الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
17-
ما ذكره من تأثير العقيدة على الجرح والتعديل والردُّ عليه
أورد (ص: 132) عنواناً بلفظ: "تأثير العقيدة على الجرح والتعديل"، مِمَّا قال فيه: "والعقيدة لها تأثير سيِّء على الجرح والتعديل، ولو لم يكن من أثر إلَاّ التظالم الموجود بسببها لكفى، فتجد كلَّ طائفة من المسلمين تحاول توثيق الرِّجال الذين ينتمون إليها في العقيدة، ويضعفون رجال الطوائف الأخرى ولو كانوا من أوثق الناس وأصلحهم وأضبطهم للرواية، ولعلَّ أبرز آثار العقيدة على الجرح والتعديل عند الحنابلة تضعيف ثقات المخالفين وتوثيق ضعفاء الموافقين، ومن ذلك:
تضعيف ثقات الشيعة، وخاصة فيما يروونه في فضائل علي.
تضعيف سائر المخالفين من العلماء، كعلماء المرجئة والقدرية والمعتزلة.
تضعيف القائلين بخلق القرآن أو المتوقفين.
تضعيف مَن يتوهَّمون فيه أدنى مخالفة، حتى وصل تضعيفهم للبخاري ومسلم والكرابيسي وأبي حنيفة.. إلخ".
وعلَّق على قوله: "ثقات الشيعة...." فقال: "راجع رسالة (الجرح والتعديل) للقاسمي، وكتاب (العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل) للسيد محمد بن عمر بن عقيل العلوي".
وأجيب عن ذلك بما يلي:
1 ـ روى أهل السنَّة في كتبهم الحديثية عمَّن وُصف ببدعة مفسِّقة، قال الحافظ في مقدمة الفتح (ص: 385) عن هؤلاء: "فقد اختلف أهل السنَّة في قبول حديث مَن هذا سبيله إذا كان معروفاً بالتحرُّز من الكذب، مشهوراً
بالسلامة من خوارم المروءة، موصوفاً بالديانة والعبادة، فقيل: يُقبل مطلقاً، وقيل: يُردُّ مطلقاً، والثالث التفصيل بين أن يكون داعيةً أو غيرَ داعية، فيُقبل غير الداعية ويُردُّ حديث الداعية، وهذا المذهب هو الأعدل، وصارت إليه طوائف من الأئمَّة، وادَّعى ابن حبان إجماع أهل النقل عليه، لكن في دعوى ذلك نظر"، وفي كتاب التقريب للحافظ ابن حجر وغيره من كتب الرجال الإشارة إلى ذلك في كثير من التراجم.
2 ـ ما زعمه المالكي من توهين أهل السنَّة ـ ومنهم الحنابلة ـ للبخاري ومسلم مردودٌ؛ فإنَّ أهلَ السنَّة هم الذين يعرفون قدر هذين الإمامَين ويُعوِّلون على ما جاء في الصحيحين لهما، ويَعتبرون صحيحيهما أصحَّ الكتب المصنَّفة في الحديث، بخلاف أهل البدع، كالرافضة فإنَّهم يُعوِّلون على كتب أخرى لهم، ولا يُقيمون وزناً للصحيحين، والمالكي نفسه هو من أهل الأهواء يَقبل منهما ما يوافق هواه، ويقدحُ في غير ذلك، وقد مرَّ قريباً قدحُه في حديث صُلح الحسن رضي الله عنه، وحديث تحريق علي رضي الله عنه الزنادقة، وهما في صحيح البخاري، وحديث"خلق الله آدم على صورته" وهو في الصحيحين!
3 ـ أمَّا ما أشار إليه من الرجوع إلى كتاب"العتب الجميل" لمحمد بن عمر بن عقيل، فإنَّ الطيورَ على أشكالها تقع، ويكفي أن أنقلَ من كتاب "العتب الجميل" المشار إليه ما يدلُّ على خبث صاحبه وغلوِّه في البدع، فقد قال في (ص: 31) : "لم أتعرَّض في كتابي هذا لذكر تحامل بعضهم على عالي مقام مولانا أمير المؤمنين علي والحسَنَيْن وأمِّهما البتول عليهم سلام الله، ولا لرد ما مدحوا به زوراً عدوَّهم معاوية وأباه كهف المنافقين وأمَّه
آكلة الأكباد وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وسمرة بن جندب وأبا الأعور السلمي والوليد بن عقبة وأضرابهم، مِمَّن لو مُزجت مياه البحار بذرَّة من كبائر فظائعهم لأنتنت، وذلك لظهور فساده للعاقل المنصف، ولأنِّي قد ذكرتُ شيئاً من ذلك في كتاب (النصائح الكافية) ، ثم في كتاب (تقوية الإيمان)
…
".
ففي كلامه هذا جفاء في عدد من الصحابة، منهم المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وهو مِِمَّن قال الله فيهم:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ، وقال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا يدخل النارَ إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها" أخرجه مسلم (2496) من حديث أمِّ مبشِّر رضي الله عنها، بل هو من أبرز أهل بيعة الرضوان؛ فإنَّه كان واقفاً على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم يحرسه، وبيده السيف، وذلك عند مجيء المشركين لعقد الصلح مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وقد نقل ابن عقيل هذا في كتابه العتب الجميل (ص: 60) أبياتاً عن أحد شيوخه، آخرها قوله:
قُلامة من ظفر إبهامه
…
تعدل من مثل البخاري مائة
والضمير فيه يرجع إلى الإمام جعفر الصادق رحمه الله، وهو واضحٌ في غلوِّ ابن عقيل وشيخه فيه، وجفائهما في الإمام البخاري رحمه الله.