المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌45- حول حفظ الله للذكر وهل الذكر هو كل القرآن؟ أم بعض القرآن - شبهات المشككين

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌1- جمع القرآن

- ‌2- تعدد مصاحف القرآن

- ‌3- تعدد قراءات القرآن

- ‌4- الكلام الأعجمى

- ‌5- الكلام العاطل

- ‌6- الكلام المتناقض

- ‌7- الكلام المفكك

- ‌8- الكلام المكرر

- ‌9- الكلام المنسوخ

- ‌10- الكلام الغريب

- ‌12- رفع المعطوف على المنصوب

- ‌13- نصب المعطوف على المرفوع

- ‌14- نصب الفاعل

- ‌15- تذكير خبر الاسم المؤنث

- ‌16- تأنيث العدد، وجمع المعدود

- ‌17- جمع الضمير العائد على المثنى

- ‌18- الإتيان باسم الموصول العائد على الجمع مفرداً

- ‌19- جزم الفعل المعطوف على المنصوب

- ‌20- جَعْلُ الضمير العائد على المفرد جمعاً

- ‌21- الإتيان بجمع كثرة فى موضع جمع القلة

- ‌22- الإتيان بجمع قلة فى موضع جمع الكثرة

- ‌23- جَمْعُ اسمِ عَلَمٍ يجب إفراده

- ‌24- الإتيان بالموصول بدل المصدر

- ‌25- وضع الفعل المضارع موضع الماضى

- ‌26- عدم الإتيان بجواب " لمَّا

- ‌27- الإتيان بتركيب أدى إلى اضطراب المعنى

- ‌28- صَرْفُ الممنوع من الصرف

- ‌29- الإتيان بتوضيح الواضح

- ‌30- الالتفات من المخاطب إلى الغائب قبل تمام المعنى

- ‌31- الإتيان بفاعلين لفعل واحد

- ‌32- الإتيان بالضمير العائد على المثنى مفردًا

- ‌33- الإتيان بالجمع مكان المثنى

- ‌34- نصبُ المضاف إليه

- ‌35- هل تناقض القرآن فى مادة خلق الإنسان

- ‌36- حول موقف القرآن من الشرك بالله

- ‌37- حول عصيان إبليس وهو من الملائكة الذين لا يعصون الله

- ‌38- حول عصيان البشر: مع أنهم من المخلوقات الطائعة القانتة لله

- ‌39- حول مدة خلق السموات والأرض

- ‌40- حول خلاف القرآن للكتاب المقدس فى أسماء بعض الشخصيات التاريخية

- ‌41- حول تسمية القرآن الكريم مريم " أخت هارون

- ‌42- حول خلاف القرآن للكتاب المقدس فى عصر نمرود

- ‌43- حول الإسكندر ذى القرنين

- ‌44- حول غروب الشمس فى عين حمئة ومخالفة ذلك للحقائق العلمية

- ‌45- حول حفظ الله للذكر وهل الذكر هو كل القرآن؟ أم بعض القرآن

- ‌46- حول تاريخية أو خلود أحكام القرآن الكريم

- ‌47- حول عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم وموقف القرآن من العصمة

- ‌48- دعوى: خلو الكتب السابقة من البشارة برسول الإسلام

- ‌49- قوم النبى محمد صلى الله عليه وسلم زناة من أصحاب الجحيم

- ‌50- مات النبى صلى الله عليه وسلم بالسم

- ‌51- تعدد زوجات النبى محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌52- محاولة النبى محمد صلى الله عليه وسلم الانتحار

- ‌53- ولادة النبى محمد صلى الله عليه وسلم عادية

- ‌54- يحتاج محمد صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة عليه

- ‌55- محمد صلى الله عليه وسلم أُمّى فكيف علّم القرآن

- ‌56- محمد صلى الله عليه وسلم يحرّم ما أحل الله

- ‌57- تعلّم محمد صلى الله عليه وسلم من غيره

- ‌58- محمد صلى الله عليه وسلم يعظم الحجر الأسود

- ‌59- كاد محمد صلى الله عليه وسلم أن يفتن

- ‌60- قاتل محمد صلى الله عليه وسلم فى الشهر الحرام

- ‌61- محمد صلى الله عليه وسلم مذنب كما فى القرآن

- ‌62- الشيطان يوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌63- حول الاستغناء بالقرآن عن السنة وعلاقة السنة بالقرآن

