المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الإمام المازري، نشأته وتعلمه: - الإمام المازري

[حسن حسني عبد الوهاب]

الفصل: ‌الإمام المازري، نشأته وتعلمه:

‌الإِمَامُ المَازَرِيُّ، نَشْأَتُهُ وُتَعَلُّمُهُ:

أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المشهور بالمازري، نسبة إلى مازرة بصقلية (1) ولا نعلم شيئًا عن ولادة هذا العلم الفرد ولا عن نشأته الأولى، هل كانت بصقلية، أو بالقطر الأفريقي، ولم ينص على ذلك أحد من المؤرخين، ولا من مؤلفي التراجم وأصحاب الطبقات. وبعد البحث الطويل غلب على ظننا أنه ولد بإفريقية، سواء أكان ذلك بالمهدية، أو

(1) مَازَرَةَ أَوْ مَازَرْ Mazzara مدينة على الساحل الجنوبي من جزيرة صقلية تقابل شمال البلاد التونسية، وهي أول بلدة امتلكها الجيش الأغلبي الفاتح على يد قائده القاضي أسد بن الفرات (ربيع الأول سنة 212 هـ) وكذلك كانت آخر معقل للإسلام بالجزيرة. وقد افتكها روجر ملك النرمان من يد عبد الله بن الحواس آخر ملوك الطوائف بصقلية (خلال سنة 464 هـ) وبذلك انقطعت السيادة الإسلامية من تلك الجزيرة، فهاجر من سكانها المسلمين من هاجر، وبقي منهم من بقي تحت ذمة الإفرنج إلى أوائل القرن السابع للهجرة، واللهُ غالب على أمره، وينتسب إلى مازرة هذه جماعة من العلماء الأعلام، والأدباء المجيدين.

ص: 49

بالقيروان، أو بغيرهما من مدن الساحل التونسي في حدود سنة 443 هـ، والمظنون أن والده محمد بن علي هو المهاجر من صقلية عند اختلال الأحوال وقبيل استيلاء النرمان عليها، ولهذا السبب نفسه فارق كثير من مسلمي صقلية جزيرتهم، والتجأوا إلى الأصقاع الإسلامية، ولا سيما إلى إفريقية التونسية لقرب ما بين العدوتين.

ومما يؤيد ولادة المازري بالجهة الساحلية هو مزاولته التعليم صغيرًا بها، ولم يرو التاريخ أنه أخذ عن شيوخ بلاد نسبته مع توفرهم حينئذٍ هنالك. وفي نظرنا أن المازري نشأ بإفريقية، وبها قرأ وترعرع، وتلقى الدراسة العليا عن سندي المغرب في وقتهما بلا مدافع، أعني أبا الحسن اللخمي (1)

(1) أبو الحسن علي بن محمد الربعي شهر اللخمي رئيس فقهاء القيروان في عصره من تلاميذ السيوري وابن محرز، وأبي إسحاق التونسي. وللخمي تعليق على " المدونة " مُهِمٌّ جِدًّا يعرف بـ " التبصرة ". توفي سنة 478 هـ، ودفن بصفاقس، وضريحه مشهور هنالك.

ص: 50

وعبد الحميد الصائغ (1) وغيرهما من جلة العلماء الأعلام. واستقر بالسكنى في مدينة المهدية - وهي إذ ذاك شريكة القيروان في تخت الملك - وتصدر للتدريس بجامعها الكبير: جامع عبيد الله المهدي، وبه بث ما وسعه صدره من العلم الغزير والمادة الواسعة، فنشر العلوم الدينية والفنون على اختلاف أنواعها ومراميها، ومن ذلك الحين ذاع صيته في الآفاق، وطبقت شهرته المشرق والمغرب، فكانت حلقة دروسه تشمل المئين من التلامذة المجتهدين، سواء أكانوا إفريقيين أم وافدين من أقطار المغرب والأندلس، وصار كعبة أنظار الطلاب، يقصده الداني والقاصي.

ناهيك بتلاميذ من ضمنهم أعلام: كابن الحداد المهدوي (2)

(1) أبو محمد عبد الحميد بن محمد المعروف بابن الصائغ، من كبار أيمة القيروان وعلمائها المعدودين، تصدر للفتيا بالمهدية في عهد المعز بن باديس الصنهاجي، ثم لحقه محنة أيام الأمير تميم بن المعز، فانقطع عن الفتوى، واستوطن مدينة سوسة، وبها كانت وفاته سنة 486 هـ وقبره بها على شاطئ البحر مشهور يتبرك به.

(2)

أبو يحيى زكرياء بن الحداد المهدوي قاضيها وعالمها بعد المازري، مؤلف مشهور، مات في حدود سنة 570 هـ.

