الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والنشاط والنية من المطوعة المسجدية حتى إذا نزلوا أول منزل تبتل شيخ بل شيوخ من الصلحاء معروفون بحفظ من هناك من الغلمان المرموقين بالصباحة والوضاءة، فتنضاف طبقة طبقة إلى ذي معرفتهم وثقتهم وحصلوا تحت علمه ورايته، فلو هم أحدهم بالوضوء لصلاة لما أفرج عنه إلا برقيب ثقة أمين شيخ معروف يمضي معه لحاجته، حتى إذا فرغ منها عاد إلى جملته.
وقد رأينا في آخر أيام طرسوس رجلاً يعرف برؤبة يجتمع إليه الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم يزيد عددهم على ألف صبي، كلهم بالسلاح الذي يمكن مثله حمل مثله وبمزاودهم، وقد عدوا فيها من صنوف أطعمة أمثالهم، يطوف جميعهم بمطرد يحمله رؤبة، يسيرون بسيره ويقفون بوقوفه، فلا يزال ذلك دأبهم حتى إذا عاد السلطان إلى مقر داره عند رجوعه من نفيره دخل أولئك الصبيان أمامه على مراتبهم، يصفهم قائدهم الأمثل فالأمثل، رماتهم عن قسي الرجل التي قد عملت على مقاديرهم ثم رماتهم عن القسي الفارسية، وربما كان فيه من أولاد اليمانية من يحمل القسي العربية بنبلها، فيدخلون فوجاً فوجاً صبيين صبيين، ثم من يحسن الثقاف فيثاقف قرينه ومثله وخدينه وشكله حتى يدخل كل صنف منهم في مرتبته، ثم يتلوهم رؤبة قائدهم بمطرده وعلامته، حتى إذا خرج [أحد] أولئك الصبيان من حد الطفولة واشتد عضده وقارب حد البلوغ أو بلغ أو تجاوز البلوغ قليلاً انضاف إلى قائد من قواد الرجالة الذين ذكرت، وصحبه في نفيره وغزوه وارتاد لنفسه الرفاق بحسب ما يختار تربه وجاره وقرينه، فإذا ألتحى وخرج عن حد المرد دخل في جمهور الناس حاذقاً بما يحتاج إليه ماهراً بصيراً بأمر جهاده وتدبيره أمره نافذاً يقظاً إن شاء الله.
[الاستصراخ لإنقاذ طرسوس]
23 -
(1)
وقرأت بخط أبي عمرو في كتابه: وجرى من اعتياد الروم طرسوس ما
(1) بغية الطلب: 229 - 231.
اقتضت الصورة إخراج وفد إلى مصر والعراق يستصرخون ويطلبون المدد، ورسم أبو الحسن ابن الفياض بوفادة مصر، ووفد أبو بكر ابن الأصبهاني الإسكاف وأبو عليّ ابن الأصبهاني خليفة القاضي العباس بن أحمد الخواتيمي على طرسوس إلى بغداد، فندب للخطبة أبو صالح عبد الغفار بن الحراني الوراق عوضاً منه فقام مقامه، وأقام أبو صالح عند خروج الناس بطرسوس لعلة منعته من الحركة بها توفي، وما زال أبو صالح يخطب مدة أيام منازلة نقفور إيانا، فلما انتهينا إلى الأيام التي وادعناه فيها للخروج عن طرسوس اعتل أبو صالح علة حالت بينه وبين الصلاة، واحتاج الناس في آخر جمعة جمعوها بطرسوس إلى خطيب، فسئل أبو الحسن ابن الفياض الصلاة، وقد كان عاد من مصر معذراً لم ينل في الوفادة ما تمنى من أرسله لها، فأبى وقال: ما أحب أن أكون آخر خطيب بطرسوس، وحضرت الصلاة فصلى بالناس يومئذ أبو ذر، رجل من أبناء طرسوس شيخ من أهل العلم كان سافر وغاب عن طرسوس عدة سنين، وعاد إلينا في تلك الأيام، فهو آخر من خطب على منبر طرسوس يوم الجمعة العاشر من شعبان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، لأن خروج الناس كان عنها في يوم الأربعاء النصف من هذا الشهر في هذه السنة، وأقام المؤذنون في ذلك اليوم وأخذوا في الأذان فسهوا، فأقاموا، فرد عليهم فأذنوا، وقام أبو ذر فخطب، فلما أتى الدعاء للسلطان خطب للمعتضد ورد عليه فتمم خطبنه ونزل، فأقيمت الصلاة وكبر، وقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة الشمس وضحاها، وفي الركعة الثانية بسورة الحمد وسورة إذا زلزلت الأرض زلزالها، فلما سلم قام أبو عبد الله الحسين بن محمد الخواص قائماً في قبلة المسجد، واستقبل الناس بوجهه وقال، يا معشر أهل طرسوس، أقول فاسمعوا:
هذا المقام الذي كان يتلى فيه كتاب الله العظيم.
هذا المقام الذي كانت تعقد فيه المغازي إلى الروم.
هذا المقام الذي كان يصدر عنه أمر الثغور.
هذا المقام الذي كانت تصلى فيه الجمع والأعياد.
هذا المقام الذي يأوي إليه الملهوف بالدعوات.
هذا المقام الذي يزدحم عليه أهل الستر والسداد.