المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر من توفي سنة إحدى وعشرين - البداية والنهاية - ت شيري - جـ ٧

[ابن كثير]

فهرس الكتاب

- ‌ ج 7

- ‌ سنة ثلاث عشرة

- ‌وَقْعَةُ الْيَرْمُوكِ

- ‌انْتِقَالُ إِمْرَةِ الشَّامِ مِنْ خالد إلى أبي عبيدة بَعْدَ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ

- ‌خِلَافَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه

- ‌فَتَحِ دِمَشْقَ

- ‌فصل وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي دِمَشْقَ هَلْ فُتِحَتْ صُلْحًا أَوْ عَنْوَةً

- ‌ فَصَلَ

- ‌وقعة فِحل

- ‌وَقْعَةُ النَّمَارِقِ

- ‌وَقْعَةُ جسر

- ‌فصل

- ‌وَفِيهَا تُوُفِّيَ

- ‌ذِكْرُ اجْتِمَاعِ الْفُرْسِ عَلَى يَزْدَجِرْدَ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ

- ‌وَفِيهَا تُوُفِّيَ

- ‌ذِكْرُ الْمُتَوَفَّيْنَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُرَتَّبِينَ عَلَى الحروف

- ‌سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ

- ‌غَزْوَةِ الْقَادِسِيَّةِ

- ‌فصل كَانَتْ وَقْعَةُ الْقَادِسِيَّةِ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَكُنْ بِالْعِرَاقِ أَعْجَبُ مِنْهَا

- ‌ذكرى مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذَا الْعَامِ مِنَ الْمَشَاهِيرِ

- ‌ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ

- ‌وَقْعَةُ حِمْصَ

- ‌وَقْعَةُ قِنَّسْرِينَ

- ‌وَقْعَةُ قَيْسَارِيَّةَ

- ‌وَقْعَةُ أَجْنَادِينَ

- ‌فَتْحُ بَيْتِ المقدس عَلَى يَدَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ

- ‌وقعة نهر شير

- ‌من توفي في هَذِهِ السَّنَةَ

- ‌ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ

- ‌ذكر فتح المدائن

- ‌وَقْعَةُ جَلُولَاءَ

- ‌ذِكْرُ فَتْحِ حُلْوَانَ

- ‌فَتْحُ تَكْرِيتَ وَالْمَوْصِلِ

- ‌فَتْحُ مَاسَبَذَانَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقَ

- ‌فتح قرقيسيا

- ‌ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ

- ‌فَتْحُ الْجَزِيرَةِ

- ‌ عُزِلَ خَالِدٌ عَنْ قِنَّسْرِينَ أَيْضًا

- ‌فَتْحُ الْأَهْوَازِ

- ‌فَتْحُ تستُر الْمَرَّةُ الْأُولَى صُلْحًا

- ‌ذِكْرُ غَزْوِ بلاد فارس من ناحية البحرين

- ‌ذكر فتح تستر ثانية وَأَسْرِ الْهُرْمُزَانِ وَبَعْثِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخِطَابِ

- ‌فَتْحُ السويس

- ‌وفد من الكوفة

- ‌ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثماني عشرة

- ‌ طَاعُونَ عَمَوَاسَ

- ‌ ذِكْرُ طَائِفَةٍ مِنْ أَعْيَانِهِمْ رضي الله عنهم

- ‌الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ

- ‌عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ ابْنُ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ الْقُرَشِيُّ أَبُو عُبَيْدَةَ

- ‌الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ

- ‌مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ

- ‌ثم دخلت سنة تسع عشرة

- ‌ فَتْحُ الْجَزِيرَةِ وَالرُّهَا وَحَرَّانَ وَرَأْسِ الْعَيْنِ وَنَصِيبِينَ

- ‌ذكر مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا

- ‌ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا

- ‌سَنَةُ عِشْرِينَ مِنَ الهجرة

- ‌صفة فتح مصر

- ‌قِصَّةُ نِيلِ مِصْرَ

- ‌ذكر المتوفين من الأعيان

- ‌ثُمَّ دخلت سنة إحدى وعشرين

- ‌ وقعة نهاوند

- ‌ وَفِيهَا تُوُفِّيَ

- ‌ذكر من توفي سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ

- ‌ثم دخلت سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ

- ‌فتح همدان ثَانِيَةً ثُمَّ الرَّيِّ

- ‌فَتْحُ قَوْمِسَ

- ‌فَتْحُ جُرْجَانَ

- ‌فَتْحُ الْبَابِ

- ‌أَوَّلُ غَزْوِ التُّرْكِ

- ‌قِصَّةُ السَّدِّ

- ‌قصة يزدجرد بن شهريار بن كسرى

- ‌خُرَاسَانَ مَعَ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ

- ‌ وَفِيهَا تُوُفِّيَ

- ‌ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين

- ‌وَفِيهَا وَفَاةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ

- ‌فتح فسا ودار أبجرد وَقِصَّةُ سَارِيَةَ بْنِ زُنَيْمٍ

- ‌غَزْوَةُ الْأَكْرَادِ

- ‌خَبَرُ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ وَالْأَكْرَادِ

- ‌ سِيرَةِ عُمَرَ

- ‌ذِكْرُ زَوْجَاتِهِ وَأَبْنَائِهِ وَبَنَاتِهِ

- ‌ذِكْرُ بَعْضِ مَا رُثِيَ بِهِ

- ‌ ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه

- ‌خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان

- ‌ سنة أربع وعشرين

- ‌ وَفِيهَا تُوُفِّيَ

- ‌ثم دخلت سنة خمس وعشرين

- ‌ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ

- ‌ثم دخلت سنة سبع وعشرين

- ‌غزوة إفريقية

- ‌غَزْوَةُ الْأَنْدَلُسِ

- ‌وَقْعَةُ جُرْجِيرَ وَالْبَرْبَرِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ

- ‌ثم دخلت سنة ثمان وعشرين

- ‌فتح قبرص

- ‌‌‌ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تسع وعشرين

- ‌ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تسع وعشرين

- ‌فصل

- ‌ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ

- ‌ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين

- ‌ثُمَّ دَخَلَتْ سنة ثنتين وثلاثين

- ‌ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ

- ‌ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ

- ‌ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ

- ‌ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ العاص حين عزله عثمان عن مصر ولى عَلَيْهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ

- ‌ذكر مجئ الْأَحْزَابِ إِلَى عُثْمَانَ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ مِنْ مِصْرَ

- ‌ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان لَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ

- ‌فَصْلٌ كَانَ الْحِصَارُ مُسْتَمِرًّا مِنْ أَوَاخِرَ ذِي الْقِعْدَةِ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةَ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ

- ‌فصل وَلَمَّا وَقَعَ هَذَا الْأَمْرُ الْعَظِيمُ، الْفَظِيعُ الشَّنِيعُ

- ‌فصل كانت مدة حصار عُثْمَانَ رضي الله عنه فِي دَارِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى الْمَشْهُورِ

- ‌ذِكْرُ صِفَتِهِ رضي الله عنه

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌ذكر شئ من سيرته وهي دالة على فضيلته

- ‌فصل

- ‌فصل وَمِنْ مَنَاقِبِهِ الْكِبَارِ وَحَسَنَاتِهِ الْعَظِيمَةِ

- ‌ذِكْرُ زَوْجَاتِهِ وبنيه وبناته رضي الله عنهم

- ‌فَصْلٌ

- ‌خِلَافَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه

- ‌ذِكْرُ بَيْعَةِ عَلِيٍّ رضي الله عنه بالخلافة

- ‌ثُمَّ دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة

- ‌ابْتِدَاءُ وَقْعَةِ الْجَمَلِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌفِي ذِكْرِ أَعْيَانِ مَنْ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ مِنَ السَّادَةِ النُّجَبَاءِ

- ‌ وقعة صفِّين بين أهل العراق وبين أهل الشام

- ‌ثم دخلت سنة سبع وثلاثين

- ‌قِصَّةُ التَّحْكِيمِ

- ‌خُرُوجِ الْخَوَارِجِ

- ‌فصل

- ‌اجتماع الحكمين أبي موسى وعمرو بن العاص

- ‌خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم علياً

- ‌مسير أمير المؤمنين علي إِلَى الْخَوَارِجِ

- ‌ما ورد فيهم من الأحاديث الشريفة

- ‌ سَارَ عَلِيٌّ إِلَى النَّهْرَوَانِ

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌ذكر من توفي فيها

- ‌ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وثلاثين

- ‌فصل

- ‌ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ

- ‌ثم دخلت سنة تسع وثلاثين

- ‌ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ

- ‌سنة أربعين من الهجرة

- ‌ذِكْرُ مَقْتَلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب وما ورد من الأحاديث النبوية من الأخبار بمقتله وكيفيته

- ‌صِفَةُ مَقْتَلِهِ رضي الله عنه

- ‌ذِكْرُ زَوْجَاتِهِ وَبَنِيهِ وبناته

- ‌شئ مِنْ فَضَائِلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ

الفصل: ‌ذكر من توفي سنة إحدى وعشرين

وهي برقة فافتتحها صلحا على ثلاث عَشَرَ أَلْفِ دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ.

قَالَ: وَفِيهَا بَعَثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عُقْبَةَ بْنَ نَافِعٍ الْفِهْرِيَّ إِلَى زَوِيلَةَ فَفَتَحَهَا بِصُلْحٍ، وَصَارَ

مَا بَيْنَ بَرْقَةَ إِلَى زَوِيلَةَ سِلماً لِلْمُسْلِمِينَ.

قَالَ: وَفِيهَا وَلَّى عُمَرُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ على الكوفة بدل زياد ابن حنظلة الذي ولاه عبد عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وَجَعَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَاشْتَكَى أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنْ عَمَّارٍ فَاسْتَعْفَى عمار من عمله، فَعَزَلَهُ وَوَلَّى جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُعْلِمَ أَحَدًا، وَبَعَثَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ امْرَأَتَهُ إِلَى امْرَأَةِ جُبَيْرٍ يَعْرِضُ عَلَيْهَا طَعَامًا للسفر فقالت: اذهبي فأتيني بِهِ.

فَذَهَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: بَارَكَ الله يا أمير المؤمنين فيمن وَلَّيْتَ عَلَى الْكُوفَةِ.

فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ وَبَعَثَ إِلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ فَعَزَلَهُ وَوَلَّى الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ثَانِيَةً، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ عُمَرُ رضي الله عنهم.

قَالَ: وَفِيهَا حَجَّ عُمَرُ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَكَانَ عُمَّالَهُ عَلَى الْبُلْدَانِ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبِلَهَا سِوَى الْكُوفَةِ.

قَالَ الْوَاقِدِيُّ:‌

‌ وَفِيهَا تُوُفِّيَ

خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحِمْصَ وَأَوْصَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

وَقَالَ غَيْرُهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ بِالْمَدِينَةِ.

وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فَوَلَّى عُمَرُ مَكَانَهُ أَبَا هُرَيْرَةَ.

وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْعَلَاءَ تُوُفِّيَ قَبْلَ هَذَا كَمَا تَقَدَّمَ.

وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِيمَا حَكَاهُ عَنِ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانَ أَمِيرَ دِمَشْقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ (1) ، وَهُوَ أَيْضًا عَلَى حِمْصَ وَحَوْرَانَ وَقِنَّسْرِينَ وَالْجَزِيرَةِ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْبَلْقَاءِ وَالْأُرْدُنِّ، وَفِلَسْطِينَ، وَالسَّوَاحِلِ وَأَنْطَاكِيَةَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

‌ذكر من توفي سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ

خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ابْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيُّ أَبُو سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، سَيْفُ اللَّهِ، أَحَدُ الشُّجْعَانِ الْمَشْهُورِينَ، لَمْ يُقْهَرْ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ.

وَأُمُّهُ عَصْمَاءُ (2) بِنْتُ الْحَارِثِ أُخْتُ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، وَأُخْتُ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَسْلَمَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَشَهِدَ مُؤْتَةَ وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ الْإِمَارَةُ يومئذٍ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ، فَقَاتَلَ يومئذٍ قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، انْدَقَّتْ فِي يَدِهِ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، وَلَمْ تَثْبُتْ فِي يَدِهِ إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ.

وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

(1) في الطبري: عمير بن سعد.

(2)

في الاصابة والاستيعاب: أمه لبابة الصغرى بنت الحارث بن حرب الهلالية أخت لبابة الكبرى زوج العباس

(1 / 413 وهامش الاصابة 1 / 406) .

(*)

ص: 128

أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ ".

وَقَدْ رُوي أَنَّ خَالِدًا سَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ وَهُوَ فِي الْحَرْبِ فَجَعَلَ يَسْتَحِثُّ فِي طَلَبِهَا فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ فِيهَا شَيْئًا مِنْ شَعْرِ نَاصِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَإِنَّهَا مَا كَانَتْ مَعِيَ فِي مَوْقِفٍ إِلَّا نُصِرْتُ بِهَا.

وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ لَمَّا أَمَّرَ خَالِدًا عَلَى حَرْبِ أَهْلِ الرِّدَّةِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ " فَنِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو الْعَشِيرَةِ خالد بن الوليد، خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ (1) " وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الشَّامِ وَعَزَلَ خَالِدَ بن الوليد، فقال خالد: بعث إليكم أَمِينَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ " أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ " فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ " خَالِدٌ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ نِعْمَ فَتَى الْعَشِيرَةِ (2) " وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْ طُرُقٍ مُرْسَلَةٍ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا.

وَفِي الصَّحِيحِ " وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا وقد احتبس أدراعه وأعبده فِي سَبِيلِ اللَّهِ " وَشَهِدَ الْفَتْحَ وَشَهِدَ حُنَيْنًا وَغَزَا بَنِي جَذِيمَةَ أَمِيرًا فِي حَيَاتِهِ عليه السلام.

وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ خَيْبَرَ وَقَدْ دَخَلَ مَكَّةَ أَمِيرًا عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ قُرَيْشٍ، كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي مَوْضِعِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْعُزَّى - وكانت لهوازن - فكسر قمتها أولاً ثم دعثرها وجعل يقول: يا عُزَّى كُفْرَانَكِ لَا سُبْحَانَكِ * إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ

ثُمَّ حَرَّقَهَا وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الصِّدِّيقُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّة وَمَانِعِي الزَّكَاةِ، فَشَفَى وَاشْتَفَى.

ثم وجهه إلى العراق ثم أتى الشَّامِ فَكَانَتْ لَهُ مِنَ الْمَقَامَاتِ مَا ذَكَرْنَاهَا مما تقربها الْقُلُوبُ وَالْعُيُونُ، وَتَتَشَنَّفُ بِهَا الْأَسْمَاعُ.

ثُمَّ عَزَلَهُ عُمَرُ عَنْهَا وَوَلَّى أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَبْقَاهُ مُسْتَشَارًا فِي الْحَرْبِ، وَلَمْ يَزَلْ بِالشَّامِ حَتَّى مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ رضي الله عنه.

وَقَدْ رَوَى الواقدي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ خَالِدًا الْوَفَاةُ بَكَى ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ حَضَرْتُ كَذَا وَكَذَا زحفاً، وما في جسدي شبرا إلا وفيه ضربة سيف، أَوْ طَعْنَةٌ بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةٌ بِسَهْمٍ، وَهَا أَنَا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي حَتْفَ أَنْفِي كَمَا يَمُوتُ الْبَعِيرُ، فَلَا نَامَتْ أَعْيُنُ الْجُبَنَاءِ.

وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: ثَنَا شُرَيْحُ بْنُ يُونُسَ ثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ.

قال: قال خالد

(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1 / 8.

(2)

أخرجه الإمام أحمد في مسنده 3 / 245.

(*)

ص: 129

ابن الوليد: ما ليلة يُهدى إِلَيَّ فِيهَا عَرُوسٌ، أَوْ أُبَشَّرُ فِيهَا بِغُلَامٍ بِأَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الْجَلِيدِ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أُصَبِّحُ بِهِمُ الْعَدُوَّ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: أُتِيَ خَالِدٌ بِرَجُلٍ مَعَهُ زِقُّ خَمْرٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عَسَلًا، فَصَارَ عَسَلًا.

