الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحدِيثُ الْمُعَلَّلُ:
ثم انتقل النَّاظمُ رحمه الله إلى مَبْحَثٍ آخَر مِن مَبَاحِثِ عُلُوم الحدِيثِ فَقَالَ:
24 -
ومَا بعِلَّةٍ غُمُوضٍ أَوْ خَفَا
…
مُعَلَّلٌ عِنْدَهُمُ قَدْ عُرِفَا
الْمُعَلَّلُ فِي اللغةِ: اسم مَفْعُول من أعَلَّه فهو مُعَلّ ومعناه مَرِيض أو عَلِيل (1)، وأجاز بَعضُ أَهْلِ العلم لفظة "مُعَلَّل"، وإلا فإنَّ الأصح لغةً أَنْ يُقَالُ "حديثٌ مُعَلّ"، ويقولون:"حَدِيثٌ مَعْلُولٌ"، وقد أنكرها بعضهم؛ لكنَّ الأَمْرَ يَسِيرٌ فِيهَا، والْخَطْبَ هَينٌ، وفِي الاصطلاح: ومَا بعِلَّةٍ غُمُوضٍ أَوْ خَفَا أي أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي اعتراه سَبَبٌ غَامِضٌ أو خَفِيّ قَادِحٌ فِي إسْنَادِهِ أَو فِي مِتْنِهِ مَعَ أَن الظَّاهِر السَّلامَة مِنْهُ، مُعَلَّلٌ عِنْدَهُمُ قَدْ عُرِفَا أي أنَّ هَذَا التَّعريف هُوَ حَدُّ الحديث عند أَهْلِ الفَنِ؛ ولا يمكن أَنْ تُدْرَكَ الْعلَّةُ إلا بعد جَمْعِ الطُّرقِ والفَحص عَنْهَا والسَّبر لجميع مرويَّات الرَّاوِي ومقارنة ذلك بمرويَّات الثقات، وتُعْرَف بأدلةٍ متعددة منها: التَّفرد، والْمُخالفة، والمقارنات وغيرها من الدَّلائل التي تَدُلّ عَلَى العِلَّةِ.
الفَرْقُ بَيْنَ العِلَّةِ وِأَدِلَّتِها وَأَسْبَابِهَا: لكي يُدْرِك الدَّارس حقيقة العِلّة يجب عليه أَنْ يُفِرقْ بَيْنَ العِلَّةِ ذَاتها، وبَيْنَ أَدِلَّتِها أو القَرَائِنِ التِي كَشَفَتْ للنَّاقد أصل العِلّة، وبَيْنَ أسباب العِلَّةِ.
أولاً: دلائل العلة: وهي تلك الدَّلائِل والعَلامَات والظَّواهِر التِي يُسْتَدَلُّ بها ويَظْهر من خلالها أَنَّ حَدِيثًا مَا قد أَصَابته عِلَّة، وهِي عَلامَات عَلَى وقُوعِ العِلَّةِ ولا يُدْرِكَهَا إلا العَالِمُ المتخصص والحافظ البصير والنَّاقد الجهبذ كَعِلل الأبدان لا يُدْرِكَهَا إلا الطبيب البَشَريّ، بل قد تظهر لِغَيْرِهِ مِمَّن هو دونه في العِلمِ والدِّرايةِ والخبرةِ أنها سَلِيمَة صَحِيحَة، وهَذِهِ الظَّواهر هي التِي يُسَميها المحدثون قَرَائِن
(1) معجم مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس القزويني (ت: 395 هـ)، دار الفكر، بيروت سنة 1399 هـ، ق: عبد السلام محمد هارون، (4/ 14).
التَّعليل ويَسْتَدلُون بها عَلَى عِلَّةٍ مَا قد وقعت في الرِّواية مثال ذلك: التَّفرد، والْمُخالفة، والتَّصحيف والرِّواية بالمعنَى.
خريطة ذهنية لبيان قَرَائِن وأَسْبَاب التَّعليل
ثَانيًا: العلة ذاتها: وهي الخطأ الذي اعترى الرِّواية من وصل حديث مُرْسَل، أَوْ رَفعِ مَوقُوف، أَوْ زَيادة فِي إسنادٍ أَو نَقْصٍ، أَو تَبْدِيل فِي مَتْنٍ، أَوْ قَلْب إسناد، أَوْ قَلْب مَتْن وغيرها من العِلل، وغالب العلل تكون مبنية على الاختلاف، ويظْهر هَذَا الأَمر الْخَفي للنقاد بعد الْبَحْث عَن طُرِقِ الْحَدِيثِ والنظر فيها ومقارنتها بعضها ببعض والتَّحقيق والتَّحري الحثيث، ثم بعد ذلك تظهر له مُرجِحَات فيَهْتَدِي النَّاقِد بذلك إِلَى قرائن التَّرجِيح مثل أَنْ يَكُونَ الرَّاوي أثبت فِي شَيْخٍ مِن غَيْرِهِ؛ كَقَولِ ابْنِ مَعِينٍ:"حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي ثَابِتٍ البُنَانِيِّ ". فيقوم النَّاقد بِتَصْويبِ الخطأ فِي الْحَدِيثِ الْمَوْصُولِ مثلا فيقول الصحيح أَنَّ هَذَا الحديث مُرْسَل وليس مَوْصُولاً، أَو تصويب وقف فِي الْمَرْفُوع، أَو معرفة إدراج حَدِيث فِي حَدِيث وَنَحْو ذَلِك.
ثَالثًا: أسباب العلة وهي الأسباب التي أَدَّتْ إلِى حُدُوثِ الخطأ أو الخلل في الرِّواية كقرينة ضعف الثِّقة فِي بَعضِ شُيُوخِهِ، أو ضَعْفِهِ فِي بَعضِ البُلدانِ، مثل حكم الإمام أحمد بن حنبل فِي مَرْوِيَّاتِ الحكم بن عطية عَنْ ثابت، فَقَالَ: "هَؤُلاء