الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الحج
باب فضله وبيان (أ) مَنْ فرض عليه
الحج في اللغة: القصد (ب) وقال الخليل: كثرة القصد إلى معظم، وفي الشرع القصد إلى بيت الله الحرام لأعمال (جـ) مخصوصة.
وهو بفتح المهملة وكسرها لغتان، ونقل الطبري أن الكسر لغة أهل نجد، والفتح لغيرهم، ونقل عن حسين الجعفي أن الفتح الاسم، والكسر المصدر، وعن غيره عكسه. ووجوب الحج معلوم من الدين ضرورة، وقام الإجماع على أنه لا يتكرر، واختلفوا في كونه على الفور أو التراخي، وهو مشهور.
وقيل إن ابتداء شرعيته كان قبل الهجرة، وهو قول شاذ، وقيل بعدها، والجمهور على أنه في سنة ست، ونزل فيها قوله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (1) ويكون المراد بقوله: {أَتِمُّوا} يعني أقيموا، وقد قرأ علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي بلفظ:"وأقيموا" أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم، وقيل المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدم فرضيته، وفي كلام الواقدي ما يدل على أنه متقدم على سنة خمس أو فيها، وذكر ابن القيم في "الهدي" أنه فُرض سنة تسع أو عشر قال: وأما قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية فليس فيها فرضية الحج، فإنما فيها الأمر بإتمامه،
(أ) سقط من هـ: (بيان).
(ب) سقط في ي.
(جـ) هـ: (للأعمال).
_________
(1)
سورة البقرة الآية 196.
وإتمام العمرة بعد الشروع فيها ذلك لا يقتضي وجوب الابتداء، قال: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود وفيه قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلَتْ عام تبوك سنة تسع، وفيها نزلت صدر آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى المباهلة، ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم بما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (1) فأعاضهم الله من ذلك بالجزية، ونزول هذه الآيات والمناداة بها إنما كانت في سنة تسع، وبعث الصديق يؤذن بذلك في مكة في مواسم الحج، وأردفه بعلي رضي الله عنه وقد قال به غير واحد من السلف، انتهى كلامه.
548 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة إِلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إِلا الجنة" متفق عليه (2).
قوله "العمرة إِلى العمرة" العمرة في اللغة: الزيارة، وقيل القصد، وفي الشرع: هي إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير، وسميت بذلك لأنه يزار البيت الحرام، أو يقصد، أو لكونها تقع في العمر مرة، أو لكونها في مكان عامر، وفي قوله:"العمرة إلى العمرة" دلالة على أنه لا كراهة في تكرار الاعتمار بل إنه يستحب ذلك خلافًا للمالكية، فإنهم قالوا يكره في السنة أكثر من عمرة واحدة، وبعضهم قال في الشهر، واستدل له بأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة، وأفعاله عندهم
(1) التوبة الآية 28.
(2)
البخاري كتاب العمرة، باب العمرة ووجوب العمرة وفضلها 3: 597 ح 1773، مسلم الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة 983:2 ح 437 - 1349.
تحمل على الوجوب أو الندب، وقد أجيب عنه بأنه عرف من فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان يترك الشيء وهو يستحب فعله لدفع المشقة عن أمته، وقد ندب إلى ذلك بلفظه، وظاهر الحديث عموم الأوقات لشرعيتها في جميع الأوقات، وقد ذهب إلى هذا الجمهور منهم الشافعي في غير من هو متلبس بالحج، وذهب الهادي إلى كراهتها في أيام التشريق لأمر علي رضي الله عنه لمن أحرم بها في أيام التشريق برفضها قال الإمام المهدي، والأصح لمذهب الهادوية أنها تكره في يوم النحر وأيام التشريق، وزاد أبو حنيفة يوم عرفة معها لقول عائشة:"إلا يوم عرفة" وهو توقيف، ورد عليه أبو يوسف بأن يوم عرفة لا يبطل فيه شيء من أعمال الحج فلا يكره فيه. ونقل الأثرم عن أحمد إذا اعتمر فلا بد أن يحلق أو يقصر، فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام ليمكن حلق الرأس فيها.
قال ابن قدامة (1): هذا يدل على كراهة الاعتمار عنده دون عشرة أيام، والظاهر ما ذهب إليه الشافعي وفي (أ) قوله:"كفارة لما بينهما" دليل على فضيلة الاعتمار، أنها مكفرة للسيئات.
ما قال (ب) ابن عبد البر: والمراد تكفير الصغائر دون الكبائر، قال: وذهب بعض العلماء من عصرنا إلى تعميم ذلك، ثم بالغ في الإنكار عليه، وقد تقدم نظير ذلك في الصيام.
وقوله: "الحج المبرور" اختلف في تفسيره، فقال ابن خالويه: هو المقبول، وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإثم، ورجحه النووي (2)،
(أ) جـ: (في) - بغير الواو.
(ب) زادت هـ: (والظاهر).
_________
(1)
المغني 226:3.
(2)
شرح مسلم 496:3.
وقيل إنه الذي تظهر ثمرته على صاحبه بأن يكون حاله بعد خيرًا من حاله قبله.
ولأحمد والحاكم من حديث جابر. قالوا (أ): يا رسول الله: ما بر الحج؟ قال: "إطعام الطعام وإفشاء السلام"(1).
وفي إسناده ضعف، فلو ثبت لكان هو المتعين دون غيره.
549 -
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "قلت: يا رسول اللَّه على النساء جهاد؟ قال: نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج
(أ) هـ: قال.
_________
(1)
أخرجه أحمد في "المسند" 3: 325، 334 من طريق محمد بن ثابت عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه، وإسناده ضعيف فيه محمد بن ثابت البناني وهو ضعيف. (تقريب التهذيب 2: 148 (85). فهو ضعيف بلفظ .. "وإفشاء السلام".
وقد أخرجه البيهقي في "السنن الكبري" 5/ 262، والحاكم في المستدرك 1: 483 بإسناد ضعيف من طريق أيوب بن سويد عن الأوزاعي عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بر الحج؟ قال: "إطعام الطعام وطيب الكلام".
وفيه أيوب بن سويد الرملي صدوق يخطئ. (تقريب التهذيب 1: 90 (699). لكنه يعتضد بما أخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" 1: 141 (173) بإسناد ضعيف من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. فقالوا: وما بره؟ قال: إطعام الطعام وطيب الكلام".
وفيه محمد بن مسلم الطائفي صدوقٌ وبشر بن المنذر له أوهام (لسان الميزان 2: 34 (117)، الضعفاء الكبير للعقيلي 1: 141 - 142 (173).
وقال العقيلي عقبه: "ولا يتابع عليه من حديث عمرو بن دينار وقد رَوَى بشر هذا غير حديث من هذا النحو.
وهذا يُروى عن جابر من حديث محمد بن المنكدر بإسناد لين، ورواه محمد بن ثابت البناني وطلحة بن عمرو عن محمد بن المنكدر عن جابر" اهـ.
والعمرة" رواه أحمد وابن ماجه (1) واللفظ له، وإسناده صحيح، وأصله في الصحيح الذي في صحيح البخاري بلفظ أنها قالت: "يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل (أ) فلا نجاهد قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور" (2).
الحديث فيه دلالة على فضيلة الحج والعمرة وأنهما في حق المرأة يجبران ما فاتها من فضيلة الغزو.
550 -
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك" رواه أحمد والترمذي والراجح وقفه، وأخرجه ابن عدي من وجه آخر ضعيف (3).
في إسناد الحديث الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف (4)، قال البيهقي (5):"المحفوظ عن جابر موقوفًا" وقال: "وروي عن جابر مرفوعًا بخلاف
(أ) هـ، جـ:(الأعمال).
_________
(1)
أحمد بن ماجه المناسك 6: 165، باب الحج جهاد النساء 2: 968 ح 2901 (واللفظ له)، أحمد 6:165.
(2)
البخاري الحج، باب فضل الحج المبرور 3: 381 ح 1520.
(3)
أحمد 3: 316، الترمذي الحج، باب ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا؟ ولفظه "وأنْ تعمروا هو أفضل" 2: 270 ح 931، الدارقطني الحج 2: 285 وقال: "رواه يحيى بن أيوب عن ابن جريج وحجاج عن ابن المنكدر عن جابر موقوفًا من قول جابر، البيهقي الحج، باب من قال العمرة تطوع 4: 348 - 349.
(4)
هو حجاج بن أرطاة بن ثور بن هبيرة بن شرحبيل، النخعي، الكوفي، القاضي، صدوق، كثير الخطأ والتدليس، توفي سنة 245. انظر: تهذيب التهذيب 2: 196، التقريب 1:152.
