الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كُنْتَ فِي ذِمَّةٍ مَنِيعَةٍ. قَالَ يَقُولُ عُثْمَانُ: بَلْ وَاللَّهِ إِنَّ عَيْنِيَ الصَّحِيحَةَ لَفَقِيرَةٌ إِلَى مِثْلِ مَا أَصَابَ أُخْتَهَا فِي اللَّهِ وَإِنِّي لَفِي جِوَارِ مَنْ هُوَ أَعَزُّ مِنْكَ وَأَقْدَرُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ. فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: هلم يا ابن أخى إِلَى جِوَارِكَ فَعُدْ. قَالَ: لَا!.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَأَمَّا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ فَحَدَّثَنِي أَبِي إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ سَلَمَةَ بن عبد الله بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ لَمَّا اسْتَجَارَ بِأَبِي طَالِبٍ مَشَى إِلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا طَالِبٍ هَذَا مَنَعْتَ مِنَّا ابْنَ أَخِيكَ مُحَمَّدًا فَمَا لَكَ وَلِصَاحِبِنَا تَمْنَعُهُ مِنَّا؟ قَالَ إِنَّهُ اسْتَجَارَ بِي وَهُوَ ابْنُ أُخْتِي وَإِنْ أَنَا لَمْ أَمْنَعِ ابْنَ أُخْتِي لَمْ أَمْنَعِ ابْنَ أَخِي. فَقَامَ أَبُو لَهَبٍ. فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ لَقَدْ أَكْثَرْتُمْ عَلَى هَذَا الشَّيْخِ مَا تَزَالُونَ تَتَوَاثَبُونَ عَلَيْهِ فِي جِوَارِهِ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِ، وَاللَّهِ لَتَنْتَهُنَّ أَوْ لَنَقُومَنَّ مَعَهُ فِي كُلِّ مَا قَامَ فِيهِ حَتَّى يبلغ ما أراد. قالوا بَلْ نَنْصَرِفُ عَمَّا تَكْرَهُ يَا أَبَا عُتْبَةَ. وَكَانَ لَهُمْ وَلِيًّا وَنَاصِرًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَبْقَوْا عَلَى ذَلِكَ فَطَمِعَ فِيهِ أَبُو طَالِبٍ حِينَ سَمِعَهُ يَقُولُ مَا يَقُولُ وَرَجَا أَنْ يَقُومَ مَعَهُ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ يُحَرِّضُ أَبَا لَهَبٍ عَلَى نُصْرَتِهِ وَنُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
إِنَّ امْرَأً أَبُو [1] عُتَيْبَةَ عَمُّهُ
…
لَفِي رَوْضَةٍ مَا أَنْ يُسَامُ الْمَظَالِمَا
أَقُولُ لَهُ وَأَيْنَ مِنْهُ نَصِيحَتِي
…
أَبَا مُعْتِبٍ [2] ثَبِّتْ سَوَادَكَ قَائِمَا
وَلَا تَقْبَلَنَّ الدَّهْرَ مَا عِشْتَ خُطَّةً
…
تُسَبُّ بِهَا إِمَّا هَبَطْتَ الْمُوَاسِمَا
وَوَلِّ سَبِيلَ الْعَجْزِ غَيْرَكَ مِنْهُمُ
…
فَإِنَّكَ لَمْ تُخْلَقْ عَلَى الْعَجْزِ لَازِمَا
وَحَارِبْ فَإِنَّ الْحَرْبَ نِصْفٌ وَلَنْ تَرَى
…
أَخَا الْحَرْبِ يُعْطِي الْخَسْفَ حَتَّى يُسَالَمَا
وَكَيْفَ وَلَمْ يَجْنُوا عَلَيْكَ عَظِيمَةً
…
وَلَمْ يَخْذُلُوكَ غَانِمًا أَوْ مُغَارِمَا
جَزَى اللَّهُ عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا
…
وَتَيْمًا وَمَخْزُومًا عُقُوقًا وَمَأْثَمَا
بِتَفْرِيقِهِمْ مِنْ بَعْدِ وُدٍّ وَأُلْفَةٍ
…
جَمَاعَتَنَا كَيْمَا يَنَالُوا الْمَحَارِمَا
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نُبْزَى [3] مُحَمَّدًا
…
وَلَمَّا تَرَوْا يَوْمًا لَدَى الشِّعْبِ قَائِمَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَقِيَ مِنْهَا بَيْتٌ تَرَكْنَاهُ.