- ‌64- حول تناقض النقل - القرآن - مع العقل

- ‌65- الإسلام انتشر بالسيف، ويحبذ العنف

- ‌66- هل الجبال تحفظ توازن الأرض؟ والأرض تدور حول نفسها

- ‌67- هل النجوم رجوم الشياطين

- ‌68- القرآن يتناقض مع العلم

- ‌69- كيف يكون العلم كفرًا

- ‌70- رىّ مصر بالغيث

- ‌71- الرعد ملك من الملائكة

- ‌72- الوادى طوى

- ‌73- هل الزيتون يخرج من طور سيناء

- ‌74- جبل قاف المحيط بالأرض كلها

- ‌75- هامان وزير فرعون

- ‌76- قارون وهامان مصريان

- ‌77- العجل الذهبى من صنع السامرى

- ‌78- أبو إبراهيم آزر

- ‌79- مريم العذراء بنت عمران

- ‌80- يوسف همّ بالفساد

- ‌81- نوح يدعو للضلال

- ‌82- فرعون ينجو من الغرق

- ‌83- انتباذ مريم

- ‌84- مريم تلد فى البرية ووليدها يكلمها من تحتها

- ‌85- لكل أمة رسول منها إليها

- ‌86- خَلْط الأسماء

- ‌87- أخنوخ وليس إدريس

- ‌88- نوح لم يتبعه الأراذل

- ‌89- تهاويل خيالية حول برج بابل

- ‌90- اختراع طفل ينطق بالشهادة

- ‌91- الكعبة بيت زحل

- ‌92- إسماعيل بين الأنبياء

- ‌93- أبناء يعقوب يطلبون أن يلعب يوسف معهم

- ‌94- وليمة نسائية وهمية

- ‌95- عدم سجن بنيامين

- ‌96- قميص سحرى

- ‌97- ابنة فرعون أو زوجته

- ‌98- طرح الأولاد فى النهر صدر قبل ولادة موسى لا بعد إرساليته

- ‌99- صَدَاق امرأة موسى

- ‌100- لم ترث إسرائيل مصر

- ‌101- ضربات مصر عشر لا تسع

- ‌102- الطوفان على المصريين

- ‌103- صخرة حوريب وليست آبار إيلّيم

- ‌104- لوحا الشريعة

- ‌105- هل طلبوا رؤية الله

- ‌106- سليمان أو أبشالوم

- ‌107- هاجر أو السيدة العذراء

- ‌108- لم تنزل مائدة من السماء

- ‌109- قصة ذى الكفل

- ‌110- أصحاب الرس

- ‌111- حتى لقمان نبى

- ‌112- الكعبة مقام إبراهيم

- ‌113- فرعون بنى برج بابل بمصر

- ‌114- شاول الملك أو جدعون القاضى

- ‌115- يتكلم فى المهد

- ‌116- يصنع من الطين طيراً

- ‌117- إنكار الصَّلب

- ‌118- تحليل إنكار الله

- ‌119- تحليل الحنث فى القَسَم

- ‌120- تحليل الإغراء بالمال

- ‌121- تحليل القتل

- ‌122- تحليل النهب

- ‌123- تحليل الحلف

- ‌124- تحليل الانتقام

- ‌125- تحليل الشهوات

- ‌126- الحدود فى الإسلام

- ‌127- حد السرقة

- ‌128- حد الزنا

- ‌129- حد الردة

- ‌130- أن ميراث الأنثى نصف ميراث الذكر

- ‌131- أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل

- ‌132- أن النساء ناقصات عقل ودين

- ‌133- ما أفلح قوم ولُّوا أمرهم امرأة

- ‌134- الرجال قوَّامون على النساء

- ‌135- قضية الحِجاب

- ‌136- الرِّق

- ‌137- التَّسَرِّى

- ‌138- هل تحريم زواج المسلمة بغير المسلم يُعد نزعة عنصرية

- ‌139- هل صحيح أن الإسلام ضد حرية الاعتقاد

- ‌140- ما موقف الإسلام من الديمقراطية وحقوق الإنسان

- ‌141- ما موقف الإسلام من الفنون

- ‌142- ما أسباب تفرق المسلمين رغم دعوة الإسلام للوحدة

- ‌143- هل الإسلام مسئول عن تخلف المسلمين

- ‌144- هل صحيح أن الصوم يقلل حركة الإنتاج

- ‌145- هل صحيح أن الزكاة تتيح للغنى فرصة عند الله أفضل من فرصة الفقير

- ‌146- لماذا حرّم الإسلام أكل لحم الخنزير

- ‌147- لماذا حرّم الإسلام الحرير والذهب على الرجال

الفصل: ‌45- حول حفظ الله للذكر وهل الذكر هو كل القرآن؟ أم بعض القرآن

‌45- حول حفظ الله للذكر وهل الذكر هو كل القرآن؟ أم بعض القرآن

؟