(5)
سنن البيهقي 4: 349.
ذلك" يعني حديث ابن لهيعة عن جابر، وابن لهيعة ضعيف، والترمذي حسن الحديث في جميع الروايات عنه إلا في رواية الكروخي فقط فإن فيها "حسن صحيح"، وفي تصحيحه نظر من أجل الحجاج فإن الأكثر على تضعيفه، والاتفاق على تدليسه، وقال النووي: ينبغي ألا يغتر بكلام الترمذي في تصحيحه، فقد اتفق جمع من الحفاظ كزائدة وابن المبارك وابن مهدي ويحيى القطان، ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم على تضعيفه، وقد نقل الترمذي (1) عن الشافعي أنه قال: "ليس في العمرة شيء ثابت بأنها تطوع"، وأفرط ابن حزم فقال: إنه مكذوب باطل (2).
وأخرجه البيهقي (3) من طريق أخرى وفيها عبيد الله بن أبي الزبير، وقد تفرد به، وطريق ابن عدي فيها أبو عصمة، وأبو عصمة كذبوه (4). وفي الباب عن أبي صالح الحنفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الحج جهاد والعمرة تطوع" أخرجه الشافعي وأخرجه الدارقطني وابن حزم والبيهقي (5)، وإسناده ضعيف (أورواه ابن ماجه من حديث طلحة وإسناده ضعيفًا أ)، والبيهقي (6) من حديث ابن عباس ولا يصح من ذلك شيء.
والحديث متأيد أيضًا بما أخرجه الطبراني عن أبي أمامة مرفوعًا "من
(أ، أ) سقط في هـ، ي.
_________
(1)
سنن الترمذي 3: 271.
(2)
المحلى 6:7.
(3)
سنن البيهقي 348:4 - 349.
(4)
هو أبو عصمة نوح بن أبي مريم، القرشي، مولاهم، الجامع، كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع. انظر: تهذيب التهذيب 10/ 486، تقريب التهذيب 2/ 309.
(5)
الشافعي رقم 739 (بدائع المنن)، الدارقطني 2/ 215. المحلى 7/ 4، البيهقي 4/ 148.
(6)
سنن البيهقي 4: 348 قال وفيه محمد بن الفضل بن عطية متروك.
مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فأجره كعمرة" (1).
الحديث فيه دلالة على أن العمرة غير واجبة وأنها سنة، وقد ذهب إلى هذا القاسم وزيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه، وهو المشهور عن المالكية، وغير المشهور عن الشافعي، إلا أن أبا حنيفة يقول: هي تطوع، وبه قال داود.
551 -
وعن جابر رضي الله عنه مرفوعًا: "الحج والعمرة فريضتان". الحديث لم يذكر المصنف -رحمه الله تعالى- من أخرجه، وهو من رواية ابن عدي والبيهقي من حديث ابن لهيعة عن عطاء عن جابر (2)، وقال ابن عدي: هو غير محفوظ عن عطاء، وأخرجه الدارقطني من حديث زيد بن ثابت بزيادة:"لا يضرك بأيهما بدأت"(3) وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف (4)، وهو عن ابن سيرين عن زيد وهو منقطع.
وأخرجه البيهقي من طريق ابن سيرين عن زيد مرفوعًا، وإسناده أصح، وصححه الحاكم (5).
وفي الباب حديث عائشة المتقدم في حق النساء.
(1) الطبراني 8: 150، 217، 207، أحمد 5:268.
(2)
سنن البيهقي بزيادة "واجبتان" الحج، باب من قال بوجوب العمرة. واستدلالًا بقول الله تعالى "وأتموا الحج والعمرة لله" 4: 350، ابن عدي 4:468.
(3)
الدارقطني 2: 284، الحاكم 1: 471 وقال: "والصحيح عن زيد بن ثابت قوله"
…
الذهبي.
(4)
هو إسماعيل بن مسلم المكي أبو إسحاق، كان من البصرة ثم سكن مكة. كان فقيهًا، ضعيف الحديث. انظر: تهذيب التهذيب 1: 331، تقريب التهذيب 1:74.
(5)
سنن البيهقي 4/ 351، الحاكم 1:471.
وأخرج الترمذي من حديث أبي رزين العقيلي: "احجج عن أبيك واعتمر"(1).
وفي حديث عمر في سؤال جبريل عن الإيمان "وأن تحج وتعتمر"(2).
والحديث فيه دلالة على وجوب العمرة، وقد ذهب إلى هذا ابن عمر رواه عنه البخاري تعليقًا (3) قال:"ليس أحد إلا وعليه حجة وعمرة".
وأخرجه موصولًا عنه ابن خزيمة والدارقطني والحاكم أن ابن عمر كان يقول: "ليس من خلق الله أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إليه سبيلًا، فمن زاد شيئًا فهو خير وتطوع".
وقال سعيد بن أبي عروبة في المناسك (4) عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: "الحج والعمرة فريضتان".
وعلق البخاري (5) أيضًا عن ابن عباس "إنها لقرينتها في كتاب الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} "(6).
ووصله الشافعي وسعيد بن منصور، والحاكم (7) أخرج عنه أيضًا:"الحج والعمرة فريضتان" بإسناد ضعيف، وأنث الضمير في قوله:"إنها لقرينتها" لما كان الحج فريضة فاعتبر ذلك.
(1) الترمذي الحج، باب منه 3: 269 ح 930.
(2)
رواه ابن خزيمة، وأخرجه مسلم ولكن لم يسق لفظه الفتح 3:597.
(3)
البخاري 3: 597 ووصله الدارقطني 2: 285 والحاكم 1: 471.
(4)
الفتح 3: 597.
(5)
البخاري 3: 597: 598 الشافعي.
(6)
الآية 196 من سورة البقرة.
(7)
الحاكم 1: 470، 471.
وصرح بالوجوب البخاري (1) فبوب على ذلك، وبالوجوب قال الشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد والثوري والأوزاعي.
وروي في "الجامع الكافي" القول بوجوب العمرة عن علي وعمر وعائشة وعلي بن الحسين وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وطاوس والحسن وابن سيرين. وروي عن علي في تفسير قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ} (2): إتمامهما إفرادهما مؤتنفتان من أهلك.
وروي عن محمد بن منصور أن في كتاب عمرو بن حزم العمرة هي الحج الأصغر. وأجيب عن ذلك من لم يقل بالوجوب بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} (3) وبما تقدم من حديث جابر فإنه صريح في عدم الوجوب وبأن قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ} لا يفهم الوجوب لأن الإتمام متفق على وجوبه بعد الإحرام بالعمرة وإن كانت تطوعًا وبقوله صلى الله عليه وسلم في قصة حجته: "دخلت العمرة في الحج" على أحد التأويلات فإنه قيل في معناه أنها دخلت في الحج بمعنى أن أعمال الحج مغنية عنها، وتأويل ما يدل على الوجوب بأنه للمبالغة في شرعيتها حتى كأنها واجبة بجامع تأكيد المحافظة على فعلها، والتأويل ممكن بخلاف ما تقدم من التصريح بعدم الوجوب فإن تأويل ذلك غير ممكن.
552 -
وعن أنس رضي الله عنه قال: "قيل يا رسول الله: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة" رواه الدارقطني وصححه الحاكم (4)،
(1) البخاري 3: 597.
(2)
الآية 196 من سورة البقرة.
(3)
الآية 97 من سورة آل عمران.
(4)
الدارقطني كتاب الحج 2: 216. الحاكم المناسك 1: 442، البيهقي الحج، باب الرجل يطيق المشي 4: 330.
والراجح إرساله، وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمر أيضًا (1)، وفي إسناده ضعف. الحديث أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى:{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (2) قال البيهقي: الصواب عن قتادة عن الحسن مرسلًا وسنده إلى الحسن صحيح، ولا أرى الموصول إلا وهمًا (3). وقد رواه الحاكم (4) من حديث حماد (أ) بن سلمة عن قتادة عن أنس أيضًا، إلا أن الراوي عن حماد هو أبو قتادة عبد الله بن واقد الحراني، وثقه أحمد، وقال أبو حاتم: هو منكر الحديث (5).
ورواه الشافعي والترمذي وابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عمر، وقال الترمذي: حسن، وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزيِّ قال فيه أحمد والنسائي: متروك الحديث (6).
(أ) سقط من هـ، ي:(حماد).
