الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونظم محي الدين أشعاراً كثيرة وألغازاً يأتي شيء منها فيما بعد، في ترجمة العرز إن شاء الله تعالى.
أبو بكر بن داود بن عيسى بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذى سيف الدين الملقب بالملك العادل. كان قد جمع بين حسن الصورة، والأوصاف، ومكارم الأخلاق، وسعة الصدر، وحسن العشرة، وكثرة الأفضال، واحتمال الأذى، وبذل المعروف، لا يضاهيه في ذلك أحد من أبناء جنسه، وكان له ميل إلى الاشتغال بالعلم، والأدب، وعنده ذكاء مفرط، وحدة ذهن، وعبارة حلوة، وآداب حسنة ملوكية، لم ير أكثر عقلاً منه في زمانه، ولا أكثر حشمة ووقاراً وسكوناً، ولا ألطف كلاماً، ولا أحسن بياناً، عليه هيبة وحشمة، وكان له ميل كثير إلى أصحاب القلوب، وأرباب الإشارات، يلازمهم، ويقتدي بهم، ويتأدب بآدابهم، ويتسلك بما يأمرونه به، يزور الصلحاء حيث سمع بهم، وكانت وفاته رحمه الله يوم الخميس عاشر شهر رمضان المعظم هذه السنة، وصلى عليه يوم الجمعة بالجامع الأموي، وحمل إلى تربة جده الملك المعظم عيسى بسفح قاسيون، فدفن بها، وهو في عشر الأربعين لم يبلغها رحمه الله تعالى.
السنة الثالثة والثمانون وستمائة
إستهلت هذه السنة والخليفة والملوك على القاعدة المستقرة، والملك المنصور سيف الدين قلاوون بالديار المصرية، وفي أثنائها خرج إلى الشام، ووصل إلى دمشق مع جماعة من عسكره، وخواصه يوم السبت ثاني عشر جمادى الآخرة.
وفيها توفى الملك أحمد بن هولاكو ملك التتار، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي عاشر شوال توفى الملك المنصور ناصر الدين محمد صاحب حماة والمعرة، وسنذكره إن شاء الله تعالى. ولما اتصلت وفاته بالأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام، طالع بذلك الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله واستمطر صدقاته في إقرار ولده الملك المظفر محمود عوضه، فورد عليه الجواب بذلك، فكتب إلى الملك المظفر المذكور كتاباً بخط المولى شهاب الدين محمود من إنشائه، مضمونه: " أعز الله أنصار المقام العالي الملكي المظفري التقوى، وأطلع شمس ملكه مشرقة الأنوار. وألبس الدنيا من شعار سلطانه حلل الافتخار. وقلد المماليك من تقاليده ما يود ذهب الأصيل لورقه على صفحات النهار. وحلى أعطاف الملك من نعوته الشريفة بما هو أحسن من انتظام عقود الكواكب على هالة الأقمار. وشرف به التشاريف التي هو في لبسها كالحرم لا تكسى الأستار إلا ليشرف الأستار. وهنأه من حسن النظر الشريف بما بلغ به أول رتبة لا تطاول إليها زهر الكواكب إلا وهي شاخصة الأبصار. حتى يستقر الملك في مقامه المحمود. وينتظم عقد السلطنة لديه بين ذوائب الألوية وعصائب البنود. ويشرق من لألاء ملكه ما تضيء الآفاق بنوره. ويشرق بحد سطواته نحور الأعداء حتى يعجب لسفاح ورث الملك من منصوره. المملوك يقبل الأرض تقبيل تخلص تضاعفت
لديه النعم. ووجب عليه أن يستعين على الشكر بكل لسان ناطق حتى لسان القلم. وتعبد ولى نذر الرجاء لديه واكتمل. ونال بإقبال ملك مولانا كل ما يؤمله، فأصبح يصحب الدنيا بلا أمل. وينهى أنه سطرها، ووفود التهاني تزدهم على ما قلمه. وعقود البشائر تتحذر من بين كلمه. وسماء الممالك قد أشرقت بالسعد كواكبها. وحدقت لتحدق ببدر ملكه مواكبها. وقلائد الجوزاء قد ترصعت لديه مناطقها. والفراقد قد توطأت لوطئ أجناده مفارقها، والبروق قد مرحت لتغالب الحاد على العلو بركابه سوابقها، والمنابر قد كادت تحضر للشرف باسمه أعوادها. والصوارم وقد انفت إذ جرت أن تكون سوى أعناق ملوك الأعداء أغمادها ".
وكان ورد كتاب السلطان بسببه من القاهرة إلى دمشق يوم الخميس الخامس والعشرين من شوال، وصحبه تقليد الملك المظفر من السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون باستقراره بحماة على قاعدة والده.
وفي يوم الأربعاء ثامن صفر دخل الحجاج دمشق، وأميرهم المطروحي.
وفي يوم الجمعة عاشر صفر جلس الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية على المنبر برواق الحنابلة بجامع دمشق مكان والده يفسر القرآن الكريم وغير ذلك.
وفي هذه السنة توفيت الخاتون بنت بركة خان والدة الملك السعيد بمصر، وكانت من سادات النساء كثيرة المعروف، والاحسان، والصدقات،
وقفت جميع الكتب التي بالخزانة الظاهرية، وجميع الربعات، والختم التي بالتربة الظاهرية، وشرطت أن لا يخرج شيء من ذلك من المدرسة، بل من أراد الانتفاع به ينتفع بالمدرسة، وكان وقفها كذلك في سنة إحدى وثمانين.
وفي جمادى الآخرة توفى بدمشق الأمير علم الدين سنجر بن زريق الخولاني، والأمير شمس الدين قراسنقر المعزى ببستانه ببيت لهيا، ودفن بالجبل رحمه الله تعالى.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشر شعبان سافر الأمير حسام الدين طرنطاى من دمشق إلى القاهرة متمرضاً. وفي ثامنه ليلة الأحد توفى الأمير بدر الدين بيليك الجاشنكير، ودفن يوم الاثنين بتربة سليمان الرقى بالجبل الغزير.
وفي ليلة الأربعاء العشرين مطرت السماء من نصف الليل، وتوالى المطر الشديد مع الرعد القاصف، والبرق الخاطف، إلى أول النهار، وجاءت الزيادة، وارتفع الماء على الأرض قامة، وفي بعض الأماكن أكثر، وكانت طائفة من العساكر المصرية نازلين ظاهر دمشق، فعمهم ذلك. وغرق خلق من الناس، وأما الجمال، والدواب، والغنم فما لا يحصى، ووقعت عدة بيوت على من فيها. وكانت آية عظيمة وأصبحت يوم الأربعاء الشمس طالعة، وجفت الماء.
وفي شعبان أقبل الأمير علم الدين الدويدارى رحمه الله من مباشرة المشد، وكان كثير القلق، وطلب الانفصال منه، والسعي في ذلك باطناً، فأجيب، وباشر الأمير شمس الدين سنقر الأعسر.
وفي يوم الاثنين منتصف شوال توجه ركب الشام إلى الحجاز، وكان ركباً كبيراً، وأميرهم عز الدين القيمري.
وفي العشرين من جمادى الأولى وفي النيل ووردت البشرى بذلك إلى دمشق.
وفي ليلة السبت ثلث الليل الآخر ثالث وعشرين شعبان سافر من دمشق الملك المنصور سيف الدين قلاوون إلى الديار المصرية من جهة ولد المنصور صاحب حماة، وتوجه الأمير علم الدين الدوادارى إلى القاهرة يوم السبت حادي عشر ذى القعدة بطلب سلطاني.