هناك من لا يؤمنون بأن القرآن قد حفظ، كما تقول الآية الكريمة:(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، ويقولون: قد يكون الذكر جزءً امن القرآن، وليس كله. ويستدلون بكلام لعمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ بأنه أقسم على أن هناك آية فى القرآن تتحدث عن الرجم ـ وهذه الآية غير موجودة ـ وأن غنمه أكلت ورقة من القرآن كانت بيد عائشة رضى الله عنها (انتهى) .

الرد على الشبهة:

وفى الجواب عن هذه الشبهة نسأل:

لماذا بعث الله سبحانه وتعالى الرسل، وأنزل الكتب؟.

لقد كان ذلك رعاية من الله لخلقه.. ولطفًا بهم.. وحتى يكون حسابه لهم ـ كى لا يتساوى المحسن والمسىء ـ وجزاؤه إياهم على أفعالهم عدلاً إلهيًا خالصًا.. (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)(1)(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)(2) .

(لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)(3) .

وقبل ختم النبوة والرسالة، كانت مهمة حفظ كتب الرسالات والشرائع موكولة إلى أمم هذه الرسالات كجزء من التكليف لهم والاختبار لاستقامتهم فى هذا التكليف:(إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتى ثمنًا قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)(4) .لكنهم فرطوا فى القيام بتكليف الحفظ للكتب بالنسيان حينًا وبالتحريف والإخفاء حينًا آخر: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكَلِمَ عن مواضعه ونسوا حظًا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلاً منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين * ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون * يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم)(5) .

وعندما كانوا يحرفون هذه الكتب، أو ينسون بعضها ويخفون البعض الآخر، كان الله يبعث رسولاً جديدًا بكتاب جديد..

أما عندما أراد الله سبحانه وتعالى مع بلوغ الإنسانية سن الرشد ـ ختم النبوات والرسالات بنبوة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فكان لابد لحفظ كتاب الشريعة الخاتمة من حافظ لا يجوز عليه الإهمال، ولا يتأتى منه التحريف، ولا يليق به النسيان.. أى كان لابد من الحفظ المعصوم الدائم للكتاب المعجز الخالد. لأن ترك حفظ الكتاب الخاتم للبشر، الذين يجوز عليهم الإهمال والتحريف والنسيان معناه طروء وحدوث التحريف والضياع لهذا الكتاب، حيث لا وحى سيأتى ولا رسول سيبعث ولا كتاب سينزل.. الأمر الذى لو حدث ـ افتراضًا ـ سيضل الناس ولا رعاية لهم، ولا حُجة عليهم، تجعل من حسابهم وجزائهم عدلاً إلهيًا مناسبًا.

ولذلك، انتقلت مهمة حفظ الوحى الخاتم ـ القرآن الكريم ـ فى الرسالة الخاتمة إلى الله سبحانه وتعالى الذى لا يتخلف حفظه أبدًا، بعد أن كانت هذه المهمة فى الرسالات السابقة، استحفاظًا من الله للناس، أى طلبًا منه لهم أن يحفظوا ما أنزل عليهم من الكتاب. فكان الوعد الإلهى المؤكد:(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)(6) .

ولذلك هيأ الله لتدوين القرآن الكريم من كتبة الوحى ما لم يتهيأ لكتاب سابق.. وجعل جمعه وعدًا إلهيًا وإنجازًا ربانيًا: (لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه)(7) . فكان الحفظ للقرآن ـ كل القرآن ـ وعدًا إلهيًّا. وإنجازًا ربانيًا، وذلك حتى تستمر حجة الله على عباده، ويكون حسابه لهم عدلاً خالصًا.