_________
(1)
الترمذي الحج، باب ما جاء في إيجاب الحج الزاد والراحلة 3: 177 ح 813 قال الترمذي: "هذا حديث حسن
…
، وإبراهيم هو أبا يزيد الخوزي المكي وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه"، ابن ماجه المناسك، باب ما يوجب الحج 2: 967 ح 2896.
(2)
آل عمران الآية 97.
(3)
البيهقي 4: 330.
(4)
الحاكم 1: 442.
(5)
هو عبد الله بن واقد، أبو قتادة، الحراني، مولى بني حمان، أصله من خراسان، متروك، وكان أحمد بن حنبل يثني عليه وقال: لعله كبر واختلط، وكان يدلس. مات سنة 210. انظر: التهذيب 6/ 66، التقريب 1/ 459.
(6)
هو إبراهيم بن يزيد، الخوري، الأموي، أبو إسماعيل، المكي، متروك الحديث، مات سنة 151. انظر: التهذيب 1/ 179، التقريب 1/ 46.
ورواه ابن ماجه والدارقطني (1) من حديث [ابن](أ) عباس، وسنده ضعيف أيضًا ورواه ابن المنذر من قول ابن عباس، ورواه الدارقطني من حديث جابر ومن حديث علي بن أبي طالب، ومن حديث ابن مسعود ومن حديث عائشة ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وطرقها كلها ضعيفة (2).
وقال أبو بكر ابن المنذر (3): لا يثبت الحديث في ذلك مسندًا، والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة.
الحديث فيه دلالة على أن الاستطاعة التي شرطها الله سبحانه وتعالى في وجوب الحج هي الزاد والراحلة، وأن من عدمهما أو أحدهما فلا حج عليه، وقد ذهب إلى هذا أكثر (ب) الأمة، فالزاد شرط مطلقًا والراحلة لمن داره على مسافة، وذهب ابن الزبير وطاوس وعكرمة (جـ) وعطاء ومالك بن أنس إلى أن الاستطاعة الصحة لا غير، لقوله تعالى:{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (4) فإنه فسر الزاد بالتقوى.
قال مالك: ومن عادته السؤال لزمه الحج ويسأل.
وأجيب بأن ذلك غير مراد بالآية بدليل سبب نزول الآية، والحديث
(أ) سقط في: الأصل والنسخ.
(ب) هـ: (الأكثر من).
(جـ) سقط في هـ، ي.
_________
(1)
ابن ماجه كتاب المناسك، باب ما يوجب الحج 2: 967 ح 2897 والدارقطني كتاب الحج 218:2 ح 14.
(2)
الدارقطني كتاب الحج 2: 215، 216 ح 2، 3، 4، 13.
(3)
التلخيص 2: 235.
(4)
الآية 197 من سورة البقرة.
المفسر للاستطاعة فإنه يدل على حقيقة الزاد، وهو وإن كان ضعيفًا ولكنه متأيد بكثرة الطرق، وفرع على ذلك الفقهاء في القدر الذي يحصل به الاستطاعة فقالوا: هو كفاية فاضلة عن كفاية العول حتى يرجع لقوله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول" أخرجه أبو داود (1)، وعن الثياب والمنزل والخادم لمن يعتاده للحاجة كما يستثنى للدَّيْن، قال أبو طالب: ويكفي الكسب في الأوب لا في الذهاب خشية الانقطاع ولأداء العول لذلك، والعروض كالنقد، ولا يعتبر أن يبقى له بعد الأوب شيء، وقال أبو يوسف بل كفاية سنة، وأجيب بأنه لا دليل على ذلك.
وقال الإمام يحيى والطبري وابن سريج: لا يلزم مع صنعة أو بضاعة تفيد كفايته ومن يمون لإضراره.
وقال أبو حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي أنه يلزم بيع ذلك لأنه مستطيع ويجب قَبُول الزاد من الولد إذ لا مِنَّةَ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك"(2) لا من غيره للمنة.
وقال الناصر والشافعي والوافي يجب قبوله من غيره أيضًا، والإمام وغيره سواء في ذلك ولو من واجب، ولا يجب القرض والتأخر فإن استقرض أو نحوه ملك ولزمه ويصح الحج، ولو كان المال حرامًا ويأثم. وقال أحمد: لا يجزئ واستدل بأنه تغاير جهة الطاعة والمعصية، فلا مانع، والله أعلم.
553 -
وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركبانا بالروحاء فقال: "مَن القوم؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟
(1) أبو داود كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم 2: 321 ح 1692، وأحمد في مسنده 2:160.
(2)
تقدم.
قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فرَفعتْ إِليه امرأة صبيًّا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولكِ أجر" رواه مسلم (1)، الحديث لم يخرجه البخاري لأنه ليس على شرطه، ولهذا إنه ترجم الباب بحج الصبي، وأورد فيه ما لم يكن صريحًا في المقصود (2).
والروحاء اسم محل بينه وبين المدينة ستة وثلاثون ميلًا (3).
قال القاضي عياض (4): يحتمل أن يكون هذا اللقاء في الليل، ولذلك أنهم لم يعرفوا النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون نهارًا لكنهم لم يروه صلى الله عليه وسلم قبل ذلك لعدم هجرتهم فأسلموا في بلدانهم ولم يهاجروا قبل ذلك.
الحديث فيه دلالة على صحة حج الصبي وأنه منعقد ثابت وظاهره (أ) سواء كان الصبي ممن يميز النية أولًا حيث فعل عنه وليه ما يفعل الحاج، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من العلماء منهم الشافعي ومالك، والحديث صريح فيه، وذهب (ب) الهادوية وأبو حنيفة إلى أنه لا تنعقد نية الصغير لا في الحج ولا في غيره من سائر العبادات، وإنما أمره بذلك تعويد وتمرس فقط فلا يلزمه شيء من محظورات الإحرام.
قال الطحاوي (5): ولا حجة في حديث ابن عباس لأنه قال: أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى ثم ساقه بإسناد صحيح. والجواب
(أ) سقط في هـ.
(ب) هـ: (
…
صريح وقد ذهب
…
).
_________
(1)
مسلم الحج، باب صحة حج الصبي وأجر من حج به 2: 974 ح 409 - 1336.
(2)
البخاري 4: 71 بلفظ باب حج الصبيان.
(3)
معجم البلدان 3/ 76، مراصد الاطلاع 2/ 637.
(4)
شرح مسلم للنووي 9: 99 (ط. المط. المصرية).
(5)
شرح مسلم 3: 481.
عنه بأن هذا إنما يدل على أنه لا يسقط به حجة الإسلام الواجبة عليه بعد بلوغه لا على أنه لا يصح منه إذا فعله تطوعًا كما هو المدعى.
قال القاضي: أجمعوا على أنه لا يجزئه إذا بلغ عن فريضة الإسلام إلا فرقة شذت فقالت تجزئه لقوله: "نعم"، وظاهره استقامة كون حج الصغير حجًّا مطلقًا، والحج إذا أطلق تبادر منه إسقاط الواجب، ولكن العلماء ذهبوا إلى خلافه، ولعل مستندهم حديث ابن عباس وسيأتي.
وقد ذهب طائفة من أهل البدع إلى منع الصغير من الحج، قال النووي (1): وهو مردود لا يلتفت إليه لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإجماع الأمة على خلافه، قال النووي (2): والولي الذي يحرم عن الصبي إذا كان غير مميز هو ولي ماله وهو أبوه وجده والوصي أو المنصوب من جهة الإمام أو الحاكم، وأما الأم فلا يصح إحرامها عنه إلا أن تكون وصية أو قيمة من جهة القاضي، وقيل إنه يصح إحرامها وإحرام العصبة وإن لم يكن لهم ولاية المال، وإن كان مميزًا أذن له الولي، فإن أحرم بغير إذن الولي، أو أحرم الولي عنه لم ينعقد علي الأصح، وصفه إحرام الولي عن غير المميز أن يقول بقلبه جعلته محرمًا، انتهى. وعلى مقتضى قواعد الهادوية كذلك أنه يأمره بالإحرام ولي ماله لأنه من باب الأمر تعويد، وهو إلى ولي ماله، وهذا في المميز، وأما غير المميز فلا، إذ لا فائدة في التعويد (أ) في حقه، ولكن يرد عليهم هذا الحديث، فإن ظاهر الرفع من المرأة إنما هو في حق الصغير الذي في المهد، والأم لها ولاية الحضانة لا ولاية المال (ب)، والرجوع إلى السنة أولى من التقييد بالعلل، وفي قوله "ولك أجر" يعني
(أ) هـ: (التعويل).
(ب) هـ: (الأمر).
_________
(1)
و (2) شرح مسلم 3: 481.