وفي ثامن جمادى الأولى من سنة ثلاث وثمانين وست مائة ركب السلطان الملك المنصور من قلعة الجبل متوجهاً إلى الشام بسبب ما ورد عليه من جهة مصالحة الملك أحمد بن هولاكو، فلما وصل غزة وردت الأخبار عليه بأن الملك أحمد قد مات، وقيل أسر ثم عدم، وأن أرغون اتفق مع جماعة من المغل على إمساكه، وخلعه من الملك، وأن فرقة منهم تقدير أربعة آلاف فارس حضرت مفقرة طالبين الشام، فجد الملك المنصور في السير، فدخل دمشق يوم السبت ثاني جمادى الآخرة، فأحضر رسل الملك أحمد وهم الشيخ عبد الرحمن وسمداغو ومن معهم وكانوا منذ وصلوا أطراف البلاد، استعجمت عليهم الأخبار، وبقي كل من يحضر إليهم يمسك، ويؤخذ كتبه، فجلس الملك المنصور في الليل، وأوقدت شموع كثيرة، ولم يكن حوله سوى خواص مماليكه، وهم في أحسن زي، وأكمل
صورة، فدخل الشيخ عبد الرحمن بزي الفقراء، فرسم له بتقبيل الأرض، فأبى فأهوى به إلى الأرض غصباً، وفعل برفاقه كذلك، وسمع كلامهم، أخذ الكتاب الوارد من الملك أحمد على يد الشيخ عبد الرحمن فقرأه، وقاموا بين يديه، فسير لهم الخلع الفاخرة، وتفقدهم، ثم أعلمهم بموت الملك أحمد، ثم أحضرهم مرة أخرى، وكان الشيخ عبد الرحمن قد أحضر هدية حسنة، فقبلت، واستقروا على حالهم، وكان قدوة الملك أحمد ومشيره، وتحكم في دولته تحكماً كبيراً، وتحدث في البلاد والأوقاف جميعها في العجم، وبلاد العراق، والشرق، والروم، وظهر للمغل من كراماته ما أخذ عقولهم، ووصل إلى ماردين في رابع ربيع الآخر، ثم وصل البيرة، وصحبه جماعة مغل وغيرهم يخدمونه ويحملون الخبز على رأسه، والسلحدارية وغيرهم وراءه، فتلقاهم جمال الدين أقوش الفارسي أحد الأمراء بحلب، فمنعهم من الخبز والسلاح، وركنهم في الليل، ومنعهم من الحديث مع أحد، وساق بهم منكباً على الطريق، فعز عليهم ذلك، ووصل بهم حلب في سادس عشرن شوال، وأخفى أمرهم، ثم أخرجهم ليلاً، ووصل بهم دمشق خفية ليلاً، وأنزلوا بدار رضوان بقلعة دمشق، وفصل عنهم غلمانهم إلى أن حضر السلطان من مصر، وجرى ما ذكرناه.
وفيها توفى:
أحمد بن محمد بن منصور أبو العباس ناصر الدين الخزامي المالكي المعروف بابن المنير قاضي الاسكندرية. مولده في ثالث ذى القعدة سنة
عشرين وست مائة، وتوفى بالاسكندرية ليلة الخميس مستهل ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، ودفن بتربة والده عند الجامع الغربي رحمه الله. كان إماماً عالماً فاضلاً متبحراً في العلوم، وله اليد الطولى في علم الأدب، مجيداً في النظم والنثر. كتب إلى قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان في صدر كتاب:
ليس شمس الضحى كأوصاف شمس
…
الدين قاضي القضاة حاشا وكلا
تلك مهما علت محلا تبث ظلا
…
وهذا مهما علا مد ظلا
وقال أيضاً يهنئ القاضي زين الدين بن أبي الفرج لما فوض إليه الحكم بالثغر واستنابه:
أذعن الدهر سامعاً ومطيعا
…
لك يبدي تذللاً وخضوعا
فاحتكم في ريعان أشهره
…
تلبس فيها غصناً وتلقى خليعا
كل يوم لك الهناء حقيق
…
لا تراعى من الهلال طلوعا
ولنا إذ نلنا بدولتك العز
…
وعشنا عيشاً هنيئاً وسيعا
واتخذنا شهر الولاية عيدا
…
نمنح النفس منه مرعى مريعا
في ربيع كانت ودانت فلا تبرح أيامنا لديك ربيعا
وقال يهجوه لما نازعه الحكم:
قل لمن يبتغي المناصب بالجهل تنحى عنها لمن هو أعلم
إن يكن في ربيع وليت يوماً
…
فعليك القضاء أمسى محرم
وقال وكتب بها في صدر كتاب إلى الفائزين يسأله رفيع التصقيع عن الثغر:
إذا اعتل الزمان فمنك يرجو
…
بنو الأيام عاقبة الشفاء
وإن ينزل بساحتهم قضاء
…
فأنت اللطف في ذاك القضاء
وله تصانيف مفيدة في الأدب، وغيرها من العلوم الاسلامية، وله ديوان كبير، وخطب مشهورة، فمنها خطبة خطب بها يوم الجمعة خامس عشر ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وست مائة، والعدو المخذول قد ملك الشام بأسره:" الحمد لله الذي يرحم العيون إذا دمعت. والقلوب إذا خشعت. والنفوس إذا اتضعت. والعزائم إذا اجتمعت. والموجود إذا الأسباب انقطعت. والمقصود إذا الأبواب امتنعت. اللطيف إذا صدمت الخطوب وصدعت. رب أقضية نزلت بما تقدمت حتى جاءت ألطاف دفعت. فسبحان من وسعت رحمته كل شيء. وحق لها إذا وسعت. وسعت إلى طاعته السموات والأرض حين قال: " ائتيا طوعاً أو كرهاً " فأطاعت وسمعت. أحمده بصفات بهرت. وأشكره على نعم بطنت وظهرت. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عن اليقين صدرت. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه والفتنة قد احتدت. والحاجة قد اشتدت. ويد الضلال قد امتدت. وظلمات الظلم قد اسودت. والجاهلية قد أخذت نهايتها. وبلغت غايتها. وحربت أحزانها. وهديت إحسانها. ونسيت أديانها. وجحدت ديانها. فجاء الله بمحمد صلى الله عليه وسلم، فملك عنانها. وكبت أعيانها. وظهرت آياته في الجبابرة، فأهلكت فرسانها. وفي
القياصرة، فنكست صلبانها. وفي الأكاسرة، فصدعت أيوانها. وأوضح على يده محجة الحنيفية وأبانها. صلى الله عليه وعلى آله فروع الأصل الطيب فما أكرم الشجرة وأغصانها. وعلى أصحابه ومن حوى الحوزة وصانها. صلاة إذا أفضت صحيفة الحسنات كانت عنوانها. أيها الناس! خافوا الله تأمنوا من ضمان وعده الوفي. ولا تخافوا الخلق وإن كثروا، فإن الخوف من الخلق شرك خفي، ألا وإنه من خاف الله خاف منه كل شيء. ومن لم يخف الله خاف من كل شيء. وشأن أخي الدنيا أن يخاف عليها الذهاب. ولابد من أن يذهب كالفئ، وإنما يخاف عز الربوبية. من عرف نفسه ذل العبودية. واثنان لا يجتمعان في القلب، ولا تنعقد عليهما النية، فاختاروا لأنفسهم إما الله، وإما هذه الدنيا الدنية. فمن كانت الدنيا أكبر همته، لم يزل مهموماً. ومن كانت زهرتها نصب عينه، لم يزل مهزوماً. ومن كانت حدتها غاية وجده، ولم يزل معدماً حتى يصير معدوماً. فالله! الله! عباد الله! الاعتبار! الاعتبار! وأنتم السعداء إذا وعظتم بالاعتبار. أصلحوا ما أفسد، فإن الفساد مقدمة الدمار. إتقوا الله وأصلحوا تفلحوا. وأسلموا تسلموا. وصمموا على التوبة قبل أن لا ينفع أن تصمموا. فما أشقى من عقد التوبة بعد هذه العبر تم حلها. ألا وإن ذنباً بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها ".
كان الشيخ ناصر الدين المذكور إماماً عالماً فاضلاً خيراً متقناً، جامعاً
للعلوم الاسلامية: التفسير وعلومه، والحديث وعلومه، وأصول الفقه، والدين، والنحو، واللغة، والمعاني، والبيان، مستقلاً بالأدب نظماً ونثراً؛ صنف التصانيف الدالة على غزارة علمه، منها: الرد على الكشاف للزمخشري، وبين خطابه في اعتزاله والاجوبة عن شبهه وإبطالها لم يصنف مثله وكان أحد تلاميذ الشيخ عز الدين بن عبد السلام مع كونه مالكي المذهب، لازم الشيخ وقرأ عليه هذه العلوم كلها، وأتقنها، وكان الشيخ يقول عنه في أيامه ما معناه: أنه يمت به لكونه تلميذه، لأنه لم يكن مجموعه في زمانه في غيره، وكان بحراً لا يجاريه أحد في مناظرة، وله الصيت المشهور بسعة العلم وإتقانه رحمه الله تعالى.