ذِكْرُ عَزْمِ الصِّدِّيقِ عَلَى الهجرة إلى أرض الحبشة
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن مسلم الزهري عن
[1] كذا في الأصل وفي ابن هشام: (أبو عتيبة) . وبه يتزن البيت.
[2]
كذا في الأصل: وكنيته (أبو عتبة)
[3]
قال ابن هشام: نبزى، نسلب.
عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِ مَكَّةُ وَأَصَابَهُ فِيهَا الْأَذَى وَرَأَى مِنْ تَظَاهُرِ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ مَا رَأَى، اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْهِجْرَةِ فَأَذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه مُهَاجِرًا حَتَّى إِذَا سَارَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمًا- أَوْ يَوْمَيْنِ- لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْأَحَابِيشِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: اسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ أَحَدُ بَنِي بَكْرٍ مِنْ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُهُ مَالِكٌ. فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ أَخْرَجَنِي قَوْمِي وَآذَوْنِي وَضَيَّقُوا عَلَيَّ. قَالَ ولم؟ فو الله إِنَّكَ لَتَزِينُ الْعَشِيرَةَ، وَتُعِينُ عَلَى النَّوَائِبِ، وَتَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ. ارْجِعْ فَإِنَّكَ فِي جِوَارِي. فَرَجَعَ مَعَهُ حَتَّى إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ قَامَ معه ابْنُ الدَّغِنَةِ فَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ فَلَا يَعْرِضْ له أحد إلا بخير. قال: فَكَفُّوا عَنْهُ.
قَالَتْ: وَكَانَ لِأَبِي بَكْرٍ مَسْجِدٌ عِنْدَ بَابِ دَارِهِ فِي بَنِي جُمَحَ فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ اسْتَبْكَى قَالَتْ فَيَقِفُ عَلَيْهِ الصِّبْيَانُ وَالْعَبِيدُ والنساء يعجبون لما يرون من هيئته، قال فَمَشَى رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى ابْنِ الدَّغِنَّةِ. فقالوا: يا ابن الدَّغِنَةِ إِنَّكَ لَمْ تُجِرْ هَذَا الرَّجُلَ لِيُؤْذِيَنَا، إِنَّهُ رَجُلٌ إِذَا صَلَّى وَقَرَأَ مَا جَاءَ به محمد يرق وكانت له هيئة ونحن نَتَخَوَّفُ عَلَى صِبْيَانِنَا وَنِسَائِنَا وَضُعَفَائِنَا أَنْ يَفْتِنَهُمْ، فَأْتِهِ فَمُرْهُ بِأَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ فَلْيَصْنَعْ فِيهِ مَا شَاءَ. قَالَتْ: فَمَشَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنِّي لَمْ أُجِرْكَ لِتُؤْذِيَ قَوْمَكَ. وَقَدْ كَرِهُوا مَكَانَكَ الَّذِي أَنْتَ بِهِ وَتَأَذَّوْا بِذَلِكَ مِنْكَ، فَادْخُلْ بَيْتَكَ فَاصْنَعْ فِيهِ مَا أَحْبَبْتَ. قَالَ: أَوْ أَرُدُّ عَلَيْكَ جِوَارَكَ وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ. قَالَ فَارْدُدْ عَلَيَّ جواري. قال:
قد رددته عليك. قال فَقَامَ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ قَدْ رَدَّ عَلَيَّ جِوَارِي فَشَأْنُكُمْ بِصَاحِبِكُمْ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَفَرِّدًا بِهِ وَفِيهِ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ. فَقَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عقيل قال ابن هشام فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَتْ: لَمْ أعقل أبواي قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَرَفَيِ النَّهَارِ بِكُرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ، لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
أَخْرَجَنِي قَوْمِي فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي. فَقَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ مِثْلُهُ، إِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ على نوائب الحق. وأنا لك جار فارجع فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ. فَرَجَعَ وَارْتَحَلَ مَعَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، وَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يُخْرَجُ مِثْلُهُ وَلَا يَخْرُجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، ويعين على نوائب الحق؟ فلم يكذب قُرَيْشٌ بِجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ وَقَالُوا لِابْنِ الدَّغِنَةِ مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ ويصل فيها وليقرأ