أنها تستحق الثواب بسبب حملها له وتجنيبها إياه ما يجتنب المحرم، وفعله ما يفعل المحرم، والله أعلم.
554 -
وعنه -كان الفضل بن العباس رضي الله عنه رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم "فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إِليها وتنظر إِليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إِلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله: إِن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع "متفق عليه واللفظ للبخاري (1).
الحديث رواه البخاري عن الفضل بن عباس من رواية أخيه عنه (2)، ومن رواية عبد الله بن العباس من دون توسط الفضل (3).
قال البخاري: "وأصح شيء فيه رواية ابن عباس عن الفضل، ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ومن غيره ثم رواه بغير واسطة"(4).
ولعله أشار بقوله ومن غيره إلى ما وقع عند أبن ماجه من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس قال: أخبرني حصين بن عوف الخثعمي قال: "قلتُ: يا رسول الله إن أبي أدركه الحج ولا يستطيع أن يحج
…
" الحديث (5) وإنما رجح البخاري الرواية عن الفضل لأنه كان ردف النبي
(1) البخاري جزاء الصيد، باب حج المرأة عن الرجل 4/ 67 ح 1855. مسلم الحج، باب الحج عن العاجز لزمانه وهرم ونحوه 2: 973 ح 407 - 1334.
(2)
البخاري جزاء الصيد، باب الحج عن من لا يستطيع الثبوت على الراحلة 4: 66 ح 1853.
(3)
البخاري 4: 67 ح 1855.
(4)
سنن الترمذي 3: 268 ح 928 (بنحوه).
(5)
ابن ماجه المناسك، باب الحج عن الحي إذا لم يستطع 2: 970 ح 2908، وقال في "الزوائد": في إسناده محمد بن كريب قال أحمد: منكر الحديث يجيء بعجائب عن حصين بن عوف وقال البخاري: منكر الحديث، فيه نظر وضعفه غير واحد.
- صلى الله عليه وسلم حينئذٍ، وكان ابن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة، وهذا بناء على أنه كانت القصة في النزول إلى منى إلى حضور جمرة العقبة، مع أنه يحتمل أن تكون القصة بعد الرمي، وأن ابن عباس شهد ذلك ويدل عليه ما وقع عند أحمد وابنه عبد الله والترمذي والطبراني (1) من حديث علي وابن العباس أيضًا كان شاهدًا، ولفظ أحمد عن علي قال:"وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، فقال: هذه عرفة، وهو الموقف" فذكر الحديث، وفيه "ثم أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر وكل منى منحر واستفتته، وفي رواية عبد الله "ثم جاءته جارية شابة من خثعم فقالت: إن (أ) أبي شيخ كبير قد أدركته فضيلة الله في الحج أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: "حجي عن أبيك"، ولوى عنق الفضل فقال العباس: يا رسول الله لويت عنق ابن عمك، قال:"رأيتُ شابًّا وشابة فلم آمن عليهما الشيطان".
وظاهر هذا أن العباس كان حاضرًا لذلك فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضًا كان معه، وهذا الحديث أثبتت الرواة عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار أن السائل كان امرأة، وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبي (ب) إسحاق عن سليمان بن يسار، فاتفق الرواة عنه على أن السائل رجل، ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه (2).
(أ) سقط من هـ.
(ب) سقط من هـ: (أبي).
_________
(1)
الترمذي الحج باب ما جاء أن عرفة كلها موقف 3: 223 ح 885. أحمد 1: 210، 211، 213. ابن خزيمة 4: 265 ح 2843. الطبراني في الكبير 18: 272 ح 686، 687.
(2)
الفتح 4: 68.
وقد أخرج ابن ماجه (1) من حديث كريب عن ابن عباس عن حصين الخثعمي كما تقدم، وأخرج الطبراني أيضًا من طريق عبد الله بن شداد عن الفضل أن رجلًا قال "يا رسول الله إن أبي شيخ كبير
…
" الحديث.
وأخرَج ابن خزيمة من مرسل الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال: "إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام لم يحج
…
" الحديث ثم ساقه من طريق عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال مثله إلا أنه قال: "وإن السائل سأل عن أمه" (2).
وجمع المصنف (3) -رحمه الله تعالى- بين الطرق هذه وقال: يجوز أن يكون السائل رجلًا وأنه كان معه ابنته فسألته أيضًا، والمسئول عنه أبو الرجل وأمه جميعًا، وينصر ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه عن الفضل بن عباس قال:"كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم وأعرابي معه بنت له حسناء فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يتزوجها، وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسي فيلويه (أ) وكان يلبي حتى رمى الجمرة. تقول الشابة: "إن أبي" أرادت جدها لأن أباها كان معها فكأنه أمرها أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها، فلما لم يرضها سأل أبوها عن أبيه.
ولا مانع أن يسأل أيضًا عن أمه، ويحصل من هذه الروايات أن اسم
(أ) هـ، ى:(ويلويه).
_________
(1)
تقدم.
(2)
ابن خزيمة الحج، باب حج الرجل عن المرأة التي لا تستطيع الحج من الكبر 4: 345 ح 3038.
(3)
الفتح 4: 68.
الرجل حصين بن عوف الخثعمي، وأما ما وقع في رواية ابن أبي الغوث "كان مع أبيه حصين" فإسناده ضعيف، ولعله زيد في الرواية لفظ ابن وكان العباس عن أبي الغوث حصين، ويحتمل أنَّ الغوث كان مع أبيه حصين فسأل كما سأل أبوه وأخته.
وقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه هذه المسألة من شخص آخر وهو أبو رَزِين بفتح الراء وكسر الزاي -العقيلي مصغرًا، واسمه لقيط بن عامر أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة قال: "حج عن أبيك واعتمر"(1).
وهذه قصة أخر [ى](أ) ومن أراد الجمع بينها وبين مسألة الخثعمي بالاتحاد فقد أبعد.
وفي إرداف النبي صلى الله عليه وسلم الفضل دلالة على جواز الارتداف وعلى تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وشفقته على قرابته، وفي صرف وجه الفضل عن النظر إلى المرأة دلالة على أنه ينبغي منع النفس عن باعث الشهوة التي تفضي إلى ما لا يجوز، وفيه دلالة على جواز النظر إلى وجه المرأة إلا عند خشية الفتنة (2)، وأنه يجوز الجمع بين الرجال والنساء في المواقف العامة التي يؤمن معها المعصية وسماع صوتها للأجانب عند الضرورة: كالاستفتاء عن العلم، والترافع في الحكم والمعاملة.
وقولها "إن فريضة الله على عباده" في رواية بحذف "على عباده"
(أ) من هـ، وفي الأصل (أخر).
_________
(1)
أبو داود المناسك، باب الرجل يحج عن غيره 2: 402 ح 1810، الترمذي الحج، باب منه 3: 269 ح 930، ابن خزيمة الحج، باب العمرة عن الذي لا يستطيع العمرة عن الكبير 4: 346 ح 3040.
(2)
للعلماء كلام طويل حول هذه المسألة. انظر مثلًا الفتح 4: 70.
وفي رواية للنسائي: "إن أبي أدركه الحج" وقولها "شيخا" منتصب على الحال وكبيرًا إذ لا تثبت صفتان، أو من الأحوال المترادفة أو المتداخلة، والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو علي هذه الصفة، وقوله "لا يثبت" وقع في رواية "لا يستطيع أن يستوي" وفي رواية "لا يستمسك" على الراحلة وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق زيادة "وإن شددته خشيت أن أقتله"(1) وفيها دلالة علي اجتماع الأمرين، من اجتماع الأمرين: عدم ثباته وخشية الضرر عليه من شده في صحة الاستنابة عنه، ويكون الذي لا يضره الشد مثل من يقدر على محمل موطأ كالمحفة وهو يفهم من معنى الاستطاعة إلا أنه ادعى في البحر الإجماع علي أن الصحة التي يستمسك معها قاعدًا شرط الإجماع، فإن صح الإجماع فذاك، وإلا فالعمل علي ما قلنا. وقولها "أفأحج عنه؟ " أي أفيجوز لي أن أنوب عنه فأحج عنه، فالمعطوف عليه مقدر، وفي رواية "فهل نقضي عنه؟ " وفي حديث علي "هل يجزئ عنه؟ " قوله "قال نعم" الحديث فيه دلالة علي أنه يجزئ الحج عن الغير وأنه يصح الحج عن الحي إذا كان مأيوسًا منه القدرة علي الحج بنفسه مثل الشيخوخة فإنه مأيوس زوالها، وأما إذا كان عدم القدرة لأجل مرض أو جنون يرجى زوالهما فلا يصح، فعلى هذا المعضوب الأصلي والشيخ الكبير، ومن أصابه علة أيس من برئها لهم الاستنابة في الحج، فإن حج من ظن اليأس ثم زالت العلة، فالمؤيد وأبو طالب والجمهور من العلماء قالوا: يجب الإعادة لانكشاف كذب ظنه، وذهب أحمد وإسحاق والمرتضى إلى أنها لا تجب الإعادة اعتبارًا بالابتداء، ولئلا يلزمه حجتان، والجواب أن المعتبر الانتهاء وأن الحجة الأولى انكشف عدم لزومها، وقد استدل به بأنه إذا
(1) الفتح 4: 69.