ص: 51

ومنهم: أبو القاسم محمد بن خلف الله المعروف بابن مشكان الذي تولى قضاء مدينة قابس ومنهم: أبو عبد الله محمد بن زيادة الله القابسي وغيره وغيره وقد لا يكاد المؤرخ يقدر أن يحصر الآخذين عنه من بين أبناء إفريقية، أما غيرهم من مشاهير الوافدين، فمنهم رجل المغرب على الإطلاق عِلْمًا وَسِيَاسَةً: محمد بن تومرت (1) والإمام المتبحر الجليل أبو بكر بن العربي (2)

(1) محمد بن عبد الله بن تومرت، مؤسس الدولة الموحدية، مولده سنة 485 هـ بالمغرب الأقصى، وقرأ بقرطبة، ثم قصد المشرق في طلب العلم ودخل المهدية مجتازًا وتلقى بها على إمامها الكبير المازري، ثم ارتحل إلى مصر والشام والعراق، وأخذ عن الإمام الغزالي ببغداد، وحج ثم عاد إلى المغرب وقام بالدعوة سالكًا تغيير المنكر والرجوع إلى أصول الشريعة المطهرة سنة 515 هـ إلى أن تمهدت له السبل وتمكن من تأسيس أكبر دولة مغربية عرفها التاريخ (الدولة الموحدية)، وتوفي سنة 525 هـ، وكان من العلم على الجانب الأوفى مع تقشف وورع.

(2)

أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المشهور بابن العربي الإشبيلي حافظ الأندلس ومؤلفه الكبير، مولده سنة 468 هـ، رحل مع أبيه في طلب العلم إلى المشرق، سنة 485 هـ، ولقي بالمهدية عالمها الإمام المازري، وأخذ عنه كثيرًا وأثنى عليه في رحلته الثناء العطر، ثم طاف بلاد المشرق وصحب الإمام الغزالي وانتفع به وعاد إلى الأندلس، وأقرأ وألف كثيرًا وأفاد، وتوفي عام 543 هـ.

ص: 52

وعلى ابن صائد (1) وغيرهم من لا يعد كثرة. وهناك فريق كبير من علية علماء الآفاق الإسلامية المعاصرين للإمام المازري رغبوا في الأخذ عنه بطريق المراسلة - طريقة الإجازة - فكاتبوه يرجون ذلك منه رضي الله عنهم وَعَنْهُ - أذكر من بينهم على سبيل التذكير: ابن رشد الحفيد فيلسوف الإسلام الكبير، والقاضي عياض السبتي وابن فرس، والمحدث ابن أبي جمرة، وأبا بكر بن أبي العيش، وابن الحاج، وسواهم كثير جِدًّا.

وهنا أورد حكاية تدلك دلالة صريحة على مكانة الإمام المازري من قلوب الآخذين عنه وتقديرهم لجلالة علمه وعلو كعبه: ذكر ابن القاضي (2) والمقري (3):

(1) أبو الحسن محمد بن خلف بن صاعد اللبلي، إمام القراءات بالأندلس، حج واجتاز بالمهدية فأخذ عن الإمام المازري وأجاز له ما رواه وألفه، ثم رجع إلى بلاده فتولى قضاء شلب ومات سنة 547 هـ.

(2)

كتاب " درة الحجال في غرة أسماء الرجال " لأحمد بن القاضي: ج 1 ص 135، طبعة الرباط.

(3)

" أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض "، لأبي العباس أحمد المقري مؤلف " نفح الطيب "(خط بمكتبتي).

ص: 53

«أَنَّ بَعْضَ طَلَبَةِ الأَنْدَلُسِ وَرَدَ عَلَى المَهْدِيَّةِ لِمُزَاوَلَةِ العُلُومِ عَلَى المَازَرِيِّ، فَحَضَرَ يَوْمًا مَجْلِسَهُ بِالجَامِعِ كَالعَادَةِ إِذْ دَخَلَ شُعَاعُ الشَّمْسِ مِنْ كُوَّةٍ وَوَقَعَ عَلَى رِجْلِ الشَّيْخِ فَقَالَ المَازَرِيُّ:" هَذَا مُنْعَكِسٌ ". فَلَمَّا سَمِعَ الطَّالِبُ ذَلِكَ وَرَأَى القَوْلَ مُتَّزِنًا، ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ:

هَذَا شُعَاعٌ مُنْعَكِسٌ

لِعِلَّةٍ لَا تُلْبَسُ

لَمَّا رَآكَ عُنْصُرًا

مِنْ كُلِّ عِلْمٍ يَنْبَجِسُ

أَتَى يَمُدُّ سَاعِدًا

مِنْ نُورِ عِلْمٍ يُقْتَبَسُ!

وحكى الصفدي - في " الغيث المسجم "(*) - أن بعض أدباء الأندلس كتب إلى أبي عبد [الله] المازري بالمهدية:

رُبَّمَا عَالَجَ القَوَافِي رِجَالٌ

تَلْتَوِي تَارَةً لَهُمْ وَتَلِينُ

طَاوَعَتْهُمْ عَيْنٌ وَعَيْنٌ وَعَيْنُ

وَعَصَتْهُمْ نُونٌ وَنُونٌ وَنُونُ

فَأَبِنْ لَنَا مَا طَاوَعَهُمْ وَمَا عَصَاهُمْ».

فكان من ضمن جواب الإمام عن هذا السؤال: «طاوعهم العجمة، والعي، والعجز، وعصاهم اللسان، والجنان، والبيان» .

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:

(*) ورد في الكتاب المطبوع " الغيث المنسجم "، والصواب " الغيث المسجم شرح لامية العجم " للشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي. طبع بهامشه " سرح العيون شرح رسالة ابن زيدون " لمحمد بن نباتة المصري، المطبعة الأزهرية المصرية 1305 هـ.

ص: 54