أحمد بن محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق بن خليل بن مقلد أبو العباس محي الدين الأنصاري الشافعي. كان فقيهاً فاضلاً بارعاً، متضلعاً في الفقه، وله مشاركة في غيره، وكان ديناً صالحاً ناسكاً سالكاً مسلك والده قاضي القضاة عز الدين ابن الصائغ في الصلابة في الدين والتحرز، ولما باشر والده الحكم ثانياً طلبه لنيابته، فعاقه عن ذلك ما جرت عليه من الأمور المشهورة، وكانت له صورة كبيرة عند القضاة والأعيان مشكوراً في فضيلته، وسمته، ودينه، ولما توفى والده قد ولاه خزانة الكتب بالمدرسة الأشرفية، فسلك فيها من الأمانة، والصيانة، والضبط، والتحرز ما لا يسلكه غيره بحيث أنه أعار منها نسخة لكتاب الصادح والباغم، جزء لطيف ما يسوى خمسة دراهم لشخص، فعدم فألزمته باستكتاب نسخة به، وأوقفها
في الخزانة عوضها، وبالخزانة لهذا الكتاب قريب عشر نسخ، وكان كثير التحرز في ذلك والتشديد لم يفرط في شيء منها، وحصل بطريق لها ضبط عظيم، ولم يتولها مثله، لا قبله ولا بعده، ولا عمل أحد فيها ما عمل من الصيانة، وعدم إضاعة شيء منها، ولما توفى أخذ قاضي القضاة بهاء الدين الكلاسة، وولاها لأخيه كمال الدين عبد الرحمن، واستمر أخوه محي الدين في الدماغية والعمادية، وناب عنهم فيها الشيخ زين الدين الفارقي بغير معلوم إلى أن تأهل القاضي بدر الدين محمد ولد قاضي القضاة عز الدين، وذكر الدرس فيها بنفسه وحضر عنده شيخه الشيخ تاج الدين والأعيان، وكان يوماً مشهوداً. وكانت وفاة محي الدين المذكور ليلة الأربعاء ثامن رجب، ودفن يوم الأربعاء بالجبل إلى جنب والده رحمهما الله تعالى.
أحمد بن هولاكو بن قاآن بن جنكز خان ملك التتار. كان ملكاً شهماً خبيراً بأمور الرعايا، سالكاً أحسن المسالك، متبعاً دين الاسلام، لا يصدر عنه إلا ما يوافق الشريعة النبوية صلوات الله وسلامه على صاحبها وانقياده إليها، واعتماده عليها في جميع حركاته بطريق الشيخ عبد الرحمن فإنه كان قد أقبل عليه، وانقاد إليه، وامتثل ما يأمره به، فكان يأمره بمصالحة
المسلمين والدخول في طاعتهم، والعمل على مراضيهم، وأن يكونوا كلهم شيء واحدا، ولم يزل به على ذلك إلى أن أجاب إلى مصالحة الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله فكتب على يد الشيخ عبد الرحمن كتباً بديعة دالة على دخوله في الاسلام، واتباعه أوامر الله تعالى في الحلال والحرام، وتوجه بها الشيخ عبد الرحمن، فلما وصل الشام بلغه خبر وفاة الملك أحمد، فبطل ما كان جاء بسببه وما كان أسسه، لكن وقع أجرهما على الله تعالى، وبقي الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى مدة يسيرة، وتوفى إلى رحمة الله تعالى. ولما مات ابغا، وقع الاختلاف فيمن يقعد في التخت، فتعصب جماعة لأحمد المشار إليه، واسمه الحقيقي تكدار، واسم أمه قو خاتون نصرانية، واتفقوا على إقعاده في تخت الملك، وما هان على بعض المغل قعود أحمد لأنه ادعى أنه مسلم، فحضر أخوه قنقرطاى، وقال لأرغون: إن ابغا شرط في الباسه أنه إذا مات ملك ما يقعد عوضه إلا الأكبر من أولاده، وقد رتبنا أحمد، ومن خالف يموت، فأطاعوه وسروا إلى الألجية لاحضار الملوك ليكتبوا خطوطهم بالارتضاء بملك أحمد، ولما جرى ذلك تحدثوا فيما بينهم في أن قدرتهم قد ضعفت، ورجالهم قتلت، وأن المسلمين كلما راحوا.... وأنه لا حيلة في هذا الوقت أتم من إظهار الاسلام، والتقرب إلى مراضي مولانا السلطان، واكتفاء بأسه بذلك، وسير في سبب ذلك
رسل إلى الملك المنصور سيف الدين قلاوون يلتمس الصلح، وكان بين الملك رحمه الله وبين أرغون بن بغا عداوة شديدة، فسير أحمد عسكر نحو أرغون مقدار أحد عشر ألف فارس، وقدم عليهم على نياق أحد خواصه، فقصدوا أرغون، ونزلوا قريباً منه، فركب أرغون، وكبسهم، فقتل منهم ألفي فارس، وبلغ الملك أحمد، فركب في أربعين ألف فارس، وقصد جهة خراسان، فالتقى هو وأرغون، فقتل من عسكر أرغون أكثر من النصف، وضربت البشائر في بلاد العجم، وأمسك خمسة من الأمراء من المصاف وقررهم، فاعترفوا أن أرغون طلب العبور إلى ايلخان، فمنعه جماعة من أصحاب الملك أحمد، ومنعوه من الدخول في طاعة أحمد، فأمسك اثني عشر أميراً من كبراء المغل، وقيدهم، فعند ذلك قام المغل عليه، وجاهروه، فهرب، ثم أخذ، وأحضر إلى أرغون، فقتله، واستبد أرغون بالملك، وقيل في كيفية قتله غير ذلك والله أعلم.
الحسين بن عبد الرحمن بن هبة الله أبو محمد قطب الدين ابن المشترى رحمه الله. كان دمث الأخلااق، كثير الاحتمال، حسن العشرة والمحاضرة، له معرفة بالتاريخ، وإلمام بالأدب، ووالده الصاحب فلك الدين شهرته تغنى عن شرح حاله، ووالدته ابنة شيخ الشيخوخ تاج الدين ابن حمويه رحمه الله وكان قطب الدين المذكور قد خدم جندياً، وبقي على ذلك مدة، ثم ترك ذلك، وانتقل إلى بعلبك في أوائل سنة ثمان وخمسين،
واستوطنها، وترك الجندية، ولبس البقيار، وخدم في ديوان بعلبك مدة سنين، ثم انتقل إلى مشارقة الضواحي في آخر عمره إلى أن درج إلى رحمة الله تعالى، وكان منذ قدم بعلبك إلى أن توفى شيخ الخانكاة النجمية، وتوفى في العشر الآخر من شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وست مائة، وهو في عشر الخمسين تقريباً، ودفن بباب سطحاء ظاهر باب دمشق من مدينة بعلبك رحمه الله تعالى.
طالب بن عبدان بن فضائل الرفاعي، المقيم بقصر حجاج في زاويته المشهورة. كان من أصحاب الزوايا، والناس يترددون إليه، وكان رجلاً مباركاً. توفى بزاويته يوم الخميس سادس عشر صفر رحمه الله تعالى. قال أخي رحمه الله حدثني الشيخ طالب البطائحي قال: نزلت مع الشيخ موفق الدين رحمه الله من الجبل، فذهب نحو ميدان الحصاء، ودخل بعض الخانات، فصعد، ودخل بعض بيوت الخان، وتذاكرا نحو ساعة، فقال له الشيخ الموفق: يا شيخ أبا بكر! ما أحسنكم وأحسن طريقكم، لولا حضور السماع! فقال له الشيخ أبو بكر: وأي شيء في سماعنا مما ينكر؟ فدعا الشيخ أبو بكر بفقير عنده، وقال: أنشد شيئاً ليسمع الشيخ موفق الدين ويرى؛ فأنشد الفقير أبياتاً، فحصل للشيخ موفق الدين طيبة، ودمعت عيناه، فلما رأى ذلك الشيخ أبو بكر، أنشد:
إن أنكرت أهل الشريعة كلها
…
أمر السماع فإنني لمحله
أو أغمدوا بسيف سنة أحمد
…
إني ببدعة حبكم سأسله
والله لو سمحت عليك بنظرة
…
لتزعزعت أركان جسمك كله
فصار الشيخ موفق الدين يبكي، ويقول: أي والله، لو سمحوا على بنظرة، ويردد ذلك كله. خذا مضمون ما حكاه الشيخ طالب لأخي رحمه الله.