تبرع الغير بمال الحج للغير لزمه حج، فإن المرأة لم يتبين من حالها أن أباها مستطيع بالزاد والراحلة ولم يستفصلها النبي صلى الله عليه وسلم.
ويجاب عنه بأنه لم يذكر في الحديث سوى الآخر إلا الوجوب فلم يتعرض له ولعلها قد كانت فهمت أن الحج قد وجب على أبيها بتمكنه من الزاد والراحلة بدليل أنها قالت: "إن فريضة الحج" وما ذاك إلا لعلمها بدليل الوجوب، وقد شرط فيه الاستطاعة، والفقهاء اختلفوا في المسألة إذا بذل الغير الزاد المُبْلِغ هل يجب قبوله أولًا؟ أو من الولد فقط؟ على تفصيل معروف في كتب الفقه.
وقال من أوجب قبوله من الولد: إنه لا يجب القبول من الولد أن يحج بنفسه قالوا: لأنه لا حق في بدن الولد بخلاف ما له فله فيه حق. وفي الحديث رد على من قال من الحنفية إن التحجيج عن الغير لا يسقط عنه الوجوب وإنما يستحق ثواب النفقة فقط، واتفق من أجاز الحج عن الغير في الفرض أنه لا يجزئ إلا عن موت أو عضب، وأما النفل فذهب أحمد وأبو حنيفة إلى أنه يجوز النيابة فيه عن الغير مطلقًا للتوسع في النفل، وادعى بعضهم أن هذه القصة مختصة بالخثعمية كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بالرضاع حكاه ابن عبد البر، واحتج لذلك (1) بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب الواضحة بإسنادين مرسلين فزاد في الحديث "حج عنه وليس (أ) لأحد بعده" والإسنادان ضعيفان وهو معارض بأنه قد ثبت في حديث أبي رزين، وفي قصة الجهنية أيضًا، أخرجه البخاري (2).
(أ) هـ: (فليس).
_________
(1)
الفتح 4: 69.
(2)
البخاري جزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت والرجل يحج عن المرأة 4: 64 ح 1852.
والتعليل فيه بقوله: "اقضوا الله فالله أحق بالوفاء" وإن كان ذلك عن ميت إذ لا فرق، وبعضهم قال: الحكم خاص بالولد، ويجاب عنه بأن القياس دليل شرعي والمعنى معقول (أ) ولا سيما بعد التنبيه على العلة وكونه دَيْنًا أحق بالقضاء، وبما سيأتي من الحج عن شبرمة. وقال بعض المالكية إن الحج عن الغير لا يكون إلا بالوصية.
وقال القرطبي: وحديث الخثعمية وإن كان صحيحًا فهو مخالف لظاهر قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى} (1) إلا أنه إنما أجابها عن قولها "أفأحج عنه" قال: "حجي عنه" لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها، انتهى.
وهو أيضًا متأيد بما رواه عبد الرزاق من حديث ابن عباس فزاد في الحديث "حج عن أبيك فإن لم يزده خيرًا لم يزده شرًّا".
وقد جزم الحفاظ بأنها زيادة شاذة (ب)(2)، وعلى تقدير صحتها لا حجة في ذلك، وظاهر الحديث الإطلاق، وهو أنه يجزئ الحج عن المعضوب سواء كان قد استطاع قبل إصابة المانع أو بعده خلافًا للحنفية والجمهور.
ومن فوائد الحديث أن إحرام المرأة في وجهها فيجوز لها كشفه في الإحرام، وأنه يَحْسُنُ السؤال عن العلم ولو من المرأة عن الرجل، وأن المرأة تحج بغير محرم، وأن المحرم ليس من السبيل المشترط في الحج ولكنه قد تقدم أنها كانت مع أبيها، وفيه بر الوالدين والاعتناء بأمرهما، والقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقة وغير ذلك من أمور الدين والدنيا،
(أ) هـ: (مقبول).
(ب) هـ: (بإسناده).
_________
(1)
سورة النجم الآية 39.
(2)
الفتح 70:4.
وفيه أن العُمرة غير واجبة، ولا دلالة فيه لأن ترك الذكر لا يدل على عدم الحكم.
555 -
وعنه "أن امرأة من جهينة جاءت إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إِن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال نعم حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء" رواه البخاري (1).
قوله "إِن امرأة" قال المصنف -رحمة الله عليه-: "لم أقف على اسمها ولا على اسم أبيها، ولكنه روى ابن وهب عن عثمان بن عطاء الخراساني أن عائشة (2) أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة فقال "اقضي عنها" أخرجه مسدد، وهي بالغين المعجمة (3) والشين المعجمة (3)، وتردد هل بتقديم الياء المثناة من تحت على الشين (4) أو بتأخيرها، وفي رواية النسائي وابن خزيمة وأحمد من طريق موسى بن سلمة الهذلي عن ابن عباس قال: "أمرت امرأة سنان الجهني أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمها توفيت ولم تحج "الحديث"(5)(6).
وهو محتمل أن المرأة المذكورة هي هذه وأن السائل هو زوجها بأمرها
(1) البخاري كتاب جزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت والرجل يحج عن المراة 4: 64 ح 1852.
(2)
في الفتح: (أن غايثة أو غاثية
…
).
(3)
ليس في الفتح.
(4)
في الفتح على المثلثة.
(5)
النسائي الحج، باب الحج عن الميت الذي لم يحج 5: 116، أحمد 1/ 279، ابن خزيمة الحج، باب الحج عن الميت 4: 343 ح 3034.
(6)
الفتح 65:4 (بنحوه).
ونسب السؤال إليها مجازًا لما كان سؤالها أو أنها سألت بنفسها وقد حضرت مع زوجها، ولعلهما توليا السؤال جميعًا، فالنسبة إليهما حقيقة مع أنه قد وقع عند ابن ماجه عن ابن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته "أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي توفيت وعليها مشى إلى الكعبة نذرًا" الحديث.
ولكنه على فرض صحته يحمل على تعدد الواقعة، وقد وقع في البخاري في باب المنذر بلفظ:"أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت" وهو محمول علي تعدد القصة. وقد وقع في صحيح مسلم عن بريدة "أن امرأة قالت: يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: وجب أجرك ورد عليك الميراث، قالت: إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحج أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها"(1).
وبهذا يدفع اعتراض بعضهم بأن الحديث مضطرب ورد في الصيام، وورد في الحج.
وفي الحديث دلالة على أن الناذر بالحج إذا لم يكن قد حج أجزأته عن حجة الإسلام إذ لم يسألها النبي صلى الله عليه وسلم هل قد كانت حجت أم لا؟
وقوله: "أرأيت .. " إلخ فيه دلالة علي مشروعية القياس، وضرب المثل ليكون أوقع في نفس السامع، وتشبيه ما اختلف بما اتفق عليه وأنه يستحب للمفتي التنبيه على وجه الدليل، إذا ترتب على ذلك مصلحة، وهو أطيب لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه، وفيه أن قضاء دَيْن الميت كان معلومًا عندهم مقررًا، ولهذا حسن الإلحاق به. وقوله "أكنت قاضيته" بالضمير العائد إلى الدَّيْن، وهو في رواية الأكثر للبخاري، وفي رواية
(1) مسلم الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت 2: 805 ح 157 - 1149.
الكشميهني "قاضيه" بوزن فاعله بحذف الفعول. والحديث فيه دلالة على صحة الحج عن الميت، وأنه يجب التحجيج عنه سواء أوصى أو لم يوص، لأن الدين يجب قضاؤه مطلقًا، وكذلك سائر الحقوق المالية من كفارة أو فدية أو زكاة أو غير ذلك، وقد ذهب إلى هذا ابن عباس وزيد بن ثابت وأبو هريرة والشافعي، ويجب إخراج الأجرة من رأس المال علي هذا القول، وظاهر هذا الحديث أنه مقدم على دين الآدمي، وهو أحد أقوال الشافعي، وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه ومالك إلى أنه لا يجب إلا بالوصية لقوله تعالى:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى} (1) والجواب عن الآية الكريمة بتخصيصها بالحديث، أو أن المراد بالإنسان فيها الكافر وأنها مخصوصة بقوم موسى وإبراهيم عليهما السلام، وقيل ليس له من طريق العدل وله من طريق الفضل، وقيل اللام بمعنى على كقوله:{وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ} (2) قالوا: ولا يجزئ عنه إن (أ) لم يوص.