وَلَهُ طُرُقٌ، وَفِي بَعْضِهَا مَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ مَعَهُ زِقُّ خَمْرٍ فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: مَا هذا؟ فقال: عسل فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ خَلًّا، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أصحابه قال: جئتكم بخمر لم يشرب الْعَرَبُ مِثْلَهُ، ثُمَّ فَتَحَهُ فَإِذَا هُوَ خَلٌّ، فَقَالَ أَصَابَتْهُ وَاللَّهِ دَعْوَةُ خَالِدٍ رضي الله عنه.

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثُمَامَةَ عن أنس.

قال: لقي خالد عدواً له فولى عنه المسلمون منهزمين وثبت هو وأخو الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ، وَكُنْتُ بَيْنَهُمَا وَاقِفًا، قَالَ: فَنَكَسَ خَالِدٌ رَأْسَهُ سَاعَةً إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ سَاعَةً - قَالَ: وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ إِذَا أَصَابَهُ مِثْلُ هَذَا -، ثُمَّ قَالَ لِأَخِي الْبَرَاءِ: قُمْ فَرَكِبَا، وَاخْتَطَبَ خَالِدٌ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا الْجَنَّةُ وَمَا إِلَى الْمَدِينَةِ سَبِيلٌ.

ثُمَّ حَمَلَ بِهِمْ فَهَزَمَ الْمُشْرِكِينَ.

وَقَدْ حَكَى مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: اكْتُبْ إِلَى خَالِدٍ أَنْ لَا يُعْطِيَ شَاةً وَلَا

بَعِيرًا إِلَّا بِأَمْرِكَ.

فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى خَالِدٍ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ: إِمَّا أَنْ تَدَعَنِي وَعَمَلِي، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِعَمَلِكَ.

فَأَشَارَ عَلَيْهِ عُمَرُ بِعَزْلِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فمن يجزي عني جزاء خَالِدٍ؟ قَالَ عُمَرُ: أَنَا.

قَالَ: فَأَنْتَ.

فَتَجَهَّزَ عمر حتى أنيخ الظَّهْرُ فِي الدَّارِ، ثُمَّ جَاءَ الصَّحَابَةُ فَأَشَارُوا عَلَى الصِّدِّيقِ بِإِبْقَاءِ عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ وَإِبْقَاءِ خَالِدٍ بِالشَّامِ.

فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ كَتَبَ إِلَى خَالِدٍ بِذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَعَزَلَهُ، وَقَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَرَانِيَ آمُرُ أَبَا بكر بشئ لَا أُنْفِذُهُ أَنَا.

وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عن ياسر بن سمي البرني، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَعْتَذِرُ إِلَى النَّاسِ بِالْجَابِيَةِ مِنْ عَزْلِ خَالِدٍ، فَقَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَحْبِسَ هَذَا الْمَالَ عَلَى ضَعَفَةِ الْمُهَاجِرِينَ فَأَعْطَاهُ ذَا البأس، وذا الشرف واللسان، فأمرت أَبَا عُبَيْدَةَ.

فَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: مَا اعْتَذَرْتَ يَا عُمَرُ، لَقَدْ نَزَعْتَ عَامِلًا اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَوَضَعْتَ لِوَاءً رَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَغْمَدْتَ سَيْفًا سَلَّهُ اللَّهُ، وَلَقَدْ قَطَعْتَ الرَّحِمَ، وَحَسَدْتَ ابْنَ الْعَمِّ.

فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّكَ قَرِيبُ الْقَرَابَةِ، حَدِيثُ السِّنِّ مغضب في ابن عمك.

قال الواقدي رحمه الله، ومحمد بن سعيد وَغَيْرُ وَاحِدٍ: مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ بَقَرْيَةٍ عَلَى مِيلٍ مِنْ حِمْصَ، وَأَوْصَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

وَقَالَ دُحَيْمٌ وَغَيْرُهُ: مَاتَ بِالْمَدِينَةِ.

وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.

وَقَدَّمْنَا فِيمَا سَلَفَ تَعْزِيرَ عُمَرَ لَهُ حِينَ أَعْطَى الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَأَخْذَهُ مِنْ مَالِهِ عِشْرِينَ أَلْفًا أَيْضًا.

وَقَدَّمْنَا عَتْبَهُ عَلَيْهِ لِدُخُولِهِ الْحَمَّامَ وَتَدَلُّكِهُ بَعْدَ النُّورَةِ بِدَقِيقِ عُصْفُرٍ مَعْجُونٍ بِخَمْرٍ، وَاعْتِذَارَ خَالِدٍ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ صَارَ غَسُولًا.

وَرُوِّينَا عَنْ خَالِدٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أُطَلِّقْهَا عَنْ رِيبَةٍ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَمْرَضْ عندي ولم يصبها شئ في بدنها ولا رأسها ولا في شئ مِنْ جَسَدِهَا.

وَرَوَى سَيْفٌ وَغَيْرُهُ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ حِينَ عَزَلَ خَالِدًا عَنِ الشَّامِ، وَالْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ عَنِ الْعِرَاقِ: إِنَّمَا عَزَلْتُهُمَا لِيَعْلَمَ الناس إن الله نصر الدين لا بنصرهما وَأَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا.

وَرَوَى سَيْفٌ أَيْضًا: أن عمر

ص: 130

قَالَ حِينَ عَزَلَ خَالِدًا عَنْ قِنَّسْرِينَ وَأَخَذَ مِنْهُ مَا أَخَذَ: إِنَّكَ عَلَيَّ لِكَرِيمٌ، وَإِنَّكَ عِنْدِي لِعَزِيزٌ، وَلَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ مِنِّي أَمْرٌ تَكْرَهُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَقَدْ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ بِلَالٍ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ

قَالَ: اصْطَرَعَ عُمَرُ وَخَالِدٌ وَهُمَا غُلَامَانِ - وَكَانَ خَالِدٌ ابْنَ خَالِ عُمَرَ - فَكَسَرَ خَالِدٌ سَاقَ عُمَرَ، فَعُولِجَتْ وَجُبِرَتْ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمَا.

وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: دَخَلَ خَالِدٌ عَلَى عُمَرَ وَعَلَيْهِ قَمِيصُ حَرِيرٍ فَقَالَ عُمَرُ: مَا هذا يا خالد؟ فقال: وما بأس يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَيْسَ قَدْ لَبِسَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ؟ فَقَالَ: وَأَنْتَ مِثْلُ ابْنِ عَوْفٍ؟ وَلَكَ مِثْلُ مَا لِابْنِ عَوْفٍ؟ عَزَمْتُ عَلَى مَنْ بِالْبَيْتِ إِلَّا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِطَائِفَةٍ مِمَّا يَلِيهِ.

قَالَ: فَمَزَّقُوهُ حَتَّى لم يبق منه شئ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُخْتَارِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ - ثُمَّ شَكَّ حَمَّادٌ فِي أَبِي وَائِلٍ - قَالَ: ولما حَضَرَتْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ الْوَفَاةُ قَالَ: لَقَدْ طَلَبْتُ الْقَتْلَ فِي مَظَانِّهِ فَلَمْ يُقدَّر لِي إِلَّا أَنْ أَمُوتَ عَلَى فِرَاشِي.

وَمَا مِنْ عملي شئ أَرْجَى عِنْدِي بَعْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ لَيْلَةٍ بِتُّهَا وَأَنَا مُتَتَرِّسٌ وَالسَّمَاءُ تَهُلُّنِي تمطر إلى الصُّبْحَ، حَتَّى نُغِيرَ عَلَى الْكُفَّارِ.

ثُمَّ قَالَ: إِذَا أَنَا مِتُّ فَانْظُرُوا إِلَى سِلَاحِي وَفَرَسِي فَاجْعَلُوهُ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

فَلَمَّا تُوُفِّيَ خَرَجَ عُمَرُ عَلَى جِنَازَتِهِ فَذَكَرَ قَوْلَهُ: مَا على آل نساء الوليد يَسْفَحْنَ عَلَى خَالِدٍ مِنْ دُمُوعِهِنَّ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعًا أَوْ لَقْلَقَةً.

قَالَ ابْنُ الْمُخْتَارِ: النَّقْعُ التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ الصَّوْتُ.

وَقَدْ عَلَّقَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَعْضَ هَذَا فَقَالَ: وَقَالَ عُمَرُ: دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ ما لم يكن نقع أو لقلقة.

وقال محمد بن سعد ثنا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ اجْتَمَعَ نِسْوَةُ بَنِي الْمُغِيرَةِ فِي دَارِ خَالِدٍ يَبْكِينَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لِعُمَرَ: إِنَّهُنَّ قَدِ اجْتَمَعْنَ فِي دار خالد يبكين عليه، وَهُنَّ خُلَقَاءُ أَنْ يُسْمِعْنَكَ بَعْضَ مَا تَكْرَهُ.

فَأَرْسِلْ إِلَيْهِنَّ فانههنَّ.

فَقَالَ عُمَرُ: وَمَا عَلَيْهِنَّ أن ينزفن مِنْ دُمُوعِهِنَّ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ، مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعًا أَوْ لَقْلَقَةً.

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التاريخ من حديث الأعمش بنحوه.

وقال إسحق بْنُ بِشْرٍ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَاتَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالْمَدِينَةِ فَخَرَجَ عُمَرُ فِي جِنَازَتِهِ وَإِذَا أُمُّهُ تَنْدُبُهُ وَتَقُولُ: أَنْتَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ أَلْفٍ مِنَ الْقَوْ * مِ إِذَا مَا كَبَتْ وجوه الرجال فقال: صدقت والله إِنْ كَانَ لَكَذَلِكَ.

وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عن شيوخه عَنْ سَالِمٍ.

قَالَ: فَأَقَامَ خَالِدٌ فِي الْمَدِينَةِ حتى إذا ظن عمر أنه قد زال ما كان يخشاه من افتتان الناس به، وقد عزم على توليته بعد أن يرجع من الحج، واشتكى خالد بعده وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَدِينَةِ زَائِرًا لِأُمِّهِ فَقَالَ لَهَا أَحْدِرُونِي إِلَى مُهَاجِرِي، فَقَدِمَتْ بِهِ الْمَدِينَةَ وَمَرَّضَتْهُ فَلَمَّا ثَقُلَ وَأَظَلَّ قُدُومُ عُمَرَ لَقِيَهُ لَاقٍ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ صَادِرًا عَنْ حَجِّهِ فقال له عمر بهم (1) فقال: خالد بن

(1) كذا بالاصل.

(*)

ص: 131

الوليد ثقيل لما به.

فطوى عمر ثَلَاثًا فِي لَيْلَةٍ فَأَدْرَكَهُ حِينَ قَضَى، فَرَقَّ عَلَيْهِ وَاسْتَرْجَعَ وَجَلَسَ بِبَابِهِ حَتَّى جُهِّزَ، وَبَكَتْهُ الْبَوَاكِي، فَقِيلَ لِعُمَرَ: أَلَا تَسْمَعُ أَلَا تَنْهَاهُنَّ؟ فَقَالَ: وَمَا عَلَى نِسَاءِ قُرَيْشٍ أَنْ يَبْكِينَ أَبَا سُلَيْمَانَ؟ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ وَلَا لَقْلَقَةٌ.