عبد الرحمن بن عبد الله رسول الملك أحمد بن هولاكو. حدثني الشيخ عبد الله الموصلي المتصوف، وكان ممن قدم معه، وله خبرة بحاله، أن المذكور كان من مماليك الخليفة المستعصم بالله رحمه الله، وكان يسمى قراجاً، فلما ملك التتر بغداد وتلك البلاد، تزهد، وتسمى بعبد الرحمن، واتصل بالملك أحمد بن هولاكو، وعظم شأنه لديه، وحصل له من المكانة عنده ما يقصر عنه الوصف بحيث كان الملك يحضر إلى زيارته، وإذا شاهده من بعد ترجل، فإذا وصل إليه قبل يده، وقعد بين يديه، وامتثل جميع ما يشير به، وكان معظم ما يصدر من الملك أحمد من الأفعال الجميلة، والمبالغة في الميل إلى المسلمين بطريقه، وأشار إليه أن يتفق مع الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله، ويجتمع كلمتهم، فندبه لذلك، وسير في خدمته جماعة كثيرة من المغل والأعيان من أهل الموصل، وماردين وغيرهما، من صدور تلك البلاد، فحضر إلى دمشق في العشر الأوسط من ذى الحجة سنة اثنتين وثمانين وست مائة، وأقام هو ومن معه في دار رضوان بقلعة دمشق، ورتب لهم من الاقامات ما لا مزيد عليه، وبولغ في إكرامهم، وخدمتهم بكل طريق، وقدم السلطان الملك المنصور إلى الشام في هذه السنة أعني ثلاث وثمانين وست مائة، ومن أعظم أسباب قدومه الاجتماع به، وأبرام ما قدم بسببه، فبلغ الملك المنصور عند وصوله
إلى الشام أن الملك أحمد قتل، وتملك بعده أرغون بن أبغا بن هولاكو، فاستحضر الشيخ عبد الرحمن بقلعة دمشق ليلاً، واجتمع به، وسمع رسالته، ووعاها ثم أخبره بما اتصل به من قتل الملك أحمد مرسله، وعرفه أن رسالته انتقض حكمها بوفاة صاحبها، ثم أن الملك المنصور قضى إربه من سفرته تلك، وعاد إلى الديار المصرية، والشيخ عبد الرحمن ومن معه بقلعة دمشق في مكانهم، لكن اختصر شيء كثير مما كان يحضر إليهم، ورتب لهم قدر الكفاية التامة، فلما كان يوم الجمعة ثامن عشرين شهر رمضان المعظم من هذه السنة أعني سنة ثلاث وثمانين، توفى الشيخ عبد الرحمن المذكور رحمه الله تعالى بقلعة دمشق، فجهز وغسل بعد أن وقف عليه الأمير حسام الدين نائب السلطنة وغيره من الأعيان، ودفن بعد العصر بمقابر الصوفية، وقد نيف على الستين سنة من العمر، وبقى من معه على حالهم، وتطاول بهم الاعتقال، وأهمل جانبهم بالكلية، وضاق بهم الحال في المطعم والملبس، وكان معظمهم من أهل الموصل، فعمل النجم يحيى شعراً في معناهم، وبعث به إلى الأمير حسام الدين نائب السلطنة:
يا قاطع البيداء يرتقب الغنى
…
ها قد بلغت مطالب النعماء
هذا المقام المولوى العادلي
…
العالمي
…
ملك الأمراء
قبل لديه الأرض تعظيماً وبلغه رسائل ساكني الحدباء
واجأر إليه وناده متضرعاً
…
ومذكراً يا كاشف الغماء
الله قد أعطاك فضل عناية
…
عقلاً وتبصرة وفرط ذكاء
أحباك تأييداً ونور بصيرة
…
وسياسة مقرونة بحياء
أولى بسجنك أن يحيط ويصطفى
…
مبيد الملوك وأفخر العظماء
ما قدر فراش وحداد
…
وتغاط خربند إلى سقاء
خدموا رسولاً ما لهم علم بما
…
يخفى وما يندى من الأشياء
بل رغبة في نيل ما يتصدق السلطان من كرم وفيض عطاء
ويؤملون فواضلاً تأتيه من
…
لحم وفواكه ومن حلواء
حاشاه أن يغشى حماة معشر
…
قصدوه للاحسان والنعماء
نفروا من الكفار والتحوا إلى
…
الاسلام واتبعوا سبيل نجاء
فيقابلون بطول سجن دائماً
…
ويحشرون مجاعة وعناء
أخبارهم مقطوعة فكأنهم
…
موتى وهم في صورة الأحياء
إن الذي منهم تولى كبره
…
ولى وزال توهم الغوغاء
إن كان خيراً قد مضى أو كان
…
شراً قد أمنت عواقب الأسواء
وإذا قطعت الرأس من نسر فلا
…
تبخل بما يبقى من الأعضاء
هلا مننت عليهم بسراحهم
…
يجزيك رب العرش خير جزاء
والله أعلم بالسرائر طالما
…
أخذ البرئ بتهمة الأعداء
فلما عرضت هذه الأبيات إلى الأمير حسام الدين طالعه في أمرهم، وأطلق معظمهم، وبقى في الاعتقال نفرين أو ثلاثة، قيل: إن صاحب ماردين أشار بإبقائهم لأمر نقمه عليهم. وأما هذا الشيخ عبد الرحمن رحمه الله
فكانت مقاصده جميلة، وظاهره وباطنه منصرف إلى نصرة الاسلام، واجتماع الكلمة على أعداء الدين، وكان له عدة سفرات إلى الحجاز والشام والديار المصرية، ولما تلقى إلى البلاد الفراتية وأحضر إلى حلب ثم إلى دمشق فكانوا يسيرون به في الليل، ويعرجون عن الطرق، فقال لهم: أنا قد سافرت في هذه الطريق عدة سفرات، ولعلي أخبر بها بكثير من الناس، وكانت منيته رحمه الله مقاربة لمنية صاحبه رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن بن إبراهيم بن هبة الله بن المسلم بن هبة الله بن حسان بن محمد ابن منصور بن أحمد البارزى أبو محمد نجم الدين الجهنى الشافعي. وله بحماة سنة ثمان وست مائة، واشتغل بالعلوم الشرعية، والأدبية، والكلامية، والحكمية، وصنف في كثير من ذلك، وروى الحديث النبوي صلوات الله وسلامه على قائله عن جماعة، منهم: الحافظ ضياء الدين موسى بن سيدنا محي الدين عبد القادر الجبلي رضي الله عنهما بدمشق، والشيخ عبد الرحمن بن رواحة بحماة، والشيخ عبد المنعم بن الدقاق الدمشقي وغيرهم؛ وحدث وسمع منه الظاهري وغيره، وتولى القضاء الدمشقي وغيرهم؛ وحدث وسمع منه الظاهري وغيره، وتولى القضاء بحماة نيابة عن والده رحمه الله، وقد تقدم ذكر والده، ثم اشتغل بعد وفاة والده، ولم يأخذ على القضاء رزقاً، وصرف عن الحكم قبل وفاته بسنين يسيرة، وكان شديداً في أحكامه، موفقاً في نقضه وإبرامه، وافر الديانة، حسن الاعتقاد في الفقراء والصالحين، وقصد الحجاز الشريف في سنة ثلاث وثمانين وست مائة، فأدركته منيته في طريق مكة شرفها الله تعالى ليلة الخميس بعد عشاء الآخرة
عاشر ذى القعدة بعد نزولهم من تبوك بفلاة تعرف بالديسة، وغسل، وكفن، وصلى عليه، وحمل إلى المدينة الشريفة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ودفن بالبقيع بين قبة سيدنا إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبة العباس رضي الله تعالى عنه، ضحى يوم الخميس الرابع والعشرين من ذى القعدة، وكان رجلاً فاضلاً، معروفاً بالديانة والعلم، وله يد طولى في النظم، فمن شعره ما اعتذر به عن زيارة قادم، يقول:
قدمتم فجاء الناس يسعون نحوكم
…
وما عندهم لاعج الشوق ما عندي
فنكبت عنهم لا لأني مقصر
…
ولكن لكي أحضر بخدمتكم وحدي
قال: وكتبت بها إلى الملك المنصور ناصر الدين محمد صاحب حماة رحمه الله:
خدمتك في الشباب وها مشيبي
…