وقال المنصور بالله: إنه يجزئ من الولد بخصوصه لقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا وإنَّ وَلَد المَرْء مِن سعيه"(3).
وقال محمد بن الحسن الشيباني: إنه لا يسقط وجوب الحج عن الميت وإن أوصى، وإنما يلحقه ثواب النفقة والحج للأجير، وهو خلاف الدليل، والله أعلم.
(أ) هـ: (وإنْ).
_________
(1)
سورة النجم الآية 39.
(2)
سورة غافر الآية 52.
(3)
أخرجه النسائي البيوع، باب الحث على الكسب 7/ 240: 241، وابن ماجه التجارات، باب الحث على المكاسب 2: 723 ح 2137 عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا بلفظ: "إن أطيب ما أكل الرجل من كَسْبه، وإن ولده من كَسبْه".
556 -
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى "رواه ابن أبي شيبة والبيهقي ورجاله ثقات (1)، إلا أنه اختلف في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف.
الحديث أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس بلفظ: قال: احفظوا عني ولا تقولوا: قال ابن عباس فذكره.
وهذا ظاهره الرفع لأنه نهاهم عن نسبته إليه.
وأخرجه ابن خزيمة والإسماعيلي في مسند الأعمش، والحاكم وقال: على شرطهما، والبيهقي، وابن حزم وصححه، والخطيب في التاريخ من حديث أبي ظبيان عنه.
قال ابن حزم: والصحيح موقوف (أ).
وأخرجه ابن عدي عن شعبة، قال البيهقي (2): مرقوعًا تفرد برفعه محمد بن المنهال، فإنه قد رواه الحارث بن شريح عن يزيد بن زريع ومحمد بن المنهال كذلك، وأيضًا فإن رواية ابن أبي شيبة هي عن أبي معاوية عن الأعمش، فقد اتفق أبو معاوية ويزيد بن زريع عن شعبة.
وأخرج الحديث أبو داود في مراسيله عن محمد بن كعب القرظي وفيه راوٍ مبهم (3)، وفي رواية البيهقي زيادة: "فإذا حج الأعرابي فله حجة،
(أ) هـ: (موقوفًا).
_________
(1)
البيهقي الحج، باب إثبات فرض الحج 4: 325، الحاكم الحج 1: 481 (بنحوه)، الخطيب في التاريخ 8: 209، ابن خزيمة 4: 349 ح 3050. (بنحوه).
(2)
البيهقي 4: 325.
(3)
المراسيل لأبي داود ص 144 ح 134.
وإذا هاجر فعليه حجة أخرى" (1).
والمراد بالأعرابي الكافر، وكان الكفر هو الغالب على الأعراب، نبه على هذا ابن الصلاح.
والحديث فيه دلالة علي أن حج الصغير لا يسقط عنه الواجب بعد بلوغه وهو قول الأكثر، وقد تقدم حكاية الخلاف فيه، وكذا العبد بعد عتقه فإنه يجب عليه إعادة الحج، ويصح منه في حال الرق وإن لم يأذن له سيده وقال داود: لا ينعقد من غير إذن.
557 -
وعنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: "لا يخلون رجل بامرأة إِلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إِلا مع ذي محرم فقام رجل فقال يا رسول الله: إن امرأتي خرجت حاجة وإِني اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال: انطلق فحج مع امرأتك" متفق عليه واللفظ لمسلم (2).
قوله "لا يخلون
…
" إلخ فيه دلالة على تحريم الخلوة بالأجنبية وهو إجماع لكن اختلفوا هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا بأن يكون معهما من يزيل معنى الخلوة، والظاهر أنه يقوم لأن المعنى المناسب للنهي إنما هو خشية أن يوقع بينهما الشيطان الفتنة، وقال القفال: لا بد من المَحْرم.
وقوله "ولا تسافر" إلخ ظاهر الحديث منع المرأة من السفر المطلق، وظاهره ما سمي سفرًا، وقد ورد تقييده في حديث أبي سعيد فقال مسيرة
(1) البيهقي 4: 325.
(2)
البخاري جزاء الصيد، باب حج النساء 4: 72 ح 1862، مسلم الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره 2: 978 ح 424 - 1341 (واللفظ له).
يومين (1)، وفي حديث أبي هريرة مقيدًا بمسيرة يوم وليلة (2) فالتقييد متعارض، وقد عمل العلماء بالمطلق لتعارض التقييدان (3)، وكان القياس الاقتصار على أقلها لأنه منطوق ونفيه من الأكثر بالمفهوم.
وقال النووي: ليس المراد من التحديد ظاهره بل كل ما سمي سفرًا فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم، وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه (4) انتهى. وقد وردت أحاديث فمنها عن أبي هريرة "لا تسافر امرأة بريدًا إلا ومعها محرم عليها" أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي (5).
وعنها "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم" أخرجه أحمد والبخاري ومسلم (6)، وأحمد وأبو داود عن ابن عمر (7)، ومسلم والطيالسي عن أبي سعيد (8).
وعن أبي أمامة: "لا تسافر المرأة إلا ومعها محرم ولا يدخل عليها إلا ومعها زوجها" أخرجه الدارقطني (9).
(1) البخاري جزاء الصيد، باب حج النساء 4: 73 ح 1864، مسلم الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره 2: 975: 976 ح 415 - 827.
(2)
البخاري تقصير الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة
…
2: 566 ح 1088. مسلم الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج أو غيره 2: 977 ح 419، 1339.
(3)
كذا بالأصل، هـ، ي، وفي جـ:(التقييدات) بالتاء في آخره.
(4)
شرح مسلم 3: 484 (بنحوه).
(5)
أبو داود المناسك، باب في المرأة تحج بغير محرم 2: 347 ح 1725. الحاكم 1: 442، البيهقي 3: 139.
(6)
مسلم الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره 2: 977 ح 422 - 1339.
(7)
أبو داود المناسك، باب في المرأة تحج بغير محرم 2: 348 ح 1727، أحمد 2:13.
(8)
مسلم الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره 2: 976 ح 418 - 827 م.
(9)
الدارقطني 2: 223 (32).
(أ) وعن جابر "لا تسافر المرأة إلا ومعها محرم ولا يدخل عليها إلا وعندها محرم، فإذا دخل أحدكم فليعلم أن الله يراه" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان. وعن أبي هريرة "لا تسافر المرأة مسيرة ليلة إلا مع ذي محرم" أخرجه الحاكم (1).
وعن عدي بن حاتم: "لا تسافر المرأة فوق ثلاث إلا مع ذي محرم" أخرجه الطبراني (2)، وعن أبي سعيد:"لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم لها".
وأخرج الطبراني عن ابن عباس: "لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج، أو مع (ب) ذي محرم" أخرجه الطبراني (3).
والحديث عام للسفر جميعه سواء كان واجبًا عليها أو جائزًا، والعلماء فصلوا في ذلك فقالوا: إنه يجوز للمرأة السفر وحديث في الهجرة من دار الحرب وللمخافة علي نفسها ولقضاء الدَّيْن ورد الوديعة والرجوع من النشور، وهذا مجمع عليه، وكذا سفر النزهة والتجارة لا يجوز السفر إلا مع المحرم إجماعًا (4).
واختلفوا في سفر الحج الواجب فذهب الأكثر إلى أنه لا يجوز للشابة (جـ)
(أ) في حاشية هـ: (سفر ثلاثة أيام أو تحج إلا ومعها زوجها. أخرجه الدارقطني، وعن جابر
…
).
(ب) سقط من هـ: (مع).
(جـ) هـ: (لتشأبة).
_________
(1)
الحاكم 1: 442.
(2)
المعجم الصغير للطبراني 2: 30 بلفظ: "لا تسافر المرأة فوق ثلاث ليال إلا مع زوج أو ذي محرم".
(3)
المعجم الكبير للطبراني 12: 121.
(4)
انظر الفتح 4: 76، والمغني 3: 236 وما بعدها.