فَلَمَّا خَرَجَ لِجِنَازَتِهِ رَأَى عُمَرَ امْرَأَةً محرمة تَبْكِيهِ وَتَقُولُ: أَنْتَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ أَلْفٍ مِنَ النَّا * سِ إِذَا مَا كَبَتْ وُجُوهُ الرجال أشجاع فأنت أَشْجَعُ مِن ليثِ * ضمر بن جَهْمٍ أَبِي أَشْبَالِ أَجَوَادٌ فَأَنْتَ أَجْوَدُ مِنْ سيل * دِيَاسٍ يَسِيلُ بَيْنَ الْجِبَالِ فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ هذه؟ فقيل له: أمه.

فقال: أمه وإلا له ثلاثاً.

وهل قَامَتِ النِّسَاءُ عَنْ مِثْلِ خَالِدٍ.

قَالَ: فَكَانَ عُمَرُ يَتَمَثَّلُ فِي طَيِّهِ تِلْكَ الثَّلَاثَ فِي لَيْلَةٍ وَفِي قُدُومِهِ: تُبَكِّي مَا وَصَلْتَ بِهِ النَّدَامَى * وَلَا تَبْكِي فَوَارِسَ كَالْجِبَالِ أُولَئِكَ إِنْ بكيت أشد فقدا * من الا ذهاب وَالْعَكَرِ الْجَلَالِ (1) تَمَنَّى بَعْدَهُمْ قَوْمٌ مَدَاهُمْ * فَلَمْ يَدْنُوا لَأَسْبَابِ الْكَمَالِ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عُمَرَ قال لأم خالد: أخالداً أو أجره ترزئين؟ عزمت عليك أن لا تبيني حَتَّى تَسْوَدَّ يَدَاكِ مِنَ الْخِضَابِ.

وَهَذَا كُلُّهُ منا يَقْتَضِي مَوْتَهُ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دُحَيْمٌ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنِ الْجُمْهُورِ وَهُمُ الْوَاقِدِيُّ، وَكَاتِبُهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نمير، وأبو عبد الله الْعُصْفُرِيُّ، وَمُوسَى بْنُ أَيُّوبَ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُمْ، أَنَّهُ مَاتَ بِحِمْصَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ.

زَادَ

الْوَاقِدِيُّ: وَأَوْصَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ وَغَيْرِهِ قَالُوا: قَدِمَ خَالِدٌ الْمَدِينَةَ بَعْدَ مَا عَزَلَهُ عُمَرُ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الشَّامِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ.

وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ: أَنَّ عُمَرَ رَأَى حُجَّاجًا يُصَلُّونَ بِمَسْجِدِ قُبَاءَ فَقَالَ: أَيْنَ نَزَلْتُمْ بِالشَّامِ؟ قَالُوا: بِحِمْصَ، قَالَ: فَهَلْ مِنْ معرفة خَبَرٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ مَاتَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ.

قَالَ: فَاسْتَرْجَعَ عُمَرُ وَقَالَ: كَانَ وَاللَّهِ سَدَّادًا لِنُحُورِ الْعَدُوِّ، مَيْمُونَ النَّقِيبَةِ.

فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَلِمَ عَزَلْتَهُ؟ قَالَ: لِبَذْلِهِ الْمَالَ لِذَوِي الشَّرَفِ وَاللِّسَانِ.

وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِعَلِيٍّ: نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن أبي خالد، سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ يَقُولُ: لَمَّا مَاتَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ عُمَرُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا سُلَيْمَانَ، لَقَدْ كُنَّا نَظُنُّ بِهِ أُمُورًا مَا كَانَتْ.

وَقَالَ جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ خَالِدٌ لَمْ يُوجَدْ لَهُ إلا فرسه وغلامه وسلاحه، وقال القاضي المعافا ابن زكريا الحريري: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْعَسْكَرِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعْدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ

(1) العكر: من الإبل ما بين الخمسين إلى المائة.

(*)

ص: 132

ابن حمزة اللخمي، ثنا أبو علي الحرنازي قال: دخل هشام بن البحتري فِي نَاسٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ: يَا هِشَامُ أَنْشِدْنِي شِعْرَكَ فِي خَالِدٍ.

فَأَنْشَدُهُ فَقَالَ: قَصَّرْتَ فِي الثَّناء عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ رحمه الله، إِنَّهُ كَانَ لِيُحِبُّ أَنْ يُذِلَّ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الشَّامِتُ بِهِ لَمُتَعَرِّضًا لِمَقْتِ اللَّهِ.

ثُمَّ قَالَ عُمَرُ قَاتَلَ اللَّهُ أَخَا بَنِي تَمِيمٍ ما أشعره.

وقل لِلَّذِي يَبْقَى خِلَافَ الَّذِي مَضَى * تَهَيَّأْ لِأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قدي فَمَا عَيْشُ مَنْ قَدْ عَاشَ بَعْدِي بِنَافِعِي * وَلَا مَوْتُ مَنْ قَدْ مَاتَ يَوْمًا بِمُخْلِدِي ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا سُلَيْمَانَ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا كَانَ فيه.

ولقد مات سعيداً وعاش حميداً ولكن رأيت الدهر ليس بقائل.

طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ

ابْنُ نَوْفَلِ بْنِ نَضْلَةَ بن الأشتر بن جحوان بن فقعس بن طريف بن عمر بن قعير (1) بن الحارث بن ثعلبة بن داود (2) بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْأَسَدِيُّ الْفَقْعَسِيُّ، كَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْخَنْدَقَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَوَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ ارْتَدَّ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَيَّامِ الصِّدِّيقِ، وَادَّعَى النُّبُوَّةَ كَمَا تقدَّم.

وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّهُ ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّ ابنه خيال (3) قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ: مَا اسْمُ الَّذِي يَأْتِي إِلَى أَبِيكَ؟ فَقَالَ: ذُو النُّونِ الَّذِي لَا يَكْذِبُ وَلَا يَخُونُ، وَلَا يَكُونُ كَمَا يَكُونُ.

فَقَالَ: لَقَدْ سَمَّى مَلَكًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، ثُمَّ قَالَ لِابْنِهِ: قَتَلَكَ اللَّهُ وَحَرَمَكَ الشَّهَادَةَ.

وَرَدَّهُ كَمَا جاء.

فقتل خيال في الردة في بعض الوقائع قتله عكشاة بْنُ مِحْصَنٍ ثُمَّ قَتَلَ طُلَيْحَةُ عُكَّاشَةَ وَلَهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَقَائِعُ.

ثُمَّ خَذَلَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَتَفَرَّقَ جُنْدُهُ فَهَرَبَ حَتَّى دَخَلَ الشَّامَ فَنَزَلَ عَلَى آلِ جَفْنَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ حَتَّى مَاتَ الصِّدِّيقُ حَيَاءً مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَاعْتَمَرَ، ثُمَّ جَاءَ يُسَلِّمُ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: اغْرُبْ عَنِّي فَإِنَّكَ قَاتِلُ الرَّجُلَيْنِ الصَّالِحَيْنِ، عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وَثَابِتِ بْنِ أَقْرَمَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هُمَا رَجُلَانِ أَكْرَمَهُمَا اللَّهُ عَلَى يَدَيَّ وَلَمْ يُهِنِّي بِأَيْدِيهِمَا.

فَأَعْجَبَ عُمَرَ كَلَامُهُ وَرَضِيَ عَنْهُ.

وَكَتَبَ لَهُ بِالْوَصَاةِ إِلَى الْأُمَرَاءِ أَنْ يُشَاوَرَ وَلَا يُوَلَّى شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا فَشَهِدَ الْيَرْمُوكَ وَبَعْضَ حُرُوبٍ كَالْقَادِسِيَّةِ وَنَهَاوَنْدَ الْفُرْسِ، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ، وَالْأَبْطَالِ الْمَشْهُورِينَ، وَقَدْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ.

وَذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَالَ: كَانَ يُعَدُّ بِأَلْفِ فَارِسٍ لِشِدَّتِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَبَصَرِهِ بِالْحَرْبِ.

وَقَالَ أَبُو نَصْرِ بْنُ مَاكُولَا: أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أسلم

(1) في أُسد الغابة: معين.

(2)

في أُسد الغابة: دودان.

(3)

في الاصابة حبال وقد تقدم.

(*)

ص: 133

وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ يُعْدَلُ بِأَلْفِ فَارِسٍ.

وَمِنْ شِعْرِهِ أَيَّامَ رِدَّتِهِ وَادِّعَائِهِ النُّبُوَّةَ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ أَصْحَابُهُ:

فَمَا ظَنُّكُمْ بِالْقَوْمِ إِذْ تَقْتُلُونَهُمْ * أليسوا وإن لم يسلموا برجال فإن يكن أزاد أصبىً ونسوة * فلم يذهبوا فرعاً بقتل خيال (1) نَصَبْتُ لَهُمْ صَدْرَ الْحِمَالَةِ إِنَّهَا * مُعَاوِدَةٌ قَتْلَ الكماة نزال فيوما تراها في الجلال مصونة * ويوماً تراها غير ذات جلال ويوماً تراها تضئ الْمَشْرِفِيَّةُ نَحْوَهَا * وَيَوْمًا تَرَاهَا فِي ظِلَالِ عَوَالِي عشية غادرت ابن أقرم ثاويا * وعكاشة العمي عِنْدَ مَجَالِ وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مُبَشِّرِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.

قَالَ: بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا اطَّلَعْنَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ يُرِيدُ الدُّنْيَا مَعَ الْآخِرَةِ، وَلَقَدِ اتَّهَمْنَا ثلاثة نفر فما رأينا كما هجمنا عليهم من أمانتهم وزهدهم، طليحة بن خويلد الأسدي، وعمرو بن معدي كرب، وَقَيْسُ بْنُ الْمَكْشُوحِ.

قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: ذَكَرَ أبو الحسن محمد بن أحمد بن الفراس الْوَرَّاقُ أَنَّ طُلَيْحَةَ اسْتُشْهِدَ بِنَهَاوَنْدَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مَعَ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وَعَمْرِو بْنِ معدي كرب رضي الله عنهم.

عمرو بن معدي كرب ابن عبد الله بن عمرو بن عاصم بن عمرو بن زبيد الاصغر بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ مَازِنَ بْنِ ربيعة بن شيبة وهو زبيد الأكبر بن الحارث بن ضعف بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ بْنِ مُذْحِجٍ الزُّبَيْدِيُّ الْمُذْحِجِيُّ أَبُو ثَوْرٍ، أَحَدُ الْفُرْسَانِ الْمَشَاهِيرِ الْأَبْطَالِ، وَالشُّجْعَانِ الْمَذَاكِيرِ، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَنَةَ تِسْعٍ، وَقِيلَ عَشْرٍ، مَعَ وَفْدِ مُرَادٍ، وَقِيلَ فِي وَفْدِ زُبَيْدٍ قَوْمِهِ.