أكاد أحل منه اليوم رمسا
فراع لخدمتي عهداً قديماً
…
وما بالعهد من قدم فينسى
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
وكم محنة لله في طي محنة
…
وبالعكس لو أن امرأ يتيقظ
ومن قبل الأيام خيراً يعظنه
…
بما قلت والأيام بالدهر توعظ
وقال أيضاً رحمه الله:
إذا شمت من تلقاء أرضكم برقا
…
فلا أضلعي تهدأ ولا أدمعي ترقا
وإن ناح البان ورق حمائم
…
سحيرا فنوحي في الدجى علم الوقا
وحقكم ما كان حبي تخلقاً
…
فأسلوكم بل كان حبي لكم حقا
فرقوا لقلب في ضرام غرامه
…
حريق وأجفان بأدمعها غرقا
سميري من سعد خذا نحو أرضهم
…
يميناً ولا تستبعدا نحوها الطرقا
وعوجا على أفق يوشح شيحه
…
بطيب الشذى المكى أكرم به أفقا
فإن به المغنى الذي يبرأ به
…
وذكراه يستسقى لقلبي ويسترقا
ومن دونه عرب يرون نفوس من
…
يلوذ بمغناهم حلالاً لهم طلقا
بأيديهم بيض بها الموت احمر
…
وسم لذا هيجانهم يحمل الرزقا
وقولا محب بالشام غدا لقا
…
لفرقة قلب بالحجاز غدا ملقا
تعلقكم في عنفوان شبابه
…
ولم يسل عن ذاك الغرام وقد أبقا
وكان يمنى النفس بالقرب فاغتدى
…
بلا أمل إذ لا يؤمل أن يبقا
عليكم سلام الله أما ودادكم
…
فباق وأما العهد عنكم فما أبقى
وإن أنتما استنشقتما طيب طيبه
…
تضوع كعرق المسك احكمته سحقا
وعاينتما قبر النبي الذي غدا
…
لفرط سناه الغرب بالنور والشرقا
فقولا فلان فوق ما تعهدونه
…
غراماً بكم ما حبه لكم مذقا
رفيقكم مملوككم عبد ودكم
…
فصارا مناه تديموا له الرقا
ولا تعتقوه إن إرقاقكم له
…
يؤمل من نار الجحيم به عتقا
يعود ندى القبر الذي قد حواكم
…
إذا ما الجاهل السعادة أن يشقى
ووالده مع ولده وأبوهم
…
محبك كل فاز بالعروة الوثقى
وقائلها كم رام نظماً فصده
…
جلالك حتى ما يطيق به نطقا
أينطق مخلوق بمدحك بعد ما
…
أتى منه في القرآن ما يعجز الخلقا
عليك صلاة الله تبرى فإنها
…
إلى جنة المأوى لقائلها مرقا
أيا سيد العرب الكرام ومن
…
غدت سيادتهم للناس كلهم حقا
أجرني فإني قد أحاطت بساحتي
…
ذنوب لاثقال الرواسي عدت طبقا
والغرب عادات أجار بهم لمن
…
إليهم على خوف مقاليده ألقى
إذا كنت في قلبي مقيماً وكنت لي
…
غدا شافعاً حاشاي في النار ازلقا
فرفقاً بعبد ما تعود خفضكم
…
وما زال في عليا إحسانكم يرقا
وخيرا له خيرا كما اعتاد منكم
…
ولطفاً به لطفاً ورفقاً به رفقا
الهى على حب بشرع محمد
…
أبو بكر الصديق قاتل من عقا
وسماه عمر الفاروق لم يبق ملبسا
…
وأظهر بين الحق والباطل فرقا
وسماه في القرآن فنزل وحيه
…
بصاحبه فخراً وسماه بالانقا
كذا عمر الفاروق لم يبقى ملبسا
…
وأظهر بين الحق والباطل فرقا
بسطوته في نصرة الحق جاهداً
…
غدا كل جبار بمد له العنقا
فيا صاحبيه يا ضجيعيه أنتما
…
وسيلة من يرجوه المنزل الأتقى
سلا خير مسحوب فريد عنائه
…
بمن لم تزايله سهام الهوى رشقا
وعثمان ذو النورين بالمصحف اعتنى
…
فأتققنه خطا وأودعه رقا
وفاق على من بعدهم كل صاحب
…
وتربيتهم فضلاً كبير بهم سبقا
أدين بهذا والذي بخلافه
…
يدين فلا حقا يراه ولا صدقا
فسقيا ورعيا للذي يبصر الهدى
…
وسحقاً لمن يعمى بصيرته سحقا
ومشهدها عنى أعان تفضلاً
…
بحسن أداء فالثواب له حقا
قال وأنشد قصيدة لبهاء الدين زهير المقدم ذكره، مطلعها:
رسول الرضى أهلاً
…
وسهلاً ومرحبا
فعمل رحمه الله:
وكان الرضى منى إليه ولم يكن
…
رسول فأخشى أن يتم ويكذبا
وناديت أهلاً بالحبيب ولم أقل
…
رسول الرضى أهلاً وسهلاً ومرحبا
وقال أيضاً رحمه الله:
رسائل لو حلت على حسن فسحها
…
بصنعاء استغنت بها عن برودها
ولو سمعتها الغانيات لروعت
…
وما أمنت إلا بلمس عقودها
وقال أيضاً بعد فتح حصن الأكراد وحصن عكار:
ولما عبدا الأكراد خبث بقعة
…
وعكار إذ عم الأنام بلاهما
حللت بها حلة ثم حلة
…
فطاف بهذا الواديان كلاهما
وقال لما قدم مجير الدين محمد بن تميم من الحجاز الشريف:
أتى ابن تميم السامى بفضل
…
تصرف في الحقيقة والمجاز
حويت فصاحة الصنفين لما
…
حججت بني تميم والحجاز
عبد الرحيم بن سعد بن أبي المواهب بن سعد أبو حمد زين الدين البعلبكي. كان فقيهاً عالماً ديناً خيراً، حسن العشرة، يحاضر بالحكايات، والأشعار، والنوادر، وسافر إلى بلاد متعددة، وسمع الكثير من الحديث، ثم استوطن بعلبك، وتوفى ببعلبك يوم الجمعة سادس جمادى الأولى، وقد نيف على الستين سنة من العمر رحمه الله تعالى.
.... بن عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم أبو نصر الجزيري الشافعي جمال الدين المعروف بابن العجمية الحاكم بالجزيرة العمرية. كان فاضلاً، حسن الطريقة، كثير المكارم، له حدة كثيرة يقتضى ثلاثين ألف دينار، وكان بينه وبين شخص يقال له القرقوى نسبة إلى أمه خاتون، وقال لها القاضي جمال الدين: سم ولدك عند عبوره إلى الجزيرة في الاقامة التي سيرها له؛ فصدقته، وأحضرت القاضي المذكور إليها، وقتلته بيدها ذبحاً، وسيرت إلى نوابها ببلد الجزيرة تأمرهم بالقبض على أولاده، وحريمه، وقتلهم عن آخرهم حتى كلابهم وقطاطهم، فذهبت أرواحهم وأموالهم، ثم عاد، انعكس الأمر على القرقوى، وحصل له من رافعه، وأخذوه نواب التتر، فقتلوه هو وأولاده وأتباعه أعظم مما فعلوه بالقاضي، وما ربك بظلام للعبيد. روى للقاضي منامات حسنة مبشرة بكل خير، ومن شعره قصيدة أطال فيها النفس يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنها:
يا ساكني ربع قلبي لأعدمتكم
…
صبري وحقكم من بعدكم أبق
محبكم ليس ينساكم وبقلقة
…
تذكاركم وهو من فرط الأسى قلق
لا يستطيع اعتماضاً بعد بعدكم
…
فالعين ساهرة والغمض مفترق
من أبيات رحمه الله تعالى.
عبد الملك بن إسماعيل بن أبي بكر بن شاذى أبو محمد الملك السعيد فتح الدين بن الملك الصالح عماد الدين بن الملك العادل سيف الدين. كان من أعيان أولاد الملوك وأماثلهم، له الحرمة الوافرة، والمكانة الرفيعة، وكان حسن العشرة، دمث الأخلاق، وافر الحشمة، عنده رياسة، وتعدد، ومكارم أخلاق، وتأنق فيما يعانيه من المآكل والملابس وغير ذلك، وتوفى ليلة الاثنين ثالث شهر رمضان المعظم سنة ثلاث وثمانين وست مائة، ودفن عند جدته أم والده بتربتها داخل مدينة دمشق، وهو في عشر الخمسين. روى عن ابن اللتى، ومكرم بن أبي الصقر وغيرهما، وحدث رحمه الله تعالى بموطأ يحيى بن بكير عن مالك وغيره، ومولده تقريباً سنة ثلاثين وست مائة، وصنف كتاباً في المآكل وألوانها رحمه الله تعالى.
