان تحرك الأوتارا
خاض الظلام وعب فيه فسود
…
الرجلين منه وسود المنقارا
وأتى يبشرها اللقاء فضمخت
…
تلك المغارز عنبراً ونضارا
والكىء كالشيخ الرئيس مزمل
…
في بردنيه هيبة ووقارا
والكئ على الأسماك يوماً كلما
…
أذكى له حر المجاعة نارا
والوز كم قد هاجها تنغيمه
…
ليلاً وكم قد ساقنا أسحارا
فإذا تباشر بالصباح بنى له
…
عطفاً وصفح بالجناح وطارا
وترى اللغالغ تستهل بأعين
…
خرزية صغر الجفون صغارا
وكأن ورشا ذاب في أجفانها
…
فحكى النضار وخير النضارا
فترى الأنيسات الأوانس تنثني
…
بين الرياض كأنهن عذارى
يسلبن أرباب العقول عقولهم
…
ويرعن منه جيلة ونفارا
وترى الحبارج كالقطا أرياشها
…
أو كالرياض تفتحت أزهارا
هجرت مناهلها على برح الظما
…
واستبدلت من دونها وقفارا
والبر سلطان لها لكنه
…
لم يلفه لدمائها هدارا
قد شاب منه رأس من طول ما
…
كرت عليه عصوره أدوارا
أرخى جناحيه عليه كجوشن
…
لو كان يمنع دونه الأقدارا
وإذا العقاب سطا وضال بكفه
…
عاينت منه كاسراً جبارا
يعطي ويمنع عزة وتكرماً
…
ويبيح ممنوعاً ويحفظ جارا
وترى الكراكي كالرماد وربما
…
فرت فأذكت في القلوب نارا
قد سطرت في الجو منها أسطرا
…
وطوت سماء سجلها أسفارا
فإذا انصرعن فلا تكن ذا غفلة
…
عن أن تيقظ حلهن مرارا
وبدت غرانيق لهن ذوائب
…
لولا البياض لحلتهن عذارى
حمر العيون تدير من أحداقها
…
فينا كؤوساً قد ملئن عقارا
والصوغ في أفق السماء محلق
…
مثل الغمام إذا استقل وسارا
ذو مغرور ذرب فلو يسطو به
…
نضح السنان واخجل التبارا
مرازم بيض وحمر ريشها
…
كالورد بين الياسمين نثارا
خفقت بأجنحة على مجمرة
…
كمراوح أضرمن منه جمارا
وعجت كيف صبت إلى صلبانها
…
تلك الرماة وما هم بنصارى
وسبيطر ما أن يحل له دم
…
مهما علا شجراً وحل جدارا
والأشرفية الفت لمنازل
…
فاصبر له حتى يفارق دارا
وكأنما العناز لما أن بدا
…
لبس السواد على البياض غبارا
وكأنه قد ضاق عنه مزورا
…
فوق القميص فحلل الأزرارا
هل عب من صرف العقار بمغرز
…
أم كان خاض من الدماء بحارا
يوسف بن يعقوب بن يعيش أبو المحسان جمال الدين السلمي المعري الاصل شيخ الغارة المعروفة بالعزيز بن الملك الاحمد صاحب بعلبك. كان شيخاً، صالحاً، ورعاً، محققاً، عارفاً بكلام المشايخ، مشتغلاً فيه، مسلكاً للمريدين والطلبة، خبيراً بالكتب المشكلة في هذا الفن، وكان يعرف كتاب