وَقَدِ ارْتَدَّ مَعَ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ فَسَارَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَقَاتَلَهُ فَضَرَبَهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بِالسَّيْفِ عَلَى عَاتِقِهِ فَهَرَبَ وَقَوْمُهُ، وَقَدِ اسْتَلَبَ خَالِدٌ سَيْفَهُ الصَّمْصَامَةَ، ثُمَّ أُسِرَ وَدُفِعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَنَّبَهُ وَعَاتَبَهُ واستتابه، فتاب وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَسَيَّرَهُ إِلَى الشَّامِ، فَشَهِدَ الْيَرْمُوكَ ثُمَّ أَمَرَهُ عُمَرُ بِالْمَسِيرِ إِلَى سَعْدٍ وَكَتَبَ بِالْوَصَاةِ بِهِ، وَأَنْ يُشَاوَرَ وَلَا يُوَلَّى شَيْئًا، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ.

وَقِيلَ إِنَّهُ قُتِلَ بِهَا، وَقِيلَ بِنَهَاوَنْدَ، وَقِيلَ مَاتَ عَطَشًا فِي بَعْضِ الْقُرَى يُقَالُ لَهَا رَوْذَةُ (2) فَاللَّهُ أعلم.

وذلك كله في إِحْدَى وَعِشْرِينَ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ رَثَاهُ مَنْ قومه:

(1) أصبى: الذي كثرت صبيته.

(2)

قال في الاستيعاب: مات بقرية من قرى نهاوند.

وفي الاصابة من طريق خالد بن قطن أنه بقى إلى خلافة عثمان.

وقال صاحب كتاب المعمرين إنه شهد صفين.

والاكثر على أنَّه مات سنة إحدى وعشرين.

(*)

ص: 134

لَقَدْ غَادَرَ الرُّكْبَانُ يَوْمَ تَحَمَّلُوا * بِرَوْذَةَ شَخْصًا لَا جَبَانًا وَلَا غَمْرَا فَقُلْ لِزُبَيْدٍ بلٍ لمذحج كلها * رزئتم أبا ثور قريع الوغى عمراً وكان عمرو بن معدي كرب رضي الله عنه مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُجِيدِينَ، فَمِنْ شِعْرِهِ: أَعَاذِلَ عُدَّتِي بَدَنِي وَرُمْحِي * وَكُلُّ مُقَلَّصٍ سَلِسِ الْقِيَادِ أَعَاذِلَ إِنَّمَا أَفْنَى شَبَابِي * إِجَابَتِيَ الصَّرِيخَ إِلَى الْمُنَادِي مَعَ الْأَبْطَالِ حَتَّى سَلَّ جسمي * وأقرع عَاتِقِي حَمْلُ النِّجَادِ وَيَبْقَى بَعْدَ حِلْمِ الْقَوْمِ حِلْمِي * وَيَفْنَى قَبْلَ زَادِ الْقَوْمِ زَادِي تَمَنَّى أَنْ يُلَاقِينِي قُيَيْسٌ * وَدِدْتُ وَأَيْنَمَا مِنِّي وِدَادِي فَمَنْ ذَا عَاذِرِي مِنْ ذِي سَفَاهٍ * يَرُودُ بنفسه مني المرادي أُرِيدُ حَيَاتَهُ وَيُرِيدُ قَتْلِي * عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ من مرادي لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي التَّلْبِيَةِ رَوَاهُ شَرَاحِيلُ بن القعقاع عنه، قال: كنا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا لَبَّيْنَا: لَبَّيْكَ تَعْظِيمًا إِلَيْكَ عذراً * هذي زبيد قد أتتك قسراً * يعدو بِهَا مُضَمَّرَاتٌ شَزْرَا * يَقْطَعْنَ خَبْتًا وَجِبَالًا وَعْرًا * قَدْ تَرَكُوا الْأَوْثَانَ خِلْوًا صِفْرَا * قَالَ عَمْرٌو: فنحن نقول الآن ولله الحمد ما عَلَّمَنَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ.

الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَمِيرُ الْبَحْرَيْنِ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ.

تَقَدَّمَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ تَأَخَّرَ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَعَزَلَهُ عُمَرُ عَنِ الْبَحْرَيْنِ وَوَلَّى مَكَانَهُ أَبَا

هُرَيْرَةَ.

وَأَمَّرَهُ عُمَرُ عَلَى الْكُوفَةِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا مُنْصَرَفَهُ مِنَ الْحَجِّ.

كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ قَصَّتْهُ فِي سَيْرِهِ بِجَيْشِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ وَمَا جَرَى لَهُ مِنْ خَرْقِ الْعَادَاتِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنِ بْنِ عَائِذٍ المزني أمير وقعة نهاوند، صحابي جليل، قَدِمَ مَعَ قَوْمِهِ مِنْ مُزَيْنَةَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ رَاكِبٍ، ثُمَّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَبَعَثَهُ الْفَارُوقُ أَمِيرًا عَلَى الْجُنُودِ إِلَى نَهَاوَنْدَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ فَتْحًا عَظِيمًا، وَمَكَّنَ اللَّهُ لَهُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ، وَمَكَّنَهُ مِنْ رِقَابِ أُولَئِكَ الْعِبَادِ، وَمَكَّنَ بِهِ لِلْمُسْلِمِينَ هُنَالِكَ إِلَى يَوْمِ التَّنَادِ، وَمَنَحَهُ النَّصْرَ فِي الدُّنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وأتاح له بعد ما أَرَاهُ مَا أَحَبَّ شَهَادَةً عَظِيمَةً وَذَلِكَ غَايَةُ المراد،

ص: 135