عطاء ملك بن محمد علاء الدين الجويني، صاحب الديوان ببغداد والبلاد الشرقية. كان إماماً عالماً فاضلاً، فقيهاً حنفياً، متبحراً في العلوم. نقالاً لمذهب أبي حنيفة رحمه الله، يعرف العربية، واللغة، والمعاني، وله استقلال بفن الأدب مع الرياسة العظيمة والوجاهة التامة، وله الأمر والنهي على سائر المملكة، يتصرف في الأموال والأقطاعات وغير ذلك،
والناس يتردد إلى بابه وخدمته، ويحضر مجلسه فضلاء بغداد وغيرها، ويجازيهم في العلوم، ويبالغ في الاحسان إليهم، ويمد لهم السماطات الهائلة، وله أموال كثيرة، وآلات نفيسة، وكتب عظيمة، وكان مسكنه آخر وقت في دار الدوادار الصغير على الجسر الجديد، وله يد في النظم والنثر، وكان بين يديه من أمكانات الفضلاء جماعة كثيرة، وتفضلات على سائر الناس، ومكارم أخلاق، وطلاقة وجه، لا يعسف أحداً ولا يظلمه، والناس في أيامه كأيام الخلفاء، وأهل بغداد وغيرها عاكفون على محبته والدعاء له، وعمل في جامع الكوفة بركة عظيمة، ينزل إليها بدرج، وعمل مشهد على رضوان الله عليه رباطاً مزخرفاً، وساق إليه المياه العظيمة من النهر الذي حفره من الفرات مبدأه من الأنبار، وأوصله إلى المشهد، وعمر عليه نحو مائة وخمسين قرية. وغرم عليه من الأموال ما لا يحصى، وحصل بذلك للناس رفق عظيم، فإنهم كانوا يردون الماء قبل عمله من مسافة بعيدة كالصالحية من دمشق، وأبعد، وزرع على هذه المياه النخيل العظيمة، والبساتين، والكروم، والبقول، وكانت أولاً كأرض الحجاز، وكانت سيرته من أحسن السير وأجملها. وأعدلها بالرعية، وأنصفها للمظلوم. عمر البلاد جميعها، وأسقط عن المزارعين مغارم كثيرة كانت من زمن الخلفاء. وكان أخوه الصاحب شمس الدين وزير البلاد في خدمة الملك حيث كان، وكان من صدور الاسلام، وله الكلمة النافذة والأمر المطاع، إماماً عالماً فقيهاً في مذهب الشافعي
رحمة الله عليه وكانت جوائزهما للعلماء المائة دينار فما فوقها إلى الألف. وكان قد عيد أبغا بن هولاكو بالعراق، وحضر علاء الدين، وشمس الدين أخوه إلى بغداد، فأحصيت الجوائز، والانعامات، والوظائف للعلماء والشعراء، وأرباب البيوت، فكانت فوق الألف جائزة. وكان كل فاضل يصنف كتاباً، وينسبه إليهما يكون جائزته ألف دينار، وأجازوا للشيخ شمس الدين بن الصقيل الجزرى ألف دينار على تصنيفه خمسين مقامة فضولها على مقامات الحريرى. وكان لهما حسن الظن في الفقراء والصالحين، وكذلك الأشراف. وكانت لهما عناية عظيمة بأوامر الشريعة. مدح بعض الشعراء لعلاء الدين صاحب الديوان بقصيدة أحسن نظمها، وأكثر فيها المعاني، والجناس اللفظي، والخطي، ثم شرع يمت بقصيدته، ويقول: لم يمدح في هذه الملة الاسلامية أحد بمثلها، ثم قال: أليس هذا أحسن من " قل أيها الكافرون "؟ فلما سمع علاء الدين منه ذلك، أمر غلمانه أن يأخذه بصورة أن يخلع عليه، فإذا خرج به ضرب عنقه، وأحضر رأسه إلى السماط، ففعل ذلك، ثم أنه شرع يعظم النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وقال: ما لكل مبتدع عندي إلا قتله. وكان في زمن هولاكو فما برح الصاحب علاء الدين أخو شمس الدين يعمل عليه حتى قتله. وكان قد قدم مجد الملك من ناحية العجم إلى بغداد قبل توجه العسكر المخذول صحبة منكوتمر بن هولاكو إلى الشام سنة ثمانين وست مائة بنحو من شهرين، فأخذ صاحب الديوان علاء الدين عطاء ملك بن الصاحب بهاء الدين الجويني،
وغسله وعاقبه، فقال صاحب الديوان في ذلك:
لا تيأسن لما جرى فالخير فيه لعله
…
قد كان عبداً آبقاً يعصى الاله فغله
فلما عاد العسكر مكسوراً، حمل صاحب الديوان في صحبتهم إلى همذان، وهناك مات أبغا بن هولاكو، وأخوه منكوتمر، فولى الأمر الملك أحمد باتفاق من صاحب الديوان علاء الدين، وأخيه الصاحب شمس الدين محمد ابن محمد الجوينى، فبعد أشهر يسيرة دون السنة هلك أحمد، وولى أرغون ابن أبغا، وطلب صاحبي الديوان؛ فاختفيا عنه، وتوفى علاء الدين بعد أشهر من ذلك مختفياً، وطلب شمس الدين، فأخذ له أماناً من أرغون وأحضر عنده فغدر به، وقتله بعد موت أخيه بمدة يسيرة، وكان لهذا شمس الدين ولدان رؤساء، لهم مكارم، واحتفال بالوظائف التي يعملوها. والناس على أبوابهم وهم في سعة صدورهم والاحسان الوافر، وإذا عملوا دعوة غرموا عليها الألوف، ودعوا إليها كل فقير وغني، ولم يكن مثلهم في رياستهم. فلما قتل أبوهم، فوض أمر العراق إلى جماعة مشركين، وهم: سعد الدين العجمي، ومجد الدين بن الأثير، والأمير المعروف بشكسان. فتعلق أحد أولاد شمس الدين المذكور الذي قتل وهو الأمير هارون على ارق وزير أرغون، وصاحب حساب العراق؛ فلما كان بعد سنة. حضر الجماعة عند الوزير ارق في منزلهم من تبريز، وعمل حسابهم، وأوجب عليهم القتل، وفعل ذلك بهم، وطلب كى خاتو أخو أرغون، وهو
الذي كان قاتل مجد الدين بن الأثير، لأنه كان متعلقاً به. فاعتذر ارق إليه بأن هارون هو الذي فعل ذلك بالجماعة، وقتلهم، فأوجب الحال قتل هارون وأولاده مع صغارهم، ومن كان عمره دون التمييز فقتلوا كلهم. واتفق علاء الدين صاحب الديوان سعادات عظيمة، ونزلت به أمور عظيمة سلمه الله منها. فمن ذلك أنه كان معه ببغداد شحنة من تحت يده يعمل ما يأمره به، يقال له الطرغيا، وحديث الأموال، والمناصب، والأمر، والنهي في البلاد كلها راجع إلى علاء الدين، والشحنة ليس له من الأمر إلا إذا حضر بخدمة علاء الدين في دار العدل، ووجب قتل أحد شرعا أمر بقتله فامتثل، أو بتأديبه فأدبه، لا أمر له سوى ذلك. فحسد علاء الدين على ما هو فيه من إنفاذ الكلمة، والاستقلال بالمملكة، ورام أخذ موضعه بمكيدة يعملها في حقه. فكتب على لسان علاء الدين كتاباً إلى الملك المنصور قلاوون يذكر فيه ذلك مناصحة له، وأنه ليحضر هو أو أحد عسكره ليملكه البلاد، وما يناسب هذا الكلام ليدل على مواطأته. وسير الكتاب مع شخص يتوجه به إلى الشام، ويغير به في طريقه على جماعة من المغل ليأخذوه إذا رأوه. فلما توجه إلى ذلك المكان، وجده الفراغون، فأمسكوه وقالوا له: أيش معك؟ وقرروه، فقر أنه رسول صاحب الديوان إلى ملك مصر، فأحضروه إلى بغداد إلى الشحنة الذي كان أرسله، فأعطاه ألف دينار على توجهه به، فقرروه، وأخذ الكتاب منه، وجهزوه مع الفراغون
