الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، وقد نَصَ عَلَى الثَّلاثةِ الإمامُ التِّرْمِذِيُّ فِي السُّنَن فَقَالَ:"وَمَكْحُولٌ قَدْ سَمِعَ مِنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هِنْدٍ الدَّارِيِّ، وَيُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلا مِنْ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ وَمَكْحُولٌ شَامِيٌّ يُكْنَى أَبَا عَبْدِاللَّهِ وَكَانَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ". (1)
الحديثُ الْمَرْفُوعُ والْمَوقُوفُ والْمَقْطُوعُ:
ثم تكلم النَّاظمُ عن القسم الثاني من أَقْسَام الحدِيثِ وهو باعتبار من أُسْنِدَ إِليهِ، أي إضافة الكلام إلى قائله والفعل إلى فاعله فَقَالَ:
7 -
وَمَا أُضيفَ لَلنَّبِي الْمَرْفُوعُ
…
وَمَا لِتَابِعٍ هو الْمَقْطُوع
قَوْلُه: وَمَا أُضيفَ لَلنَّبِي الْمَرْفُوعُ أي: كُلُّ ما أُضيفَ لَلنَّبِي صلى الله عليه وسلم، من قَولِهِ أو فعلِهِ أو إقرارِهِ أو صِفَةٍ من صِفَاتِهِ - خَلْقِيَّةً كانت أو خُلُقيَّةً؛ فهو حَدَّ الحديث المَرْفُوع، فهو لا ينسب لمن دون النَّبِي صلى الله عليه وسلم؛ بل ينتهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتَعْرِيف النَّاظِم حَدّ الحديث
الْمَرْفُوعُ بإِطْلاقٍ يَعْنِي سواء رفعه الصَّحابِيُّ أو غيره فمثلا: إِذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم "، فَهَذا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ مِن قِبَل الصَّحابي، وإِذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: "قَالَ
…
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم "، فَهَذا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ مِن قِبَل التَّابعي، وإِذَا قَالَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم "، فَهَذا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ مِن قِبَل أتباع التَّابِعِين؛ وهكذا فالمقصود أَنَّه مجرد إضافة الحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يُعْتَبر مَرْفُوعًا، وعلى هذا التَّعريف غَالِب أَهْل الْحَدِيثِ، وبهذا خَرَجَ الْمَوْقُوف والْمَقْطُوع، وكُلّ هَذِهِ مِن حَيثُ اعتبار من أسنده.
(1) سنن الترمذي، أَبْوَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالرَّقَائِقِ وَالْوَرَعِ، طبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر سنة 1395 هـ، ق: أحمد محمد شاكر، (4/ 662)، حديث رقم (2506).
خريطة ذهنية لأقسام الحديث من حيثُ اعتبار من أُسند إليه
مثال الْمَرفُوع القَولِي: حَدِيثُ الاغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ: فعَن عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى صلى الله عليه وسلم: «لَا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» . (1)
ومثال الْمَرفُوع الفِعْلِيّ: حَدِيثُ صِفة سجود النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: فعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَالِكٍ بْنِ بُحَيْنَةَ رضي الله عنهم، «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» . (2)
مثال الْمَرفُوع إقرارًا: عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:«كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ» . (3)
(1) الجامع الصحيح، للبخاري، كتاب العلم، بَاب الاغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ، طبعة دار طوق النجاة، ق: محمد زهير بن ناصر الناصر (1/ 25)، برقم (73).
(2)
المصدر نفسه، كتاب الصلاة، بَاب يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ، (1/ 87)، برقم (390).
(3)
المصدر نفسه، كتاب النِّكاح، بَاب العَزْلِ (7/ 33)، برقم (5207).
وحَدِيثُ إقرار النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم للنِّسَاءِ عَلَى صَلاة الفَجْر فِي الْمَسْجدِ، وفيه: أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنهم، قَالَتْ: لَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ المُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ» . (1)
مثال الْمَرفُوع فيه صِفَة خَلْقِيَّةٌ لَلنَّبِي صلى الله عليه وسلم: عَنِ الجُعَيْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ رضي الله عنه (2)، يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ، «فَمَسَحَ رَاسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ» . (3)
مثال الْمَرفُوع فيه صِفَة خُلُقيَّةٌ لَلنَّبِي صلى الله عليه وسلم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، قَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» . (4)
ونَحْسَبُ أَنَّهُ من الواجب إضافة أَنَّ الرَّفْعَ قد يَكُون صَرِيحًا وقد يَكُون حُكْمًا ومثال ذلك: المرفوع الصَّرِيح: كَقَوْل الصَّحَابِيّ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول كَذَا، أَوكَقَوْلِه أَي الصَّحَابِيّ أَو قَول غَيره قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، أَو عَن رَسُول
(1) المصدر نفسه، كتاب الصلاة، بَابٌ: فِي كَمْ تُصَلِّي المَرْأَةُ فِي الثِّيَابِ، (1/ 84)، برقم (372).
(2)
هو السَّائِبُ بنُ يَزِيْدَ بنِ سَعِيْدِ الكِنْدِيُّ صحابيٌّ جليلٌ مات سنة (91 هـ) -التهذيب برقم (839).
(3)
الجامع الصحيح، للبخاري، كِتَاب الوُضُوء، بَابُ اسْتِعْمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ النَّاسِ (7/ 120).