السفر إلا مع محرم، ونقل الكرابيسي قولًا للشافعي، وصححه في المهذب (1) أنها تسافر وحدها إذا كان الطريق آمنًا، واحتج بحديث عدي بن حاتم مرفوعًا: "يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت
…
" الحديث وهو في البخاري، وتعقب بأنه يدل علي وجود ذلك لا علي جوازه، وأجيب بأنه خبر في سياق المدح ورفع منار الإسلام فيدل علي الجواز (أ)، وقول النووي إن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر الذي سيقع لا يدل على جوازه صحيح، إلا أن القرينة قد تدل على تعيين الجواز أو غيره فيحمل عليه.
قال ابن دقيق العيد: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} الآية (2) عموم شامل للرجال والنساء، وقوله صلى الله عليه وسلم "لا تسافر المرأة" عموم في جميع أنواع السفر، فتعارض العمومان فيرجح بينهما وقد ترجح عموم الآية بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"(3).
ويجاب بأن هذا عام في جميع المساجد فيقصر على ما لا يحتاج إلى سفر (ب)، ولكنه قد يجاب عنه بالأحاديث الواردة في خصوص نهيها عن الحج إلا مع ذي محرم فإنه مخصص لعموم الآية، ولعل ابن دقيق العيد غفل عن ذلك، والله أعلم.
وذهب القاسم -وهو قول للشافعي، نقله أبو الوليد الباجي- أن
(أ) هـ: (وجوب جواز).
(ب) هـ: (سفره).
_________
(1)
المرجع السابق.
(2)
سورة آل عمران الآية 97.
(3)
البخاري الجمعة، باب على من لم يشهد الجمعة غسل 2: 382 ح 900، مسلم الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة .... 1: 327 ح 136 - 442.
العجوز يجوز لها السفر من دون محرم، وكأنه نظر إلى المعنى فخصص به العموم، وقال أبو حنيفة -وهو قول للشافعي-: إن حكمها حكم الشابة، قال: إذ لكل ساقط لاقط (1).
وذهب المنصور بالله إلى أن المرأة ذات الحشم يجوز لها السفر وذهب الشافعي إلى أن النساء الثقات للمرأة يكن كالمحرم، وصرح به أبو الطيب الطبري قال: إذا أرادت أن تؤدي الحج فلا يجوز لها إلا مع محرم أو زوج أو نسوة ثقات، ويدل علي ذلك حج أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما أذن لهن عمر في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف (2)، وكان عبد الرحمن بن عوف ينادي:"ألا لا يدنو أحد منهن ولا ينظر إليهن"، وهن في الهوادج على الإبل فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب فلم يصعد إليهن أحد، ونزل عبد الرحمن بذنب الشعب (3).
وفي رواية لابن سعد: "فكان عثمان يسير أمامهن، وعبد الرحمن بن عوف خلفهن".
وفي رواية له وعلى هوادجهن علي الإبل الطيالسة الخُضْر. وفي إسناده الواقدي.
وحججن بعد ذلك في ولاية معاوية، والمغيرة أمير المدينة سنة خمسين أو قبلها (4)، وكذا في خلافة عثمان استأذنته عائشة، فقال: أنا أحج بكن،
(1) قال الإمام النووي في شرح مسلم: ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينه ومروءته وخيانته ونحو ذلك. 3: 485.
(2)
البخاري جزاء الصيد، باب حج النساء 4: 72 ح 1860.
(3)
الفتح 4: 73.
(4)
قال ابن حجر: "والظاهر أنه أراد بذلك زمن ولاية المغيرة علي الكوفة لمعاوية وكان ذلك سنة خمسين أو قبلها". (فتح الباري 4: 73).
قالت: فحج بنا جميعًا إلا زينب كانت ماتت، وإلا سودة فإنها لم تخرج من بيتها بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وتأولن قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع:"هذه ثم ظهور الحصر"(1) بأنه لا واجب عليهن غيرها إلا المنع من الحج مطلقًا، وحمل ذلك على ظاهره زينب وسودة وأن المراد أن لا يخرجن من بيوتهن ويلزمن الحُصْر، وهو جمع حصير: الذي يبسط في البيوت بضم الحاء والصاد وسكن تخفيفًا، ويدل على التأويل إجماع الصحابة على جواز حجهن ولم ينكر أحد ذلك مع أن عمر قد كان سبق منه المنع ثم أذن لهن في آخر حجة حجها، ولعله كان قد ذهب إلى المنع ثم رجح عنده التأويل. قوله:"فقال رجل" قال المصنف -رحمة الله عليه (2) -: لم أقف على اسم الرجل ولا على اسم امرأته ولا على تعيين الغزوة المذكورة، والظاهر أن ذلك كان في حجة الوداع، وقد يؤخذ منه أن الحج على التراخي لأنه اكتتب هو مع الرفقة وعزم على ترك الحج.
ويجاب أنه يجوز أن يكون قد أسقط فرضه في السنة الأولى التي حج فيها أبو بكر الصديق أو أنه قد كان تعين عليه الجهاد بتعيين النبي صلى الله عليه وسلم أو الأمير، وهو تقدم الجهاد على الحج لذلك (أ). وقوله:"فحج مع امرأتك" قد يتمسك به من يقول: إنه يجب على الزوج الخروج مع زوجته إلى الحج إذا لم يكن لها غيره وهو قول أحمد ووجه للشافعية (ب)، وقول الأكثر بخلافه ولعلهم يحملون الأمر على الندب والقرينة على ذلك
(أ) هـ: (كذلك).
(ب) هـ: (للشافعي).
_________
(1)
أبو داود المناسك، باب فرض الحج 2: 345 ح 1722، وأحمد في المسند 5/ 218، 219 عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه.
(2)
الفتح 4: 77 (بنحوه).
ما تقرر من قواعد الدين أنه لا يجب على أحد بذل منافع نفسه ليحصل غيره ما وجب عليه، ويستدل بهذا الحديث على أنه ليس للزوج منع امرأته من الحج، وقد أخرج الدارقطني (1) عن ابن عمر مرفوعًا (أ) في امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها في الحج ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها.
وأجيب عنه بأنه محمول على حج المتطوع عملًا بالحديثين، ونقل ابن المنذر رحمه الله الإجماع على أن للرجل منع زوجته من الخروج (ب) في الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجبًا.
واختلف العلماء في وجود المحرم للمرأة هل هو شرط في وجوب الحج عليها حتى لا يوصف بالوجوب ولا يجب عليها الوصية به إذا لم تجده أو هو شرط في تضيق التأدية عليها لا الوجوب فينعكس الحكم المذكور؟ فذهب أبو طالب وأحد قولي المؤيد إلى الأول قالوا: لأنها ممنوعة، فلو كان واجبًا لاجتمع في ذلك الحرمة والوجوب، فكون الشيء الواحد محلًا لهما غير جائز.
والجواب أن الجهة مختلفة فمتعلق الوجوب غير متعلق الحرمة، وهي ممنوعة من الحج شرعًا لعدم المحرم مثل منع المحدث من الصلاة والجواب الفرق بأن الحدث يمكن إزالته بخلاف المحرم، فإن ذلك واقف على وجوده واختياره وليس ذلك ممكنًا، وذهب الهادي والمؤيد إلى الثاني لتناول الأدلة للمرأة مطلقًا عن ذلك.
وفي قوله: "انطلق فحج مع امرأتك" دلالة على أنه ينبغي تقديم
(أ) هـ: (موقوفًا).
(ب) سقط من هـ: (من الخروج).
_________
(1)
الدارقطني 2: 223 (31).
الأهم فالأهم فإنه لما عرض له الغزو والجهاد ورجح له الحج لأن امرأته لا يقوم غيره مقامه في السفر معها بخلاف الغزو، والله أعلم.
558 -
وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يقول: "لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخ وقريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان، والراجح عند أحمد وقفه. الحديث في رواية الدارقطني وابن حبان والبيهقي بلفظ:"هذه عنك ثم حج عن شبرمة"(1) قال البيهقي: إسناده صحيح وليس في هذا الباب أصح منه.
وروي موقوفًا على ابن عباس ورواه غندر عن سعيد بن جبير، والذي رفعه عبده من حديث سعيد، وهو ثقة (أ) محتج به في الصحيحين، وقد تابعه على رفعه محمد بن بشر، ومحمد بن عبيد الله الأنصاري، وقال ابن معين: أثبت الناس في سعيد عبده، وكذا رجح عبد الحق وابن القطان رفعه، وقال الطحاوي الصحيح أنه موقوف.
وقال أحمد بن حنبل: رفعه خطأ، ليقال ابن المنذر، لا يثبت رفعه. ورواه سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وخالفه ابن أبي ليلى، فرواه عن عطاء عن عائشة، وخالفه الحسن بن ذكوان، فرواه عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس، وقال الدارقطني: المرسل أصح.