ولم يقل أحد، ولا جائز فى العقل ـ فضلاً عن النقل ـ أن يقال: إن الذكر، الذى تعهد الله بحفظه، هو بعض القرآن، وليس كل القرآن.. لأن ضياع أى جزء من القرآن إنما يعنى تخلف رعاية الله لخلقه، وسقوط حُجته على عباده.. ثم إن القرآن لا يقف بالحفظ عندما يطلق عليه الذكر، فضلاً عن أن مصطلح الذكر إنما يشمل كل القرآن.. تشهد على ذلك الآيات الكثيرة فى كتاب الله.. فالمراد بالذكر القرآن.. كل القرآن.. والكتاب.. كل الكتاب ـ وليس بعضه ـ بدليل قول الله سبحانه وتعالى:(فاسألوا أهل الذكر)(8) ، أى أهل الكتب السابقة.. والله يشير إلى القرآن والتنزيل ـ أى كل ما نزل به الوحى ـ بلفظ الذكر (أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم)(9) ، (وقالوا يا أيها الذى نُزِل عليه الذكر إنك لمجنون)(10) ، (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزّل إليهم ولعلهم يتفكرون)(11) ، (وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون)(12) ، (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين)(13) ، (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون * وما هو إلا ذكر للعالمين)(14) . والذكر هو كل ما جاء به الوحى، فالوحى هو الذكر (فاستمسك بالذى أوحى إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تُسألون)(15) . بل إن سياق آية (إنا نحن نزلنا الذكر (شاهد على أن الذكر والقرآن والكتاب هو الوحى (آلر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين)(وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) ، (وقالوا يا أيها الذى نُزل عليه الذكر إنك لمجنون (، (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)(16) .

ثم إن القرآن الكريم يؤكد أن الحفظ، ونفى الشك والريبة إنما هو لكل القرآن ولجميع التنزيل، وليس لبعض القرآن:(ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)(17)(تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين)(18)(ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق)(19)(نزل عليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه)(20)(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس)(21)(وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه)(22) . (ما فرطنا فى الكتاب من شىء)(23) .. ولو ضاع شىء من هذا الكتاب أى القرآن والتنزيل لحدث التفريط الذى تنفيه هذه الآية، ولانتفت حجة الله على البشر (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون * أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة) (24) .. فحجة الله على الناس ـ بعد ختم الوحى القرآن الكريم ـ تنتفى وتسقط إذا حدث جهل بشىء مما أنزل فى الكتاب ـ القرآن ـ:(وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم)(25) ولو أن القرآن ضاع منه شىء لتخلف وعد الله بتنزيل تبيان كل شىء فيه، لتتم شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته:(ويوم نبعث فى كل أمة شهيدًا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدًا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)(26) .

وختم النبوة والرسالة، يعنى انتفاء بعث رسول جديد، ونزول كتاب جديد.. وحتى تقوم حُجة الله على عباده لابد من بقاء القرآن كله محفوظًا، ليكون قيّما على الناس، أى دائم القيام على هدايتهم وإرشادهم:(الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا)(27) .

وإذا كان الكتاب هو كل القرآن، فلقد وعد الله سبحانه بأن يحفظه ويورثه للذين اصطفاهم من عباده، بعد أن أنزله على المصطفى من رسله، وجمعه وقرأه:(والذى أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقًا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير * ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير)(28) .

ومن صفات القرآن ـ كل القرآن ـ أنه كتاب عزيز، أى منيع، محفوظ من العبث به وفيه.. وأنه ممتنع عن الإبطال، لا يأتيه الباطل من بينه يديه ولا من خلفه، بأى حال من الأحوال:(إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)(29) . والذكر فى هذه الآية هو كل الكتاب، العزيز على أى عبث به وفيه..

ومن صفات القرآن ـ كل القرآن ـ أنه كتاب علىّ حكيم، فوق تطاول المتطاولين، بشرًا كانوا أو أزمنة ودهورًا:(إن جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون * وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم)(30) .

ومن صفات القرآن ـ كل القرآن ـ أنه فى كتاب مكنون: أى مصون ومحفوظ عن اللعب والعبث والتحريف (إنه لقرآن كريم * فى كتاب مكنون)(31) .