(4)
المصدر نفسه، بَابُ بَدْءِ الوَحْيِ، (1/ 8)، حديث رقم (6).
الله صلى الله عليه وسلم. وَفِي الْفعْلِيّ كَقَوْل الصَّحَابِيّ رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فعل كَذَا، أَو عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا. (1)
المرفوع الْحُكْمِيّ: كإخبار الصَّحَابِيّ الَّذِي لم يُحَدِّثْ عَنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَا لا مجَال للاجْتِهَاد فِيهِ عَن الأَحْوَال الْمَاضِيَة كأخبار الأَنْبِيَاء، أَو الآتِيَة كالملاحم والفتن وأهوال يَوْم الْقِيَامَة، أَو عَن تَرَتُّبِ ثَوَابٍ مَخْصُوصٍ، أَو عِقَابٍ مَخْصُوصٍ عَلَى فعلٍ؛ فَإِنَّهُ لا سَبِيل إِلَيْهِ إِلا السَّماع مِنَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، أَو يخبر الصَّحَابِيّ بِأَنَّهُم كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا فِي زمَان النَّبِي صلى الله عليه وسلم. (2)
وجديرٌ بِنَا فِي هذا الموضع أَنْ نَذْكُر الحديث الْمَوقُوف وإن أخَّرَه النَّاظمُ؛ فإنَّ الأشياء تَشْرُف بما تتعلق به والحديث الْمَوقُوف متعلق بالصَّحابة وهم بلا خِلاف أفضل الأمَّة على الإطلاق، فَحَدُّ الحديث الْمَوقُوف هو: مَا أُضِيف إلى الصَّحابِي من قَولِهِ أو من فِعْلِهِ ولم يكن له حُكم الرَّفع، سَوَاء اتَّصَلَ إسْنَاده إليه أم انْقَطع.
والصَّحابِي: هو كُلُّ مَنْ لَقِي النَّبِي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا وَقْتَ لِقَائهِ به ومَاتَ عَلَى ذَلِكَ. فَمَنْ سَمِعَ من النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَالَ كُفْرِهِ ثم أَسْلَم بعد وفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم فليس صَحَابِيًا. (3)
مثال الْمَوقُوف القَوْلِي: كَقَولِ عَوْفِ بْنِ مَالكٍ الأَشْجَعِىّ رضي الله عنه: "فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ". (4)
(1) مقدمة ابن الصلاح، (ص 45).
(2)
نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، لابن حجر العسقلاني (ت: 852 هـ)، مطبعة سفير بالرياض 1422 هـ، ق: عبد الله بن ضيف الله الرحيلي (ص 132).
(3)
المصدر نفسه، (ص 140).
(4)
الوقوف على الموقوف، لابن حجر العسقلاني، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت 1406 هـ، ق: عبد الله الليثي الأنصاري، (ص 25).
مثال الْمَوقُوف الفِعْلِيّ: كإِنْكَار كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الأَنْصَارِيّ رضي الله عنه عَلَى مَنْ خَطَبَ قَاعِدًا.
وبُكَاءُ عَمْرو بْن الْعَاصِ، فعَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ رضي الله عنه، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ، يَبَكِي طَوِيلا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ. (1)
وأما قَوْلُ النَّاظمِ: وَمَا لِتَابِعٍ هو الْمَقْطُوع: أي أَنَّ حَدَّ الحديث الْمَقْطُوع هو كُلُّ مَا أُضِيفَ إِلَى التَّابِعِي أو من دونه سواء كان قولاً أو فعلاً فَهُو الْمَقْطُوع (2)، والتَّابِعِيّ هُوَ مَنْ رَأَى الصَّحَابِي وَلَمْ يَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وبهذا الحدّ خَرَجَ الْمَرْفُوع والْمَوقُوف. (3)
مثال الْمَقْطُوع القَوْلِي: أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي قَالَ سَعيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: كذا وكذا، وكَقَولِ الزُّهْرِيّ:" ثمَّ كَانَ الأَمر عَلَى ذَلِك فِي خلافَة أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَر". وقَول يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: "لا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجَسَدِ"، المقصود أنَّ السَّنَد انتهى عند التَّابعي، وأضيف الكلام له وليس لغيره.
مثال الْمَقْطُوع الفِعْلِيّ: أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي فِي مَسَائلٍ تخص العبادات مثلاً: كان قَتَادَة يفعل كذا وكذا، أوكَانَ الْحَسَنُ البَصْرِيّ يفعل فِي الصَّلاةِ كذا وكذا، كُلّ هذه الأمثلة للحَدِيثِ الْمَقْطُوعِ؛ لأنَّ هؤلاء المذكورين من جملة التَّابعين.
(1) الجامع الصحيح، لمسلم بن الحجاج النيسابوري (ت: 261 هـ)، كتاب الإيمان، بَاب كَوْنِ الإِسْلامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (1/ 112)، برقم (121).
(2)
بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ اسْتَخْدَموا الْمَقْطُوع بِمَعْنَى الْمُنْقَطِع، مِثْل الإِمَام الشَّافِعِيّ، والطَّبرانيّ، وابن عبدالبر رحمهم الله ولَيْسَ هَذَا هو الْمَشْهُور عِندَ أَهْل الفَنِ، ولكن لا مَشَاحَةَ فِي الاصطلاح.
(3)
مقدمة ابن الصلاح، (ص 51).