إلى الملك أبغا، فطلب علاء الدين مقيداً مغلغلاً، وكان أخوه شمس الدين عند أبغا وزيره، فعندما بلغه الخبر، أرسل غلمانه من طريق أقرب من طريق الرسل الواصلين بإحضار أخيه بكتاب يقول فيه: يا أخي! يدك في الكتاب، ورجلك في الركاب، وتطوى المنازل، وكان لم يبرح عنده في الدهليز فرس مشدود، فمجرد ما وصله الكتاب، ركب ودخلوا البريدية الواصلين بسببه فلم يجدوه، وساق الليل والنهار إلى أن وصل إلى أبغا، وسأل المحاقة على ما قيل عنه، وطلب الرسول بالكتاب، وحاقه وسأله من غير ضرب، فقر على الشحنة، وأنه أعطاه ألف دينار على تأدية الكتاب إلى ذلك المكان الذي أمسكوه فيه، فرسم له بالبلاد على عادته، وتضاعف شكره، وخلع عليه، وتسلم الشحنة إليه، وحكموه في البلاد أكثر مما كان، وأما الذي حمل الكتاب المزور، فأخذه، وعاد به إلى بغداد، وتنوع في عذابه وصلبه وسمله، ودور به البلد، ثم أرمى بعد ذلك في الدجلة، وكتب إلى أهل بغداد كتاباً يقول فيه بعد البسملة:" إن لله تعالى ألطافاً خفية، يرى صورتها حسنة، يحسبها الجاهل بجهله نقمة، فإذا انتهت ونمت، عرف أنها نعمة "؛ وما هذا معناه. وعاد إلى بغداد، فاحتفلوا بدخوله احتفالاً عظيماً، وزين البلد، وعملت المغاني في الشوارع، والقباب المزينة. وكان يوم دخوله يوماً مشهوداً، ولما استقر بها وحضر الفضلاء لتهنئته، أنشدهم لنفسه مما عمله في هذه الواقعة أبياتاً خمسها، بعد أن نظم
مصاريعها، وهي هذه:
ألا يا صاحبي لا تخش أمراً
…
قليل الخطب سوف يعود فجرا
أقول وقد تقلت الدهر خبراً
…
لأن نظر الزمان إليك شزرا
فلا تك ضيفاً من ذاك صدرا
فكيف ينال ما يختار مني
…
عدو والاله يرد عني
فلا تحزن علي بما يعنى
…
وكن بالله ذا ثقة لأني
أرى آيته في ذا الأمر سرا
فما أنا من يخاف من اغتيالي
…
ويخشى من تصاريف الليالي
ألا قل للمعادي والمواي
…
رماني إذ رماني لا أبالي
فقد مارسته عسراً ويسرا
أأجزع من حوادثه إذا ما
…
قصدت إلى وفوقت السماما
وقد لامسته نوباً عظاما
…
وقد صاحبته ستين عاما
مضين وذقته حلو ومرا
قطعت قفاره أقصى وأدنى
…
وجئت بقاعه خوفاً وأمنى
وكم عاينته فرحاً وحزنا
…
وسلكت فجاجه سهلاً وحزنا
وخضت بحاره مداً وجزرا
أرحبه لكي يرتاح بالي
…
فأتعب خاطري وأحل حالي
بحالي ذى اغتيال واحتبال
…
رأيت الدهر لا يبقى بحال
يريك الوجه ثم يريك ظهرا
فما أنا من صروف الدهر شكا
…
وإن لاقيت بعد الرحب ضنكا
ولا أخشى من البأساء فتكا
…
وإن وجدت ريح الموت وجها
لقد عرفته سراً وجهرا
ومن شعره:
أحبابنا لو درى قلبي بأنكم
…
تدرون ما أنا فيه لذ لي تعبي
وإن أيسر ما ألقاه من ألم
…
أنى أموت وما تدري الأحبة بي
وكانت وفته في سنة ثلاث وثمانين مختفياً رحمه الله تعالى.
عيسى بن مهنا أبو مهنا الأمير شرف الدين أمير آل فضل العرب في وقته، والمشار إليه منهم. كان له منزلة عظيمة عند الملك الظاهر، ثم تضاعفت عند الملك المنصور سيف الدين قلاوون بحيث ضاعف حرمته وأقطاعه، وملكه مدينة تدمر بعقد البيع والشراء، وأورد عنه لبيت المال ليأمن غائلة ذلك فيما بعد، وكان المشار إليه كريم الأخلاق، حسن الجوار، مكفوف الشر، مبذول الخير، لم يكن في العرب وملوكها من يضاهيه، وعنده ديانة، وصدق لهجة، لا يسلك مسالك العرب في النهب وغيره، ولما توفى أقر الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله
ولده الأمير حسام الدين مهنا على إمرته وأقطاعه وزاده، وضاعف حرمته، وبسطته، وكان بين وفاته ووفاة الأمير أحمد بن حجي دون السنة، وكان بينهما من المنافسة ما يكون بين النظراء، فكان أجلهما متقارب، وصلى على عيسى رحمه الله بجامع دمشق بالنية يوم الجمعة تاسع ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين رحمه الله تعالى.
محمد بن أحمد بن محمد أبو عبد الله عماد الدين الأنصاري المعروف بابن الشيرجى. من أعيان الدمشقيين، وأكابرهم، وعدولهم، وذوى الثروة والوجاهة والرياسة فيهم، وهو ناظر أوقاف ست الشام بدمشق المدرستين والخانقاة. سمع الكثير، وحدث، وبيته مشهور بالرياسة والتقدم. وكان عماد الدين موصوفاً بالخير، والديانة، وكثرة التواضع، وكرم الأخلاق، وحسن العشرة، والموادة، ولى عدة ولايات جليلة آخرها نظر الخزانة بدمشق. وتوفى ليلة الثلاثاء سادس ربيع الأول هذه السنة ببستانه، ودفن يوم الثلاثاء بتربتهم في مقابر باب الصغير. ومولده سنة ثلاث عشرة وست مائة.
محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق بن خليل بن مقلد أبو المفاخر عز الدين الأنصاري الشافعي المعروف بابن الصائغ. لازم الاشتغال من صغره على جماعة من الفقهاء، ثم لازم القاضي كمال الدين عمر التفليسي رحمه الله وانتفع به، وتنبه عليه، وصار يعد في أعيان الفقهاء، وأكابرهم، وأشرك بينه وبين القاضي شمس الدين محمد بن أحمد بن نعمة المقدسي رحمه الله تعالى
في المدرسة الشامية بعد فصول، ثم استقل بها شمس الدين، لما حضر الصاحب بهاء الدين رحمه الله إلى الشام في سنة تسع وستين، وولاه وكالة بيت المال المعمور بالشام، ورفع من قدره، فباشر ذلك مدة يسيرة، ثم ولاه قضاء القضاة شمس الدين ابن خلكان رحمه الله تعالى فباشر الأحكام الشرعية، وسلك الطرق المرضية، واجتهد على تمييز الأوقاف من حفظ أموال الأيتام، وأوقاف الأشراف، وتصدى لذلك، وطار صيته وحمدت طريقته، لولا ما كان يعانيه من التوبيخ، والمحاقة، وكشف العورات، وإطراح الأكابر، فمقته الناس لذلك، وكثرت الشكوى منه بسببه. وتغير عليه الصاحب بهاء الدين رحمه الله ولم يمكنه عزله لأنه كان أطنب في شكره عند الملك الظاهر رحمه الله عزله، وأعاد قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان رحمه الله فكانت ولايته سبع سنين، فسر معظم الناس بعزله، واقتصر على تدريس العذراوية، وأظن مدرسة أخرى. وكان صرفه عن الحكم في أول سنة سبع وسبعين، واستمر معزولاً إلى حيث تسلطن الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله وحضر إلى دمشق سنة ثمانين وست مائة، فأعاده إلى الحكم لأسباب اقتضت ذلك. فباشر في أول السنة المذكورة، وعاد إلى سجيته وما كان يعانيه من الغض من الناس، وكشف عوراتهم، وذكر مساويهم. فحصل التضافر عليه والسعي فيه، فاعتقل في شهر رجب سنة اثنتين وثمانين بقلعة دمشق، وصرف وولى مكانه قاضي القضاة بهاء الدين يوسف بن الزكي رحمه الله ولزم بيته
وحصل له سوء مزاج، وتخليط في كلامه، ولم يزل ذلك يتزايد إلى أن توفى إلى رحمة الله تعالى في يوم الأحد تاسع ربيع الآخر ببستانه، ودفن يوم الاثنين بسفح قاسيون في التربة المعروفة به، وقد نيف على الخمسين سنة رحمه الله بعد أن صلى عليه مراراً، ولم يتخلف عنه أحد من المشهورين، وختم له بأنواع الصالحات، منها: موته خاملاً غير متول، ومنها: النكبة التي نكبها وحبس عليها شهراً ظلماً، وعدواناً، ومنها: مرضه الطويل حتى اضمحل، ولم يبق عليه من اللحم شيء، وآخر ما ختم له به أنه يوم مات توضأ بنفسه لصلاة العصر، وقال: هللوا معي، فهللوا، وخرجت روحه مع آخر التهليلات، فكان آخر كلامه: لا إله إلا الله؛ فنرجوا له الجنة للحديث في ذلك. وتولى عوضه في المدرسة العذارية زين الدين وكيل بيت المال، وذكر الدرس يوم الأحد سادس عشر الشهر، وعوض ولده محي الدين أحمد بالعمادية، وزاوية الكلاسة، وذكر بها الدرس يوم الأربعاء تاسع عشره. روى الحديث عن ابن اللتى، والسخارى، وابن الجميزى، وابن خليل، وجماعة كثيرة، وكان قد قرأ المحصول بحثاً، والحاصل، والتنبيه، والمفصل للزمخشري، وسافر إلى البلاد في طلب العلم، وحصل علماً كثيراً، وديناً وافراً رحمه الله ومولده سنة تسع وعشرين وست مائة.
محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان أبو عبد الله بهاء الدين البرمكي الشافعي. مولده سنة ثلاث وست مائة، أظن باربل، سافر إلى البلاد، واشتغل بالفقه، وسمع الحديث، وكان رجلاً معدوم النظير في
كثير من أوصافه، عنده تواضع مفرط، ولين الكلمة، ورقة القلب، وغزارة الدمعة، وسلامة الصدر، وحسن العقيدة في الفقراء والصالحين، وعدم الالتفات إلى الدنيا والاحتفال بأمرها، ولى الحكم ببعلبك وعملها، وباشر ذلك مدة سنين إلى حين وفاته رحمه الله ولم ينله من جميع ما كان باسمه من الجامكية، والجراية إلا قوته لا غير، ولا يسأل عما عدا ذلك، وأما بشره، وتلقيه بالترحب لمن يحضر عنده، فخارج عن الحد حتى لقد كنت أترك الاجتماع به مع كثرة إيثاري لذلك لما يعاملني به في المبالغة من الاكرام. وتوفى إلى رحمة الله تعالى ولم يترك درهماً ولا ديناراً سوى ثياب بدنه لا غير، وكانت يسيرة جداً، وترك عليه جملة من الدين بيعت كتبه، وفي ما عليه، ودفن في تربة سيدنا الشيخ عبد الله اليونيني رحمة الله عليه وهو أسن من قاضي القضاة شمس الدين رحمه الله ومنذ بلغه وفاة أخيه قاضي القضاة شمس الدين حصل له من الحزن ما لا مزيد عليه، ولم يكن دمعه يرقأ في غالب أوقاته، ولازم الحزن والبكاء إلى حيث لحق بهما رحمهما الله تعالى وأسكنهما غرف جنانه فلقد كانا من محاسن الدهر، وكانت وفاة القاضي بهاء الدين محمود المذكور رحمه الله في يوم الأربعاء ثاني عشرين شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وست مائة ببعلبك، ودفن يوم الخميس.
محمد بن محمد بن يحيى بن محمد بن علي أبو عبد الله بدر الدين التغلبي. كان شاباً فاضلاً، أسمعه قاضي القضاة نجم الدين في صغره على مشايخ وقته، وأحضره
على الشيخ تقي الدين بن الصلاح، فسمع منه بعد الأربعين كتاب الفتوى وغيره، ودرس بعد والده بالركنية إلى أن توفى في يوم الاثنين سابع عشرين رجب الفرد، ودفن من يومه بالجبل رحمه الله تعالى.
محمد بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذى أبو المعالي الملك المنصور ناصر الدين ابن الملك المظفر تقي الدين ابن الملك المنصور صاحب حماة والمعرة. تملك حماة وما معها عند وفاة والده في يوم السبت لثمان مضين من جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وست مائة، ووالدته الصاحبة غازية خاتون ابنة الملك الكامل بن العادل، ومولده في الساعة الخامسة من يوم الخميس لليلتين بقيتا من ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وست مائة بقلعة حماة، وعملت عقيقة عظيمة بقلعة حماة في اليوم السابع من مولده، وتقلد الملك بعد وفاة والده، وعمره عشر سنين وشهر واحد وثلاثة عشر يوماً، وقام بتدبير ملكه الأمير سيف الدين طغريل أستاد دار والده، والمشير في الدولة الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري، والطواشي مرشد، والوزير بهاء الدين بن تاج الدين، والجميع يرجعون إلى ما تأمر به الصاحبة غازية خاتون والدته.
محمد بن موسى بن النعمان أبو عبد الله التلمساني، الإمام العالم العارف شمس الدين. شهرته تغني عن الاطناب في ذكره، سمع بالإسكندرية أبا عبد الله عماد الدين الحزاني، وأبا القاسم الصفراوي، وأبا الفضل جعفر الهذاني،
وخلقاً يطول ذكرهم، وسمع بمصر أبا الحسن بن الصابوني، وأبا القاسم ابن الطفيل، وأبا الحسن بن المقير، وجماعة سواهم، وحدث. مولده بتلمسان في سنة ست أو سبع وست مئة، وتوفي بمصر ليلة الأحد التاسع من شهر رمضان المعظم هذه السنة، ودفن يوم الأحد بالقرافة الكبري رحمه الله وكان يوماً مشهوداً، وله يد في النظم، فمن ذلك:
أتطمع أن ترى ليلى بعين
…
وقد نظرت إلى حسن سواها
سواها لا يروق الطرف حسنا
…
وأوصاف الجمال لها حماها
حماها منزل الأحباب قدماً
…
وإن كان الجلال لها حماها
أتنظرها بعين بعد عين
…
فتلك العين يمنعها قذاها
قذاها إن أردت يزول عنها
…
بعين الغير دهرك لا تراها
ترى الحسناء تسفر عن لثام
…
سحيق المسك يعبق من شذاها
شذاها عطر الأكوان طيباً
…
ونشر الطيب ينفح من ثراها
ثراها للعيون خلا خلاء
…
فحسبك لا دوا إلا دواها
سناها يعجر الأوصاف عنه
…
وحسب الفكر يقصر لو ثناها
ففخر المرء في دنياه حقا
…
برؤية من رأى من قد رآها
فأقسم لا يرى الحسناء إلا
…
محب لا يرى إلا هواها
هواها يحجب الأبصار طرا
…
عن الكونين لا تبصر سواها
وكانت له مصنفات جليلة مفيدة تدل على إطلاعه، ويذكر ما كان يعانيه
من المعارف، منها: كتاب مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام في اليقظة والمنام. أتى فيه بكل شيء مليح بديع. ومن كلامه: " من قطع بشفرة السكوت لسانه، أسكن الله تعالى الحكمة جنانه. وعمر بطاعته جوارحه وأركانه. ورفع في الدارين قدره وشأنه. ووقاه منهما ما شانه. ونفع به أهله وإخوانه وجيرانه ".
ومن شعره:
تزود أخي التقوى فأنت به تقوى
…
فليس يفيد المرء علم بلا تقوى
عليك بها واقبل نصيحة مرشد
…
فإن أصول الخير أجمع في التقوى
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
إن كنت تقصد صحبة النصاح
…
فاطلب حديث القوم في الأصحاح
أصحاب خير العالمين محمد
…
رحماء بينهم فشمل صحاح
لا تقبلن سوى نصيحة مؤمن
…
تحيا بها والفتح للفتاح
فاصحبهم ولا تصحب سواهم
…
قد بان هذا النصح بالإيضاح
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
من أحمل النفس في دنياه أحياها
…
نعم وروحها حقاً وزكاها
هدى الفلاح لنا قال الإله لنا
…
قد خاب والله من في الخير دساها
نصر الله بن محمد بن نصر الله صفي الدين وزير حماة. وليها بعد وفاة أخيه علاء الدين سنة أربع وسبعين وست مائة، وكان حسن المعاملة للناس، لين الكلمة، توفي بحماة سلخ رجب رحمه الله وإيانا.