ولقد صدّق التاريخ على هذا الحفظ الإلهى لهذا القرآن المجيد.. ومن يقرأ تاريخ التوراة ـ حتى ذلك الذى كتبه علماء اليهودية ـ يعلم ما أصابها بعد سنوات من نزولها.. وكيف أعيدت كتابة أسفارها على النحو الذى صنعه " عزرا " وغيره من الأحبار، فى صورة مليئة بالتحريف.. ومن يتأمل تناقضات الأناجيل ـ حتى الشهيرة منها ـ والفروق الجوهرية بينها وبين غير الشهيرة ـ من مثل أناجيل " مخطوطات نجع حمادى "، و " مخطوطات البحر الميت "، " إنجيل برنابا " يعلم ما أصاب الإنجيل بعد سنوات معدودة من بعثة المسيح عليه السلام لكن.. ها هو القرآن الكريم كما نزل به الروح الأمين على قلب الصادق الأمين، لم يتغير فيه حرف ولا رسم ولا حركة ولا غُنّة ولا مدّ وقد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرنًا مرت فيها أمته بأطوار من التراجع والانحطاط، وفقدت فيها الذاكرة الإسلامية ملايين المخطوطات التى أبادتها غزوات الطغاة، واندثرت فيها مذاهب وفلسفات.. وظل القرآن الكريم عزيزًا منيعًا محفوظًا بحفظ الله خير الحافظين.. فالتاريخ ـ هو الآخر ـ قد غدا شاهدًا على هذا الحفظ الإلهى لكل القرآن الكريم..

فبرهان العقل ـ المتعلق بختم الرسالة.. وختم الوحى ـ يجعل حفظ القرآن ـ كل القرآن ـ لإقامة الحجة على الناس ـ ضرورة عقلية.

وكذلك النقل المتكرر فى القرآن ـ بلفظ القرآن.. والكتاب.. والتنزيل.. والذكر.. ـ شاهد هو الآخر على الحفظ الإلهى لكل حرف وكل كلمة وكل آية وكل سورة من هذا القرآن الكريم.. فهو وحى الله الخاتم.. تعهد سبحانه وتعالى بجمعه وحفظه، وحجة خالدة، كى لا يكون للناس على الله حجة إذا ما ضاع شىء من هذا التنزيل العزيز المنيع الحكيم.

أما بعض المرويات التى يفهم منها البعض شكًّا فى حفظ كل ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن.. فإن منطق العقل، ومنهاج البحث العلمى، وقواعد نقد النصوص والمرويات، التى اتفق عليها العلماء والعقلاء من كل الحضارات والفلسفات والأنساق الفكرية.. كلها تؤكد على ضرورة الموازنة بين المتعارض والمتناقض من الروايات.. والأخذ بالمصدر الأوثق عند تعذر الجمع بين المرويات.. فإذا كان لدينا ـ على نحو ما قدمنا ـ شهادة العقل الصريح على أن حفظ القرآن ـ كل القرآن ـ هو ضرورة عقلية، تقتضيها حقيقة ختم النبوة والرسالة واكتمال الوحى.. وإذا كانت شهادة العقل الصريح هذه مدعومة بنصوص آيات القرآن الكريم، أى بالمصدر المعجز، قطعى الدلالة والثبوت.. فهل يكون عاقلاً من يترك شهادة العقل الصريح، والنقل المعجز الصحيح، ويلتفت إلى رواية من روايات يعلم الله من رواها؟ ولماذا رواها؟.

إن منطق البحث العلمى، الذى أجمع عليه كل عقلاء الدنيا، فى التعامل مع النصوص، قد حسم هذه القضية التى نرجو أن تكون هذه الإجابة حاسمة للشبهة المثارة حولها.. والله من وراء القصد، منه نلتمس الهداية والحكمة والرشاد..

(1) فاطر: 24.

(2)

الإسراء: 15.

(3)

النساء: 165.

(4)

المائدة: 44.

(5)

المائدة: 13ـ16.

(6)

الحجر: 9.

(7)

القيامة: 16ـ19.

(8)

الأنبياء: 7.

(9)

الأعراف: 69.

(10)

الحجر: 6.

(11)

النحل: 44.

(12)

الأنبياء: 50.

(13)

يس: 69.

(14)

القلم: 51ـ52.

(15)

الزخرف: 43ـ44.

(16)

الحجر: 1، 4، 6، 9.

(17)

البقرة: 2.

(18)

السجدة: 2.

(19)

البقرة: 176.

(20)

آل عمران: 3.

(21)

النساء: 105.

(22)

المائدة: 48.

(23)

الأنعام: 38.

(24)

الأنعام: 155ـ157.

(25)

الحجر: 4.

(26)

النحل: 89.

(27)

الكهف: 1ـ2.

(28)

فاطر: 31ـ32.

(29)

فصلت: 41ـ42.

(30)

الزخرف: 3ـ4.

(31)

الواقعة: 77ـ78.

ص: 94