الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم دخلت سنة إحدى وستين
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ سَائِرٌ إِلَى الْكُوفَةِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْعِرَاقِ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ وَقَرَابَاتُهُ، فَقُتِلَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ الّذي صححه الواقدي وغير واجد، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قُتِلَ فِي صَفَرٍ مِنْهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَهَذِهِ صِفَةُ مَقْتَلِهِ رضي الله عنه مَأْخُوذَةً مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ لَا كَمَا يَزْعُمُهُ أَهْلُ التَّشَيُّعِ مِنَ الْكَذِبِ الصَّرِيحِ وَالْبُهْتَانِ
قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ عَنْ أَبِي جَنَابٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمٍ وَالْمَذْرِيِّ [1] بْنِ الْمُشْمَعِلِّ الْأَسَدِيَّيْنِ قَالَا: أَقْبَلَ الْحُسَيْنُ فلما نزل شرف قَالَ لِغِلْمَانِهِ وَقْتَ السَّحَرِ:
اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ سَارُوا إِلَى صَدْرِ النَّهَارِ فَسَمِعَ الْحُسَيْنُ رَجُلًا يُكَبِّرُ فَقَالَ لَهُ: مِمَّ كَبَّرْتَ؟
فقال: رأيت النخيلة، فَقَالَ لَهُ الْأَسَدِيَّانِ: إِنَّ هَذَا الْمَكَانَ لَمْ ير أحد منه نخيلة، فَقَالَ الْحُسَيْنُ: فَمَاذَا تَرَيَانِهِ رَأَى؟ فَقَالَا: هَذِهِ الْخَيْلُ قَدْ أَقْبَلَتْ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ: أَمَا لَنَا مَلْجَأٌ نَجْعَلُهُ فِي ظُهُورِنَا وَنَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَا: بَلَى: ذُو حُسُمٍ. فَأَخَذَ ذات اليسار إليها فَنَزَلَ، وَأَمَرَ بِأَبْنِيَتِهِ فَضُرِبَتْ، وَجَاءَ الْقَوْمُ وَهُمْ أَلْفُ فَارِسٍ مَعَ الْحُرِّ بْنِ يَزِيدَ التَّمِيمِيِّ، وَهُمْ مُقَدِّمَةُ الْجَيْشِ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ ابْنُ زِيَادٍ، حتى وقفوا في مقابلته في نحو الظَّهِيرَةِ، وَالْحُسَيْنُ وَأَصْحَابُهُ مُعْتَمُّونَ مُتَقَلِّدُونَ سُيُوفَهُمْ، فَأَمَرَ الْحُسَيْنُ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَرَوَّوْا مِنَ الْمَاءِ وَيَسْقُوا خُيُولَهُمْ، وَأَنْ يَسْقُوا خُيُولَ أَعْدَائِهِمْ أَيْضًا. وَرَوَى هُوَ وَغَيْرُهُ قَالُوا: لَمَّا دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ أَمَرَ الْحُسَيْنُ الْحَجَّاجَ بْنَ مَسْرُوقٍ الْجُعْفِيَّ فَأَذَّنَ ثُمَّ خَرَجَ الْحُسَيْنُ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ فَخَطَبَ النَّاسَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَعْدَائِهِ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ فِي مَجِيئِهِ هَذَا إِلَى هَاهُنَا، بِأَنَّهُ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ إِمَامٌ، وَإِنْ أَنْتَ قَدِمْتَ عَلَيْنَا بَايَعْنَاكَ وَقَاتَلْنَا مَعَكَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَقَالَ الْحُسَيْنُ لِلْحُرِّ: تُرِيدُ أَنْ تُصَلِّيَ بِأَصْحَابِكَ؟ قَالَ لَا! وَلَكِنْ صل أنت ونحن نصلي وَرَاءَكَ. فَصَلَّى بِهِمُ الْحُسَيْنُ، ثُمَّ دَخَلَ إِلَى خَيْمَتِهِ وَاجْتَمَعَ بِهِ أَصْحَابُهُ، وَانْصَرَفَ الْحُرُّ إِلَى جَيْشِهِ وَكُلٌّ عَلَى أُهْبَتِهِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ صَلَّى بِهِمُ الْحُسَيْنُ ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ وَخَلْعِ مَنْ عاداهم من الأدعياء السائرين فيكم بالجور. فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: إِنَّا لَا نَدْرِي مَا هَذِهِ الْكُتُبُ، وَلَا مَنْ كَتَبَهَا، فَأَحْضَرَ الْحُسَيْنُ خُرْجَيْنِ مَمْلُوءَيْنِ كُتُبًا فَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَرَأَ مِنْهَا طَائِفَةً، فَقَالَ الْحُرُّ: لَسْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ الذين كتبوا إليك في شيء، وَقَدْ أُمِرْنَا إِذَا نَحْنُ لَقِينَاكَ أَنْ لَا نُفَارِقُكَ حَتَّى نُقْدِمَكَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زياد، فقال الحسين: الموت أدنى مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ الْحُسَيْنُ لِأَصْحَابِهِ: ارْكَبُوا! فَرَكِبُوا وَرَكِبَ النِّسَاءُ، فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ حَالَ الْقَوْمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِانْصِرَافِ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ لِلْحُرِّ: ثكلتك أمك، ماذا تريد؟
[1] كذا بالأصلين. وفي الطبري