(أ) زادت هـ: (صحيح).
_________
(1)
أبو داود المناسك، باب الرجل يحج عن غيره 2: 403 ح 1811، ابن ماجه المناسك، باب الحج عن الميت 2: 969 ح 2903 (نحوه)، الدارقطني المناسك 2: 269 (151)، ابن حبان كتاب الحج، باب الحج والاعتمار عن الغير 6: 120 ح 3977 البيهقي الحج، باب من ليس له أن يحج عن غيره 4:336.
قال المصنف (1) -رحمه الله تعالى-: هو كما قال لكن يقوى المرفوع لأنه عن غير رجاله، وقد رواه الإسماعيلي في معجمه من طريق أخرى عن أبي الزبير عن جابر، وفي إسنادها من يحتاج إلى النظر في حاله، ويلخص من هذا صحة الحديث، وتوقف بعضهم عن تصحيحه من حيث إنه رواه قتادة عن عَزْرَة عن سعيد بن جبير، ولم يصرح بسماعه من عَزْرة، وهو مدلس (2)، وعَزْرة هذا هو ابن عبد الرحمن كوفي، ويقال ابن يحيى، وثقه يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما، وروى له مسلم (3).
وقال الشافعي: حدثنا سفيان عن أيوب عن أبي قلابة قال سمع ابن عباس رجلًا يلبي عن شبرمة
…
الحديث.
قال ابن المغلس: أبو قلابة لم يسمع من ابن عباس (4).
واستبعد صاحب الإمام تعدد القصة مع أن السياق واحد، وزعم ابن باطيش أن اسم الملبي نبيشة، وهو وهم، فإن اسم الملبي عنه فيما زعم الحسن بن عمارة، وخالفه الناس فيه فقالوا: إنه شبرمة، وقد قيل: إن الحسن بن عمارة رجع عن ذلك، وقد بينه الدارقطني (5) في السنن.
الحديث فيه دلالة علي أنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه إذ أمره له صلى الله عليه وسلم أن يجعلها عن نفسه بعد أن قد كان لبى عن
(1) التلخيص 2: 238.
(2)
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، صاحب أنس بن مالك رضي الله عنه، كان حافظ عصره، وهو مشهور بالتدليس وصفه به النسائي وغيره، وأورده بن حجر في الطبقة الثالثة من المدلسين في كتابه "طبقات المدلسين" ص 67.
(3)
هو عَزْرَة بن عبد الرحمن بن زرارة الخزاعي الكوفي الأعور شيخ لقتادة بن دعامة. وثقه ابن حجر وغيره (تقريب التهذيب 2: 20 - 173).
(4)
انظر: تهذيب الكمال للمزي 2: 684 (المخطوط).
(5)
سنن الدارقطني 2: 269.
شبرمة دليل على أن النية لا تنعقد لأنه لو كان ينعقد لوجب عليه المضي فيه، وظاهر الحديث أنه لا يصح مطلقًا سواء كان يجب عليه الحج للاستطاعة أولًا وإن كان قد يقال: إنه قد صار بعد وصوله في حكم المستطيع، وقد ذهب إلى هذا الناصر والشافعي إلا أن الشافعي يقول: إذا حج عن غيره انقلب الحج عن نفسه كذا ذكره ابن رشد، وذهب الهادي والقاسم إلى أنه إن كان واجبًا عليه الحج لم يصح منه الإحرام عن غيره وإن كان غير واجب صح منه لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يلبي بالحج عن نبيشة، بنون مضمومة ثم باء موحدة مفتوحة ثم مثناة من تحت ساكنة ثم شين معجمة ثم هاء تأنيث فقال:"أيها الملبي عن نبيشة أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: فهذه عن نبيشة وحج عن نفسك"(1) رواه في الشفا.
ففي هذا دلالة على أنه يصح أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، (أولكن الاحتجاج بهذا لا يتم على التفصيل إذ ظاهره الصحة مطلقًا فإن أمره له أن يحج عن نفسه بعده دلالة على أنه فهم منه وجوبه عليه، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ولكنه يجاب على هذا بأن حديث شبرمة أصح فقد عرفت طرقه.
وهذا الحديث رواه الدارقطني موافقًا لحديث شبرمة أ) كما عرفت فهو مضطرب مع أنه غير مشهور فالرجوع إلى حديث شبرمة أولى.
559 -
وعنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إِن الله كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: لو قلتها لوجبت، الحج مرة فما زاد فهو تطوع" رواه الخمسة غير
(أ - أ) سقط في هـ.
_________
(1)
سنن الدارقطني 2: 268 (147).
الترمذي (1)، وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة (2).
رواه أحمد بهذا اللفظ وزيادة بعد قوله: "لوجبت ولو وجبت لم تعموا بها" ولفظ مسلم: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يأيها الناس قد فرض الله الج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال: لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذرونى ما تركتكم
…
" الحديث. ورواه النسائي ولفظه: "ولو وجبت ما قمتم بها" (3).
وله شاهد من حديث أنس في ابن ماجه ولفظه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُتب عليكم الحج، فقيل: يا رسول الله في كل عام؟ فقال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها ولو لم تقوموا بها عذبتم" ورجاله ثقات (4). وروى الحاكم والترمذي له شاهدًا من حديث علي وسنده منقطع ولفظه قال: "لما نزلت هذه الآية {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} قالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت، ثم قالوا أفي كل عام؟ قال: لا ولو قلت نعم لوجبت"(5).
قوله: "أفي (أ) كل عام" معناه أيتكرر وجوبه على المكلف في كل عام، وقوله:"لوجبت" قد يستدل به على أنه يجوز التفويض للنبي -
(أ) هـ، ي:(أَوَفي).
_________
(1)
أبو داود المناسك، باب فرض الحج 2: 344 ح 1721، النسائي المناسك، باب وجوب الحج 5: 111 (بنحوه)، ابن ماجه المناسك، باب فرض الحج 2: 963 ح 2886 (بنحوه)، أحمد 1:255.
(2)
مسلم في الحج، باب فرض الحج مرة في العمر 2: 975 ح 412 - 1337.
(3)
النسائي المناسك، باب وجوب الحج 5:110.
(4)
ابن ماجه المناسك، باب فرض الحج 2: 963 ح 2885.
(5)
الترمذي الحج، باب ما جاء كم فرض الحج 3: 178 ح 814، الحاكم 2: 293 - 294.
- صلى الله عليه وسلم في شرع الأحكام (*)، وقد ذهب إليه ابن السمعاني، وهو أحد قولي الشافعي، قالوا: وهو مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال الإمام يحيى: إنه يجوز للنبي وللمجتهد دون غيرهما، وتوقف في وقوعه وذهب موسى بن عمران من المعتزلة إلى جوازه، ووقوعه مطلقًا في حق النبي وغيره وظاهره ولو غير مجتهد، وذهب الجمهور من متأخري الحنفية والشافعية وغيرهم إلى جوازه عقلًا ولكنه لم يقع، وتردد الشافعي فقيل في الجواز وقيل في الوقوع، والذي عليه الجمهور من العلماء أنه لا يجوز من الله أن يفوض إلى أحد شرع الأحكام كيف يشاء بما اتفق، قالوا: لأن الأحكام الشرعية إنما شرعت لمصالح العباد ولا يستمد من أحد اختيار الصلاح، وإدراكه علي جهة الاتفاق، وتأولوا ما أوهم ذلك مثل هذا الحديث، ومثل قوله "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" (1) ومثل قوله تعالى:{إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} (2) ومثل قوله في حديث العباس "إلا الإذخر" فقال: "إلا الإذخر"(3) فإن ذلك متأول، فمثل الآية محمول على الاجتهاد بدليل ظني، ومثل "إلا الإذخر" قاله العباس وقد كان فهم التخصيص فقرره النبي صلى الله عليه وسلم ومثل حديث السواك والحج أنه قد كان خير صلى الله عليه وسلم بين أن يأمر بالسواك، وأن لا يأمر وبين أن يوجب الحج، في كل عام أولًا أو أنه أراد أنه يقول ذلك بوحي (أ) لأنه لا ينطق عن الهوى، والله أعلم.
خاتمة: اشتمل هذا الباب على أحد عشر حديثًا.
(أ) هـ: (ذلك لأنه وحي
…
).
_________
(*) يوجد هامش ي يقول: فائدة في اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم.
(1)
الحديث تقدم.
(2)
سورة آل عمران الآية 93.
(3)
سيأتي.